صفحة 1
-1 -
استطلاع تمهيدي
(في باحتها الواسعةِ يتمدّد جذع هرمٌ
كشجاع ٍ صرعته الحرب
ونساه المنسحبون وحيدا ً...)
(عيسى حسن الياسري)
وأنا ماض في استكمال مخطوطة كتابي : "أدب الغربة والاغتراب في الشعر العراقي المعاصر" والتي تتضخم يوماً بعد آخر، حصلت على المجموعة الشعرية الأخيرة للشاعر العراقي المبدع "عيسى حسن الياسري": "أناديكِ من مكان بعيد" – دار سنابل – القاهرة – 2008 . ومن العنوان تتسيّد موضوعة الغربة حيث يطلق الشاعر نداءاته الشعرية الملتهبة من مكان ناءٍ.. مكان المنافي البعيدة حيث انخلع الياسري من تربة "أبو بشوت" في العمارة ورمي بعيداً.. بعيداً في آخر الدنيا حيث الوحدة والوحشة والعذابات واستحالة اللقاء المادية بالأحبة المخذولين إلا بنداءات الروح الممزقة التي يطلقها من "هناك".. "هناك" الخيبة ليتكفل بها مركب الشعر السحري القادر على طي مسافات الأزمان وخرق حركة الأكوان. والخطاب – في العنوان – موجّه إلى أنثى غير محدّدة الهوية، وفي العادة تشتعل انفعالات الرغبة في العودة إلى الفردوس الأول / الرحم الأمومي (راجع القصيدة الخلاصة: يا أمّ عيسى – ص 89).. إلى هناءاته وسعاداته رائعة الصيت، وتكمن هذه الرغبة بمكر في أحشاء حتى النداءات الموجهة إلى الحبيبة أو الأخت مثلاً، وكما سنرى ذلك. إن الغربة تمثل في حقيقتها انخلاعاًمن تربة الوطن الأم (ولاحظ وصف الأم)، و بدءاً لمحاولة جحيمية في نسج شبكة علاقات مع أم جديدة.. دخيلة بطابعها.. قسرية المحبة مهما حاولنا عقلنة مسببات الولاء الجديد وحيثياته، ودوافع الانهجار من الوطن القديم (مثلا وطني لم يقدم لي خمس ما قدمته لي السويد كما يقول بعض المهاجرين الذين ينطبق عليهم الشعار الشعري الرائع الذي رفعه الراحل "محمد الماغوط ": وطني جيوبي، ومدينتي حذائي). الياسري خلاف هؤلاء، يستقر في منفى يوفر له كل شيء فتنهض من رماد أعماقه عنقاء الحنين المتجددة المميتة (راجع مثلا قصائد: ذاكرة ما كان التي هي من أمهات القصائد في هذا المجال، ربيع أبو أبشوت، زيارة الخالة حليمة، القبّرات، أمطار أولى، أطفال بلادي.. وغيرها). وهذه العنقاء كلما تجددت في حركة شوق عاصف، كلما سبّبت للشاعر نوبة فناء كاسحة، فمقابل انطلاقة عنقاء الأشواق المتجددة هناك موت الشاعر المتكرر. ولا يظنن أحد أن في ميتات الشاعر منفعة خلودية عضوية، هناك نهوض لآليات نفسية دفاعية تتكفل بها ألعاب الشعر الورقية تحاول مداراة انجراحات الشاعر في كونه ليس عصياً عن الفناء، ولكن في الواقع الفعلي فإن وجود الشاعر المادي، صحته وسلامة أعصابه وتماسكه النفسي وسنوات عمره، تتآكل مع كل قصيدة تشتعل بنوبات الحنين. وهكذا تهالكت صحة عيسى حسن الياسري كما نعلم، وقرضت قواه أسنان الغربة اللبنية لكن المسمومة رغم أن المنفى وفّر له ما عجز أن يقدمه له "أبو بشوت" أو "العمارة" أو "العراق" عموماً، هو –
صفحة 2
أي عيسى – كاتب العرائض الذي كنا نراه أمام محكمة الأعظمية محاطاً بالنساء المثكولات اللائي لن يجدن مثيلاً له في التعبير عن محنهن وفواجعهن التي لا نهاية لها.. والشعراء يتبعهم المثكولون، وأمام أبواب المحاكم يهيمون:
(للسماء التي ما عادت زرقاء.. وصافيةً
لكتّاب – العرائضِ -..
وهم يختصمونَ
وسريعاً ما تغمرهم الإلفةُ كأطفال لطفاءْ
لطاولته.. بقوائمها المرتعشة كأصابع شيخٍ – مفلوجٍ –
وللكرسي الذي جعله هرماً
ومحنيَّ الظهرْ – قصيدة مدّخرات - ص 98).
وحين قلت أن خطاب العنوان "أناديكِ... " موجّه إلى الأنثى الأصل: الأم، ومرجعيتها المختزنة في لاشعور كل منا، حتى لو كان النداء موجهاً إلى الأخت أو الحبيبة أو البنت، لأنَّ مشاعر الإنقاذ لا تتحقّق – كما ترسخت في لاوعينا منذ طفولتنا المبكرة – إلا على يدي الأم الحانيتين – والأم العشتارية هي الإله المنقذ أسطورياً وليس دموزي -وفي حياة المنافي يوضع اللاجئ أو المنفي أو المهاجر في وضع نكوص نفسي صارخ وكأنه طفل صغير يتعلم المشي، حيث يعود إلى تعلم حتى اللغة من جديد، ويكون عارياً في مواجهة ضغوط الحياة الجديدة، ولا تحضر هنا سوى صورة الأم الحامية المنقذة مقابل " لأم الميدوزية الخاصية أو الملتهمة". ولذلك تتشكل المضامين الدفينة في نداءات استغاثة الشاعر على أساس الإنقاذ والحماية والمسرات التي يقدمها الرحم الفردوسي الأول والأخير. يتأكد ذلك في قصيدة الإهداء الموجهة إلى ابنة الشاعر "جمان":
(الآن يا ابنتي : وقد ابتعد كل الذين أحبهمْ الآن..
وأنا بلا نسيم أو موقد نارٍ الآن.. وأنا على وشك أن أنحدر كورقة خريفيةٍ تمسكين بي.. وتجعلين كلّ ما هو غائب.. وناء.. وبعيدْ
حاضراً وقريباً– ص 5).
صفحة 3
صحيح أن من اليسير على البنت أن تكون دليلاً أميناً وعوناً بدنياً وعكازاً نفسياً لأبيها في سنوات الذبول الخريفية من عمره، إلا أن الأفعال "السحرية" التي تجعل كل ما هو ناء وبعيد وغائب حاضراً وقريباً بطريقة مقاربة لـ "منطق" وأفعال اللاشعور التي تقوم على أساس مبدأ "كن فيكون". إن الطيف الأمومي الغائب والضامر ينسرب في طيّات الجسد الفتي الحي. هذا المركب البشري الشعري الذي يقع في إطار التمنيات يرتقي به الشاعر من خلال الرغبة في تصميم صورة أنموذجية لابنته هي في واقعها تشكيل من سمات "تؤمثل" البنت فتمنحها – وقد تغربت الآن – اشتراطات الطبيعة الإنقاذية المرتبطة بالأم حصراً:
(أنا أكيد يا ابنتي وأنت معي حتى موتي سيكون سعيداً لذا أريدكِ أكثر صلابة من شجرة السنديانْ وأكثر انتصاراً على الألم من قلب قديسْ – ص 6).
ويبلغ هذا التمويه الآسر ذروته في التصعيد الدرامي لدور الابنة المنتظر في لحظات رحيل الأب / الابن، لحظة حضور المثكل التي يضفي عليها الشاعر ملامح أسطورية تليق بسعة حضور مخلّص:
(أريد أن يحدث هذا في اللحظة التي تحضر فيها العاصفةُ
العاصفة الموكلة بانتزاع ورقتي الأخيرةْ – ص 6).
ولو تنبهنا إلى خاتمة هذا النص الافتتاحي / الإهدائي لوجدنا الشاعر يستهله بشكوى الغربة التي تتصاعد لتمر برثاء الذات وتستقر عند سفح الرحيل النهائي، وهنا نمسك بسمة مهمة في هذه المجموعة نابعة من طبيعة حاسمة في الهجرة والاغتراب يلخصها القول المأثور: "إن الرحيل يعني قليلاً من الموت". وفي الهجرة المتطاولة يتراكم هذا "القليل" ليخلق شعورا عميقاً بقرب الفناء، وبمضاعفة القابلية على الانجراح، تلك القابلية المرادفة لقلق الموت المشتعل الذي كان يُطفأ جانب منه في أحضان الوطن الأم من خلال الإحساس المطمئن لدى الشاعر بأنه قريب من الرحم الحامي.. محاط بإخوة وأقرباء وأحبة.. يفهم لغتهم.. وتعبيرات ملامحهم.. وأنه ليس دخيلا ً على الأرض المشتركة التي تجمعهم.. وأنه حين تأتي العاصفة التي تسمى المنية.. والموكل إليها انتزاع ورقته الأخيرة.. فإن هذه الورقة الأخيرة سوف تسقط بهدوء – مهما كان عتو عاصفة المنية – لتتلقفها أذرع الأرض التي تشكّلَ من أديمها.. وسارت في عروقه مياهها.. وهي عودة قصوى إلى الرحم الأول.. ولهذا نجد أن هاجس الموت يستولي على قصائد المجموعة بأكملها مستثاراً وملتحماً بضغوط الغربة العاتية. وهاجس الموت الأسود هذا يتمظهر في أشكال خلاقة مختلفة ؛ منها، وأهمها نفسياً رثاء الذات، وكأن الشاعر في حالة طوارئ من انتظار قدوم المثكل في أية لحظة، إنه ميت في الحياة، هو في إجازة من العالم الأسفل، وفي بعض المواقف يصور ذاته وكأنه الـ "زومبي" الخارج من مملكة الموت، يتحرك ولكن لا يتكلم
صفحة 4
ولا يشعر ولا يتحكم في مقدراته. ورثاء الذات يمكن أن يُنظر إليه كلعبة دفاعية أيضا، فما دمت قادراً على رثاء ذاتي فإنني منفصل عن جثمان ذات أخرى، يمكن أن أموت حياً إذا جاز التعبير. ورثائي لذاتي هو – من وجه آخر – حركة استباقية وإجهاضية لطعنة المثكل المنتظرة. فالشاعر "يموت " بـ "تقديره" وليس بتقدير قوة متعسفة خارجية، ويلتقط الفرصة لنعي ذاته في الوقت الذي يقف فيه المثكل منخذلاً أمام مشهد الموت المصنّع (راجع مثلا قصائد: أوراق، في الأماسي الباردة، شتاءات متأخرة، الذي تخرب منا.. وغيرها). أما الشكل الآخر لتمظهر هاجس الموت في مجموعة الياسري فهو رثاء "الآخر" من شعراء وأحبة وأصدقاء، وفي ذلك أيضا يكمن اللعب المصلحي النفسي، والمداورة التخديرية للذات الهشة، فما دمت قادراً على رثاء الآخرين الراحلين فمعنى ذلك أنني – وبطريقة سحرية – سأتحصن بالحيوات المرثية (راجع مثلا قصائد: نوقظك الليلة بالورد، دار السيّاب، سنبلة الحقول الخجلى، مرثاة إلى عبد الوهاب البياتي). ويلحق هذا تمظهر آخر لا يقل أهمية ويتمثل في رثاء الأماكن.. رثاء المكان "مؤنسناً" ومفعما بقداسة مهيبة (قصائد مثل : ربيع أبو بشوت، مدّخرات، أحلم). وفي رثاء المكان يدرك الشاعر بانتباهته الحادة، وبأمانته التاريخية كشاهد عصر أنه لا يمكن أن يغض طرفه الشعري المحمر عن الغولة التي خربت مكان حياته الفردوسي وطردته إلى المنافي ولحست قدمي وطنه: "الحرب"، فيقدم الياسري الكبير نصّا يمكن أن يوضع في مصاف النصوص العالمية التي كتبت عن لعنة الحرب (قصيدة : الحرب – ص 107)، والتي ترتبط بها عضوياً بالنتائج المدمّرة لهذه الغولة التي أحرقت زرع وطن الشاعر وجففت ضرع مستقبله، تلك النتائج التي لا يوجد في الدنيا ما يعبر عنها أبلغ تعبير مثل حال أطفال بلاده المضيّعين المشردين (قصيدة أطفال بلادي – ص 84). وفي ظل هذه الخسارات الجسيمة، والإحباطات الباهظة، في ظل عالم شبحي يضمحل ولا يتردد فيه سوى نعيق الغربان والبوم المشؤوم.. قد يصبح مبرّراً أن يغيّب الشاعر الوعي الملعون بالمحنة (راجع قصيدة هذي الكأس – ص 64، وقصيدة ناي حطّاب إدهيم – ص 37 مثلا).
وبعد هذا الاستطلاع التمهيدي، وعلى هذه المحاور سنمضي مع عيسى حسن الياسري بعيدا بعيدا بعيدا.. محلّقين في سماوات مجموعته الشعرية الفذة هذه ليتقابل الخطابان حيث يهتف الشاعر : أناديك من مكان بعيد.. فيرد الناقد: أفهمك من مكان قريب.. ولكنني وجدت أن دراسة هذه المجموعة مستقلة عن كامل المسار الشعري للياسري الذي يمتد لأكثر من نصف قرن، هو موقف نقدي تجزيئي سيشوه الصورة الكلية لإبداع الشاعر، ويجعلنا نقتطع رأس النتائج عن جسد مقدماتها، فقد أصدر عيسى -قبل هذه المجموعة – ست مجموعات شعرية هي:
صفحة 5
- العبور إلى مدن الفرح – بغداد -1973
- فصول من رحلة طائر الجنوب – بغداد - 1976
- سماء جنوبية – بغداد - 1979
- المرأة مملكتي – بغداد -1982
- شتاء المراعي – بغداد – 1992
- صمت الأكواخ – بغداد -1996
أي أن المجموعة التي بين أيدينا هي المجموعة السابعة التي – وفق معطيات المنهج الذي نشتغل عليه – ترتبط حتما، وبوشائج قوية – مبنى ومعنى – بالمجموعات السابقة. وعند مراجعة وتحليل المجموعات الست السابقة تفصيلياً، وعبر جهد مضن لاحقت فيه أدق مكونات تجربة الياسري، وجدت أن المحاور التي أشرت إليها كركائز لقراءة نصوص مجموعة الياسري الأخيرة، قد بذر نواها في تربة إبداعه الشعري منذ نصوصه الأولى، ثم استوت على سوقها عبر عقود من الممارسة الخلاقة القائمة على تجربة حياتية مريرة، والمسلحة بثقافة شعرية، وعامة واسعة، والمدعمة بنظرة فريدة إلى دور الشعر في الحياة والوجود والكون، وموقف المبدع من متغيرات مجتمعه العاصفة، وعذابات الإنسان المسحوق فيه، لتصبح غابة أشجار متميزة ومستقلة في التجربة الشعرية العراقية والعربية اسمها عيسى حسن الياسري، عيسى بتمامه : شاعراً وإنساناً. ويشتغل هذا الكتاب على استكشاف خصائص هذه الغابة، غابة التجربة الياسرية الشعرية، وفق منهج نفسي تحليلي كلي لا يشتغل على النص من "خارجه" كما يوصف عادة، ولكن من داخله، مع رفض كلي لأطروحة عزل المبدع عن نصه أو "موته"، أو فصله عن مجتمعه ومكونات ثقافته وتحولات الحياة فيه..
إذن سنمضي معاً.
***
صفحة 6
-2 -
تمظهرات الحضور الأنثوي في شعر الياسري
((في طفولته، نام في زورق وغاص
ولما كبر غاص في القمح ونام هناك)).
(نص سومري)
في قصيدة (يا أمّ عيسى) – من مجموعته الشعرية الأخيرة "أناديك من مكان بعيد"، يقدم الشاعر "عيسى حسن الياسري" لنصه بإهداء: (إلى شجرتي البعيدة: أمّي) معيداً إلى الأذهان واحدة من التعبيرات الرمزية عن الأمومة الخالدة وهي: الشجرة. ويلحق بذلك فورا، وفي بيت الاستهلال، توسيعاً رمزياً متواتراً أسطورياً وشعرياً لحضور الابن وهو القمر:
(يا أمّ عيسى لقد أودى بك السهرُ
سهرتِ.. أم نمتِ
لن يأتي لك القمرُ... – ص 89).
ومن غرائب أرض الرافدين أن القمر رمز ذكوري في موروثها الأسطوري في حين أنه رمز أنثوي في أغلب الحضارات القديمة. وأعتقد أنها المعادلة الصحيحة أن تكون في السماء الشمس أنثى والقمر ذكراً، هذا القمر الذي ينجذب "إليها" البحر. والقمر / الابن قد انفصل عن أمه إلى الأبد، ليس الانفصال الوجودي المبرر الذي يفرضه التقدم في العمر والنضج النفسي، ولكنه الانفصال القسري الذي فرضه النأي والتغرّب. وتشكّل قسرية هذا الفراق عوامل طاردة.. عوامل نبذت الابن من الحضن الأمومي متمثلة في هذا الجفاف الشامل الذي شمل بلعناته السماء بغيومها التي لم تعد مثقلة بالمطر، والأرض التي تيبست أشجارها وصمتت مراتعها الموحشة وهجرت حقولها أقدام الفتيات الراعيات الجذلى:
(لقد مضى عن بلاد ليس يعبرها
صفحة 7
غيـــمٌ
يسافر في أثوابه المطرُ
لمن يضيء؟؟
فلا الأشجار مورقةٌ
ولا المراتع يشدو فوقها الوترُ
لا بيدر القمحِ.. لا أقدام راعيةٍ
تخطو إلى الحقل جذلى وهي تزدهرُ)
لقد انتهت وظيفة هذا "القمر" الكونية التي لا تزدهر عادة إلا مرتبطة بازدهار الرحم الكوني الأنثوي، الطبيعة الأم. والابن القمر يتساءل: لمن يضيء، في عالم حكمه الخراب وتسيدت على هامته أشباح المثكل؟ ناسياً الوظيفة الجوهرية الأخرى لقمر البنوة وهي إضاءة دروب الأم، وتبديد ظلمات سنيّها الآفلة. إنَّ في هذا نوعاً من "التمنّع" الطفلي المغلف للحفزات الأوديبية، وهو "مقلوب" الواقع النفسي والإجرائي الفعلي، لأن الأمومة هي قمر سماوات الطفولة الفيزيولوجية، والرجولة النفسية اللاشعورية. وعملية قلب الأدوار هذه هي التي لعبت دورها المخادع في جعل الإله الابن خطأ هو الإله المنقذ / إله الخصب والنماء والخلاص، سالباًعن هذه الطريق امتياز الأمومة الكوني والحياتي. ورغم عملية السلب هذه فإن الابن / الإله القمر، يخلّ بالتزامه المركزي تجاه الأم / الإلهة المنهجرة، فلا يرى ضمن واجبات الوفاء الحاسمة المناطة به إلا إضاءة عوالم حيوات مكونات الطبيعة، غافلا ً دوره الحيوي الوفائي. وفي محاولة التفافية يغيب فيها الإحساس بالذنب، نجده يعمد إلى عملية تبريرية، موسعاً دوره من جديد، ومانحاً نفسه سمة الاستجابة لـ "تكليف" مبكر يشبه تلك "العلامات" الأولية التي تبشّر بميلاد الابن المنقذ، فيرى أن النأي والسفر هو واجبه الذي كُلف به منذ طفولته، وإن من المفروض بالأم – الآن – أن لا تعيق انطلاقته بالبكاء الوجل:
(دعيه يرحل لا تبكيه في وجلٍ
صفحة 8
فمن صباه دعاه النأي والسفرُ– ص 89).
والمعادلة المتوازية التي أقامها الشاعر بين الأم الأرقة التي جافت النوم وابنها القمر الذي هجر لياليها وصار يعرف أنها تنتظر بلا رجاء، تعكس تجانس المخاوف المتقابلة التي تجري تحت غطاء الليل.. فلا يترعرع القلق إلا في الظلمة.. والبنية الليلية هي بطلة هذه القصيدة.. وتحت أستار الظلمة تنمو المخاوف والهواجس وموجات الرجاء الممزوجة باليأس. الظلمة هي الفراق وسواد الخيبة وعتمة الانهجار وحلكة محتويات صندوق الذاكرة الأسود:
(أتذكرين.. وكان الليل منسدلاً
على العيونِ
سوى عينيك تنتظرُ؟)
والانتظار هو اختصاص الأم.. خصوصا الأم العراقية ومنذ فجر الخليقة ؛ الأم العراقية هي إلهة الانتظار.. الانتظار فن الأمومة.. في حين أن الغياب هو اختصاص الابن، وعلى امتداد القصيدة سنواجه معادلات وظائفية تتقابل بين الابن والأم. الأم تنتظر الابن، وهذا واجبها، لا ينفصل عن محن الانتظار الحاكمة في حياتها.. انتظار نزف الخصوبة.. انتظار علامات الحمل.. انتظار يوم هبوط "المنقذ" في الولادة.. وانتظاره المديد في تشوفات الالتحام العصي والمحرم في ظلمات اللاشعور.. وانتظار انفصاله النهائي المستحيل فهو طفل اللاشعور مهما نما ونضج و"تكلّف" بمهمات وجودية وحياتية. الأم تنتظر والابن يغيب ضائعا مطاردا
(ولم يعدْ
وقتها لفته قافلةٌ
من الضياعْ
ويعدو خلفه القدرُ
أظفاره لم تزل بيضاء ناعمةً
صفحة 9
وخوفه إن رأى الجدران.. يستعرُ – ص 90).
والحرية منجز أمومي.. ولهذا كان أول استعمال لمفردة "الحرية" في تاريخ البشرية، وعلى أرض سومر، في صورة مفردة "أمارجي" وتعني "العودة إلى الأم" كما يؤكد ذلك "صموئيل نوح كريمر" في كتابه "ألواح سومر"، وكأن ذروة التحرر والأمن الذي حصل عليه الإنسان يتمثل في النهاية في العودة إلى الفردوس الرحمي الذي بالهبوط منه – ترى هل هناك موازاة صاغها اللاشعور الماكر بين هذا الهبوط وهبوط جدنا الآثم من الجنة بعد اقتراف الخطيئة؟ -تنطلق صرخة العذاب الأبدي .. لكن في واقع الحال إن الأم ليست حرّة.. فهي مرتهنة بالابن الغائب – كما تجسد ذلك القصيدة – الذي يريد تجريب أقصى حدود التحليق في سماوات "الحرية" التي منحته الأم صرختها الأولى في لحظة الوضع وعلمته مراراتها. الابن / طائرها المحلق يخشى الجدران، هو ربيب بيت القصب ذي الباب المشرع دائما:
(كطائر كان يخشى أن يحطّ بها
يوماً.. لتأسره أبوابها الكثرُ
فكوخه قصبٌ.. والباب مشرعةٌ– ولا أعلم لماذا أنّث الشاعر مفردة الباب وهي مذكرة في القرآن، قد يكون ذلك تحت تأثير الانفعال بالمناخ الأنثوي – ص 91).
لقد خطفته – الابن – قافلة الضياع بكل ما تعنيه من معاني الانفصال القسري والتغرب والخيبة والخسران.. خسران العالم الفردوسي الذي يؤثثه حضور الأم.. ففي الذاكرة الطفلية لا أمل
ولا اخضرار ولا نماء إلا بحضور الأم، ولا أمن ولا اطمئنان إلا تحت ظلال عطايا رحمها الفردوسي المبارك، وهذا ما فقده الابن الضائع مرة واحدة وإلى الأبد:
(فكوخه ُ قصبٌ.. والبابُ مشرعةٌ
صفحة 10
جاراهُ.. صفصافه الريفي والنهرُ
كانت مراعيه حضنا حين يأخذهُ
إليه يغفو فلا خوفٌ.. ولا كدرُ
وكان شعر صباياها إذا خطرتْ
ريح الصباحِ
على عينيه ينهمرُ– ص 91).
وفي هناءة هذه البهجة الفردوسية، يأتي "أولئك" الذين صاروا وكلاء للمثكل في تهديم اللذات وتفريق الجماعات كما تصف سيّدة الحكّائين "شهرزاد" الموت عند ختام كل ليلة من لياليها، وحاولوا تجريده من جوهر حياته.. ما يعبّر عنه بـ "الرائحة" التي تعادل حياته.. وهي رائحة الأمومة.. الأرض.. الوطن.. التراب الطهور.. ووجد ذاته – ومن خلاله نجد ذواتنا نحن أيضا – ومن جديد، "يعقلن" ويبرّر ارتحاله.. وغيبته.. هذه المرّة، ليس بنداءات النفي والسفر التي "كُلّف" بها منذ طفولته، ولكن بمهمة أوسع إطاراً وأغنى محتوىً وأكثر جلالاً، وتتمثل في دور وطني أوسع، فهو الآن مسيح يحمل صليبه / الوطن على كتفيه ويجوب به معذّباً ومدمى في دروب الضياع والإحباط:
(حتى أرادوا له أن ينضو رائحةً
أحبها حدّ أن يفنى بها العمرُ
حطّ الشفاه على أحجارها قبلاً
وقال.. كوني معي
يا أرض يا حجرُ
مضى يشيل على أكتافه وطناً
ودربه.. صفعات الريحِ.. والعثرُ– ص 92).