eKtab
EN ع
أبعاد الاستهداف الأميركي
اقرأ عينة مجانية

أبعاد الاستهداف الأميركي

بقلم د. خلف الجراد

صفحة 1

مدخـل

العلاقة بين العرب والإسلام من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، علاقة إشكالية معقّدة عالجتها دراساتٌ وبحوثٌ جادّة ومئات المقالات، إضافة إلى ندوات أكاديمية متخصّصة، ولا سيما في العقد الأخير.

هدف بحثنا هذا تحليل عدد من أبرز بواعث الاستهداف الأميركي للعرب في الفكر والسياسة، التي نعتقد أنها تشكّل في مجملها إجابات موضوعية ومنطقية وواقعية على كثير من الأسئلة الحائرة في هذا السياق.. وهي تتمحور حول النقاط المركزية الآتية:

أولاً: الخلفية الدينية - الروحية والثقافية للموقف الأميركي تجاه العرب والمسلمين.

ثانياً: الاستشراق وصناعة الكراهية.

ثالثاً: مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، ودورها في صناعة الفكر والسياسة والقرار الأميركي.

منوّهين بعشرات المؤلّفات والدراسات والمقالات، التي كانت المعين الحاسم في إعداد هذا البحث، والمراجع التي شكّلت بالفعل المادة الفكرية والتوثيقية الهادية والمرشدة، ومصدر قوّة الحجج والأدلّة المبثوثة في أثناء العمل.

إنّ اختيارنا لمحاور البحث الثلاثة المشار إليها، مع مجموعة المؤلّفات والدراسات والمقالات المرجعية، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الاستهداف الأميركي للعرب مقتصر على هذه الجوانب وحسب، وإنما يشير أساساً إلى تعقيد الموضوع وتشابك عناصره، وصعوبة تناول وجوهه المختلفة في دراسة واحدة أو ندوة أو من طرف كاتب بمفرده.

المسألة تحتاج إلى جهود جماعية مؤسّساتية مشتركة.. إلى طاقات وقدرات وأفكار مئات الباحثين والدارسين، الغيورين على حضارتهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم.

ويبقى بحثنا محاولة متواضعة في هذا الاتجاه.

صفحة 2

الخلفية الدينية - الروحية والثقافية للموقف الأميركي تجاه العرب والمسلمين

تقوم الأمم المتحاربة بصورة عامّة، باستبطان قالب ذهني معيّن عن العدوّ يتكوّن كلّياً من صفات شرّيرة أو مُحتَقَرة، وبالمقابل تكوِّن عن نفسها وعن حلفائها قالباً ذهنياً يضمُّ أحسن الصفات الإنسانية. ويحاول كلّ طرف من الأطراف، في معركته لكسب قلوب وعقول ودعم الرأي العام العالمي، أن ينقل قوالبه الذهنية عن الطرف الآخر إلى أطراف ثالثة، بغية التأثير في سياساتها واتجاهاتها وسلوكها.

نحاول هنا التدقيق في صور الصراع العربي-الصهيوني، التي يجري إيصالها إلى الرأي العام الغربي عامّة والأميركي خاصّة، وإبراز القوالب الذهنية التي ترسّخت في إطار ذلك لكسب الرأي العام. وسنتناول في سياق البحث عدداً من المؤشّرات والمعايير التي تُحلِّل بعض الصحف والمجلات ذات النفوذ الكبير، وكذلك الكتب المدرسية الخاصة بالمنطقة العربية والمقرّرة في المدارس الثانوية الأميركية. وسنتوقف بالتفصيل لدراسة الخلفية الدينيّة الروحيّة لموقف الرأي العام الأميركي المؤيِّد للصهيونيّة و«إسرائيل». حيث نعتقد أنه سيكون ممكناً عن طريق تحليل هذه المصادر والاتجاهات، إدراك آثار القوالب الذهنية التي تشكّل في واقع الأمر الأرضية الملائمة لعمل آلة (ماكينة) الدعاية الصهيونية.. ووسائل الإعلام التي تصبّ لصالحها، مشوِّهة في الوقت ذاته صورة العرب والقضية الفلسطينية، ومكوِّنة لقوّة كبيرة لايُستهان بتأثيراتها على صانعي السياسة ومواقفهم وقراراتهم.

فمن المعروف أن الصهاينة قد نجحوا، على العموم، نجاحاً هائلاً في جرِّ الرأي العام الأميركي إلى جانبهم وإلى ترويج مقولاتهم وسياساتهم، وجعل مواقفهم (بما في ذلك اعتداءاتهم وإرهابهم.. وعنصريتهم) مقبولة لدى الأميركيين. مثلاً، عند البحث عن خلفية الصراع العربي- الصهيوني يُنظر إلى اليهود في فلسطين المحتلّة وكأنهم «ضحايا» «العنف» العربي و«الإرهاب» الفلسطيني، أمّا المشكلة الفلسطينية فينظرون إليها بوصفها نتيجة «لجملة ظروف مؤسفة» ليس إلا، ودون تشخيص لمصدر المشكلة ومسببيها وخلفياتها الحقيقية.

صفحة 3

أوّلاً: خلفيّة القوالب الذهنية عن العرب واليهود

ثمة عوامل عديدة تتعلّق بالخلفيّة ولا تتصل مباشرة بجوهر الصراع العربي- الصهيوني من شأنها أن تسهِّل صورة محبّذة لـ«إسرائيل» وأخرى غير محبّذة للعرب. فقد تكوَّنت الصورة الغربية عن العربي لا عن طريق الاطلاع المألوف، بل على فترة طويلة ظهر فيها العرب بأشكال شتّى كمتعصبين غير مسيحيين يقاتلون الصليبيين، كأبطال في حكايات «لورنس العرب».. ومنبع لعناوين رئيسة عنيفة في وسائل الإعلام الأميركية.. ومهدِّدين للسلم والاستقرار في المنطقة وفي العالم كلّه!!. إضافة إلى محاولة إبراز ما يُسمّى بـ«القضيّة اليهوديّة» على أنها قضية شعب اضطُهد عبر

التاريخ وجرت إبادته (على أيدي هتلر).. في حين «أنه شعبٌ نشيط، ذكي، محبّ للسلام.. ويريد العيش بوئام

مع جيرانه.. الذين يعملون على سحقه والقضاء عليه ورميه بالبحر..»!!.

وقد استقرت مجموعة من الأوهام والتلفيقات المؤيّدة للكيان الصهيوني. وتتضمن بعض القوالب السائدة، أهمها:

1- أنّ «الإسرائيليين» شعب غير مقاتل، هم مستضعفو «الشرق الأوسط»، القادرون على النصر في وجه معوقات هائلة وذلك «بذكائهم وشجاعتهم ومثابرتهم».

صفحة 4

ثانياً: اتجاهات الرأي العام الأميركي

تُبيّن الدراسات والاستبيانات الخاصّة باستطلاعات الرأي العام أنّ الجمهور الأميركي أكثر استعداداً لإدانة العرب دون تردّد، والموقف نفسه تجاه المسلمين عامّة. بصرف النظر عمّن تقع عليه مسؤولية الأحداث.. في حين تبدي أوساطٌ كثيرة التحفظ على إدانة ما تقترفه «إسرائيل» من جرائم بحقّ الشعب الفلسطيني. وهو وضعٌ يعكس جزئياً عدم فاعلية الإعلام العربي من جهة، لكنه يؤكّد ما ذهبنا إليه من القوالب الذهنية المتكوّنة منذ عقود طويلة لصالح الصهيونية وسياسات «إسرائيل» القائمة على القتل والطرد والحرق والإرهاب. وهي قوالب أو أنماط فكريّة- عقدية- نفسيّة تكوّنت نتيجة لعمل مُخطّط، متكامل.. متناغم شنّته الحركة الصهيونية للاستحواذ على الرأي العام الغربي. وتتراوح هذه النشاطات بين محاولات التأثير الديني- الروحي على الجمهور (وسنتوقف عند هذه النقطة لاحقاً بصورة تفصيلية)، أو من خلال الرعاية المتواصلة، أو استخدام وسائل ضغط مختلفة ضد الأفراد والأشخاص والمؤرّخين والمفكّرين والصحافيين (ووسائل الإعلام) الذين يحاولون أن يناقشوا بموضوعية وعقلانية أعمال الصهيونية وأكاذيبها وأضاليلها (مثل بول فندلي، روجيه غارودي، الأب بيير وغيرهم)، أو الخروج عن خطّ الصهيونية واصطلاحاتها وسياسات «إسرائيل» العنصرية، حيث يتركز عمل الجهات الصهيونية ومناصروها ليس على اجتثاث أي تصريح مضاد لـ«إسرائيل» وحسب، بل الغرض، كما أشار عدد من المراقبين، هو إعاقة نشر أو توزيع المواد الناقدة لـ«إسرائيل» بصرف النظر عن الحقائق الواقعية والأحداث التي يشهدها العالم يوميّاً.

في دراسة علمية ميدانية قام بها الباحث والأكاديمي العربي الدكتور ميخائيل سليمان، الذي يعيش في الولايات المتحدة، ونشرت تحت عنوان «صورة العرب في عقول الأميركيين»[1]، للصحافة والكتب المدرسية الأميركية المقرّرة في المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأميركية، ظهرت صورة المواقف الداعمة للكيان الصهيوني، حيث وجد الباحث أنّ 47بالمئة من مقالات «نيويورك تايمز» المخصّصة للصراع العربي- الإسرائيلي أكّدت على «أن العرب يسيئون معاملة إسرائيل»، وأن 58بالمئة من المقالات سوّغت أعمال «إسرائيل» العدوانية.. إضافة إلى نسبة لا تقل عن ثلث المقالات (في المطبوعة نفسها) ركّز على الزعم بـ(رغبة «إسرائيل» في الأمن والسلام» وما يُسمى بـ«إنجازات «إسرائيل») و«قوّتها» و«كراهية العرب لليهود» (كديانة.. وهو كذب صريح). والنسب ذاتها تقريباً كانت في «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» و«نيشن» و«نيوزويك» و«تايم» وغيرها من كبريات المطبوعات الأميركية. وغالباً ما يُشار (في المطبوعات ووسائل الإعلام الأميركية) إلى الإسلام بوصفه دين العرب، القائم على «العنف» و«عدم التسامح» و«رفض الأديان الأخرى». يُضاف إلى ذلك، أنّه يُنْظر إلى اليهود والإسرائيليين وكأنهم شعبٌ واحدٌ بذاته، وهذه فكرة يعزّزها الزعم المتكرّر بأنَّ يهود العالم ينحدرون من «سلالة» اليهود في زمن التوراة، وأنَّ «عودتهم» إلى فلسطين وتأسيس «الدولة اليهوديّة» فيها هو أمر «طبيعي» و«مقدّس». أما مناقشة قضايا الصراع العربي- الصهيوني فهي تدلّ على موقف مؤيّد لـ«إسرائيل» ومضاد للعرب بصورة عامة. مع تكرار المقالات التي تتحدّث عن «معاناة اليهود التاريخية» وتعرّضهم «للاضطهاد»، في حين تأتي الإشارة إلى الفلسطينيين كأفراد وأقليّة وجدت «مصادفة» بين ظهراني اليهودي.. وأنّهم «ضحايا الظروف» و«سوء الحظّ»(؟!!)، دون تحديد لدور الصهيونية و«إسرائيل» في هذه المأساة. ومن نافل القول أن يستدرّ شعب مُضطَهَد، في عصر الليبرالية والتسامح تعاطفاً ومساندة أكثر مما يستدرّه شعب هو مجرّد «ضحيّة الظروف». وما توحي به عبارة «ضحيّة الظروف» يعفي القارئ أو المشاهد أو حتى السياسي على وجه التخصيص من أية مسؤولية أخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني[2].

وفي دراسته التحليلية الموثّقة للإعلام الغربي والأميركي تحت عنوان «من يحكم أميركا فعلاً؟!»[3] ذكر الدكتور يحيى العريضي أنَّ من يراقب الإعلام الأميركي بشكل مستمر يعرف تماماً أنه لا يمرّ شهر أو أسبوع، أو حتى يوم واحد إلا ويُذكِّر المواطن الأميركي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بما حدث لـ«شعب الله المختار» على يد هتلر.. ولصالح «إسرائيل»، التي يردد الإعلام هناك ما تلفقه من أكاذيب وآراء. ففي معرض تغطيته لغزو «إسرائيل» للبنان عام 1982 سمع الكثيرون العبارات التالية تتردّد في الإعلام الأميركي[4]: «تقصف الطائرات الإسرائيلية مواقع الفلسطينيين في جنوب لبنان رداً على قصف الإرهابيين للمستوطنات اليهودية في شمال «إسرائيل»(صحيفة «نيويورك تايمز» 5 حزيران 1982).

وكان لعبارة «سلام الجليل Peace for the Galil » التي استعملها الإعلام الصهيوني لوصف الغزو، نصيب من الترداد في الوسائل الإعلامية الأميركية. (واليوم يصف الإعلام الأميركي أعمال الانتفاضة بأنها عمليات عنف وإرهاب موجّهة ضد الجيش الإسرائيلي والمدنيين الآمنين في المستوطنات)، وإذا ما حدثت مجازر مفضوحة ضدّ الأطفال والعاجزين ومنازل الفلسطينيين واللبنانيين تسارع وسائل الإعلام الأميركية للبحث عن مبرّرات وتسويغات وحجج تغطي تلك الجرائم.. وتقوم في أحسن الأحوال بتحميل أشخاص محدّدين في القيادة الصهيونية «المسؤولية الجزئية» لتلك الأعمال المشينة، حتى إنّ الإعلام الأميركي قام بتبرئة «إسرائيل» (كنظام «ودولة») من مجازر «صبرا وشاتيلا»، بل «استعملت لصالح إسرائيل».

صفحة 5

ونحن إذ نشهد تحيّز وسائل الإعلام الأميركية ومعها غالبية الرأي العام الأميركي لصالح الكيان الصهيوني وممارساته الوحشيّة ضدّ أهلنا في الأراضي العربية المحتلّة.. لابدّ لنا من معرفة -ولو بصورة موجزة- القوى والهيئات والشخصيات المهيمنة على تلك الوسائل والأجهزة ذات التأثير الواسع في الولايات المتحدة الأميركية[5]:

- محطّات التلفزة والإذاعة: توجد في الولايات المتحدة ثلاث شركات تلفزة رئيسة هي: «إي.بي.إس»، «سي.بي.إس»، «إنْ.بي.سي». يتبع لهذه الشركات الثلاث 85% من المحطات التلفزيونية الفرعية، في ولايات أميركا، والنسبة نفسها تقريباً من محطات الأخبار الإذاعية. وأصحابها (ليونار غولدن وجيمس روزن فيلد ونائبه ديفيد فخس وديفيد سارنوف) بيدهم السلطة العليا وبرمجة ما يجب أن يسمعه ملايين الأميركيين يومياً. وكل هؤلاء الرجال يهود، ومشهود لهم بدعمهم لـ«إسرائيل». إضافة إلى محطات شعبية مموّلة من شركات ضخمة كشركة «فورد» و«جنرال الكتريك» وغيرهما.

وتعرض هذه المحطّات باستمرار في طيّات برامجها «الثقافية» أفلاماً وثائقية، مثل «الهولوكوست» (إبادة اليهود) وما يُسمّى بـ«تاريخ اليهود وحضارتهم».

ورئيس محطة «بي.بي.إس» التي تحظى بشعبية واسعة هو «لورنس غروس مان» ورئيس محطات الإذاعة التابعة لها «فرانك ماك مانكوتش» والاثنان من اليهود ذوي الجذور والتوجهات الصهيونية.

- الصحف والمجلات: إذا كان التلفاز يلعب دور ربّ البيت في أميركا، فإنّ الصحيفة بالمقابل تلعب دور ربّة البيت.

- عدد الصحف التي تُباع في الولايات المتحدة تقدّر بستين مليون نسخة يومياً، تصدر عن 1745 دار نشر. وقد يتصور الإنسان -للوهلة الأولى- أنَّ هذا التنوع والاختلاف سيضمن عدم احتكار جهة معيّنة مصادر الإعلام الصحفيّة، ولكن سرعان ما يخيب ظنه، ويكتشف أن نصف دور النشر هذه يسيطر عليها اليهود بشكل مباشر

والنصف الآخر بشكل غير مباشر، وتكون السيطرة غير المباشرة على الشكل التالي:

إنه من المعروف أنّ استمرارية وازدهار صحيفة أو مؤسّسة إعلامية لا يأتي من /25/ أو الـ/50/ سنتاً يدفعها قارئ الصحيفة، بل تأتي من الذين يضعون إعلانات تجارية في هذه الصحف ويدفعون لقاء ذلك أموالاً طائلة للترويج لمنتجاتهم، ومن المعروف أيضاً أن اليهود في أميركا يمتلكون جزءاً كبيراً من رأس المال الأميركي. فعلى سبيل المثال توجد أربع شركات صحفية في أميركا، هي:

- نيوهاوس New house هذه المؤسسة أخذت اسمها من المهاجر اليهودي الروسي «صموئيل نيوهاوس»، تُصدر هذه المؤسّسة 49صحيفة (إحدى وعشرون منها تصدر يوم الأحد فقط)، يوزّع منها 5ملايين نسخة إضافة إلى عشرين مجلّة أشهرها Glamaur وهاوس House وغاردن Garden وسِلْف Self. وكذلك مجلّة «باريد» الشهيرة الصادرة كلّ أحد، والتي يوزّع منها 22مليون نسخة أسبوعياً، وتمتلك هذه الشركة أيضاً محطات تلفزة خاصة، عددها لا يقلّ عن عشرين.

- نيويورك تايمز The New York Times أضخم صحيفة في الولايات المتحدة تصل تقريباً إلى كل بيت وكل مؤسّسة وكل دائرة في أميركا، وهي أيضاً مرجع لمعلومات تقتبس في محطات الإذاعة والتلفزة. مؤسّسا هذه الصحيفة «هنري ريموند» وشريكه اشتراها منهم اليهودي «أدولف أوخس» بعد أن قاربت على الإفلاس، وعندما اشتراها هذا اليهودي ازدهرت من خلال الإعلانات التجارية فيها بشكل هائل. مالكو الصحيفة حالياً هم عائلة «سولزبوغ» اليهودية، وتمتلك هذه العائلة أيضاً ثلاث عشرة صحيفة و8مجلات، ومحطات تلفزة خاصة ( Cable T.V )، والأهم من كل ذلك أنَّ شركة «نيويورك تايمز» تبثّ أخباراً لأكثر من خمسمئة مؤسّسة صحفية وإخبارية.

- واشنطن بوست The Washington Post وهي الثانية بعد نيويورك تايمز من حيث الانتشار. هذه الصحيفة، بحكم وجود مركزها في واشنطن العاصمة، تلعب أدواراً كبيرة من خلال التقاطها للأخبار المسرّبة من جانب بعض العناصر في الإدارة الأميركية، وذلك بالتأثير على تفكير وقرارات صانعي السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً.

بعد إفلاس الجريدة في عام 1933، اشتراها الرأسمالي اليهودي «يوجين مير» بمبلغ زهيد. ومنذ عام 1983 أصبحت تشرف على الصحيفة «كاترين مير» (ابنة يوجين)، مع ابنها «دونالد» المسؤول عن الصحيفة وما فيها. تملك هذه الشركة أيضاً مجلّة «نيوزويك» ( News Week ) بالإضافة إلى صحف أخرى ومحطات تلفزة فرعية في ولاية متشيغان وفلوريدا وغيرهما.

صفحة 6

- وول ستريت جورنال The Wall street Journal رئيسها ومديرها العام هو «وارن فيليبس» اليهودي الأصل أيضاً. وهي صحيفة الرأسماليين في العالم.

- مجلة تايم Time الصادرة عن شركة تايم. توزّع أسبوعياً أربعين مليون نسخة، حيث يتبع لهذه الشركة أيضاً مجلات أخرى، أشهرها: لايف Life ، فورتشن Fourtune ، سبورت Sport بيوبل People ، موني Money، ديسكفر Discover. وتملك أيضاً محطات تلفزة فرعية تعمل في 36ولاية ويصدر عن هذه الشركة أيضاً عددٌ

كبير من الكتب والدوريات والنشرات.

رئيس تحرير مجلة «تايم» والمنشورات الصادرة عن شركة «تايم» هو هنري غرون وولد.. وهو أيضاً يهودي مؤيّد للصهيونية و«إسرائيل».

من ناحية أخرى أظهرت بحوث استطلاعية عديدة انحياز غالبية المعلمين والمدرّسين في المدارس الأميركية (بمراحلها المختلفة) إلى وجهة نظر الصهيونية والكيان العنصري. وقد اقترن لديهم اسم العرب والفلسطينيين بصفات تدلّ على الكراهية والازدراء والاستخفاف والإرهاب.. إلخ[6].

وبشكل عام تحتاج دراسة مواقف الفئات والشرائح والأميركية المختلفة من العرب والقضية الفلسطينية، واستطلاعات الرأي العام الأميركي إلى بحوث عديدة. لكنّ النتائج عموماً لا تخرج عن إطار ما مرَّ معنا من مواقف واتجاهات مؤيّدة للصهيونية و«إسرائيل».

وقد بيّنت الدراسات أنّ التعاطف مع العرب والفلسطينيين لايتجاوز 16بالمئة من أصوات المبحوثين في أحسن الحالات. أمّا اليوم فالـمُـلاحَظ وجود تعاطف معيّن مع «النواحي الإنسانية» للفلسطينيين، ولكن لا تُعرَف في واقع الحال نسبة هذا التعاطف وثبوته وفي أية أوساط.. وإنْ كان الـمُـلاحَظ أن المسلمين الأميركيين والسود والآسيويين وأقليات أخرى يتعاطفون مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، مع تفاوت في درجات هذا التعاطف وصلابته.

أما الملاحظة الأخرى المستندة إلى البيانات فهي أن نسبة كبيرة من الأميركيين (تناهز 50بالمئة) إمّا لا تعرف كثيراً عن الوضع، وإمّا لا تهتم بأيّ من الطرفين. وبالمقابل فإنّ التعاطف الأميركي مع «إسرائيل» يكون في أعلى درجاته خلال فترات الحروب، ولاسيّما إذا كان ينظر إلى الحكومة الأميركية كمساندة للأعمال الإسرائيلية صراحة أو ضمناً.

صفحة 7

ثالثاً: الخلفية الدينية- الروحية والثقافية لموقف الرأي العام الأميركي

يشير تاريخ الولايات المتحدة إلى أنَّ «عبادة إسرائيل» تأصّلت في الروح وتشرّبها الجسد الأميركي حتى النخاع. ويعزى ذلك إلى أن التهوّد البروتستانتي منذ كتب مارتن لوثر، تحت ذريعة «يهوديّة المسيح» أنَّ على غير اليهود أن يقنعوا بأن يقعوا كالكلاب تحت مائدة اليهود ليلتقطوا الفتات المتساقط من مأدبة أبيهم، أي يهوه[7].

وظلّت حكاية «المسيح يهودي» هذه ساتراً جيداً لمثل ذلك النوع من الاستلاب والتبعية. مع أنّ القول بأن المسيح يهودي لا يستقيم إلا إذا سلّمنا بأنّ كون المرء يهودياً ينشأ عن انتمائه عرقياً إلى «جنس» هو اليهود، أو قومياً إلى «شعب» هو اليهود. في حين أنّ كلا الادعاءين فاسد وزائف من أساسه.. لأنّ اليهود ليسوا «جنساً» وليسوا بـ«شعب» واحد، بل هم أناس من أعراق وشعوب مختلفة، ينتمون إلى ديانة هي «اليهودية» فيستمدون تسميتهم منها.

لكنَّ حقيقة المسألة (كما يقول شفيق مقّار) ليست كما صوّرها لوثر في حكايته عن الكلاب القابعة تحت المائدة.. بل هي احتضار المسيحية في البلدان الصناعية المتقدمة، واستبدال شعوب تلك البلدان الله بـ«إسرائيل» موضوعاً للعبادة[8].

ويهمّنا من ذلك كلّه الاتجاه المؤيّد لـ«إسرائيل» تحت تأثير القيم الروحية والثقافية والسياسية السائدة، أو تحت تأثير غسيل الأدمغة المرادف لظهور الصهيونية، واستغلالها البشع لما سُمي بـ«الهولوكوست»، إلى درجة أن نسبة عالية من المسيحيين الأصوليين في أميركا يؤمنون أنَّ إنشاء «إسرائيل» سنة 1948 جاء تحقيقاً للنبوءات التوراتية، وأن «الدولة» اليهودية ستلعب دوراً مركزياً في مخطط السماء للأرض[9].

ويجعل التركيز الحصري على التراث التوراتي كثيرين من المسيحيين الأميركيين ينظرون إلى «الشرق الأوسط» والصراع الدائر فيه على أنه انعكاس للأحداث التي يصورها العهد القديم. فإسرائيليو القرن العشرين يصبحون في أعينهم بني «إسرائيل» التوراة، والفلسطينيون يصبحون «الفيلستين» (الذين حارب بطلهم جوليات داود)، وهلّم جراً في سياق تسلسل خطر، وإن كان غير شعوري في معظم الأمر، من التداعيات التاريخية المغلوطة التي يتلاشى تحت وطأتها أي فرق بين المستوطنين اليهود و«الأمة» اليهودية التي غزت أرض كنعان بقيادة موسى ويشوع، وهكذا فإن كل المسيحيين الأميركيين تقريباً ينهجون تجاه «الشرق الأوسط» نهجاً أقل ما يوصف به أنه قائم على صلة روحية دقيقة مع «إسرائيل» وميل إلى اتخاذ موقف المعارضة أو التشككك من كل ما ينطوي على شبهة التساؤل عن صواب سياسات إسرائيل[10].

فالدين في الحياة الأميركية أصبح يعني عملياً «التهود البروتستانتي»، الأمر الذي يشير إليه كمون الصهيونية في البيت الأبيض منذ بدايات بروزه مؤسسة للرئاسة الأميركية.

ويبرز دور العامل الديني وكيفية توظيفه عندما بدأ الإعداد لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ استناداً إلى خروج الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية، وهي في وضع القوة الأعظم، والأشد ثراء، والأمضى نفوذاً في الغرب وفي العالم تقريباً.

ومنذ ذلك الحين ظهرت تحركات دينية كبرى على الساحة الأميركية يمكن إيجازها في:

1- تدهور المكانة الاجتماعية والسطوة الدينية للمؤسسة الدينية التقليدية (الرافد الرئيس) سواء في ذلك جناحها البروتستانتي أو جناحها الكاثوليكي.

2- نفوذ ديني متعاظم ومكانة اجتماعية أقوى للتيار الإنجيلي وبالأخص لرافده الأصولي.

3- انخراط قوي وملحوظ للإنجيليين والأصوليين في الساحة السياسية.

4- حركة إحياء قومية لليهودية الأميركية.

5- اتجاه قوي إلى الائتلاف ثم إلى التحالف بين المسيحية واليهودية. وفي سياق ذلك، «لجأ الأصوليون إلى استخدام تكتيكات كالضغط السياسي (اللوبي)، وقياسات الرأي العام (والتلاعب به)، والتحريض السياسي، والمسيرات والمظاهرات، وجمع الأموال، واستخدام وسائط الإعلام الجماهيري كالمذياع والتلفاز....إلخ.

صفحة 8

وتشير كل الوقائع المعروفة على نطاق واسع أن الإنسان الغربي، والأميركي بشكل خاص، قد أوصل عملية عبرنة الدين (التي بدأتها البروتستانتية) إلى ذروتها المنطقية بعبادة من علّمته البروتستانتية أنهم أسلافه الروحيون: اليهود. ولقد عبر مارتن لوثر عن ذلك تعبيراً بليغاً بقوله: إن الله رأى أن يكون إنعامه بنعمة الدين على العالم من خلال اليهود وحدهم دون سائر البشر. وهذه الرؤية أو العقيدة أصبحت مسلّمة رئيسة في التدين الغربي المعبرن. أما المسلَّمة الجوهرية الأخرى من مسلّمات ذلك التدين المعبرن والناجمة عن الإصرار على أن كل كلمة من كلمات «العهد القديم» صادقة ومعبّرة عن واقع تاريخي وروحي لا يناقض، لأنها «كلمة الله التي لا تناقض ولا تدحض»، فهي تعني من حيث الجوهر لدى العقل الغربي: أن الرب هو يهوه، وهو إله اليهود، بل هو الإله اليهودي، وخليقته -أي العالم- خليقة يهودية خلقت باليهود ومن أجل اليهود. ومن ثم (وكما أكد مارتن لوثر) يظل غير اليهود (بما في ذلك المسيحيون) ضيوفاً غرباء في مأدبة ذلك العالم اليهودي بإلهه الخاص و«شعبه المختار الأخص».

ويكفي أن يتابع المرء الصلوات التي يصدح بها المؤمنون على أصوات الأرغن «تهلّلي يا إسرائيل، وافرح يا عمانوئيل»، ومواعظ الأحد التي تلقى في 99% من المرات من أسفار «العهد القديم» وبخاصة من «سفر يشوع» وغيره من الأسفار المتعلقة بـ«الأمجاد العسكرية» «لشعب الله المختار»، كي يدرك المرء أن التعبرن ظاهرة تخطت الحدود الفاصلة بين الكنائس الغربية ونفذت إلى صميم الروح وتشرّب بها العقل والوجدان والضمير الجمعي هناك. وتحولت إلى موجة عامة شملت مختلف أنشطة الحياة في الغرب، وبخاصة في أميركا، محدثة «تعاطفاً» قوياً مع «إسرائيل»، و«تحالفاً» روحياً مع توجهاتها وأهدافها وتحركاتها، بما في ذلك قيامها باحتلال أرض المسيح ذاته، وتدنيس مقدسات المسيحية وكل ما يتصل بها من رموز في الأرض العربية.

ومن المؤسف أن الفكر العربي ودراساته ومئات إن لم نقل آلاف المؤلفات التي أصدرها لم يتوقف ملياً عند تلك الخلفية والوعي بأبعادها وأغوارها، وربما يعود ذلك لعدم الإلمام بالنصوص الدينية والتاريخ الديني لليهودية والمسيحية.

ولكي نفهم حقيقة الموقف الغربي يجب ألا نصوّر الأمر وكأن هناك انفصالاً بين الرأي العام الغربي وحكوماته «المتحالفة» و«المتعاطفة» و«المنحازة» لـ«إسرائيل»، لأنّ الواقع أن هناك شبه «عبادة» لـ«إسرائيل» خرجت من نطاق الممارسات الدينية فتشربت بها الأنشطة والمواقف العادية اليومية في الحياة العامة.

«فمنذ البداية، كان الرأي العام الأميركي محبِّذاً، بأغلبية ساحقة، لإنشاء «وطن قومي» لليهود في فلسطين، كما دعا «وعد بلفور». وقد أجرى السيد تشارلز إسرائيل غولدبات مسحاً لعيّنة عالية التمثيل من الصحافة الأميركية تضمنت المنشورات والدوريات الدينية التي علقت على الوعد عند صدوره، فوجد أن المشاعر الصهيونية لم تقتصر على قطاع بعينه، بل غطّت الساحة الوطنية الأميركية ووجدت على كل مستويات الطبقات الاجتماعية. أما في صفوف المشرعين الأميركيين بمجلس الكونجرس، فكان تأييد «الوعد» عالياً ومتسقاً بدرجة لافتة للنظر.

فقد بيّن مسحٌ أجرته المنظمة الصهيونية في حزيران /يونيو 1918 لمواقف المشرعين الأميركيين بشأن «وعد بلفور» ونشره روبن فينك سنة 1919 وأجاب فيه 69من أعضاء مجلس الشيوخ و31من أعضاء مجلس النوّاب على الأسئلة التي وجهتها المنظمة الصهيونية في ذلك المسح، أنهم جميعاً، بلا استثناء واحد، أعلنوا موافقتهم على «وعد بلفور» وتأييدهم له، وأنه لم يكن في هذه المسألة أي فرق بين الأعضاء الديموقراطيين والأعضاء الجمهوريين، كما لم يكن هناك أي دليل على أنّ أياً من أعضاء الكونجرس أولئك كان متأثراً في اتخاذه لموقف التأييد بوجود ناخبين يهود في دائرته، حيث يمكن إرجاع موقفه إلى ما يُدعى بنفوذ الأصوات اليهودية.

ومن مطالعة ردود أعضاء الكونجرس يتبين أن كل تلك الردود بلا استثناء، كانت صهيونية أصلية في تعبيراتها وفي محتواها، وتبيّن أيضاً أن كثيرين من الشيوخ والنوّاب الأميركيين (الذين شكل عددهم أغلبية ساحقة من أعضاء الكونجرس) استندوا بقوة في ردودهم إلى ما استحضروه من صور توراتية وما استشهدوا به من أقوال أنبياء «العهد القديم» (النبيّيم). وساقوا تلك النبوءات تدليلاً على أنه من المقضي به إلهياً أن يصبح اليهود «الشعب الحاكم لفلسطين» في حين دعا آخرون منهم إلى التعجيل بإنشاء الدولة اليهودية وأعربوا عن رغبتهم في أن تبادر الحكومة الأميركية.. فتتخذ من الإجراءات ما يتسق ووعد بلفور. والاستشهاد التالي يشكل عينة بالغة الدلالة من صهيونية الكونجرس الأميركي المبكرة.

«كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية، فإنّ الحلفاء الآن يخلّصون يهوذا من أيدي الأتراك القبيحين (المقصود بالأتراك هنا المسلمين/خ.ج)، وهي الخاتمة الملائمة للحرب العالمية هذه. إن يهوذا يجب أن تقوم كأمة مستقلّة، وتكون لها القوة لتحكم نفسها، أوتتقدّم وتكمل مثاليتها في الحياة. إنني أحسّ أنني أعبّر عن أفكار الشعب الأميركي، وبالتأكيد عن أفكار أولئك الذين بحثت معهم هذا الموضوع، وهو أن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تمارس سلطاتها الملائمة لرؤية هذه الدولة اليهودية تقام لتنبثق منها تعاليم ومبادئ يهوذا القديمة»[11].

فالـ«تُرك»، «المحمديون» المسلمون، لم يعودوا الأغراب المختلفين فحسب، بل وباتوا بديانتهم هذه المنافس الخطر لليهود بوصفهم «الحائزين» الوحيدين لله، و«للكلاب القابعة تحت المائدة لتلتقط الفتات المتساقط فتتغذى به روحياً».

وقد اشتعل العداء الغربي للإسلام خصوصاً بعد موت المسيحية في الغرب واستبدال الغربيين بعبادة الله عبادة «إسرائيل».

ولنتمعّن في الإعلان الذي ورد -مثلاً- في خطبة ألقاها السناتور الأميركي هنري كابوت لودج، أحد العمد

«الأرستقراطية» للمؤسسة الأميركية الحاكمة في مدينة بوسطن، عاصمة ولاية نيوانجلند في حزيران 1922 حيث يقول:

«يبدو لي أنه من الملائم للغاية ومما يستحق كل تأييد وتقريظ أن يرغب الشعب اليهودي من كل أنحاء العالم في أن يصبح هناك وطن قومي لأولئك الذين قد يرغبون من أبناء الجنس اليهودي في العودة إلى البلد الذي كان مهداً لجنسهم والذي عاشوا فيه وكدحوا لعدّة آلاف من السنين... فأنا في الحقيقة قد ضاق صدري دائماً وعيل صبري كلما فكّرت في وجود أورشليم وكل فلسطين في أيدي المحمديين... وفي أن أورشليم وفلسطين المقدستين عند اليهود، الأرض التي تتمتع بقداسة عميقة للغاية لدى أمم الغرب المسيحية العظيمة يمكن أن تظل في أيدي الترك (المسلمين)، فذلك شيء طالما بدا لي، منذ سنين عديدة، وصمة من الوصمات الكبرى في وجه الحضارة، وهي وصمة ينبغي أن تزال»[12].

و«السناتور» المشار إليه يزعم أن اليهود جنس، كدح في فلسطين لعدة آلاف من السنين. وفي زعمه أن «أورشليم وكل فلسطين» مقدستان لدى اليهود ولدى «أمم الغرب المسيحية العظيمة»، ومنها أميركا، بلده «المسيحي». لكنه، وكعدد كبير لايكاد يحصى من أمثاله أخرجوا «المحمديين» (المسلمين) تماماً من «أورشليم وكل فلسطين» متجاهلين تماماً قداسة القدس عند المسلمين، بل ومسقطين تماماً مسلمي ومسيحيي فلسطين من أرضهم، أرض الآباء والأجداد، تحت زعم أن فلسطين أرض خالية، و«أورشليم» المقدسة في يد «الكفار» (غير اليهود). وأفصح بلسان ملايين المغرَّر بهم صهيونياً أن بقاء القدس في أيدي المسلمين، بل وبقاء العرب أصلاً على أرض فلسطين «وصمة من الوصمات الكبرى التي ينبغي أن ينظَّف منها وجه الحضارة»، التي يرى أن أميركا هي ممثلتها، وحاميتها، وصاحبتها.

وفي الواقع فإن التبعية الروحية لمسيحيي الولايات المتحدة أدت إلى تشبُّع كامل للروح الأميركية بنوع جديد كل الجدّة من التديُّن انصبّ على «إسرائيل» ترتبت عليه آثار بالغة العمق والخطورة على مستويات المجتمع الأميركي كلّه، والملاحظ أن الانتماء الصهيوني سرى في طريقة الحياة الأميركية، وتخلّل نسيجها قبل عقود من ظهور ما بات يُعرف باسم «اللوبي الصهيوني». ويفصح عن مدى ذلك التغلغل ما أظهره الجمهور الأميركي العريض من تحمّس بالغ للانتداب البريطاني على فلسطين، ولوعد بلفور، ناهيك عن إعلان ولادة الكيان الصهيوني الرسميّة في عام 1948. والواقع أنه على الصعيدين الحكومي والتشريعي، أي في دوائر الإدارة الأميركية ودوائر الكونجرس، بات الانتماء الصهيوني مرادفاً في أذهان ملايين الأميركيين لكون المرء أميركياً بل وأميركياً كما ينبغي أن يكون الأميركي. وهناك حقيقة تتمثل في أن الصهيونية المسيحية في أميركا لا تقتصر على المراكز الحضريّة (المدن)، كما يتوقع المرء، أو على الولايات التي ترتفع فيها نسبة السكان اليهود. فالكثيرون من الشيوخ والنوّاب الأميركيين الذين أخذوا على عواتقهم تحقيق الأهداف الصهيونية على «تلّة الكابيتول» (أي من خلال الكونجرس) مثّلوا ولايات لم يشكّل اليهود إلا كسراً عشرياً صغيراً من مجموع سكّانها، كولايات الجنوب والغرب الأوسط. إلا أن تلك الولايات بالذات كانت الأصولية البروتستانتية قد رسّخت فيها أقدامها بشكل خاص... ويبيّن تحليل الخطابات التي ظلّ أعضاء المجلس يلقونها من على منبري الكونجرس الأميركي أن معظم أعضاء الكونجرس كانوا ومازالوا يؤمنون إيماناً عميقاً ضارباً بجذوره في الروح والعواطف والنفسيّة «بصواب وسلامة الأهداف الصهيونية تاريخياً»، وأنّ معظم أعضاء الكونجرس آمنوا دائماً بأنّ «لليهود حقاً تاريخياً لا في إقامة دولة لهم على جزء من أرض فلسطين فحسب، بل وفي أرض فلسطين كلّها». وقد أقيمت فكرة «الحق التاريخي» واسعة الانتشار والرسوخ، على أسس سياسيّة أُلبست الرداء الديني- التوراتي. الأمر الذي جعل النائب توماس لين (مثلاً)، من ولاية ماساشوستس يعلن بيقين أنه «كي تقام مملكة الله على الأرض، لايجوز أن يظل اليهود مشتتين بين مختلف الأمم. فهم كما علّم الأنبياء- لا يكونون مؤثرين كلّما كانوا أقليّة. ولذا يجب أن تكون لهم دولتهم حتى يصبح بوسعهم أن يعملوا ويستحدثوا للعالم النظام الاجتماعي الأمثل ليصبح مثالاً وقدوة يحتذى... وتتعلّم منه كل الأمم الأخرى»[13].

والجدير ذكره أنّ تدمير المسجد الأقصى شرط رئيس بالغ الأهمية في مخططات اليهود الإسرائيليين والأصوليين المسيحيين الأميركيين، وهو بحسب مزاعمهم من شروط «المجيء» (بصرف النظر عن مسألة أي مجيء سيكون ذلك، الأول، أم الثاني)، وهو يقتضي بعرفهم إخلاء الأرض من كلّ ما هو ومن هو ليس مواتياً لذلك «المجيء»، الذي ستعقبه إقامة مملكة التوراة، وبدء العصر الألفي السعيد وغير ذلك من حكايات.

فالمستوطنون القادمون من ولايات أميركا المختلفة يستندون في شأن ما يقومون به من إزاحة لـ«المحمّديين» من الأرض، وللمسيحيين العرب أيضاً باعتبار أنهم من «غير المولودين ثانية» ولذا فإنهم من أولئك الذين «لاشأن لله بهم». وقد أوجزت إحدى المهاجرات من بوسطن إلى الخليل، هذه الرؤية بقولها:

«يمكنكم طبعاً أن تقولوا: إن سكنى اليهود قبل 2000سنة لا تبرّر عودتهم إلى هذا المكان ليعيشوا فيه من جديد، وإنّ هذه المدينة عربية ولا يجوز طرد العرب منها. لكن هذا هراء. وهو هراء لأنه لا يأخذ في الحسبان أن المسيح المنتظر آت لاريب في مجيئه. والمملكة سوف تقام، مملكة التوراة التي سيحكم اليهود العالم منها» (وهنا استدركت المستوطنة، فقالت: «أعني أنهم سيحكمونه روحياً. والمهم أنه لا يمكن أن تقام مملكة التوراة على هذه الأرض اليهودية مادام عليها1.9 مليون عربي».

صفحة 9

أما كيفية «تنظيف» هذه الأرض من سكانها العرب فهي مسألة معروفة لا تحتاج إلى شرح أو توقّف.

والطريف أنّ زوج تلك المهاجرة يقول مكملاً ما تفوّهت به (عن العرب): «إنهم يعرفون أنْ لا حقّ لهم في أن يكونوا هنا. ونحن، إن شئت الحقّ، جئنا من بوسطن إلى الخليل بدافعين، هما المغامرة والاستفظاع. أما المغامرة، فإقامة مملكة التوراة، وأمّا الاستفظاع فلكون العرب مازالوا يعيشون هنا»[14].

والأصوليون المسيحيون الأميركيون يؤمنون إيماناً نضالياً لا يحيد، بأنه لابدّ من إزالة المسجد الأقصى، لأنهم يعتقدون بأن:

«نبوءات التوراة وكل العهد القديم «تتطلّب» أن يقوم اليهود بتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل اليهودي على الموقع الذي يشغله الآن» ويعدّون «الإرهابيين اليهود الذي يهاجمون المسجد ويريدون نسفه بالديناميت وإزالته من الوجود أبطالاً. وقد صرّح بذلك علانية كثيرون (من غير الأصوليين) أيضاً منهم، مثلاً، روبين ماتوس ملك الآيس كريم اليهودي الأميركي، وصاحب هاجن داز، ويهودا شوارتز رئيس تحرير «الجويش برس»، وتاجر السلاح اليهودي المكسيكي ماركوس كاتز الذي يزوّد الحركات السريّة المتصهينة بمئات الآلاف من الدولارات. ومن الأصوليين المسيحيين الأميركيين الذين يبزّون هؤلاء اليهود سخاء في التبرّع للإرهابيين اليهود المشتغلين بمخطط نسف المسجد الأقصى، البليونير النفطي تيري رايزنهوفر، وهو من المترددين باستمرار على البيت الأبيض، ورئيس مجلس إدارة منظمة «بعثة إلى أميركا»، الدكتور هيلتون صاتون، والدكتور جيمس دي لوتش، راعي كنيسة هوستون المعمدانية الثانية، الذي أنشأ مع أصوليين مسيحيين آخرين «مؤسسة هيكل أورشليم» بغرض محدّد هو مساعدة أولئك الذين ينوون تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، وأكّد أنّ المؤسسة بدأت نشاطها بالإسهام بمبلغ أولي مقداره 50ألفاً من الدولارات في نفقات الدفاع عن الإرهابيين اليهود الذين أدينوا بالتآمر على نسف قبّة الصخرة»[15].

وتماماً كما تساءلت المهاجرة من بوسطن إلى الخليل (ملكة خايكين)، كيف يمكن إقامة مملكة التوراة وعلى أرض فلسطين 1.9 مليون فلسطيني، قال بوبي براون، المهاجر من بروكلين:

«إنْ كان هدم المسجد لبناء الهيكل مكانه سيشعل نيران حرب كبرى، فليكن في البداية، عندما جئنا إلى هنا واستخدمنا تكتيكات حرب العصابات في أخذ الأراضي من العرب وبناء مستوطناتنا عليها، كان الأمر مثيراً. لكننا الآن نشعر بالملل. فنحن مسلّحون تسليحاً كاملاً. ونشعر أنّ وجود مسجد في وسطنا وصمة عار لأرضنا. فالمرء لا يرى صورة لأورشليم إلا ويرى فيها ذلك المسجد!! ولذا يجب أن يزال. ولسوف نبني هيكلنا الثالث مكانه في يوم من الأيام. ونحن يجب أن نفعل ذلك لنجعل العرب يرون، لنجعل العالم كلّه يرى أننا أصحاب السيادة على أورشليم، وأصحاب السيادة على كل أرض إسرائيل»[16].

وطبقاً لمسح ميداني وبحث موثّق قامت به الباحثة الأميركية جريس هالسِل (التي عملت في البيت الأبيض كاتبة لخطب ليندون جونسون) استغرق سنوات وكانت ثمرته كتابها «النبوءة والسياسة»، فإنه تعمل في الولايات المتحدة 250منظمة إنجيلية ممالئة لـ«إسرائيل» تمارس -في خدمة المشروع الصهيوني- أنشطة مختلفة تشمل «اجتماعات الحثّ على العمل المشترك تضامناً مع إسرائيل» و«اجتماعات التوعية بإسرائيل. وهي اجتماعات تُعقد في الكنائس البروتستانتية، إضافة إلى تنظيم الأفواج السياحية في «إسرائيل»، ونشر المطبوعات التبشيرية، وعقد المؤتمرات لدراسة النبوءات، وتنظيم عمليات الدعم اللاهوتي المسيحي لـ«إسرائيل»، كما أنّ بعض تلك المنظمات ينخرط في أنشطة الدعم السياسي المباشر عن طريق مختلف تكتيكات اللوبي، كحملات الرسائل البريدية، والحملات عن طريق وسائط الإعلام، ونشر الإعلانات المؤيدة لـ«إسرائيل»، والمدافعة عن سياساتها»[17].

ولكي ندرك عمق التأثير الذي تمارسه الكنائس والمؤسسات والمنظمات المسيحية المتصهينة في أميركا، يكفي الاستشهاد السريع هنا بما يقوله الباحث الأميركي إدوارد تفنان في هذا المجال، حيث يؤكد: أنّ الإسرائيليين، عندما يتحدّثون عن اتّساع نطاق الدعم الجماهيري الأميركي، يفعلون ذلك وفي أذهانهم «ملايين البروتستانت الأصوليون الأميركيون الذين يدعمون «إسرائيل» عن إيمان كامل بأن دعم أميركا لـ«إسرائيل» هو السبيل الأساسي لبقاء أميركا السياسي والروحي. فالتزام أولئك الأميركيين بالدولة اليهودية مبني على أساس راسخ من الإيمان بأنّ إعادة إنشاء تلك الدولة يُعَدّ تحقيقاً للنبوءات التوراتية. وما أكثر البروتستانت الذين يؤمنون عن يقين بأنّ اليهود هم «شعب الله المختار». وهكذا فإن المتطلّعين إلى مجيء العصر الألفي السعيد من أولئك المؤمنين يدعمون بقوّة ضمّ الضفة الغربيّة (وكل أرض تكمِّل «إسرائيل» بحيث تصبح أرض «إسرائيل» التوراتية) باعتبار ذلك الضمّ سيفضي حتماً إلى «المجيء الثاني للمسيح»[18].

الموقف الأميركي من «إسرائيل» نموذج واضح ومميز لاختلاط الدين بالسياسة. وقد أدى هذا الخلط إلى وجود انفعالية دينية باطنية تدخل في صلب البيانات والتصريحات التي يلقيها القادة السياسيون والزعماء المدنيون، الذين درجوا على استخدام رموز خطابية تُستقى عادة من «العهد القديم» من التوراة، الذي يدور في غالبيته حول تاريخ «إسرائيل» ومستقبلها[19].

والحقيقة فإن كلمة «إسرائيل» لم تعد هناك مجرّد اصطلاح سياسي، بل أضحت أيضاً رمزاً خطابياً دينياً. ولهذا الرمز دور مهم في ثقافة الأميركيين وعقول السياسيين. ومن هنا، فإنّ ما يردده السياسيون الأميركيون بوجه خاص حول «الالتزام الأدبي- الأخلاقي» ( Moral Commit ment ) بدعم «إسرائيل»، والذي لا تحظى به أية دولة صديقة أخرى للولايات المتحدة الأميركية، إنما هو تأكيد على أنّ ديانة هذه البلاد في جذورها ديانة توراتية، وُضعت شروحها في قوالب عبرانية. وبالتالي فإن استخدام الرموز الدينية الخطابيّة ( Rhetorical Symbols )، مثل: «التراث المسيحي اليهودي المشترك» و«إسرائيل»، و«أرض الميعاد»»... إلخ عند السياسيين الأميركيين وبعض العامّة وبشكل دائم، أدّى عملياً إلى سدّ الفجوة بين المجالين الديني والسياسي في المجتمع الأميركي.

وقد أشار باحثون أمريكيون عديدون إلى أنّ بروز الحركة المسيحية الأصولية من داخل الكنيسة الأميركية، بما لها من تأثير في السياسة العامة الأميركية، جاء عاملاً جديداً مهماً في السياسة الأميركية ولخدمة المصالح اليهودية والصهيونية.

وإذا كانت الاتجاهات الصهيونية تأصّلت لاهوتياً داخل الحركة الصهيونية، فإنها قد تبلورت بعد قيام «إسرائيل» وانتصارها العسكري في حزيران/ يونيو 1967. وصارت أكثر بروزاً، وتجسّدت في عدد كبير من المنظمات والقوى الضاغطة، التي مارست التأثير والضغوط لمصلحة «إسرائيل»، وقدّمت الدعم المادّي والمعنوي والسياسي والإعلامي والاقتصادي الهائل لها، وهو ما يعرفه الجميع ولا يحتاج إلى برهان أو دليل.

والمعروف أن قادة الحركة المسيحية الأصوليّة يؤمنون بأنّ لليهود حقّاً تاريخياً ولاهوتياً وقانونياً في أرض فلسطين، والمسمّاة زوراً «أرض إسرائيل» ... «وأن الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل (هذه الأمم) مع «إسرائيل»... وأنّ الوقوف ضد «إسرائيل» هو وقوف ضد الله»[20].

وتتردّد هذه المعاني في معظم برامج ومنشورات المسيحية الأصولية بخاصة في برامجها المرئية والمسموعة، والتي تستقطب أكثر من 47بالمئة من السكان.. وهكذا تكون الكنيسة الأميركية مؤسّسة شاملة متعددة الأغراض ومتنوعة الأشكال والأساليب. فهي تمزج الدين بالتعليم، بالخدمات الاجتماعيّة، بالطب، بالسياسة.. بالأعمال التجاريّة.. بالفن.. بالرحلات بالندوات.. بالحرب والدفاع الاستراتيجي.. بالموسيقا...الخ. وبالتالي، فإنّ لها تأثيراً قويّاً على سياسة الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأميركية. وقد حرصت هذه الكنائس في السنوات الأخيرة على بذل مزيد من النشاط للانخراط في العمل السياسي.. فأسّست مكاتب لها في العاصمة الأميركية، قريباً من مراجع صنع القرار، وزوّدت هذه المكاتب بالمختصين الاقتصاديين والسياسيين ورجال العلاقات العامّة.

ورغم أنّ «إسرائيل» في السياسة الخارجية مسألة سياسيّة أو علمانيّة، إلا أنّها عند الكنيسة ذات طابع مُميّز. فـ«إسرائيل» تقع في الأرض المسيحيّة المقدّسة. وهي الأرض التي وُلد فيها السيّد المسيح عليه السلام. وجرت عليها الأحداث الدينية المسيحية. و«إسرائيل» أيضاً مُعلنة كدولة «للشعب اليهودي»، الذي هو عند معظم الكنائس البروتستانتية «شعب الله المختار»، وأنّ فلسطين هي «أرض الميعاد»، من أجل ذلك، ولأسباب لاهوتية متنوعة أخرى، فإنّ «أغلب الكنائس الأميركية تجد نفسها غير قادرة أو راغبة في التزام الصمت تجاه المسائل المتعلقة بإسرائيل»[21].

وقد سجّلت إحصاءات صناعة الكتب الأميركية أكبر ظاهرة شراء للكتب الدينية في العقدين الأخيرين. ففي عام 1979 شكلت مبيعات الكتب الدينية أكثر من ثلث مجمل مبيعات الكتب. واحتلت صور نجوم البرامج الدينية المسموعة والمرئية أمثال بيلي غراهام وجيري فولويل صفحات أبرز المجلات الأسبوعية وأغلفتها. واستولت البرامج الدينية، وبخاصة برامج «الكنيسة المرئية» على عقول وقلوب وجيوب الأميركيين، وتضخم عدد المحطات المنتسبة لعضوية الرابطة الوطنية للمذيعين الدينيين، ولاسيما بعد عام 1978.

فبعد أن كان عدد أعضائها عام 1944 حوالي 49محطة، وصلت في عام 1980 إلى 800محطة. وارتفع في عام 1982 ليبلغ ألف محطّة ومنظمة، تنتج برامج دينية مقروءة ومسموعة أو تدير محطات بثّ دينيّة وهي تضم في عضويتها أكثر من 76 بالمئة من ( Religious Broadcastera ) محطات الإذاعة والتلفزة الدينية. ومنذ عام 1980 بدأت هذه الرابطة في تنظيم مؤتمر سنوي لأعضائها، تتخلّله «صلاة إفطار» لصالح «إسرائيل»، يحضره كبار المسؤولين في الحكومة والكونغرس.

وتسيطر الحركة المسيحية الأصولية على أغلبية شبكات محطّات الكنيسة المرئية والمسموعة، ويتلقى نجمان من نجومها، وهما جيري فلويل وبات روبرتسون أموالاً أكثر مما يتلقاه الحزبان الرئيسان في الولايات المتحدة الأميركية، وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري[22].

وتُعَدّ الحركة المسيحية الأصولية أهم ظاهرة سياسية أميركية في القرن العشرين، وتوقع لها اللاهوتي الإنكليزي جيمس بار ( James Barr ) أن تستمر «خمسمئة عام على الأقل»[23].

صفحة 10
ونتيجة لكل ما تقدّم يؤكد الباحث العربي الدكتور يوسف الحسن في دراسته الأكاديمية للحركة المسيحية الأصولية الأميركية، أنه لم تعد صورة الصراع العربي- الإسرائيلي، نتيجة قوّة تأثير الصهيونية المترسّخة في شروحات البروتستانتية، منعكسة على شكل تخيّلات توراتية في فكر المسيحية الأصوليّة المعاصرة وحركتها فحسب، بل تعدّتها إلى عقول من هم من غير أعضاء هذه الكنيسة وحركتها المنظّمة وتصرّفاتهم.
 
فقد تحدّث الرئيس الأميركي كارتر أمام الكنيست الإسرائيلي في آذار/مارس 1979 قائلاً: «لقد آمن سبعة رؤساء أمريكييّن وجسّـدوا هذا الإيمان، بأنّ علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع «إسرائيل» هي أكثر من علاقة خاصّة، بل هي علاقة فريدة،لأنّها متجذّرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأميركي نفسه... لقد شكّلَ «إسرائيل» والولايات المتحدة الأميركية مهاجرون طليعيون، ونحن نتقاسم تراث التوراة»[24].
 
وفي السياق نفسه يؤكّد بريجنسكي، مستشار الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، أنّ «العلاقات الأميركية- الإسرائيلية هي علاقات حميمة مبنيّة على التراث التاريخي والروحي»[25].
 
لقد رأى المسيحيون الأصوليون الأميركيون في إقامة «إسرائيل» عام 1948 «أعظم حدث في التاريخ الحديث ودليلاً على أن نبوءات التوراة صارت حقيقة»[26].
 
وطبقاً لإيمان هؤلاء، ومعظمهم من الذين يؤمنون بأنّ التوراة تنبّأت بنهاية العالم وإحلال مملكة جديدة بعد العودة الثانية للمسيح، فإنه من الضروري تجميع اليهود في الأرض المقدّسة قبل عودة المسيح، وبمعنىً آخر فإنّ نهاية العالم لا تتم إلا بعد تأسيس «إسرائيل» جديدة[27].
 
وجاءت حرب حزيران/يونيو 1967 وما نتج عنها من احتلال لبقيّة أرض فلسطين وبخاصة مدينة القدس،
 
إضافة إلى أراض عربية أخرى لتشكّل نقطة تحوّل مهمّة في تعميق الاتجاهات الصهيونيّة في الحركة المسيحية الأصوليّة، وتوثيق علاقات تعاون بينها وبين المنظّمات الصهيونية اليهودية من جهة، و«إسرائيل» من جهة أخرى. وقد رأت الصهيونية المسيحيّة في احتلال «إسرائيل» للقدس كاملة، «تحقيقاً للنبوءة التوراتية وإشارة لاقتراب نهاية الأزمنة[28].
 
وقد امتدح المسيحيّون الأصوليّون بكلّ طوائفهم ما سُمّي بـ«النصر الإسرائيلي»، فكتب محرّر مجلّة «المسيحية اليوم» ( Christianity Today ) يقول: «لأوّل مرّة منذ أكثر من ألفي عام فإنّ القدس الآن كاملة بأيدي اليهود، ممّا يعطي لدارس التوراة إيماناً عميقاً متجدداً في صحّتها وصلاحيتها»[29].
 
وقد جسّـد هذا الرأي التيّار العام البروتستانتي، ورأت الحركة المسيحيّة الأصولية فيما سُمّي بـ«الانتصار العسكري الإسرائيلي»، وفي احتلاله مدينة القدس بعثاً لحركتها ونهوضاً بها، وتجديداً للإيمان بصحّة تنبّؤات التوراة»[30].
 
إنّ القدس عندهم هي المدينة «التي سيحكم المسيحُ العالمَ منها عند قدومه الثاني»، وبدلاً من البحث عن تنصير الإسرائيليين، فقد أجّلت الحركة هذا الموضوع إلى حين اكتمال النبوءات التوراتية بقيام مملكة الألف عام السعيد «وصارت أكثر التزاماً بتوفير جهودها لتحقيق شرعيّة الدولة اليهوديّة في أرض «إسرائيل» بما في ذلك الضفّة الغربيّة»[31].
 
وقد نظرت الحركة من الناحية اللاهوتيّة إلى احتلال القدس عام 1967 على أنّه بمثابة الخطوة قبل الأخيرة لنهاية العالم، إذ إنّ الخطوة الأخيرة عندها هي «إعادة بناء المعبد القديم فوق موقعه التاريخي القديم... وهو المكان نفسه الذي تقوم عليه الآن قبّة الصخرة»[32].
 
ويُعَدُّ عام 1976 بداية نهوض الحركة الصهيونية المسيحية، وعلامة فاصلة في تزايد قوّة هذه الحركة وتأثيرها وعددها وإمكاناتها. وأطلقت صحف كثيرة على ذلك العام تسمية «عام الإنجيلييّن الأصولييّن»، حيث سجّل فيه بداية ولاية العديد من التنظميات والمؤسّسات والبرامج السياسيّة والشعبية المرتبطة بشكل أو بآخر بالكنائس الإنجيليّة والأصوليّة.
 
ومنذ ذلك الحين برزت قيادات مسيحيّة صهيونية، نشرت مئات الكتب والأفلام السينمائية الداعمة لـ«إسرائيل»، والداعية لاحتفاظ «إسرائيل» بأراضي الضفة الغربية وغزّة لأسباب توراتيّة وأمنيّة (بيلي غراهام وفيلمه «أرض الله» 1975، الذي عدّته المنظمة الصهيونية «اللجنة اليهوديّة الأميركية» أعظم عمل فني متعاطف مع «إسرائيل» منذ قيامها).
 
ويُنْظَر إلى وصول الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1976، وإعلانه بأنه وُلد ثانية كمسيحي.. إلخ بمثابة دعم غير عادي لـ«إسرائيل».
 
ونذكر في هذا المجال -على سبيل المثال فقط- «منظمة الأغلبية الأخلاقيّة»، التي أسّسها ويقودها الآن القس جيري فولويل، إضافة إلى مؤسّسات القس باتر روبرتسون الإذاعية والتلفزيونية والتعليميّة، والمؤسّسات التابعة للكنيسة المعمدانية، حيث تبيّن مطبوعات الكنيسة المعمدانية مدى تغلغل الصهيونية فيها، فحُب اليهود عند الكنيسة نابع من أنّ «الله يحب اليهود، ولأنّ الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل هذه الأمم مع «إسرائيل»، ومخلّصنا المسيح كان يهوديّاً»[33].
 
ويؤكّد جيري فولويل، من خلال كنيسته المرئية والمسموعة واسعة الانتشار، وذات الجاذبية الشعبية الكبيرة، والتي تستخدم الأقمار الصناعية للاتصالات («لنشر تعاليم التوراة في كل أنحاء العالم») باستمرار أنه «إعادة تأسيس إسرائيل عند المسيحيين الأصولييّن، هو إيفاء بالنبوءات ويجب على كل أميركي بذل كلّ جهد ممكن لضمان الدعم الكامل لإسرائيل»[34].
 
ولايكتفي فولويل بالحدود أو المواقع الحاليّة للدولة الصهيونيّة، بما فيها الضفّة الغربية وغزّة والجولان، بل يطالب بامتداد أراضيها من الفرات إلى النيل، إذ يقول في برنامجه اليومي- «ساعة من إنجيل زمان»، في صيف 1982 في أثناء غزو «إسرائيل» للبنان: يذكر «سفر التكوين» من التوراة أنّ حدود «إسرائيل» ستمتد من الفرات إلى النيل. وستكون الأرض الموعودة هي العراق وسورية وتركية والسعودية ومصر والسودان ولبنان والأردن والكويت[35].
 
وخطورة آراء القس فولويل وبرنامجه «ساعة من إنجيل زمان» أنه يُبَث بشكل يومي (لمدة ساعة)، من خلال 392 محطّة مرئية و500 محطّة مسموعة. ويزعم فولويل أنّ برنامجه يجتذب ما بين 17-25مليون شخص[36].
 
كما يهاجم باستمرار في برامجه وخطبه الدينية البلدان العربية ويرى أن «لامكان للعرب بيننا، ولاعلاقات حسنة معهم، لأنهم ينكرون قيم الولايات المتحدة الأميركية، وطريقة معيشتها، ويرفضون الاعتراف بـ«إسرائيل»[37].
 
أمّا أهم مشروعات ونشاطات القس جيري فولويل، فكان تأسيسه في عام 1979 منظمة سياسيّة سمّاها «الأغلبية الأخلاقية» التي يعدّ دعمها لـ«إسرائيل» «أهم مظهر لاهتمام الحركة المسيحية الأصولية بأمن وبقاء إسرائيل»[38].
 
وتضمّ هذه المنظمة السياسيّة، إلى جانب أعضائها من المسيحيين الأصوليين عدداً من اليهود. ويقع مركزها الرئيس في واشنطن العاصمة بالقرب من مراكز صنع القرار. ويؤكّد (جيري فولويل) أنّ عدد أعضائها يزيد عن 6ملايين ونصف مليون عضو مشارك وملتزم بأهدافها. وتستخدم هذه المنظمة نظاماً متطوّراً في مجال التنظيم والاتصال، وإعداد قوائم البريد. وتستخدم الكمبيوتر في إعداد الرسائل، والاحتفاط بأسماء أعضائها وعناوينهم.
 
ولديها، على سبيل المثال، «ثلاثمئة قائمة للبريد تحوي أسماء وعناوين خمسة وعشرين مليون أميركي. وترسل
 
بالبريد أكثر من مئة مليون رسالة سنوياً»[39].
 
وبما أن منظمة «الأغلبية الأخلاقيّة» تنظر إلى مسألة دعم «إسرائيل» كأحد أهم بنود برامجها، فهي تقود وتنظّم زيارات الجماعات المسيحية، وبخاصة من القيادات اللاهوتية، إلى «إسرائيل» منذ مطلع عام 1980. ففي ذلك العام وحده زار «إسرائيل» حوالي ربع مليون أميركي، كان من بينهم مئة ألف مسيحي أصولي[40].
 
وقد أسّس (جيري فولويل) مع جماعات أصولية أخرى في مطلع الثمانينيات شركة طيران خاصة، بغرض تنظيم رحلات إلى «إسرائيل» اسمها ( The Lords Airline ) أي «طيران المسيح»، ومقرّها في ولاية نيوجرسي. وتحمل شعار «بارجة القدس» ( Flagship Jerusalem )، وتساهم في تنظيم «صلاة إفطار لأجل إسرائيل». ففي شباط /فبراير 1986 حضرها أكثر من أربعة آلاف قيادي أصولي[41].