eKtab
EN ع
عرش معشق
اقرأ عينة مجانية

عرش معشق

بقلم ربيعة جلطي

صفحة 1

مفتاح

لو كان بَرْنوسُ الليلِ

أوسعَ قليلا..

لتدثّر النهارُ به أيضاً..

ونام!!

صفحة 2

1

هكذا بدأ الأمر وجئت.. غصبا عني جئت. أتدري أنهم سلّوني من قوقعتي مرغمة، كما يفعل الطائر بحلزون يزحف هادئا متنسكا داخل قوقعته، يواصل رحلته الأبدية لا يسبب ضررا لأحد، مسالما باحثا عن قوت يومه مثل بقية الخلق. تبرق عين الطائر تراقبه من علياء شجرة أو من فوق سور ما أو من تحليق منخفض مهددٍ. الطائر فيزيائي ورياضي وكيميائي كبير، لا يخطئ حساب المسافة ولا قوة دفع الجناح.

يهوي عليه، يلتقطه من طرف شفة القوقعة، يضرب سقفها الهش بأديم الأرض ضربات عدة

طق طق طق..

يكفي الأمر به لتشج جداره، وتهشم قوقعته الحلزونية، فيجد نفسه في العراء. ثم يقاوم الدوخة معلقا بطرف منقار الطير في الهواء.وهو يحكم عضة منقاره على جسمه الطري، عاريا، مستسلما، يعرف أنه يعلو نحو ملكوت الموت.

مثلما حدث لي تماما، بقيت قوقعة الحلزون المسكين خالية منه، مكسورة الخاطر، ترنو لساكنها سيء الحظ، الذي لم يكن في المكان المناسب ولا في الوقت المناسب.وهو يترنح في الفضاء ليغيب مع ظل الطائر في غيهب المجهول.

أنا أيضا مرغمة جئت، كسروا قوقعتي اللينة فوق ظهري، فوجدت نفسي في العراء:

- الراس الراس.. آيّاّ آيّا..ها هو..ها هو الراس بين يدي.. زيدي زيدي ادفعي شوية.

يصيح صوت القابلة المتهدج، بينما أصابعها الخشنة تطبق على مؤخرة رأسي، تحاول أن تجذبني إليها وأنا أقاوم بكل ما أوتيت من جهد. يشتد ضجيج مهول في الخارج، يهز طبلة أذني البكريين، صراخ وجع أمي وهي تجمع قواها كي تلفظني بعيدا عن سكني فيها.

- هكذا إذن.. حتى أنت يا أمي..!!

صفحة 3

كنت في حالة لا أحسد عليها.. إنه أول اعتداء على حريتي. الأمر لا يطمئن البتة.ولا يبدو أنه الاعتداء الأخير.

نعم..إنه أول اعتداء عليك وأول تطويع وأول كبح وأول ترويض. وأول تنبيه لك أنك لست مليك أمرك، وتحذير لك لتعلم أن الأشياء غالبا ما تأتي عكس هواك.وأنك مجبر على الطأطأة والرضا والتقبل. تأتي الأمور من حيث لا تدري ولا تنتظر، وما عليك إلا الخضوع والطاعة.. ولا تركب رأسك أبدا فذلك على كل حال إن لم يكسره لك فلن يفيدك في شيء..

عزائي الوحيد - وإن كنت قد قُهرت، وجُرجرت، وغُلبت على أمري- أنني قاومت. نعم قاومت بكل قواي.فلم أجبن، ولم أذعن لأول دفعة تطردني نحو الخارج..قاومت بكل عزم تلك الطلقات الشريرة التي كانت تكور بجسمي وتدفعه مثل شيء تافه، غير مرغوب في مكوثه. شيء لا أهلا ولا سهلا به.

كنت أتشبث بما أجده في طريقي المنحدرة، المدوخة، الخانقة، لكن -والله غالب- الممر السحيق الأملس المبلل يجعلني أنـزلق ثم أتدحرج كأنني أهوي في فج عميق..!

لماذا؟لماذا هكذا يفعل بالناس؟

- بربكم..إذا كانت البداية على هذا الشكل المرعب، فكيف سيكون الذي سيأتي لاحقا يا ترى؟

جميلة كانت حياتي وهنيئة، قبل أن تباغتني تلك الهزة القوية المزلزلة التي لم أعرف مثلها من قبل. لم تشبه الارتجاجات السابقة المؤقتة التي كانت تزعج سكينتي أحيانا، فتعصرني، مما يضطرني للتقلب في مياهي، واستعادة توازني فيها.

فإذا كنت قد تعودت على تلك الهزات البسيطة، حتى لم أعد أعيرها انتباها، فإن الأمر مختلف هذه المرة.

إنه الهلع.. شعرت وكأن عالمي المائي الجميل الحنون يتهاوى، يجف تحتي وفوقي..

صفحة 4

صار كل ما حولي ينقبض ويتقلص بعنف، وكأنه يريد أن يجتثني، أن يرمي بـي إلى حيث لا أدري..حاولت التعلق بحبل السرة، لكنه فلت من بين أصابعي، هو أيضا كان مشدودا ومراوغا..

دون لأْيِ حاولت التشبث بشيء ما، لكن كل ما يحيط بـي كان لزجا، منـزلقا، هاربا تحتي وفوقي..

كم يتملك قلبـي الرعب حين تعود الانقباضات من جديد على أشدها، بعد أن تبدو وقد هدأت قليلا، بعد أن دفعت بجسدي مسافة أخرى أبعد، فأشعر أنني فقدت مساحة جديدة على أرض معركتي..

الأمل لا يفتأ يراودني حين تسترخي من جديد. أطمئن نفسي الهلعة

- لا عليكِ.. ربما سيهدأ هذا الأمر المريع كله، سأرجع مثل سابق العهد سالمة معافاة، وأرتاح إلى هدوئي وسكينتي..وأعود إلى عاداتي الجميلة وحياتي الوديعة.

إلا أن حلمي هذا لا يلبث أن يتبدد، حين تستجد سلسلة ارتجاجات أخرى وانقباضات عنيفة متتالية تدفع بـي أبعد بلا تقدير، ولا حتى رحمة، نحو المخرج المجهول..

أصبح الأمر مزعجا حقا وخطيرا..

أضحيت حينئذ أسمع صراخا في الخارج ما انفك يقترب ويشتد. صراخ حاد مزلزل لم أعهده، زاد من هلعي وارتباكي..

كان رأسي محصورا في ممر لزج فيه مطبات غريبة..مطبات لينة تمسح جسدي كله أحيانا، أو تعصره أحيانا أخرى، معترضة أنفي وشفتي وذقني وجسمي..

وبينما أنا أحشر بهذا السرداب المظلم الضيق الغريب، لم يعد شيء يقدر أن يطمئنني أو يهدئ من روعي. لم أعد أعِدُ نفسي بالآمال الكاذبة.. تبخرت.. يبدو أن لا شيء سيمر على ما يرام.. لا شيء من هذا يحدث

الانقباضات تزداد قوة وعددا وزمنا، وصوت الصراخ الجريح يزداد ارتفاعا وحدة في الخارج..

صفحة 5

تساءلت:

- مالذي يُحدِث هكذا جلبة.. هل من هم في الخارج مثلي أيضا.. ليسوا بخير ويرفضون ما يحدث لهم، هل يعنيهم ما أحياه اللحظة.؟

حاولت ان أجرب حظي فأصرخ مثلهم، لكنني عدلت عن فكرة مستحيلة التحقق.. رأسي المقلوب المحصور في الممر الضيق يندفع إلى الأسفل، ويجر بقية جسمي إلى الخلف.

لفني حزن عميق وأنا أكاد أتأكد ما بين اللحظة المنصرمة والتي تليها، أنني تاركة عالمي الجميل الهادئ هذا نهائيا لا محالة وإلى غير رجعة.

- ما الذي أخطأت فيه يا ترى.. ما هو ذنبـي؟؟

لم أسئ لأحد بشيء، ولم أرتكب جرما يُذكر.. ولا أتذكر أنني قمت بعمل يسيء لهذا الخارج المجهول الذي يجتاحني، وكأنه يريد قصاصا مني لسبب لا أدريه.

- يا للظلم!.

لماذا ينـزلونني من جنتي، كيف يعتدى عليّ هكذا.. وماذا علي أن أفعل كي يصدقوا أنني بريئة من كل ما يعرضني للعقاب..

ما الذي بوسعي فعله لأوقف هذه المهزلة فورا وأهدأ إلى عالمي المائي الرخو الوديع البديع..

بينما كان رأسي يزداد حشرا في نهاية الممر الأسود اللزج الغريب كان قلبـي، غاضبا تتسارع دقاته، وأزداد حزنا وشعورا بالضعف، وقلة الحيلة، والضيم من كل ما أتعرض له من ظلم.

- الراس الراس..ها هو..ها هو الراس بين يدي.. زيدي زيدي ادفعي شوية.. يا اللللله يا الللللله..!!

الصوت المتحشرج نفسه، والصراخ مازال يتعالى جريحا في الخارج، يزداد حدة كلما اقترب رأسي شيئا فشيئا من مصدره.

آه..كنت أنـزلق بعيدا عما كان ملكي ومملكتي، نحو مجهول لا أريده.

صفحة 6

تراودني أحاسيس غريبة ومتناقضة، بينما كانت السوائل اللزجة ذات الروائح المختلفة تعلق بجسدي..

أليس من الحمق أن أظل أتمسك ببارقة أمل لا تلبث أن تزداد ضآلة، فيتلاشى مرامي ومبتغاي بالرجوع إلى أرضي وسكينتي وعالمي الدافئ على وقع الموجات القوية الدافعة لي من الداخل بإصرار وبلا هدنة تدحرجني نحو الأسفل من جهة، ونحو الجلبة الكبيرة التي يحدثها هؤلاء في الخارج الذين يصرون على اجتثاتي من جهة أخرى.

لم أطق محاولة جرّي من رأسي والقبض علي وسحبـي مثل أي سارق بائس.

سوف أقاوم وسأتلكأ حتى آخر جهد من طاقتي.

هل هي آخر مقاومة أم أول درس في ممارستها الفعلية التي سأجبل عليه بقية الأيام القادمة.

- لن أترككم أيها السفلة تخرجونني هكذا بسهولة.مالذي يسيؤكم لو تركتموني وشأني.؟!

وكانت اللحظة الحاسمة آه من تلك اللحظة.. أول مذاق للخيبة والانكسار والهزيمة..لحظة الطرد من الجنة.

- ما هذا؟..بنت..؟!

قالت القابلة بصوتها المقعر..كأنها تطرح سؤالا استنكاريا يضع وجودي كله في ميزان الشك.

كأن القابلة تشك في كينونتي أو تستهزئ بها.كأنها غاضبة أو ساخرة..

كأنها تقول:

- هل يعقل أن تتوالى تفاصيل المراحل المُرة القاسية جميعها تلك، في هذه الولادة العسيرة الصعبة فتتمخض في نهاية أمرها عن.. بنت؟

- بنت؟؟؟؟!!!!

صفحة 7

وهي ترفعني من قدمي من منبت الساقين بالضبط.. أصابعها الخشنة تطوق كاحلي بشدة، شعرت بالدوخة، كنت أترنح في الهواء في لا توازن غريب، لم أميز فيه الفوق من التحت.وحين توالت ضربات كفها على أسفل ظهري عدة مرات، بلغ مني الغضب أقصاه وبلغ السيل الزبى، فصرخت فيها بحدة، فتوقفت عن ضرب مؤخرتي. كانت أول صرخة احتجاج في عمري..ولأول مرة أدرك ان لي صوتا يدرأ عني الغبن، سمعته، كان يخترق ما حولي.

بالله عليك، كيف لك ألا تغضب، ولا يشتد حنقك، وقد أُخرجتَ من جنتك، واجتُثثت من أول منـزل لك هادئ ومحايد، وقُذِف بك إلى عالم لم تختره، ثم تُقلب رأسا على عقب وأنت تترنح في الهواء، ثم تضرب على مؤخرتك..

كيف لا تغضب ولا تصرخ دفاعا عن كرامتك، وهذا أقل رد فعل يمكنك أن تحفظ به ماء وجهك..

نعم.. اكتشفت سلاح البكاء للتو. لكن الأمر ليس بالهين.

استباح الهواء اللعين حرمة صدري، ومزق بكارة رئتي..

سمعت صوت خشخشة الهواء وهو يحفر طريقه مخترقا ممرات الشعب الهوائية حتى الدقيقة منها، يغتصبها بعنف..يلج جزيئاتها ليملأها ويحتلها عنوة.

شعرت كأنني أغرق فبكيت..

كنت أنفث الهواء اللعين خارج صدري، أحاول أن أرده.أن أفرغ رئتي منه. إلا أنه يعود بعناد مرة أخرى ليملأها من جديد، متغلغلا فيها أكثر. كلما نفثته خارج رئتي، كلما أصر عائدا متغلغلا محتلا أعماق صدري.

لا يفتأ الهواء العنيد يصر على الدخول متغلغلا في رئتي.وأنا الأعند منه أصر على إخراجه للفور. ولن أسكت عن اغتصاب الهواء لرئتي ما دمت حية..

هكذا.. هي محنة الصراع بدأت من اللحظة الأولى..أنا والهواء في لعبة" بينغ بونغ"، يدخل فأخرجه، أخرجه فيدخل.. منذئذ وحتى اللحظة ونحن في صراع مستديم.

يا إلهي..ما هذا الشعور الغريب بالوحدة والضياع الذي يكتنفني.

لا يمكن الشعور بقيمة الأشياء قبل ضياعها منا.

وهل هذا هو أول الفقد.؟ كم أتحسر على فقدان منـزلي الأول.

- آه كم ألفته..اللعنة على الألفة.

صفحة 8

هانئا كان، ومرتاحة كنت.. مرتاحة والله.أستلقي بملء أطرافي مثل أميرة، أنام وأصحو كما يحلو لي، أحلم أحيانا، وأحيانا أخرى أصغي للعالم الخارجي وضجيجه المبهم، دون أن أهتم به كثيرا. فلم يكن يعنيني أمره.. أعوم في سائلي أتقلب وألعب وبأصابعي أمسك الحبل السري أنيسي، أو أداعبه بقدمي..أتقلب سابحة لاهية.. أفعل ذلك من باب البذخ. أتسلى بوقتي.. لا غير.

منذ زمن ليس بالبعيد كنت هناك.

أين مِنّي ذاك" الهناك "الهنيّ؟؟أستأنس فيه لسماع قلب أمي وأطمئن له، يدق فيهدهدني إيقاعه وكأنه طبل يدق عليه عملاق يسكن بمغارة محفورة في أعماق المحيطات.

دُم دُم.. دُم دُم..

أحيانا تتسارع الدقات وأحيانا أخرى تتباطأ. رقصات للجنون وأخرى للخوف وأخرى للتأمل. أصوات مبهمة كثيرة مختلفة، كنت أحدد كنهها مما تنقله لي أمي بأمانة من خوف وحزن وفرح..

آه كم أفتقد حياتي تلك. صراحة كانت أياما رائعة..أو ربما هكذا يبدأ الحنين إلى الماضي

.. إنه أول الماضي وليس آخره على الأرجح.

وكم يبدو الماضي من الزمن آسرا.

لم أتفطن إلى أن الزمن كان توأمي الودود وعدوي اللدود.. لم أنتبه أنه كان يغريني بمتعة اللحظة داخل الرحم، ويقربني بخبث من نهايتها..ويتبعني ويتعبني.. ليته ما كان. ليتني أقدر على الإفلات منه، أو قتله..

- اللعنة.. اللعنة!!

رمت بـي القابلة في الركن بعد أن لفتني بقماط محكم..

كانت قد قصت حبل السرة ثم ربطته بقوة وحزم.. أحسست بكراهية وحقد تجاهها.

- كيف لها أن تقص مصدر رزقي هذه الحمقاء الشريرة..من أباح لها ذاك.؟

هكذا جئت، ولم يستقبلني أحد..ولم أدر لماذا. ألِأنّ زمني هو زمن الوجع الجماعي لبلاد غارقة في حرب وإرهاب ونـزيف حاد وتساؤل، أم لأنهم كانوا منشغلين بأمي المسكينة التي لفظت أنفاسها وهي تضعني بعسر.؟

ثم لماذا يحتفلون بـي..ليسوا مجبرين على فعل ذلك على كل حال..

لعل حظي كان وافرا بحيث أنني نجوت فلم يرفسني أحد في لجة ما يحدث..

صفحة 9

في الحقيقة لم يكن حظي كبيرا ولاهم يحزنون..فبينما أنا أصرخ كي ينتبهوا إلي كانوا يصرخون أيضا. صراخهم الجماعي الجريح القوي يثقب الآذان، يغطي على صراخي.

كأنهم بصراخهم كانوا يحاولون طرد اللوعة من صدورهم بفقد ابنتهم أو يحاولون إيصال أصواتهم الغاضبة الجريحة لملكوت الله. وكنت بصراخي أحاول طرد اللوعة لفقد رحمها الدافئ.وأحتج على نفيي نحو هذا العالم العاري البارد الغريب..

لم أتوقف عن الصراخ بعد أن اكتشفت نعمة الصوت. ظاهرة الصوت شيء رائع، ماذا لو خلق الإنسان من دونه..سيكون العالم أكثر كآبة..

كيف للصوت أن يتجاوز جسدك فيعطيه أبعادا أخرى.لعله عضو أساسي. أعظم وأشرف عضو في الجسم، يتألم إذ تتألم ويفرح إذ تفرح.مالذي تساويه بقية الأعضاء دونه.

مالذي نساويه في هذا العالم الكبير الشاسع الذي نُقذف إليه عنوة لولا طبقات الصوت.. حتى من يولدون بُكما يملكون أصواتا..تخرج كما اتفق لتقول أشياء عميقة.

منذ الوهلة الأولى تشعر أن صوتك هو أول سلاح تشهره. تواجه به أوجاعك، ومن يتسبب في أوجاعك.

أنا بالذات، لم أدخر جهدا في استعماله نكاية في من سلب سكينتي، فلم أتوان عن التفنن في طبقاته وسلمه الموسيقي. بحيث أصعّده شيئا فشيئا، فيعلو وترتفع نبراته حادة قاصمة إلى أن تشبه فرملة قوية مفاجئة لسيارة ضخمة تتوقف على حافة منـزلق هاوية. ثم عنوة أشد على حبالي الصوتية بقوة ودفعة واحدة، فيختلط حابلها بنابلها مثل أداء موحد لمجموعة كمنجات غير المدوزنة، مزمجرة مزعجة.

إنه السبيل الوحيد لأعبر عن رفضي وعن غضبـي وعن ضعفي وإحساسي بالغبن والضياع والتحسر على عالمي الذي سُرق مني، فردوسي المفقود..

كم هو صعب أن تؤكد لك البرودة من حولك أنك فقدته فعلا وإلى الأبد. فلا أمل لك في الرجوع.لا أمل لك أبدا في التربع على عرشك في ذلك الرحم الهادئ، الظليل، الساكن، الحريري، اللين، الوديع، الدافئ. حيث لا يزعجك به أحد.

- يا لمملكتي الأندلسية المفقودة، سلطانتها كنت.. أنا أبكيها بمرارة.

فلا عجب إن أنا ما زلت أصرخ.. أصرخ..لأنني ما زلت غضبى.

ثم هدأت.

كان علي أن أفعل.. فبعد أخذ ورد أدركت أن الصراخ في الحياة قد لا يفيدك أحيانا في شيء، فإن لم تفقه شروطه فإنك ستصطدم حتما بمن سيعلي صراخَه فوق صراخك وهناك من سيعلو صراخُه فوق صراخكما معا، وصراخُهم فوق صراخِكم جميعا.. وهكذا دواليك. إلا أنه، حتما، وجُلَّما لا فكاك لك منه.

صفحة 10

لا أحد سأل عني.. منقبلة على ظهري، مثل سلحفاة سيئة الطالع، تحاول أن تتشبث أطرافها بشيء ما كي تعدل وضعها المقلوب دون جدوى.

كنت أرى السيقان الطويلة تخطو فوقي وتمر قلقة..

بدأت أحس بالجوع

القابلة الضخمة الشرسة أغلقت باب رزقي، عندما قصت حبل السرة وربطته دونما رحمة، فمن أين لي بقوتي اليومي بعد هذا؟

يدان حانيتان اقتربتا مني بغتة وحملتاني.. إنه جدي الحاج التقيّ، كان يبدو عليه الحزن العميق.. عيناه النديتان المتورمتان تؤكدان أن دمعا غزيرا سال منهما.. قربني من وجهه نظر إلي مليا. أجل.. أطال النظر.. ربما كان يبحث عن ابنته فيّ.. ربما كان يريد أن يقول شيئا ما، أن يفضي بما في قلبه، ولكنه لم يفعل. لعله ظن أن لا جدوى من ذلك.

- إنها وليدة ولن تفهم شيئا.. لا ذنب لها في ما يحدث.

قربني من وجهه كثيرا، ابتسمت له فابتسم لي بحيث غاب بؤبؤا عينيه البراقين بين ثنيات وتغضنات التجاعيد تحت نتوئي حاجبيه. ثم قبلني..

كم كان وسيما.. كم أحببت رائحته..كان أول رجل يقبلني.

حدهووم حدهووم هاكي البنت.

نادى بصوت عميق حزين النبرة.

"حدهم" هي خالتي. وأعلمكم أن لي خمس خالات، و"حدهم" الخامسة قبل أمي في سلسلة البنات الست اللواتي جئن الواحدة بعد الأخرى. وفي كل مرة كانت أمهن، جدتي لاحقا، تنتظر ولدا ذكرا يعمّر دارها، ويحمر وجهها أمام حماتها، ونساء إخوة زوجها اللواتي أنجبن ذكورا كثيرين..لكنها وبعد كل انتظار جديد لتسعة أشهر أخرى وأخرى، تنـزلق من أحشائها بنت في يوم عسير آخر كهذا. ثم لا تلبث أن تحمد الله على نعمته وتنتظر الفرج.

"حدهم" اسم ألصقه جدي على جبين ابنته الخامسة، أملا أن تكون "حدّا" لولادة البنات تبعا لعادة القديمة في التبرك بالأسماء. تيمنا وأملا من جدي أن تكون "حدهم" الحد الفاصل بين الإناث اللواتي ولدن له، والذكور الكثر القادمين. لعل وعسى يأتي بعدها مباشرة ولدٌ ذكرٌ، مرفوع بالتنوين الظاهر في وسطه. إلا أن السفن لم تجر رياحها بما يشتهي جدي الحاج التقي.ولم تكن خالتي حدهم مدخلا لسلسلة من الذكور.

دار حوار مقتضب بين جدي الحاج التقي وبين ابنته الخامسة خالتي "حدهم" أسرعت على إثره بجمع أشياء لها، ثم وضعتني في قفة حمراء براقة، وغطتني بعناية، وانطلقت بـي إلى بيتها.