صفحة 1
أبجدية القوس·· وطمأنينة الصوفي
شفافيات وجدانية مسكوبة من روح حريرية ناعمة كالدمعة، لا هي بالشعر الخالص ولا بالنثر المحض، إنما هي شكل فني يقع بين المنزلتين، وليست يقيناً قصائد نثر، وليس فيها قصدية فنية جاهزة، إذ تمتح رحيق نفحاتها من مشاعر طفولية صافية، كينابيع جبلية لم يصل إليها الرعيان بعد· وهذه الشفافيات نصوص مشْبعة بحزن عميق، يماثل طمأنينة الصوفيّ المكتفي بعرفانه وتجلياته، إذ احتوت على إشارات صوفية على نحو ما نعرفه في الصوفية الدينية السالفة، وعلى إشارات وجودية على نحو ما نعرفه في السؤال الوجودي المعاصر، على أن النصوص أقرب إلى المواجدة بالحرف على طرائق النّفري والأصلاء الصوفيين الآخرين، فتتآزر إشعاعات الحرف بدلالات لا يعرف أكناهها إلا الراسخون في جرح المطلق أو محبة الله البحت·
بلغت بعض العبارات حدّ الهذيان في بنيتها اللغوية جرّاء هذيان الرؤيا، ووصلت عبارات أُخَر حدّ التميز في فرادتها الانزياحية عمّا هو مبتذل وسائد من تراكيب من مثل (صدأ الوقت أصطاده وأصحنه في صحو الهذيان) أو (أشهرك فارساً للدمعة ربّاناً للبكاء) أو (لعواء الذئبة فيّ يذعن الهوى)·
ثمة تمازج بين ما هو عشق علواني سماوي وتناجيات عشقية بشرية في وحدة بثٍّ روحاني يتعالى إلى سموٍّ لائق·
تلك نصوص بريئة تجتهد في توظيف الرمز الحرفي، باعتماد كلي على الشحنات الوجدانية المفتوحة على فضاءات اللوعة·
راشد عيسى
صفحة 2
خاتمةٌ ··· أولى
من فرضَ علينا الأبجديةَ ··· وقال: لا تتجاوزوها؟
كلُّ نبيٍّ غريبٌ ··· كلُّ عالمٍ جليلٍ منبوذٌ
كلُّ متمرّدٍ ··· ملعونٌ
لِنُعِدْ للأبجديةِ ما سُرِقَ منها ···
لنُحرِّرْ الألفَ من سَقمِها ···
لنحضنْ النقاطَ في صحونِها···
لندعْ الأبجديةَ في قلقِها ···
ونُشكلُ أبجديّتَنا وحدَنا
فنقلبُ الحروفَ
نتبادلُ الضمَ
ندعُ الكسرَ
ننتظرُ الفتحَ
ننعمُ بالسكونِ
نهنأُ بالتنوينِ
نسكنُ النونْ
نرتحلُ بالتاءِ عبرَ النهرِ
نُقبِّلُ العينَ
تعالَ نُعلِنَ أبجدّيَتَنا باحتراقِنا المكنونْ،
صفحة 3
نصُّ اللام
لماذا كلّما انتابَك الذُعرُ
هَفَوتَ بأحلامك إلى حُبٍٍّ يسبقُ الموتَ ويليه
(قاسم حداد)
لعواءِ الذئبةِ فيَّ
يُذعنُ
الهوى ··
لشهقةِ الولهِ فيَّ
تصلّي
روحي ··
لوضوءِ السنونو على أعضائي
تتهجدُ
البوصلةُ··
فتهتدي
السفنُ
لفارسٍ احتكرَ لُجينَ العينِ أصبو
لفارسٍ اهتدى لمفتاحِ الأُذُنِ
أهذي باللهفةِ
لفرطِ عناقيدِ النجومِ يخلقُها بدمِه
لفرطِ عناكبِ العطشِ يرويها برمشِه
لريفٍ منَ
الألغامِ
صفحة 4
والسنابلِ
والدحنونِ
والسواسنِ
والعصافيرِ
والسكاكين :
أستكين فأَهذي ··
لفرطِ الأزرقِ المستحيلِ
لفرطِ الأصفرِ المصقولِ
أذوبُ·· أنصهرُ
لشموسٍ عبادُها
الأصفرُ
أنتظرُ الأزرقَ العصيِّ
لكَ ·· لي ·· لنا
تزهرُ الحقولُ
تكبرُ الأشجارُ
تولدُ الأثمارُ
تتخولقُ الخبيئةُ
يدّخِرُها لنا الربُّ
في غفلةٍ من ملائِكٍ يحرسونَ الأنعامَ
لئلاّ
تعشقْ··
لئلاّ تلهو ··
لئَلاّ يفسدُها فروُ الحبِّ
لئَلاّ :
يداهمُها
ذئب الُفطرةِ
لئَلاّ :
تلوِّعُها
شهقة ُالبركان ْ··
صفحة 5
نص ُّ الطاء
الطريقُ الذي قادَني للخروجِ
من التيهِ
يبدو
أنه قائدي من جديدٍ
للدخولِ إليه
(أدونيس)
أطوفُ مع طفولةِ الأسئلةِ
أطلُّ عليَّ
أتطيّرُ بالمطرِ ··
وأتطيّرُ ·· بالصحوِ ··
وأتطيّرُ باسمي ··
وأتطيرُ·· ممن لا يتطيّر ··
****
أطفلةَ الأسئلةِ الموجعةِ
ما لطفولتِك تبدأُ بشيخوخةِ الجدات ؟
****
ما لطيورِك تحلّقُ في جوفِ الأعماق؟
ما لطيفِك يهادِنُكِ
براعفِ الأسئلة ·· ؟
بمواتِ الأجوبة·· ؟
صفحة 6
يا لطائرةٍ تعبرُ بي غوارَ الأرض
تطيرُ بي داخلي
تخلِّصُني
من طيرةٍ متطيرةٍ
فأطوفُ في الأزهار ·· كنحلةٍ لا تملُّ الرحيق ·
طاهر أنتَ في صلواتِك
وطاهرةٌ هي أحلامُكَ
وطهرُكَ يوقظُ ضمائرَ
الأحياءِ/الأمواتِ
طبقةٌ ·· طبقة
يحلو عسلُكَ
وأطيافُكَ القوسيةُ
كقزحٍ شتائيٍّ يحمِلُني فوقَ
آفاقِ آحلامي
ُأنظرني من علوٍ
فأجدُني
أطرقُ السماءَ السابعةَ
أرسمُ دوائر اَلطينِ
بطواعيةِ دوامةِ الماء ··
تطاوِعني العصافيرُ
فيطيبُ حديثُها
أطوي أوراقَ الوردِ
وأقرطِسُها في صندوقِ البريدِ
أخطُّها بأحرفِ أقحواني
ومن طاقةِ الغيمِ
تهطلُ عليكَ مناطيدُ رسائلي
صفحة 7
نصُّ الجيم
جميلٌ أن نصمتَ معاً،
أجملُ أن نضحكَ معاً،
تحتَ خيمةِ سماءٍ من حرير،
والظهرُ إلى رغوةِ الزان ،
ضحِكَ الأصدقاءُ ، قهقهاتٍ قلبيةً·
وأسنانٌ بيضاءُ تلوح
(فردريك نيتشة)
جبلةٌ أنا
تجرجِرُني جيمٌ ·· تُسكنني ميمُها
وفيها أُقيمُ
أجتثُ يباسَ الروحِ
وألجمُ غناءَ الجأشِ
وأصرخُ يا جدّةَ :
الجدارُ بعيدٌ
والجذعُ يسكنُ الجرابَ ··
يا
جدّةَ: أَجزلي لي دعواكِ
جفا النومُ قلبي
صفحة 8
وتجاسرَ الشوقُ
عليَّ
وفيَّ ···
وأنىّ لجبانةٍ مثلي
أنْ تجرؤَ على اجتراحِ العشقِ
جاذبٌ هو
جائرٌ هو الحبُّ
هكذا لقنونا ··
أجدَبَ العمر يا جدة ··
واجترأَ الشيبُ حُشاشةَ القلبِ
يا جدةَ:
اصرخي: بجبني وألقيهِ في الجبِ
جادلي الموتَ
أنْ يؤجلَ اجتثاثي
يـا
جدةَ: جرابُ الأماني فارغٌ
إيه·· أجدبَ العمرُ يا جدةَ ··
جريءٌ هو الجبلُ يا جدةَ ··
والجراحُ جسورةٌ
وجذعُ أحلامي
يجرؤُ ·· فيجأر ·· يزمجر:
جفا القلقُ الجائرُ أصابعي ···
فاكتبيني يا جدةَ
في جميلِ الأغاني
وعلقيني على جدرانِ روحكِ
جدارياتٍ من فسيفساءِ الجدل ···
صفحة 9
نصُّ الواو
ومن حينٍ إلى آخر·· فلنعد أطفالاً ولنحزن بلا كبرياءِ زائفة
(غادة السمان)
والذي قلبي بقلبِه لو مُتُّ ·· وعشتُ
أو عِشتُ ·· ومتُّ
وتقلبتُ في جنتينِ
تليهُما ناران
ما استبدلتُ عشقَه
واوُ القوسِ ترقصُ عبرَ فضاءِ دمي ··
وغزلانُ الأصابعِ
وجوعُ الحريقِ
ولهفةُ الجنيةِ
واو الُقوسِ تؤرجِحُ بين عالمينِ وحدتهُما
واوُ القوس ··
وآهٍ ··· ثم آهٍ ··· ثم آٍه
من حوتٍ يلهو بقافِ القمرِ والميم ِوالراءِ وسينِ القوس··
ويؤرجحُ بينَ الكاسِ والنشوةِ··
بين القُبلةِ والشفةِ
بين اللمسةِ واللوعةِ ··
بينَ الكسوفِ والكسوفِ
فتتهيأ أفُراسُ الأرض
وتهتاجُ أحصنةُ الشمس··
فتكونُ قيامةً·
واوُ القومِ تلوبُ بفزعٍ المختال ··
فتصلي للربِّ ·· أنْ باركْ شكيمةَ القوسِ
وفرحةَ القيامِ
وعرسَ الأرضِ
وسمرَ الغزلان ··
أنْ أطلق واوُ القوسِ بآهةٍ تتلوها آهةٌ·· وآهةٌ··
وواوٌ ··· وواوٌ ···
وواوٌ ··· إنه الذئبُ قادمٌ ···
فانصِتوا له ···
صفحة 10
نصُّّ الدال
دورةُ اللامبالاةِ ··
تمسحُ الرياحُ الأسئلة
الإنسانُ يُرجعُ الإنسانَ إلى العزلةِ الأولى ·
(فضيلة الشابي)
دفءُ الصيفِ
ودلفين الشتاءِ
يدبُّ في دفاترِ الليلِ ··
دائمةٌ الهجسِ بدبيبِ الكلماتِ
****
ديجورُ الدفلى
ودبقُ الطغاةِ
ودجلُ فرسانِ الخديعةِ
ودخانُ الأحلامِ ··
دوَّخَ أسماكي
وأدارَ رأسَ الحقيقةِ ··
وأدامَ لي توهُّمَ الهزيمةِ ··
أدرسُ لكَ المعاركَ
وأدوزن لكَ الدربَ
وأدهنُ لك الشمسَ بالندى
لئَلاّ
تصيبَكَ بالدوارِ ··