eKtab
EN ع
عشرون
اقرأ عينة مجانية

عشرون

بقلم دنيا كمال مجذوب

صفحة 1
- مقدمة -
 
نثر شاعريّ أم شعر منثور
 
 
 
    قرأت هذه المجموعة وهي الإبداع الأول لشاعرة ناشئة تجيد اختيار الكلمات بصورة شفّافة وليس يهمّها القالب الشعري بمقدار ما يهمها المضمون. لم أجد شعًرا كلاسيكيا على طريقة بحور الخليل بن احمد بل وجدت هنا نثرًا فيه شيء من الشاعرية يميل إلى  رومانسية الكلمة الممزوجة بوجدانية مراهقة! فالكاتبة الشاعرة تدرس في إحدى الجامعات ولما كانت في هذه السنّ أي مطلع العشرينات فإن رومانسيتها تغلب على كل ما تكتب.
 
    هذا الديوان المحاولة الأولى, هو تصوير لمشاعر فتاة مراهقة تعيش لحظات حبّ ٍ حقيقيٍّ ولكن دون الخروج عن المقبول في المجتمع الذّكوريّ الكابت لكل المشاعر لدى فتياتنا العربيات. فالقارئ لقصائد دنيا سوف يلمس تحفّظها الشديد من الحديث عن أية علاقة حبِّ تتجاوز لمسة اليد إلى ما هو أعمق من ذلك!
 
    هذا العشق المكبوت يتردد على طول أكثر من ثمانين صفحة حاولت فيها شاعرتنا أن تسكب عواطفها حبرًا على الورق فنشعر أنها تذوب رقّة وإحساسًا في وصف علاقتها مع فتى أحلامها.
 
    إنها تدخل في التفاصيل الصغيرة, الصغيرة جدًّا حتى أنها تكاد تقنعك بصدق كلماتها! فالحبيب الذي تتحدث عنه لا علاقة مباشرة له معها فهو كما تقول في (ص-39):
 
   "أعرف أنه هنا/ الطيور أخبرتني/ والأزهار لوّحت لي/ بوقع أقدامه/" 
 
وتضيف مؤكدة:
 
   " لا يعرفني/ ولا أعرفه/ لكني أعلم عنه أشياء كثيرة/ أعلم تقريبا كل شيء عنه/ دون أن يخبرني أحد بها/ دون أن أراها/ أو ألحظها/".
 
وعندما يبلغ العشق فيها مداه ولا تستطيع كبت مشاعرها بعد, تعلن وبصراحة متناهية أنها: 
 
   "أخذت حبك وحدك/ ولو جابه كل قانون/ كل الحنان والرأفة لقلبك الأخضر.. بل  لكلّك/ أحبك مع القانون/ أحبك ضدّ القانون" (ص-101).
 
القانون هنا هو القيود الاجتماعية والعادات التي تحرم الفتاة من حريّة التصرف إلا ضمن المسموح به. فلماذا هذه الثورة فجأة؟! الجواب هنا بسيط وهي تردده قانعة بقولها "ما أصعب أن ننتظر!" (ص-114)
 
"ما أصعب أن ننتظر/ بحرقة.. بحنين..البدر كي يكتمل.. 
 
أتوه بين الشوارع المظلمة/ وأتوق للبعيد.. عن قرب.. أن يتصل! /أن يصل!"
 
   أما في قصيدتها "طرق بابي" فقد وجدت لغة جميلة ومضمونًا مميّزًا, فهي في هذه القصيدة (ص-45) تقف إزاء المرآة تمسّد شعرها بيديها وتسمع طرقات على الباب وتتساءل تساؤل العارف هل حبيب القلب بالباب؟! وهل سيأتي؟! كانت تريد خداعه وأنه لن يأتي! ولكن لما ورد السؤال: "من الطارق؟" أجاب بأنه هو فقد أصابتها رعشة شديدة حار منها وجدانها واضطربت حتى كادت تهرب من المقابلة, إلا أنها تهرب منه إليه تحييه وكان بودها أن تسأله: لماذا أتى؟!
صفحة 2
لنستمع إليها تقول: "كنت أحاول إقناع حدسي.. / وكنتَ أنتَ/ اشتدت الرعشة في جسدي/.. حار الوجدان في صدري/ 
 
غابت الخلايا عن وعيي/ وتاه الطريق في بيتي/ اضطربت.. وددت الهروب/ فرأيتني أهرب منك/ إليك أحييك/ وكلي حذر! / قل لي بالله عليك.. / لماذا أتيت؟.
 
هذه الشفافية في وصف مشاعرها تشير إلى أنها تعيش مراهقة جميلة طبيعية تمارسها كل فتاة في سنّ دنيا! 
 
هذا التوجه يحيّز كل صفحات هذا الديوان حتى نهايته وذلك عندما تصرّح بشكل واضح وصريح أنها ولدت طفلة عاشقة بالفطرة!
 
القارئ لهذه القصيدة في (ص-88) سيعتقد أنها عاشقة لحبيب القلب إلا أن هذا القارئ سيكتشف في آخر شطر من القصيدة أن عشقها الفطريّ هذا هو للوطن ولأرض الوطن!
 
وينتهي بها المطاف إلى لا شيء! فالحبيب ما زال يزورها في بيت أهلها ولكن دون أي تصريح بحبّ لها ويظل السؤال المحير يطرح نفسه عليها: متى؟ متى ستصل آخر الطريق التي طالت وطالت ولم تصل إلى نهايتها بعد!!
 
 
 
أعتقد أيتها الشاعرة الناشئة أن هذا الديوان جدير بالطباعة لما فيه من رقّة ووصف صادق للمشاعر ولغة جيّدة لا تعقيد فيها!
 
انه ديوان الشعر المنثور أو النثر الشعريّ كما ذكرت في البداية. 
 
 
 
القسم الثاني من هذه المجموعة به قفزة نوعيّة بمستوى القصص الواردة فيه وبمستوى مضامين الخواطر والحوارات التي تدور بين المؤلفة من جهة وبين مجموعة من الشخوص حيث تسهب في محادثة كلّ منهم بشكل مكثف أحيانًا وسطحيّ أحيانا أخرى وحتى بدون أفكار جديدة.
 
من يناقش قضايا الساعة لا بدّ إلا أن يختلف مع الآخرين في وجهات نظرهم إزاء إبداعه.
 
 
 
نذكر جميعنا قصة الأمريكيّ الذي قدم لزيارة صديقه في مقبرة نيويورك.. وعند مدخل المقبرة التقى بشاب صيني يحمل كيسًا من الأرز. استغرب الأمريكيّ الذي كان يحمل باقة وردٍ ليضعها على قبر صديقه.
 
سارع الأمريكيّ بالدخول, صلّى على ضريح صديقه, وضع باقة الورد من يده وأسرع نحو بوابة المقبرة ينتظر الشاب الصينيّ, أما الصينيّ فوصل إلى قبر صديقه, صلّى ووضع كيس الأرزّ على القبر, وعند مدخل المقبرة كان الأمريكيّ بانتظاره وسأله: متى سيقوم صاحبك ليأكل الأرزات؟!
 
أجاب الصينيّ بكل ثقة: عندما يقوم صاحبك ليشمّ الوردات! 
 
فمن منهما كان على صواب ومن منهما كان على خطأ!
 
نحن نناقش المضامين أحيانا ولا نهمل التفاصيل الدقيقة والمستويات الفنية وغيرها عندما نقرأ! فمن منا على حق إذا هاجمنا أو مدحنا كلمة لهذا المبدع أو لذاك؟
 
مع ذلك فإن هذا الجزء فيه الكثير من النضوج والوعي الفكريّ, الاجتماعي وحتى الوطنيّ.
 
وفوق كل شيء هناك بعض القصص الناجحة جدًّا والتي بهرتني بكثافة لغتها وعدم الإكثار من اللغو فيها.
 
أهنئك وأحييك وأتمنّى لك إبداعا أكثر روعة في المستقبل لأن لديك خامةً ممتازة للإبداع فاستغلّي ذلك أحسن استغلال! 
 
لكِ الحياة!
 
30 أيار من عام 2010                                                           د.بطرس دلّة- كفرياسيف 
صفحة 3
غريب
 
 
 
لم يتكلّم.. 
 
وأنا.. لم أكن أعرف عنه شيئًا
 
كان يتحدث من بعيد.. وحين أكون بينهم.. 
 
يبقى صامتًا.. مطأطئا 
 
لكنّه.. ذات يوم! 
 
بقي صامتًا,, على غيرِ عادتِهِ! 
 
 
 
كان ذلك بصمته الغريب!.. 
 
حيث أدركت بعد ذلك..
 
أنه كان يكلّمني!.. 
 
 
 
أفزعني.. 
 
حين داهم انتباهي 
 
فأراه قد ندم سريعًا في هروبه.. 
 
حاول العبث بهوّيته
 
ربما أراد بذلك كله أن ينزع الصمت 
 
أن يحكي.. أن يثبت حضوره
 
أراد منّي أن أغير نظرتي تجاهه.. 
 
أن أقلب كل تحليل! 
 
أن أتقبّله..
صفحة 4
ذلك اليوم.. 
 
فاجأني.. حين تقدّم كخاطفٍ! 
 
شدّ ذراعي 
 
كان قد رفع نظره إليّ 
 
ابتسم بخوفٍ!.. 
 
واختفى!
 
 
 
كانت نظرتي المفاجئة كفيلة.. 
 
أن يوقن.. طرقه للعنوان 
 
الخاطئ!.. 
 
أن تعيده أرضًا! 
 
أن يفهم فشل أسلوبه.. واحتراق رسالته 
 
إني لا أسرق من عالمي الخاصّ,
 
بجذب الذراع.. 
 
ولا بطوي الأهداب.. أو ميل الابتسامات.. 
 
 
 
21-4-2007   15:20
صفحة 5
خطوات الدهر
 
نَجَحَتْ كلمة المستقبل في إثارة ضجةٍ غريبة الدَويِّ داخلَ رأسي، لتنْسَلَّ مُعْديةً اليراع، مُريبةً التردُدَ في أنابيبهِ الرصاصيّة. لكن هناك كلمة سبقتْها في الحروف والأوان: الطفولة.
 
هاتان الدرّتان وهبتهُما فِطرَةُ الخليقة لنا.. لا سبيلَ دونَهُما يُسلَكُ. نقطتان علّمتا بأزرارٍ كبيرة خارطةَ حياتنا.. بوصلة مشوارنا. 
 
سكنتْ الطفولة متحفًا في عقل كلٍّ منا، كلّ خطوة جديدة نخطوها تؤثثُ هذا المتحف بغرض جديد.. ترسم له أثرَا مختومًا، ليفتحَ آفاقهُ في المستقبل. شخصيتنا تُبنى منذ تلك اللحظات، منذ تربَيْنا على أيدي والدينا.. على المحبة والوفاق.
 
الطفولة و المستقبل، كلمتان ضخمتان رغم صغر الأولى، ولو أنها أساس الهوية وعنوان الأخلاق. ثلاثُ كلمات وحرف تفسير للطفولة: ذكريات تحكمنا عن بعد!.. والبعد هنا، مرور الأيام والسنون. كلّ حدثٍ.. كلّ منبع من تصرفاتنا، تتحكم فيه طفولتنا.. تكون هي المسؤولة عمّا نحن عليه اليوم. تلك البذرة التي زُرعَتْ في تربة الكون، بذرة نقيّة طاهرة نديّة. والأطفال ثمرة آبائهم، وأفنان بيئَتِهِم، مجهولةٌ جودتها...الأمر متعلق  بنقاء ما نسقي..
 
كيف نحرص أن لا تنمو هذه الزهرة مائلة إلى الأرض؟ .. أو ألا يصيبها الجفاف؟.. فلا تلبثُ شموخًا وإلا أرضًا تهوي يقتلها الردى.
 
لا تُتلفُ تلك الأرواح الصغيرة سوى العكرة من المياه.. ما تتشربه جذورها من أصوات ولمسات.. عن تصدّي الأشعة الدافئة من تقبيل خدّيها الأسيلين. فبدلا من أن تسطع هذه اليانعةُ، من بين الأعشاب، تشهقُ مُداعبةً أوراق النخيل سماءً، تختبئ في التراب بين الأشواك والأعشاب التالفة. لم لا يكون طريق الشرف الأثيل، طريقَ كلِّ ثمرة ستُزهرُ يومًا ما.. كلهم سيُزهرون، لكن يبقى السؤال : أين سيُزهرون؟ في أي صراط؟  ماذا اختار هذا الشاب لحياته، لمستقبله ؟ ماذا حَوَتْ جُعبةُ تفكيره؟ أي دراهم حكمة نمت في عقله ؟ 
 
    ذات فجرٍ, يتزاحم إلى مسامع القلقين بلهفة، صوت مولودٍ جديد، يشقّ صراخه جدران الدنيا، فيبتهج قلب والده فرحًا.. مولود جديد.
 
يبكي المولود لنسمات الهواء التي جعلتْ تشُقُّ أنفه وصدره.. يبكي، لوطأة قدميه دنيا الأرض. ولعلّ ملاكه الصغير همس له عن مكانه.. عن العالم الذي حواهُ, والذي كُتبَ على بابه الشقاء قبل الهناء. “فلو لم تكن الحياة صعبة، لما ولدنا من بطون أمهاتنا نبكي”! و "إنّا خلَقنا الانسان في كَبَد"  صدق الله العظيم.
 
    يسأل الإنسان يراعه: كيف نجعل أوراق الشــرف تطغى محيطَ أطفالنا ومستقبلهم؟ 
 
يكتب اليراع: أيها الإنسان، ليس بمقدورك إبقاء الأوراق معلقةً في الهواء.. إنما- على الأقل- بمقدورك أن تصنع الهواء ! 
 
فيسأل الإنسان مشدوهًا: وكيف أصنع الهواء؟ 
 
يجيبه اليراع: تكفي زفرة من فمـكَ لتساعد الورقة على الطيران.. ولكن ليس حتى لدقائق! , فهي ما تلبث أن تتأرجح أرضًا .. لتلامس التراب, بعد أن كانت معلقة على الشجرة بعزّة. 
 
متى ما سقطت الورقة عن خريف شجرتها.. لن تعود. 
 
أنتم البشر تتعثرون كثيرًا بحجارة الحياة والتجارب، لا تنصاعون لأوامر التريّث والانتباه.. أغوتكم سرعة الطريق والنجاح السريع. فمتى ما وقع الإنسان، لن يقف مجددًا.. وان وقف، فسيكون الدهر قد قوّس هامته بآثار الشيب والهرم.. وبعض آلام قديمة.
 
“الحياة مليئة بالحجارة.. لا تتعثر بها.. بل اجمعها وابنِ سلّمًا تصعد به نحو النجاح.. نحو المستقبل”
صفحة 6
يجدد اليراع مِداده ويكمل حديثه مع الإنسان: كلكم ترسمون كلمة المستقبل على أنها قمة تعلو طريقكم الطويل.. قمة خضراء شاسعة.. فتمشون على غير هدى  وأعينكم إلى أعلى، إلى القمة، لذلك.. كان الوصول صعبًا.. فلا تنتبهون لخطواتكم، وتخطئون الطريق الصحيح لتعلوها، ولكن الأمر لم يخلُ من الواصلين بسلام.. 
 
الواصلون بشرف وعزّة، يسيرون في ركاب الغمام مرفوعي الجباه..
 
فهنيئًا لهم..
 
   كل رحلة تحتاج زادًا.. زادًا مفيدًا يساعد على مشقة الطريق.. سأنصحك أيها الإنسان، إن كان مطلبك أن تغطّي أوراق الشرف أطفالك، بدل أن تزفر نفسًا يُطيِّر الورقة حول ابنك مؤقتًا.. لتقع أرضًا.. لماذا لا تسعى للحفاظ عليها معلقةً على أفنان شجرتها؟ 
 
يسأل الإنسان بلهفة: وكيف ذلك يا يراعي؟ 
 
يشيح اليراع بوجهه، يمسك بورقةٍ كانت أرضًا، ويعيد النظر إلى الإنسان يمدُّ له يده بورقة على شفا الجفاف المنسيّ.
 
“ما هذا ؟” يسأل الإنسان. 
 
“هذه ورقة.. سقطت أرضًا وقد كتبت وصية نفسها على نفسها، بعد ندم. لعلّ إنسانا شريفًا يرفعها ويحضنها بكتابٍ عريق."  أجابه اليراع. 
 
يتناول الإنسان الورقة ويتلو ما كُتب: “إني ورقة أرهقَتها النفوس الكاذبة المخادعة.. أكلت نضارتها عروق السوء.. وسرقت بهجتها الجذور الشريرة الظالمة. كل هذا بسبب خريفي. فإلى من يحملني بين راحتيه الآن، اهديهِ هذه الكلمات: لا تسقِ ثمارك مياه الاتكال، وان أردت أن يشيّد أطفالك مستقبلا مُشرّفًا، ويكونوا رجالَ دهرِهِمْ.. فابنِ قاعدة هرَمِهِم بثبات الـثــقـة الشامخة. زيّن جيدهم بدُرَرِ المروءةِ، طيّبهُمْ بعبـــير المحبة، وازرع بأفئدتهم براعم الإيمان والأمل.
 
دثّرهُم بوشاح التواضع، ثبّت في أقدامهم جلاجل الإصرار والمثابرة.
 
لا تحاول أن تبني سرًا حِصنًا منيعًا.. فبذلك تكسر الكلمة الأولى وخوفك الزائد من زلاتهم يحوّل حصنك إلى سجن لهم. يحجبهم عن التعلم من هذه الزّلات. فتبقى في رغبتهم تذوق الخطأ.. ليدركوا الفرق بينه وبين الصواب. لكن، لا تتغاضى عنهم إن استمروا في الخطأ .. بل ازرع قليلاً من الشوك في الطرقات، لأن هناك العديد من الأخطاء لا ألم يوخز فاعله. 
 
لهذا لا تعي النفوس أن أقدامهم تغوص في الوحل الموحش. أنا ورقة يابسة، تبخرت المعالم من ملامحــي.. فبتُّ جاهلة من جديد، فلم لا تشعلون سراديب العقول المعتمة بشُعُلات العلم، كيف سأعانق يومًا جمجمة شفع العلم لعظامها الفاسدة.. ولأقول كيف حواكِ يوًما عقلٌ كفؤ عظيم!.. فلا تقربه وحشة الظلمات حتى لو كان في الظلام.”
 
ولو كان العلم حرفًا، أو نقطة في سطرٍ خالٍ، تنتظر صفحةً تُقلبُ. هذا ما يجعل الطفل رجلَ دهرهِ ومستقبله. 
 
    ما زالت حسرات الأمهات تنظر بطفلها شهم المروءة، وتأمل بان يكون الرجل المنتظر.. المحرر.
 
فيكفينا حبس كلمة الــوطــن في غرفة مظلمة مشبوهة.. أضيئوا تلك الغرفة.. دعونـــا نرى ملامح هذه الكلمة الحقيقية !! فقد اشتاق الزمان .. هذا الزمان، لآدميٍّ .. يحملُ معنى رجــل. فقد باتت هذه الكلمة عادةً تُطلقُ على الذكور.. ككلمة صباح الخير.. حتى لو كان الخير قد غاب عن ذاك الصباح! 
 
أين هو من يشمل الرجولة بصفاتها الحقيقية، التي تنشر فروع الاستقامة والرزانة. وتدغدغ روحه القوة وجسده. لا تدفنه ملذّات الدنيا الفانية بسهولة. أين يومنا وحاضرنا من هذا الرجل؟ من أولئك الرجال .. رجال التاريخ. مستقبلنا يقف على هذا الجيل، لكن للأسف، كثّفت الدنيا متاهاتها في الساعات الأخيرة، لِتُضِلَّ الشبابَ.. فأين بات المستقبل من هرم أولوياتهم؟ غطّى الغبار الكثيف أعينهم. لكن الفساد لطالما حفظ بِلُبِّـــهِ بعض النضج والنقاء وهذا الأمل.. ما زال متشبثّا بعقول وقلوب المصرّين على كسر الحواجز وعلى إغلاق متاهات دنياهم، ليضعوا حدًّا واحدًا أمامهم.. في مآقي مغلقة يسيرون.. بقلوب بصيرة ناظرة, بوعي منير. 
 
 يعبرون بها نارًا وأنهارًا لأجل حفظ الأمل المرصّع المتبقي في خواتم الساعة. فقد بدأ الجراد يحيك أثواب الافتقار لقيَمِنا.. 
 
منذ أجيال وفي سبات نحن.. فقد الإنسان قيم ذاته.. الكون ينزف.. ينزف بشدّة.. والخدر خنق أضلعنا  فأُغمينا عن الشعور.. لنفقد الإحساس بألم الدهر.. بألمنا.. 
 
لهذا، إن أعاد الإنسان سؤاله.. سأجيبه أنا !! 
 
إذا كان يا أخي الإنسان, قد افتقر الأسد لهيبته العظيمة، ولقيمته الخيلاءَ بين أخوته.. فما بال شبله الذي ينتظر رضاعة قيم مَثَلَهُ الأعلى وقد تساقط شيب لبدته.. 
 
كيف سيُسمعُه والده أغنية فقدت لحنها ؟! وكلمة أضاعت معناها.. دون حروف.. دون نقاط.. 
 
وقد فَقَدَ مالِكُ الشيء.. ما وَجَبَ أنْ يُعطيهِ !
 
 
 
21/05/2007
صفحة 7
لـمـحة ٌ من الواقــع
 
في هذا الكون الذي نعيشُ فيه, على هذه الأرض الغريبة, التي تدور حولنا ولا ندور.. 
 
أشعُرُ, مع مرور كل يوم, بأن السماء تنزل انشًا أو أمتارًا..لتقترب من وجه الأرض. ولا أدري لِمَ خـــالجني هذا الشعور الغريب.. 
 
فقد بدأت جدران الحياة تضيق, رغم اتساعها ورغم طول الوقت, وظلام خفيّ بالتسلل إلى زماننا بدأ.. ولكن الدهر متى يأتِ أجَلــُهُ, لن يسمع خطى الأطفال الأولى ولا لأنفاس ٍ حديثة الولادة.
 
 لا,  لن يكترث إلى  ضحاياه..  لهذا, فما أشعر به لا يعكس شيئـًا يخصني, بل يخص العالم أجمع.. 
 
حديثُ الساعةِ يُداوَلُ كلَّ ساعة.. أما علاماتُ الساعة فتـُداوَلُ في فترات أبعدها الخوف.. رغم أنها تحدث كل ثانية.. خوفنا من الواقع المحتم, فِرارًا من الأدلة والحقائق..
 
هذه العلامات باتت في زفيرنا وشهيقنا, نبشت في مأوانا وعامت في مأكلنا.. اختبأت في كل زاوية من بيوتنا.. تحرق بصماتـُها فتجعل آثارها واضحة ً على أيامنا. جعلتنا نحن أمثلة وضحايا, أسَرَتْ أرواحنا في نماذجها الحيّة, تجعل صورة الواقع الحقيقي أمام ناظرنا, نُصبَ أعيُننا, لكننا "نتعامى" ونتغاضى عن الحقيقة.. لأن طعم الحق باتَ مُرًًّا على ألسنة الكثيرين ! 
 
إلى متى؟.. ستظل تلك الكلمات المُرهقة الثقيلة تصل إلى  مسامعي؟! وما ذنب الأبرياء من طعنات الظالمين؟ وقد كلـّل الذنب كل موضع في هذه الدنيا.. وتعاظم عددهم, حتى أصبحنا نخلط بين البراءة والخطيئة.. تسربت الشكوك إلى  أنفسنا فلم ندرك داءها.. وصدّقنا أكاذيب ذاتنا.. فكنا مصادر كبائرنا..
 
صوتي ضعيفٌ صداه.. لكنّه جريء الحروف.. لا بل إن صوتي قوي صارخ, مُدَوّ ٍ في الأفق ومسلولة كلماته. لكن العالم تصامم.. فقد جعل لآذانه حُراسًا لا يسمحون بدخول المناشدين الشرفاء, إنما لدخول الألحان والعسل التالف الذي يلتصق عند باب مسامعهم فتعفّن عقولهم.
 
أعْموا بصيرتهم عن أحرف الحــقّ الساطعة البارزة وحوّلوا أنظارهم فقط إلى الجميلات والألوان..
 
ألا يدرون أن الألوان التي يَرونها في ملذاتهم المسروقة, إنما هي الألوان الأصلية للشرف, للعزّة والكبرياء, الذي باتت أشلاؤه اليوم تالفة رخيصة. فتلطخت هذه المعاني بلونين: الأسود والأبيض.
 
أيامنا الكريمة تسرق براءتها الفتن الحاكمة والإغراءات النابعة من صناديق بيوتنا السوداء..
 
فحللنا الحرام, وحرّمنا الحلال.. 
 
خريف العالم اقترب.. فشُعُلاتهُ بدأت تنهش براءة الأطفال..وتسرق أخاديد الحياء من الإناث..  فاشتهينا شهامة كانت تعزّزُ صدور الرجال.. وجعلتنا نـَملُّ من أجدادنا وحديثهم اللانهائي.. فندّعي باحلالنا ثقافة وحرية.. وعلم !..
 
القيم الدينية لم تسلم من هذا الخريف.. فسخرنا من القدر!! 
 
باتت حِكــَم المشاهير, وادعاءاتهم الملّفقة السطحيّة.. معبودة الجماهير.. احتقرنا العظماء والعلماء !! ورفعنا 
 
راية ً ذات وجهٍ مقلوب عن حقيقة العلم.. رفعنا رخيصي القيم... طبعًا, فهم أخّف وَزْنـــًا,
 
ورفعهم إلى الأعالي أسهل حملا !!
 
كلمات, كلمات وكلمات.. إلى  من نكتب ؟ إلى  من نصرخ؟.. لا أجد نهاية لأحاديثي.. فاضطر في نهاية الأمر من خنق الرصاصات في قلمي ليخرّ مستسلمًا.. أصبحت كلماتنا محدودة الحروف.. لكنها طويلة المقاصد.. مصير كلمة الحقّ الاتهام والشبهات... اتخذت وجهًا يشبهنا.. يشبه كل واحد منــّا..
 
لتسكن بجوارنا وتشاركنا موطننا, فتصبحُ:  "متهمة, حتى تثبُت إدانتها" !! 
 
 
 
8-6-2007
صفحة 8
دماءٌ ومداد..
 
 
 
تعدى الاستعمار المناقض لقوانيننا خطوطه الحمراء, ليستعمر معاني كلماتنا العربية.. وليأسر أحلامنا معه, ليهدم حماسنا فنُهزمُ بتهوّرنا ! 
 
 بدأ حلمي بالسلام ينقشع.. تغيّرتْ الصورة التي رسمتها وأنا طفلة!.. تغيّرتْ رغما عني.. فلم أعد أملك تلك الرغبة في تحقق السلام, مثل رغبتي الشديدة في وعي الأمة الآن. 
 
لأن سلام هذه الأيام لم يعد سلامًا..
 
تحوّل العالم كله إلى "ضحية", ضحية البشر, وبالتالي وقع الكثيرون بيد البعض القليل..
 
ترسّبت الضحايا كلّها, إلى طبقات لحميّة كانت يومًا ما روحيّة!!
 
فكل يوم نعيش بحواسنا الحوادث في الغابة السوداء.. ضحايا حرب, ضحايا جهل وضحايا الكلمة!!
 
ها نحن اليوم وغدًا نقوم بخطّ التاريخ للعقود القادمة.. 
 
تُرغمنا سخرية الدهر –التي تعيد نفس الشريط على أجيال مختلفة- على الخضوع, وكم تعوّدنا الانصياع الخاضع..
 
 
 
 رأيت ذات غفوة, سفينة صغيرة, تشبه عربة الخيل في شكلها الداخلي, جلس بداخلها والد شاب مع طفلته الصغيرة. وكان يجلس مقابلهما رجلان غريبان, بانت عليهما مكانة مرموقة مهمة. كنت شاهدة من خلال أعين الطفلة, وهي تنظر من النافذة, على غرق بدر مكتمل, أنار السماء بكماله وضخامته الغريبة!! وقد بلغت مياه اليمّ منتصفه ! . تملّك الخوف قلب الطفلة فتشبثت بوالدها باكية راجية ً منه إنقاذ الموقف ! لكن لا جدوى. فنظرات والدها بقيت متعلّقة بالرجلين الجالسين أمامه! .. والسفينة تكمل إبحارها.. لا مبالاة للموقف.. تبتعد عن المشهد المروع, البدر يغرق.. وما أروعه كان من كمال..
 
 
 
إني أسمع.. أنين الدهر. يحاول أن يوصل لي صوته عبر الأحلام, لكني سمعته قبل أن يكلّمني.. سمعته ورأيته.. في أعين الناس, في الأوضاع القائمة وفي النفوس الشائبة.. 
 
وقد أيقنت حديثًا.. أن أنينه بات مسموعًا عند الكثيرين.. أما البقية فمُتصامِمونْ.
 
بحرُنا يتحوّل أرضًا ضحلة !.. فلننقذ جفافنا.. يكفينا إيشاحًا لنظراته الثاقبة, سرقنا ما يكفي من حقّه.. واستغللناه كفاية في صنع سفننا ومصالحنا.. 
 
حسنا, بنينا السفن ورفعنا الأشرعة.. ولكن أنسينا أن مرسانا ضحل؟! على شفا الجفاف .. وقد طوّقته الصخور والوحوش!! 
 
النار تستعر في صدور الكثيرين ممن علقوا وسط البحر الضحل –الصحراء-  
 
نحن تائهون.. فلنخرج النيران من صدورنا, ونشعل دليلا على وجودنا.. ولتصل شعلتنا إلى  المرافئ المجاورة.. 
 
فلنصرخ.. الأفق واسع واسع.. وصداه حتمًا راجع!!
صفحة 9
صراخ الدهر.. ليس مجرد سلالم صوت فقط.. فحنجرته حارّة وأضلاعه أرسلت لنا قطرات جبينه وجرحه: 
 
مداد الأقلام التي تدمع الواقع, تمطر النهضة وتبكي العزّة..
 
وأحمرٌ باردٌ رغم حرارة ثمنه.. يسيل في الوديان.. تختلط مع الحبر الأسود, دماء مهدورة بلا حق.
 
 
 
لننظر إلى أقدامنا أين تغطّ الآن, ولنثُرْ على أنفسنا.. ولنرفع أبصارنا عاليًا لنرى أين نحن من العالم !! 
 
إن القدر لم يقدّر لنا الهروب.. الهروب ليس من سِماتنا.. ولا تقولوا : " الهروب يلاحقنا".
 
هناك ضحكاتٌ ساخرة تتلذذ على تخبطنا ببعضنا في الظلام.. هناك من يسيطر على تفرّقنا !.. ويدوس ليسود !! 
 
الكلام ثقيل على المسامع.. تاريخنا لو كان الأمر بوسعه.. لانتحر بسببنا!!
 
فقد جفت دموعه وسقطت أحسمته.. فلنردّ له هيبته !! 
 
خارت أغمدته.. فلنردّ له كرامته !! 
 
ليس بتعليق السيوف على خصره من جديد , ولا بإغمادها في ملابسه !! 
 
لا.. بل برفعها في أعالي الهواء الطلق.. فلننطلق ! 
 
 
 
21-6-2007
صفحة 10
مُفرداتُ قلبٍ هاربة
 
 
 
اقلــّبُ بينَ وجوهِ البشر..
 
بين صفحاتِ الأيام البطيئة, بين أزهار الفصول, بين الأروقة والبيوت.. 
 
أقلـّب نفســــي واقلــبّ وريقات فكري, أخطو بتفكيري معالم كثيرة.. أطمح بالعديد, لكن ما ألبث أن أعيد الكتاب إلى مكانه, وأقول : ما زال هناك وقت .. لم يحن الزمان بعد ! 
 
أقنع فضولي وثورتي.. أحبس عواطفي بين سجون الكتب والألحان الهادئة.. 
 
أهرب من حدث جميل لطيف, أخبئه تحت وسادتي, وأحيانًا داخل جفوني.. أحوله إلى "مصادفة", إلى حلم, إلى حادثة عادية حصلت دون قصد وانتهى الأمر...
 
ربما, أتلذذ بالتأخير والتغاضي عما أبغيه, أحاول أن أبحث عن خريطة صحيحة تدُلُـــني على الدروب التي أوّدُ عبورها.. ومصادفة أجد نفسي وسط الدرب.. دون خارطة ! 
 
أصدفة أم قدر؟! 
 
فأخاف وحشة السبيل, وأعود أدراجي لأقول : ما زال هناك وقت !! 
 
أوصدتُ قلبي بأقفال متينة.. لكني فطنتُ أن "الهواء" يخترق الأقفال, وأن النور يكسر وحشة الظلام دون استئذان أو مقاومة.. 
 
أحاول أن أكتب بوضوح أكثر لكن قلمي .. يعود أدراجه إلى أسطري السابقة.. ويمزق كلماتي بخطوط مزعجة متوترة, كبرياء لقلب صاحبته وكرامة ً لمِدادِهِ.. 
 
أدرك أن بوسعي الوصول إلى ما أريده وقتما أشاء, ولكني أخاف العودة, أو بالأحرى أخاف مواجهة الحقيقة.
 
 فكما عشقت صوتًا, صداه خافت لطيف طالما ترددت كلماته القليلة في ذهني.. 
 
فدائمًا كل قليل له نكهته المميزة.. إن أكثرنا منه فقدَ لذتهُ السحرية.. 
 
لقد وقع قلبي أسيرًا بين يدي تمثال.. تمثال حيّ.. أيقنت حديثًا أن باستطاعته التنفس والأكل والتفكير, مثلنا.. لكنه - للأسف- لا يرى ولا يتكلم. هذا ما ظننته! فقد كانت خدعة انطلت عليّ طويلا .. 
 
 كان تمثالي "العزيز", يرى ويتكلم. بل ويسمع أيضًا.
 
كنت كلّما اقتربت منه جسدًا, تسبقني روحي إليه.. كنت أحييه بكلمة ونظرة عطرتهما بسمة.. لتتغذى عينايّ على خطوط وجهه.. كان كوجه طفل كلّلته البراءة.. فعشقت براءته..
 
وحينما أستودعه.. أرى بريق عينيه لتمثالِ آنسة أخرى.. عبدتْ مصالحها وتباهت بوجوده في حديقتها.. كان في كوّة صدرها قلب صدئ يختبئ, لم يعمّر -ولن يعمّر- ما عمّرته أنا لهذه التحفة الحيّة.. 
 
براءتي جعلتني أبتعد عن عالمي.. لأعيش بأوهام مع تمثال.. أنتظر بصمتٍ أن أحظى بأقل ما أستحق.. بأقل ما .. أستحق !
 
أعشق البحر.. ستتساءلون وما شأن البحر الآن.. لا بل شأنه وشأنه.. بحري الحبيب, الذي تكلف بحمل عبراتي, تكلــّف بأن يقوم بجريمة نيابة عني. طلبت منه أن ينتشل تمثالي عن الشاطئ ويغرقه.. ليحطمه في جوفه, وتتسابق الأسماك على تفتيته.. رغم أنه من حجارة صلبة نتنة.. 
 
وليشارك في تشييد قلاع تحت الأرض, ولضحايا المراكب مدافنًا يبني.. ولتأكل الوحوش أضلاعه.
 
لكني تراجعت عما كنت أخطط.. بل صمّمت على بقائه شامخًا وسط العالم..
 
 لأكون أول شاهدة على تحطمه!.. على كسر كبريائه, وأن أشاهد شموخه المتكبر.. مُلطخًا بسخرية التاريخ!
 
وحينها.. سأنسى التماثيل كلّها .. وسأبدأ بعشق الأشباح..
 
 
 
30-6-2007