eKtab
EN ع
عين الشلال
اقرأ عينة مجانية

عين الشلال

بقلم د. إبراهيم فضل الله

صفحة 1
تمهيد

زارني يوماً أحد أصدقائي من متعهدي أعمال البناء والمقاولات، وهو يحمل في يده حقيبة، قدَّمها إليّ هديّة لأنه ـ بحسب قوله ـ يراني دائماً بين الكتب والدفاتر والأوراق، وأخبرني أن هذه الأوراق وجدها بعض عمّاله، وهم يحفرون أساسات إحدى البنايات التي يلتزم إعادة بنائها في الضاحية الجنوبية، والتي كان الطيران الإسرائيلي قد دمّرها أثناء حرب تموز في العام ستة بعد الألفين من ميلاد السيد المسيح (ع).

تركت هذه الحقيبة في ركن من أركان مكتبتي وشغلتني مشاغل الحياة عنها ونسيت أمرها كلياً، وبعد فترة من الزمن، وبينما كنت أفتش عن كتاب أحتاجه لأمر ما، وقع نظري على هذه الحقيبة ولم أتذكرها أبداً، فأخذتها كي أعلم مكنوناتها ودواخلها، واحترت في كيفية وصولها إلى مكتبتي. وأنا أفتش محتوياتها، ظهرت أمامي، محاضر اجتماعات، وأوامر مهمّة، ومستندات ومذكرات إدارية، ومهمات تنظيمية، ورسائل، وتقارير... إلخ. فتذكرت حينها أمر هذه الأوراق، التي كان مضمونها يدل على أنها تعود لتواريخ متباعدة وأماكن متفرقة، وأنها كتبت بأقلام متنوعة...

انهمكت في قراءة هذه الأوراق المبعثرة، والتي لحق التلف معظمها، فلم أجد ورقة إلّا وقد ضاع قسم منها، أو أحرقت بعض أطرافها... وقد خيّل إليّ أن أصحابها كانوا يهمّون بإحراقها، أو أن هذا جزء قد سلم من إحراق كميّة أكبر منه بكثير؛ لأن النيران واضحة على أطرافها، وبدا لي أنها مستندات كانت في طريقها إلى الإعدام... المهم أني وجدت في هذه الأوراق مادة غنيَّة لتجربة إنسانية فريدة عاشها أصحابها، وتستحق إماطة اللثام عنها، وتقديمها إلى الجمهور العربي، وإلى كل جمهور يحاول التخلص من نير الإحتلال والاستعباد والظلم والقهر...

كما أقدمها إلى الأجيال القادمة لتكون أمثولة لهم، وليعلم الجيل الجديد ما فعله الآباء والأجداد من أجل الحفاظ على الأرض والعزة والشرف... ويكون تاريخ أمتهم ماثلاً أمامهم كي لا يضعفوا أو يتهاونوا في التمسك بأرضهم المجبولة بدماء أهلهم وأسلافهم...

ولما لم تكن هذه الأوراق صالحة للنشر كما هي، لأسباب كثيرة، أبرزها التلف الموجود فيها بحيث يؤدي النقص اللاحق بها إلى ضياع المعنى المرجو منها، لذلك قررت أن أردم هذه الفراغات الموجودة فيها، عبر ترتيب الوقائع وتنظيمها، وإعادة ربط الأحداث وتسلسلها... ولم يكن أمامي من مجال غير إعادة نسج مضمون هذه الأوراق بنص روائي، يراعي الأصول الفنيَّة لكتابة الرواية، ومراعياً بعض الخصوصيات التي وردت في هذه الأوراق، وكاتماً منها الكثير من المعلومات التي اعتبرتها تمس بأمن المقاومة في الوقت الراهن، وربما ننشرها في المقبل من الأيام عندما ينتفي ما اعتبرناه يمس بوجه من الوجوه بأمن المقاومة الحالي... وبالتالي فإن هذا النص الذي أقدمه هو نص مشترك بين الواقع والخيال.

إبراهيم نظام الدين فضل الله بيروت في 12-7-2010
صفحة 2
القسم الأول

السدى

يسير وحيداً في أزقة قريته النائية... يلتفت يميناً وشمالاً متسكعاً لا يعلم إلى أين يذهب... لقد أصبح شاباً يافعاً، لكنه صفر اليدين، فهو لا يملك ما يقوت به نفسه... وتعود به الذكريات إلى الماضي... لم يعرف أبوه عملاً محدداً، فقد كان هذا الأب يعمل أسبوعاً ويمكث في البيت شهوراً، وفي أحد الأيام غادر قريته في عمل له، ولم يعد إلى الآن... ولا تزال الصورة الطفولية المشوشة التي انطبعت في ذهن هذا الطفل عن والده، تعيش معه، فهو يكاد يتذكر يوم مغادرة والده، عندما كان دون العاشرة من عمره، حين استفاق صباحاً على صوت والدته:

ـ "أبو سمير"كيف ستتركنا وحدنا؟

ـ سأذهب إلى المدينة أفتش عن عمل، وعندما أتدبر أمري سوف أعود لآخذكم كي تعيشوا معي في المدينة.

ـ وكم سيدوم غيابك عنَّا؟

ـ شهراً أو أكثر، اتركي الأمر على تيسير رب العالمين...

ـ ونعم بالله.......

ـ أتكل على الله وعليك، في رعاية الصبي وشؤون البيت، أثناء سفري.

ـ سفرتك هذه يا رجّال ستشغل بالي، وإذا كان لا بدّ منها، فأرجوك لا تطيل غيابك عنا كثيراً...

ـ دعواتك يا أم سمير...

ـ برعاية الله وحفظه..

ونزل أبو سمير على درجات الدرج وفتح البوابة الحديدية ولوّح بيمناه نازلاً في طريق البيت الملتوية، حتى وصل إلى الشارع الرئيس في البلدة، وهناك كانت في انتظاره سيارة الأجرة الصفراء الوحيدة في القرية، والتي ما أن حشر نفسه في داخلها حتى أخذته مسرعة، وكانت هذه المرة الأخيرة التي رأته فيها أم سمير، منذ حوالى أربع سنوات، ولم تعرف عنه شيئاً من حينها...

فقد قال لها "أبو حبيب" صاحب سيارة النقل:

ـ نزل في موقف السيارات في منطقة "الكولا" في بيروت، ولم أعلم إلى أين ذهب بعد ذلك...

لقد سمع هذه القصة كثيراً من أمه، كلما كان يسألها عن والده...

وكان سمير يشعر بالحاجة إلى أبيه، كلما وجد الأطفال الذين في مثل سنّه يطلبون حاجاتهم من أبائهم الذين يسارعون إلى تلبيتها... وكانت أيام الخوف والرعب التي عاشها تحت ظل نوبات القصف الإسرائيلي على قريته، هي أكثر اللحظات التي كان يشعر فيها بحاجته إلى هذا الأب... خصوصاً عندما كان يرى الأباء يسارعون إلى نجدة أبنائهم وأخذهم إلى أماكن آمنة..... وكم مرة نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي المركّز على مرابع اللعب المفضلة لديه ولأقرانه من الأطفال الذين كان يحلو لهم اللعب تحت ظل أغصان شجرة السرو التي ترتفع إلى أعلى الأعالي... وكانت اللعبة المفضلة لهؤلاء الأطفال هي تحدي بعضهم بعضاً في من يستطيع رؤية أعلى الشجرة، لكن الأنظار الشاخصة لم تكن قادرة على بلوغ أعلى غصن فيها...
صفحة 3
وتمرّ الأيام... وتشن الطائرات الحربية الإسرائيلية غاراتها على تجمعات هؤلاء الأطفال... وتتناثر في الهواء حجارة الحائط الذي كانوا يلعبون خلفه... وهم كانوا يعتقدونه موقعاً حصيناً يحميهم من غدر القصف المعادي... غير أن هذا الحائط كان يحتاج إلى من يحميه... فقد عجز عن الدفاع عن نفسه وعنهم... ولم يستطع منع الصواريخ من أذيتهم... فقد أصابت هذه الصواريخ جذع الشجرة الباسقة... فسقط منها بعض الأغصان، إلّا أن الصواريخ لم تستطع أن تحني تلك السروة التي بقيت تمخر عباب الفضاء... بعلوها وشموخها... وأسفرت الغارة الجويّة، عن مقتل طفلين من رفاقه، وجرح عشرة منهم... وطار هو إلى الجلّ، ثم هوى على البحصاصة فانكسرت يده... وعاد وحيداً إلى بيته تحت القصف والشظايا التي تتناثر حوله، والرعب يطلّ من عينيّه... وكالعادة لم يجد سوى حضن أمه... الذي كان ملاذه الآمن وحصنه المنيع...

ما زالت تحفر في ذاكرته تلك القذائف التي هرب منها إلى زاوية تحت الحائط، حيث انفجرت خزانة الثياب الوحيدة في الغرفة، تحت تأثير قذيفة دخلت إلى المنزل دون أن تحتاج إلى قرع باب الدار... هذا الباب الذي لفظ خشبه قطعاً ملتهبة... وقد تشابكت قطع خشب الباب مع خشب الخزانة... هذا الخشب الذي تشظى بقايا صغيرة... ولم يعلم من أين دخلت إلى بطنه تلك البقايا من الخشب، وتركت آثارها في جسده... وبقي زمناً طويلاً يتساءل:

ـ هل أتت من خشب الباب؟ أم من خشب الخزانة!!...

وإلى اليوم لم يصل إلى جواب.... وأيقن بعد ذلك، أن وسائل الحماية التي كانت تبتكرها أمه لم تستطع منع الشظايا من إصابته... فقد فشلت كل سواتر الطراريح والحرامات واللحف... التي اصطفت على زجاج النوافذ وخلف الأبواب كي تصد شظايا القذائف وشقفات الزجاج وبقايا الحجارة وشذرات الخشب.... كما لم تنفع المخدّات ومساند القش التي كانت تحيطه بها كي لا تصيبه تلك الشظايا...

ولما عجزت وسائل الحماية كلها داخل هذه الغرفة، اتجه إلى دفاعات خارجية... فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع... ولهذا هجم على هذه القذائف يتحداها ويواجهها خارج الغرفة، وتفتقت عبقريته عن فكرة بادر إلى تنفيذها على الفور... فقام بجمع حجارة الحاكورة وشقعها أمام الباب... وسألته أمه:

ـ ماذا تفعل بهذه الحجارة؟

ـ سأبني سداً يمنع الشظايا من الدخول إلى البيت...

وهكذا أقام أمام الباب، بحوالى نصف متر، حائطاً من الحجارة الغشيمة، المنتقاة من الحاكورة... وأصبح مدخل الدّار خندقاً بين طرفي الباب وحائط الحجارة...

ثم تراه أمه في جنينة البيت وهو يتصبب عرقاً:

ـ ماذا تفعل؟

ـ أحفر ملجأ في الجنينة كي نحتمي فيه أثناء القصف...

ولم تكن وسائل الحماية هذه، التي ابتدعها، أفضل نفعاً من تلك التي ابتدعتها عبقرية أمه... وبالتالي فلا نفعت وسائله ولا نفعت وسائلها، ولا نفعت أية وسيلة من وسائل الحماية التي كانت تبتدعها عقول الفلاحين في ضيعته... هذه البلدة التي كانت تعيش في مسيرة نزوح دائم... هذا الرحيل المستمر مثّل الوسيلة الفضلى التي لجأ إليها هو وأهل بلدته، من أجل اتقاء شرّ الصواريخ والحمم التي كانت تمطرها المدفعية وترميها الطائرات الإسرائيلية على رؤوس الأهالي الآمنين، من الرجال والنساء والأطفال... لقد عايش سمير هذا الهروب هو وأمه فكانا يفرّان باستمرار من هذا القصف الإسرائيلي، مذعورين هائمين في الليالي المعتمة المخيفة، يجوبان البراري والوديان... وكم نصبا تلك الخيمة من الحرامات وشراشف البيت، كي يناما تحت ظلها على التراب والحصى... يرتجفان من البرد القارس في ليالي الشتاء الباردة، ويرتعبان من أصوات الحيوانات المتوحشة المفترسة، التي كانت في بعض الأحيان تقضي الليل كله تجوب الوادي حول خيمتهما... وكم قضى ليل الرحيل هذا دون أن يغمض له جفن... يرتجف جسده خوفاً وينخلع قلبه رعباً كلما سمع أصوات هذه الوحوش التي كان يتخيلها قادمة إليه لتأكله...

استعاده من هذه الذكريات، صوت سمعه:

ـ إصعد يا سمير نشرب الشاي سوياً....

إنّه صوت حبيب الذي أعاده إلى واقعه، ولم ينتبه إلى أنه قطع كل هذه المسافة من بيته إلى حيث وجد نفسه في الطرف الشمالي للبلدة، على هضبة "كرم السماق" حيث منزل صديقه "حبيب"، ويعود إليه الصوت مجدداً:

ـ إصعد... الشاي على النار.

ـ إفتح البوابة وخذ لي طريقاً، فأنا آتٍ.

وصعد في طريق مستقيم حتى وصل إلى بيت حبيب، وكانت والدة هذا الأخير في حوض النعناع بالقرب من الباب، فاستقبلته بقولها:

ـ أهلاً يا بني، كيف صحة أم سمير؟

ـ بخير وتسلّم عليكِ.

ـ أدخل حبيب في انتظارك.

ـ يا ألله.... مين في هون؟

ـ تفضَّل أنا على "البرندا".

ـ كيفك يا حبيب، شو أخبارك؟
صفحة 4
ـ الحمد لله، أقعد أقعد.

وقدم له الكرسي الخشبي المهلهل، جلس عليه سمير وغادر حبيب لبعض شؤونه داخل المنزل، وهو يقول:

ـ إسكب لنفسك كوباً من الشاي، أنا سأعود سريعاً.

صبّ كباية من المشروب الأحمر المحبب إليه ووضعها أمامه على الطاولة، المثبتة منذ سنين على سطح البئر، الذي يمثل أرض "البرندا"، التي تقع خلف البيت.

هذا المنزل المؤلف من مدخل في جهته الغربية، ورواقٍ مكشوف ومرصوف بأحجار مستطيلة متساوية، انتصب على جانبيه صفَّان من أشجار السرو، وأمام كلّ شجرة سرو، تستقبل سلة من الورود بروائحها الفواحة، كل زائر إلى هذا المنزل... وينتهي الرواق إلى باب هو مدخل إلى الغرفة الجنوبية، وفي الحائط الشرقي منها باب خشبي يؤدي إلى المطبخ، هذا المطبخ الذي يمثل في الوقت نفسه غرفة الطعام، وإلى الشمال من هذا الرواق بابٌ يؤدي إلى الدار الذي هو عبارة عن غرفة فسيحة... تتدلى من سقف هذه الغرفة سلسلة من النحاس متعلق بها فانوس من الزجاج، يقبع الفانوس على كرة من النحاس مزينة بالنقوش البديعة.

وتنتشر في زوايا الغرفة الكراسي الخشبية، وتنتصب خزانة ضخمة تمتلئ تحفاً نحاسيّة تاريخية تعود إلى العصور الإسلامية... وكان "أبو حبيب" قد اشترى هذه التحف في بلاد الغربة عندما كان فيها من أجل العمل... وينظر سمير إلى الباب الموجود في الركن الشرقي من هذه الغرفة الذي يؤدي إلى سطح بئر هو عبارة عن "براندا"، وفي مواجهتها يمتدُّ بشكل طولي، بستان من الزيتون مسيَّج ببعض أشجار الجوز والكرز وعدد من أشجار التين والعنب في مساحة لا تتجاوز الدونمين... يتذكر سمير في جلسته هذه كم لعب مع حبيب في هذا الحقل، وتشارك مع أهل بيته في جني محصول الزيتون والجوز والكرز والعنب....

يعود سمير إلى أيام طفولته هذه كلما زار حبيب وجلس على سطح هذه البئر.

صوت "أحلام" قطع عليه أفكاره:

ـ عفواً على إزعاجكم لكن أمي تجهّز الغداء وتريد من حبيب أن يشتري لها من السوق بعض احتياجات طبخة المجدَّرة...

ثم التفتت إليه وقالت:

ـ أين حبيب؟

ـ حبيب خرج للحظة وعلى كل حال ما في إزعاج منك أبداً... أنا كنت مغادراً...

ـ لم أقصد.. أهلاً بك، لقد مرَّ وقت طويل لم تزرنا فيه... وبالنسبة إلى الغداء بعد بكير كثير، وبالمرة بتبقى تتغدى معنا... خالتك أم حبيب بتعمل المجدّرة كثير طيّبة، وما حدا بيقدر يفوّت صحن المجدرة الذي تعمله أياديها...

ـ ألف صحة بس أنا اليوم مشغول والأيام جاية كثير...

ـ أنت من أهل البيت وأمي تعزك مثل ما بتعزّ ابنها، ومعزّتك عند حبيب موصوفة، فهو يتكلم عنك أكثر مما يتكلم عن كل أصدقائه: دخل حبيب وهو يقول:

ـ سمير صديقي العزيز.... فهو صديق منذ أيام الطفولة.

ورد سمير:

ـ أنت العزيز على قلبي... خلينا نمشي على السوق وخرج الاثنان وغادرا المنزل يتسايران بين أشجار السرو، حتى وصلا إلى السوق ومن هناك افترقا، على أن يلتقيا في المساء أمام الجامع.

يسير "سمير" في أزقة البلدة القديمة الملتوية شارد الذهن يفكر في عمل يقتات منه، وفي "أحلام" إنها فتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة تتفجر أنوثة... يبدو له وجهها الناصع البياض المستدير كأنه القمر في تمامه... إنها تعيش في خياله لكنها بعيدة المنال ومشواره مع المستقبل لا يزال طويلاً، فهو لا يجد ما يقوت به نفسه، فمن أين له المال الذي يفتح به بيتاً ومصاريفه؟

وإذا بصوت انفجار يهزّ الأرض تحت أقدامه، وينبعث الدخان من أمامه وتتساقط عليه بقايا حجارة وزجاج... يلتفت إلى مصدر هذا الانفجار فإذا ببيت خالته "سعديّة" يتطاير في الهواء وتتوالى أصوات الانفجارات على مسامعه، من جرّاء تساقط القذائف المتفجرة على وسط البلدة، وهو يهرول في "الطّلعة" الصعبة المؤدّية إلى بيته، وإذا بدرج البيت الذي يأويه يتطاير أمامه من جراء قذيفة أصابته، فيسرع لنجدة أمه ويخرجها من الباب الخلفي، راكضاً إلى بيت جاره "محمود"، وهناك وجد أبا حبيب الذي كان في زيارة لصديقه، وعلم منهما أن إسرائيل اجتازت الحدود اللبنانية ووصلت إلى مشارف القرى المجاورة، وعلى الفور قرر الجميع الرحيل عن البلدة، فقام أبو حبيب بالإسراع إلى بيته لإحضار زوجته وولده حبيب وأخته "أحلام"، وامتلأت السيارة بمحمود وزوجته وسمير وأمه وأبي حبيب وعائلته، وقد فتح صندوق السيارة وجلس هو وحبيب فيه فوق الأمتعة المحشورة في داخله، وكانا يسندان بابه بأيديهما، بينما هو يتابع ضرباته على رأسيهما، والسيارة تسير بسرعة كبيرة، وهي تتمايل من شدّة القصف يميناً وشمالاً إلى أن يسّر الله لهم الوصول إلى بيروت، فاستقبلهم الهلال الأحمر وسلّم كل عائلة منهم خيمة في مخيم "الغولف" قرب الأوزاعي.... هذا المخيم الذي أقيم من أجل إيواء أبناء القرى الحدودية الجنوبية التي دمرها الجيش الإسرائيلي...

بدأ سمير يومه الأول في مخيّم المهجّرين، عندما تسلم هو وأمه حصتهما، من البطانيّات وبعض الصحون والملاعق المعدنية، ووجبة من الطعام...

استفاق صباح اليوم الثاني وذهب إلى الحمام المشترك، الذي هو عبارة عن خيمة مقسمة بشراشف من القماش، والتي تمثل مجمع الحمامات في المخيم. وعندما وصل إلى هذا الحمام سمع ضجيجاً وصراخاً، وشاهد صفاً طويلاً من الناس، والكل ينتظر دوره، وبعد عراك مضنٍ وجهد جهيد دخل إلى حمّامه وقضى حاجته وغادر وهو في حالة مزرية، ثم عاد إلى حنفيّة المياه الوحيدة الموجودة في المخيم، وهو يحمل "غالون" المياه الفارغ، وانتظر أيضاً في صف طويل، يستمع إلى تململ الناس وشكواهم من حالتهم التي وصلوا إليها، وملأ الغالون حين أتى دوره... وعاد إلى خيمته منتصف النهار، مع وصول وجبة الغداء المقدمة إليه وإلى أمه من شباب وشابات الهلال الأحمر.
صفحة 5
خرج يمشي داخل المخيم، يتسقّط أخبار قريته لعله يسمع شيئاً عما جرى، وكان يسير هائماً... إنه لم يدرك حقيقة ما يجري... الصدمة أفقدته توازنه؛ لقد أقصي عن بلدته قهراً وكاد يموت هو وأمه مرات كثيرة أثناء القصف على البلدة أو في طريق الرحيل....

نظر إلى امرأة تجلس أمام خيمة، وتقدم قليلاً ليتضح له الأمر؛ إنه وجه يعرفه:

ـ أهلاً بخالتي الحمد لله على السلامة.

ـ أهلاً سمير.

ـ خير يا خالتي شو أخباركم؟

ـ مصيبة يا سمير، خرب بيتنا، كان زوج خالتك أسعد نائماً في سريره وعندما بدأ القصف، وبعد قليل ثار الغبار وتداعى البيت علينا، وعندها لم أعد أرى شيئاً... ثم وجدت نفسي في مستشفى جبل عامل في صور، وعلمت أن "أسعد" فقد رجليه، وفي اليوم التالي رحلت مع النازحين... ووصلت إلى هذا المخيم... وسلموني هذه الخيمة ولا أعلم ما سيحلُّ بي في المستقبل...

استمع إلى كلامها بانتباه شديد، ثم قال:

ـ خليها على الله يا خالتي... والحمد لله أنكم سالمون.

ـ ونعم بالله، كيف بنَّا نكمِّل حياتنا يا ابني والله مني عارفة.

ـ الله بدبرها، رح أقول لأمي حتى تجي تطّمن عليكم.

وخرج من خيمة خالته، وهو يفكر في هذا الظلم المقيت الذي يلحق بأهل قريته، وأهل الجنوب قاطبة، وأهل لبنان كله، بل بجميع المظلومين من العرب والإنسانية كلها.

وهل حكم على أبناء هذا الوطن أن يعانوا في وطنهم؟

تذكّر جدّته لأبيه وحديثها عن أبيها ووقوفه في وجه المتسلطين والإقطاعيين الذين كانوا يسومون الفلاحين ألوان العذاب ويقاسمونهم جناهم، حتى ضاق به ذرعاً وجيه القرية الذي اتهمه عند الأتراك بأنه يحرّض الأهالي على الثورة ضدّ السلطان، وأوعز إلى وجهاء القرى المجاورة مشاركته في إرسال التقارير إلى الوالي التركي، الذي استجاب إلى الوشاة وأصدر فرماناً بإعدامه لأنه أضرّ بمصلحة الدولة العليّة، فسيق والدها إلى ساحة البلدة وشنق في وسطها... وكم سمع منها حكايات جده لأبيه؛ زوجها جبر، الذي سار على خطى أجداده وأسلافه، فقد عاش حياته وهو يحارب الباطل ويسعى إلى رد الحق إلى أصحابه، وأصبح محط أنظار كل مظلوم في قريته... ثم امتدّت شهرته إلى القرى المجاورة حتى أصبح مقصد كل المظلومين والفقراء والمعدمين، الذين كانوا يحتجون عنده على ظلم يكون قد لحق بهم... لم يترك جبر لابنه سوى هذه الدّار مع القطعة التي في المرج... وطالما حدثته أمه عن هذه القطعة من الأرض التي ورثها أبو سمير عن والده، والتي لو بقيت إلى اليوم لكانت تساوي ثروة ضخمة... وتستدرك بقولها:

ـ الحمد لله أنه لم يبع البيت وإلّا كنّا في الشارع.

ثم تجد له عذراً فتقول:

ـ لقد باع الأرض لأمر مهم... فهو باعها من أجل أن يشتري بارودة إنكليزية وعشرين قنبلة يدوية، ومسدساً إنكليزياً وحمل سلاحه والتحق مع المجاهدين في حيفا، وكان مقرّه إلى جانب الشارع الرئيس والمهمة التي يتولاها هذا الموقع هي حماية الشارع من الصهاينة والدفاع عن المدينة.... لكن براميل كثيرة محشوة بالمتفجرات قد دحرجت من أعلى التلة المشرفة عليهم، فدمرت الموقع وقتل عدد من المجاهدين وجرح الباقون ونجا "أبو سمير" من المعركة بأعجوبة إلّا أنه حمل معه طوال عمره آثاراً من هذه المعركة تمثلت بثلاث أصابع من يده اليمنى قد بترت والتي لم يبق منها إلَّا السبابة والإبهام. وسمير يذكر هذه اليد جيداً.

وتؤكد أم سمير أنها سمعت هذه الرواية من زوجها مراراً... وكانت دائماً تقرن حديثها عن زوجها بحديثها عن سلفها "وحيد" الذي يصغر زوجها ببضع سنين، وكم كان ينصت سمير إلى حكايات أمه عن عمه هذا الذي التحق بالفدائيين، وأقام في معسكراتهم خارج البلدة، وهو أول من استضافهم في منزله... هذا المنزل الذي قضى سنوات في بنائه وتجهيزه من أجل أن يتزوج فيه ابنة عمه التي عاش معها قصّة حب طويلة عرفتها الضيعة كلها... غير أن وحيد تمكّن من تجنيد حبيبته في العمل الفدائي، ثم أقنعها على تقديم البيت "فداء" للثورة وتضحية في سبيلها... وافتتح في "عين الشلال"، أول مكتب "لحركة فتح... قوات العاصفة"... وكان يجمع التبرعات من الأهالي لمساندة العمل الفدائي، ويدعوهم إلى تأييد المقاومة، كما قاد سكان البلدة في تظاهرات لمنع الجيش اللبناني من الدخول إلى القرية، من أجل إبعاد الفدائيين عن الحدود الفلسطينية... وأصبح "وحيد" عنصراً فاعلاً في العمل الفدائي وبدأ يشارك في العمليات الفدائية ضد الاحتلال الصهيوني داخل الأراضي المحتلة، وفي إحدى عملياته اصطدمت مجموعته بقوة إسرائيلية وراء الشريط الشائك ودارت معركة بين الطرفين... قيل إنّ عدداً كبيراً من الجنود الصهاينة قد قتلوا في هذه المواجهة، وفي المقابل استشهد رفيقاه ووقع هو في الأسر... أما ابنة عمه، زوجة المستقبل، فكانت قد استشهدت قبله في إحدى الغارات التي شنتها الطائرات الإسرائيلية على المقر الفدائي الذي كانت من حرّاسه...
صفحة 6
لا يعلم سمير عن عمه شيئاً ولا يعرف خطيبته... لأنه حين حصلت تلك الأحداث كان صغير السن لا يتجاوز العاشرة إضافة إلى أن عمه كان يغيب عن القرية لفتراتٍ تمتد طويلاً...

قفزت هذه القضايا دفعة واحدة أمام عيني "سمير" عندما وجد زوج خالته وهو ممدَّدٌ بلا قدمين على فرشة الإسفنج المغطاة في بطانية رماديّة اللون وسط خيمة تجاهد كي لا تقتلعها الرياح من مكانها، وقال لخالته:

ـ إلى متى سنبقى في مهبّ الريح؟....

نظرت إليه خالته من دون أن تنبس ببنت شفة، وعاد هو مسرعاً إلى أمه...

دخل خيمته وصاح في صوت مرتفع:

ـ إلى متى سنبقى في مهبّ الريح؟

نادته أمه:

ـ خير شو في يا سمير؟

ـ التقيت خالتي سعديّة، وقد أتت اليوم من الجنوب.

ـ وأين هي الآن يابني؟

ـ إنها في خيمة في آخر هذا المخيم؟ وهي تنتظر زيارتك.

ـ سأذهب إليها بعد صلاة المغرب، لقد حان وقت أذان المغرب

ـ أمي أريد إخبارك بشيء.

ـ ما هو؟

ـ زوج خالتي فقد رجليه من جرّاء صاروخ سقط على منزله. لقد شاهدت البيت وهو يتهاوى ولم أخبرك بالأمر حينها لأنني ظننت أن خالتي وزوجها قد قضيا تحت الركام، ولكن الحمد لله أنهما قد سلما، فإياك يا أمي أن "تولولي" عندهما، بل هوني عليهما الأمر وارفعي من معنوياتهما.

ـ لا حول ولا قوة إلّا بالله... يا تعتيرك يا سعدية... والله إختي مشحّرة ما كفاها إنها طلعت بلا ذرّية، هذا زوجها "اتكرسح" كمان، لا حول ولا قوة إلّا بالله.

ـ طوّلي بالك يا أمي؟ الله بيدبرها.

ـ كيف بعد بدها تعيش هي وزوجها هالمسكينة؟

ـ يا أمي في رب كريم.... ما حدا بيموت من الجوع....

ـ ونعم بالله، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم..

ـ الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

لم ينم ليلته وهو يفكر في حالته التي وصل إليها، فهو لن يكون عالة على أحد بعد الآن، ولن يستمر في هذا المخيم طويلاً،وعزم على تدبير أمور معيشته أولاً، فلا يمكنه أن يعيش هو وأمه على الإعاشة وذلها، وبدأ يفكر كيف يخرج نفسه وأمه من هذا المخيم...

غادر المخيم في الصباح الباكر، بعد العناء المتجدد مع الحمام وحنفيّة الماء الوحيدة، وأخذ يجول في الأوزاعي بحثاً عن عمل، وبعد سؤال بائع الخضار واستديو التصوير وبائع الفروج وصل إلى "فرن الشمس" للخبز العربي والحلويات، وسأل موظف الصندوق:

ـ بدكم شغّيل؟

ـ شو بتعرف تشتغل؟

ـ اللي بدك إياه.
صفحة 7
ـ اشتغلت من قبل بالفرن؟

ـ لأ.

ـ طيب! بتشتغل صفيف؟

ـ شو يعني؟

ـ بتصف الخبز إللي بيطلع من الفرن على لوح خشب.. شغلة سهلة.

ـ إيه بشتغل.

ـ دوامك ببلش من الساعة سبعة المغرب إلى السبعة صباحاً وبعطيك عشر ليرات وربطتين من الخبز.

خرج من الفرن وهو يسير مسرعاً إلى المخيم والشارع يركض في الاتجاه المعاكس، وقد شعر أن قدميه لا تطآن الأرض، فهو كعصفور يرفرف بجناحيه يغط على الأرض ثم يطير فرحاً بما حصل عليه، فمبلغ الليرات العشر لم يكن يحلم به من قبل وهو أكبر مبلغ سيحصل عليه في حياته.

دخل الخيمة فوجد أمه وقد أعدَّت له طعام الغداء، من لحم المعلبات التي وزعتها بعض منظمات الإغاثة داخل المخيم... فجلس يتناول طعامه، وفجأة ثارت أمه عليه، وأخذت تؤنّبه بشدّة وحرقة تترافق مع غصة، وبعد أن تصاعدت وتيرة غضبها وحنقها... علم سبب ثورتها العارمة...

ـ أين كنت طوال النهار، لقد أتت شاحنة الإعاشة، وأنت داير تبرم بالشوارع.

وأخذت تروي والحنق بادياّ على قسمات وجهها وهي تقول:

ـ أتت إعاشات متنوعة إلى المخيم وتهافت المهجرون على استلامها..."أم عبدو" وأولادها في الخيمة المجاورة حصلوا على خمس أو ست إعاشات، فقد امتلأت خيمتهم بفرش الإسفنج والبطانيات والمعلبات.

وتتابع حديثها معه:

ـ يا سمير الناس كلها هون مدبّرة حالها إلّا نحن... أم عبدو حنّت عليِّ وأرسلت لي هذه المعلبات، وأنت يا إبني كل النهار وين داير؟

ـ كنت خارج المخيم يا أمي.

ـ أنت ما حاسس فينا يا أمي؟ أنت كل النهار داير وأنا منوين بدي طعميك، شوف ولاد أم عبدو وتعلّم منهم، ما في إعاشة بتجي إلّا بياخذوا مرتين أو ثلاثاً، شو هم أشطر منك؟

ـ يا أمي الله يخليك بلا هالحكي؟ شو مبسوط أنا باللي فيه؟ مش مصدق متى إطلع من المخيم.

ـ ليش شو أنت أحسن من هالناس اللي هون؟

ـ لأ، يا أمي، مش قصة أحسن منهم، بس الهيئة قصتنا طويلة، و"عين الشلال" صعبة نرجع إليها بها القرب، لذلك ما عندي نيّة أبداً إني أقضي كل حياتي هون في هذه الخيمة.

ـ إيه ابن أبيك إنت مش عاجبك هذا المطرح! مثلنا مثل غيرنا!

ـ الله يخليكي يا أمي لا تزيدي همي، لقوم صلي أحسن.

قام إلى "غالون" الماء وملأ الإبريق البلاستيكي الأزرق وتوضأ أمام الخيمة وصلى ثم نام ساعة واستفاق ليشرب الشاي التي كانت أمه قد حضرته.

فكّر، هل يخبر أمه عن عمله، أم ينتظر ليختبر نفسه قبل ذلك، وإذا استقرت أموره، يخبرها بذلك، لكن كيف سيبرر لها غيابه طوال الليلة، ووجد نفسه، يقول:

ـ سأذهب الليلة كي أسهر مع الشباب في خيمة الهلال الأحمر في المخيم.

ـ روح يا أمي بتتسلى.

ـ قد تطول السهرة يا أمي، هم يحرسون المخيم طوال الليل، فإذا تأخرت نامي ولا ينشغل بالك عليّ!

ـ الله معاك يا أمي بس لا تتأخّر.

ـ على تيسير رب العالمين.

مرّت عليه الساعتان الباقيتان لموعد السابعة وكأنهما دهر، وهو يحضر نفسه لعمله الأول، فذهب في الموعد المحدد بشوق عارم، ليصبح شغيل فرن. وكأنه ذاهب إلى رحلة ترفيهية، وصل إلى الفرن واستقبله موظف الصندوق:
صفحة 8
ـ أهلاً، ذكرني بس باسمك لأكتب بياناتك على سجل الموظفين.

ـ سمير جبر، مواليد "عين الشلال" جنوب لبنان، 1964م.

ـ وين سكنك؟

ـ الأوزاعي! سحبه الموظف من يده قائلاً:

ـ أدخل، لقد تأخرنا عن زميلك الذي سوف تستلم منه عملك.

ضغط الموظف الحائط بيده فانفتح باب صغير وانحشرا فيه، ثم دفعه إلى الداخل، وفي اللحظة التي دوّى انصفاق الباب وراءهما، حتى انفجرت عيناه اتساعاً وفغر فمه، فقد أدرك أنه دخل عالماً آخر غير العالم الذي كان يعيشه. لم يعلم كم من الوقت صرفه في الوقوف واجماً وهو يجول النظر في مجموعة من الرجال العراة إلّا من قماش صغير في وسطهم لستر العورة، لم يشاهد هذا المنظر في حياته أبداً من قبل، وشعر حينها أنه طفل صغير لا يستطيع التعامل مع هذا المجتمع الغريب الوافد إليه، فهو أصغر الموجودين سناً بفارق كبير، وقد جعله الشعور بصغر حجمه أمام الموجودين يتردد في الإقدام، وحاول الفرار والعودة إلى حضن أمه، إلّا أنه تذكر حاجته الماسة إلى هذا العمل، وحسم صراعه هذا عندما سمع صوت الموظف يقول له:

ـ ما بالك يا سمير؟ أدخل! شو مش شايف الخبز كيف تجمَّع على اللوح! بدك تصفه قبل ما ينتزع...

هرول دون أن يفكر فيما يفعل، وانزلق على درجات ثلاث، ليجد حائطاً ينتصب أمامه بارتفاع متر ونصف تقريباً، وطول حوالى مترين وعرض مترين، تحدهما في طرفهما الشمالي الغربي كوة نصف دائرية يخرج منها لهيب النار من الحطب الذي يرمى فيها ويشتعل مرسلاً ألسنته الذهبية ووهجه الدافئ، ويحدها من الغرب حائط يمتد من الشمال إلى الجنوب، مقابل هذا الحائط المنتصب أمامه، ويفصل بين الحائطين وادٍ بعرض أقل من متر بقليل وطول حوالى مترين وارتفاع لا يزيد عن متر ونصف، ويقف في منتصف هذا الوادي رجل ضخم الجثة عملاق الطول.. ثبَّت سمير عينيه على هذا الرجل في دهشة، إنه "الخباز"... "الفرّان" الذي كان يرى صورته في كتاب القراءة، ها هو يراه في الحقيقة... وأخذ يتأمل كيف يبدّل بين يديه "رفشاً" من المعدن غير أن كفّ هذا الرفش مستطيل يوازي بالطول عصاه، وآخر لا يختلف عنه إلّا في كفّه الخشبيّة، وكان في الرفش الأول يلقي العجين المستدير في الكوة وعندما ينتفخ ويصفرّ لونه يقوم الرفش الآخر بإخراجه من بطن هذه الكوة، ويقذف به أمام سمير، الذي سمع صوتاً:

ـ أسرع لمّ الخبز...

نظر سمير إلى الجهة التي انطلق منها الصوت، فوجد رجلاً ـ تبيّن له أنه أعرج ـ كان ينهمك في سحب ألواح الخشب الممددة فوقه رقائق العجين المستديرة ليضعها على رفوف مصفوفة شمال "الخبّاز" ثم يعود لسحب الألواح الفارغة بعد أن يفرغها الرجل الضخم فوق رفشه المعدني ويلقي بها في بيت النار... وفيما سمير واقف لا يدري ماذا يفعل، وكومة الخبز تزداد ارتفاعاً... حتى بقي وحيداً لا يرى إلّا الخبز المرتفع أمامه وغاب عن نظره "أبو مشهور" الذي صرخ بصوته الجهوري المرعب:

ـ هذا ليس شغلاً! أنا ما بقدر اشتغل هيك! جايبين ولد يشتغل وما بيعرف شي! شيل هالخبز يا "صالح" ونادوا لي على عاطف.

ـ حاضر يا معلم لا تزعّل نفسك.

ونزل صالح إلى جانب سمير وهو يقهقه ويصفُّ الخبز كأنّه آلة ميكانيكية، ثم يقفز باللوح المملوء خبزاً ليضعه في خزانة مكشوفة من الرفوف المعدنية، ويعاود تقديم ألواح العجين في الجهة المقابلة، ولم يمر وقت طويل حتى اختفت تلة الخبز من أمام سمير، وإذا بعاطف يأتي ويبتسم لسمير وهو يقول:

ـ يا شباب هالصبي أول مرّة بيشتغل بفرن، فطولوا بالكم عليه.

يرد "أبو مشهور":

ـ يا عاطف هذا ولد ومش قد هالشغلة ونحن ما فينا نوقف النار.

ـ طول بالك عليه.

ويتابع عاطف قائلاً:

ـ يا صالح علّم سمير كيف يصف الخبز.

ـ بأمرك يا معلم، بس ما بقدر لحق على الاثنين...

ـ إنت درّبه شوي وهو بيكمل.

ثم يتوجه إلى سمير قائلاً له:

ـ إسمع يا سمير هالشغلة كثير سهلة، بس صف هذا الخبز كل رغيفين سوا وضعهم على هذا اللوح، وبس يمتلئ اللوح بيسحبه من أمامك صالح.

ـ طيب حاضر.

ونزل صالح وصف اللوح الأول رغيفين رغيفين فوق بعضهما، ثم أخرجه من أمام سمير وقال:

ـ أنظر وافعل مثلي...
صفحة 9
ـ ثم كرر هذه العملية مرتين، وترك سمير في مواجهة الخبز.

ابتسم سمير وقال:

ـ خلص عرفت... شغلة كثير سهلة.

ولم ينته من كلامه حتى سمع قهقهة الفرّان والرجال من بعده.

قرر سمير خوض التحدي وإثبات قدرته على العمل، فهو لا يريد أن يفشل، وأقبل على هذه المستديرات التي تنتفخ كرات صفراء، وقرر أن ينتصر عليها وأن لا يسمح لها بهزيمته، فشدّ من عزيمته وتوجه إلى معركته، مد يديه كما فعل صالح والتقط الكرة الأولى فشعر بسخونة كبيرة، لكنّه تمالك نفسه ورمى بها على اللوح ورمى الثانية فوقها بصعوبة، ولما مد يده ليلتقط الثالثة. صاح:

ـ آخ.

ـ فقال له أبو مشهور:

ـ شو باك؟

ـ حرقت إيدي.

ـ إمسك الرغيف من وسطه.

مدّ سمير يده إلى الرغيف وجذبه بقوة من وسطه المنفوخ فانكسر الرغيف وسقطت يده في داخله، وانشوت شواءً من شدة اللهب المتصاعد من الرغيف الخارج لتوه من بيت النار... فانتفض بقوة صارخاً.

ـ يا ويلي..ي..ي..ي.. شووهاآآآ...

وسمع قهقهة الفرّان والعمال، وعلم أن هذا المعلم يتلاعب به لأنه ما إن وضع يده في وسط الرغيف حتى انفجر مرسلاً لهيباً من النار كانت في داخله، فاحترقت يده حتى كوعه، وسمع معلمه يقول له:

ـ هيك نفَّس الرغيف عليك.

ـ رد سمير، ماشي الحال عملتها بي هذه المرة، واستمر ينفض يده راقصاً من شدة الألم ويزداد حنقه من السخرية التي يلحظها في عيون العمال وتصرفاتهم معه.

فكّر كثيراً في الهرب من هذا الفرن اللعين لكنه كان يعود إلى الإصرار على قضاء هذا الليل مهما كلّفه الأمر، ممنياً النفس بالخروج صباحاً والليرات العشر في جيبه على أن لا يعود إلى هذا المكان نهائياً.

وتابع عمله حتى أصبحت أصابع يديه حمراء ملتهبة، كاظماً ألمه وكاتماً توجعه، الذي أخذ يشتد مع مرور الليل..

ـ شو يا معلم بترمي عليّ جمر أكثر من الخبز.. ليش عم تعمل هيك!! بتكفيني حرارة الخبز اللي عم تحرق ايديّ

ـ الجمر عم يخرج مع الخبز..انت انتبه... جر الرغيف جر على اللوح.

أخذ سمير يجرّ الرغيف جراً فوق اللوح، غير أن هذه الكرات الملتهبة كانت تنفث نار اللهب الذي تحمله في داخلها باتجاه صدره وتحرق ما تيسر لها منه، لأن مستوى صدره كان يقابل علو اللوح الذي يصف عليه الخبز الطازج، ولم تنفع كل أساليب الأذى التي ابتكرها "أبو مشهور" في محاولاته الكثيرة للهزء منه، وللتسلية في هذا الليل الطويل، عبر سماع صرخات الألم من هذا الصبي الذي تآمر عليه هذا الفرّان مع شغيله "صالح" الذي كان يطلب من سمير الإسراع في إنجاز عمله، لعل رغيفاً يصيبه بحروق قوية تجعله يقفز محروقاً من الألم ليضحك "أبو مشهور" وصالح وباقي عمال الفرن، فيخففون عنهم عناء الليل الشاق.

ـ شو يا معلم،توقفت عقارب هالساعة المعلقة على الحائط، شوفها كيف بتمشي مشية سلحفاة عجوز كسيحة... بزماني ما مر عليّ ليل أطول من هذا الليل..مع إني سهران مرات ومرات حتى الصباح، لكني ما شعرت مطلقاً بطول الليل كما أشعر الآن.

ـ كي يمر الوقت ركز في عملك، ولا تفكر بالوقت..
صفحة 10
سمع نصيحة معلمه، وتوقف عن النظر إلى الساعة وصمَّ أذنيه عن الكلمات المستفزَّة التي كان يسمعها من صالح، وأخذ يجول في نظره في زوايا الفرن متفحصاً هذا المكان. شاهد رجلاً، في آخر الركن الجنوبي الغربي الملاصق لرفوف ألواح العجين، قدّر سمير عمره أكثر من الأربعين بقليل، وأمامه آلة عبارة عن برميل معدني يحتوي في داخله لوحين من المعدن بشكل صليب يدوران إلى الأمام بشكل نصف دائري، ثم يعودان إلى الوراء، فيضع الرجل في داخل البرميل طحيناً من أكياس بيضاء مصفوفة فوق بعضها بعضاً، يفرغ منها ما يحتاجه، ثم يضيف إليها مادة بيضاء اسمها "خميرة"، ثم يفتح حنفيّة الماء الموجودة فوق فوهة البرميل، فتنزلق المياه إلى داخل الآلة التي تدور لتخرج هذا المزيج عجيناً فيتمّ نقله إلى آلة ثانية هي عبارة، عن برميل آخر أصغر يخرج، من وسطه خرطوم معدني بطول يقارب الثلاثين سنتمتراً وبعرض حوالى عشرين سنتيمتراً، وينتهي بفوهة يخرج منها العجين كرات متساوية بحجم البرتقالة، تتساقط في صندوق مستطيل بطول تسعين سنتيمتراً وعرض خمسين سنتمتراً وارتفاع عشرة سنتمترات، ويُرَشُّ الطحين الناعم المجفف في أرض الصندوق الموجود فوق طاولة ارتفاعها حوالى المتر، والتي يقف أمامها رجل مشعث الرأس متوسط القامة نحيل الجسم يقوم بصف كرات العجين داخل الصندوق ثم ينقله إلى الخلف واضعاً الصناديق فوق بعضها بعضاً لتستقر أمام رجلٍ يقف قبالة آلة تجعل كرات العجين رقاقات مستديرة، يتناولها الرجل ليضعها على لوح خشبي يضعه على رفٍ خلف صالح الذي يدور إلى الوراء فيأخذ اللوح ويضعه على شمال الفرّان، ويأخذه هذا الأخير ليضعه في بيت النار ثم يقذف به على يمينه ليصل إلى سمير قطعة من لهب كأنه الشمس في أوج حرارتها....

تابع سمير عمله بيديه الملتهبتين، وأخذ يتفقد المكان من حوله بعينيه، وبذلك تمكن من نسيان ألمه، وأصبح وكأنه آلة من آلات هذا "المطرح" وهو يرقب ـ بطرف عينه ـ الساعة المعلقة على الحائط البعيد عن شماله في آخر الركن الشرقي الجنوبي المقابل لباب الحمام وإذا بالساعة تدق ست دقات...:

ـ لقد هانت وانقضت هذه الليلة.

وكان قد استوعب ما يحصل له، وبدأ يتطبع مع المكان، ثم صاح بصوت مرتفع:

ـ لقد بقيت ساعة من الوقت.

ثم التفت إلى صالح وقال له:

ـ بتعرف يا صالح بمن تذكرني؟

ـ بمن؟

ـ إذا قلت لك لا تزعل؟!

ـ قل!

ـ بكتاب القراءة.

ـ شو يعني؟

ـ يعني درس القراءة العربية.

ـ إيه وشو بيقول درسك يا إبن المدارس؟!

ـ درس على ما أذكر كان اسمه.....

ـ إي شو إسمه؟ خلصني... أنطق هالجوهرة.

ـ إسمه الأعرج...