بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾
[الكهف:73]
صدق الله العظيم
الإهداء
إلى والدي ووالدتي
إلى عائلتي مع التقدير
إلى طلبتي قد تنفع الذكرى
مع التقدير
تمهيد
عندما يحاول المختص دراسة الأزياء كفن مكمل لباقي الفنون يجد المتعة بتعقب مسار زي الإنسان منذ الخليقة وإلى يومنا هذا، لشد ما أدهشني على الدوام أن المسرح يتعرض لتأثير إيقاعات متشابه غير مرئية وهذا ما يميزه عن باقي الفنون. المسرح فقط هو الذي يستطيع بطريقة التسامي وبأسلوبه الفني أن يتحسس أنفاس العالم، فالزي المسرحي باقي بقاء الأرض أما الإنسان فيخلده عمله على هذه الأرض.
يقول الدكتور سلطان بن محمد القاسمي (نحن كبشر زائلون ويبقى المسرح ما بقيت الحياة) المسرح هو مخرج وممثل وأزياء وديكور وإضاءة ومكياج وإكسسوارات، وما الأزياء إلا نتاج فيه فعل تخضع تحت مجهره شواهد حركة التاريخ بأرضها وسماها وبشريتها، يقول المخرج المسرحي الروسي (تايروف) في كتابه (تاريخ وفكر ومسرح) "إن الأزياء هي الجلد الثاني للممثل". من المؤسف أنه لم يكتب في هذا الموضوع الحيوي وفي هذا المجال من الفنون الجميلة إلا النزر اليسير ويكاد يكون معدوم الذكر من قبل الفنانين المعنيين بصورة خاصة بفن الأزياء فالأزياء لا تعتبر من التقاليد الشفاهية للشعوب. فالزي هو نتاج العلاقة المنظورة للشخصية التي تدل على الفترة والقومية دون تحديد، ولهذا فأنها حالة كارثية تصيب مصمم أزياء مسرحية أو فلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني (تاريخي)، يعتمد المعرفة السطحية لأزياء الفترة المعنية كمبرر لممارسة قدراته الإبداعية معتمدا على أفكاره الخيالية في الزخرفة والمبالغة، يساعد هذا الكتاب على تقويم هذا الموقف.
لا تختلف المعلومات الواردة في هذا الكتاب عما تم تدريسه كمنهج لمادة الأزياء لطلبة المسرح العراقي في معهد الفنون الجميلة ببغداد إلا أنها معززة بدراسات وصور مستقلة في مواردها، ففي هذا الكتاب مسح عن أزياء الحضارات القديمة والحديثة فيها لمحات قد تبدو ملخصة ولكنها غنية في طرحها، استمدينا المخططات مدعومة بصور لمنحوتات أثارية لتعزيز، صحة ما ورد في هذا الكتاب من معلومات تخص الأزياء، ويمكن للباحثين والدارسين في مجال المسرح والتاريخ، أن يجدوا ضالتهم ومن الله التوفيق.
منال نجيب عارف العزاوي
بغداد 1/ 4 /2011
مقدمة
هذا الكتاب هو عبارة عن حقائق وإيضاحات واستنتاجات لمراحل الأزياء التي استعملها الإنسان منذ العصور البدائية (العصور الحجرية) مرورا بحركة التطور التي صحبت هذا الإنسان عبر العصور، استفدتها من مراجع كثيرة ومن خلال خبرة وممارسة (تدريس مادة الأزياء في معهد الفنون الجميلة) حيث كانت عونا لي لتطوير معرفة المشتغلين، المحترفين والهواة في هذا المجال، والذي دعاني إلى إقامة هذه الدراسة أهمية الأزياء في حياة الإنسان عامة والاشتغال في المسرح خاصة وكونها وسيلة عظيمة في تحسين الذوق العام ودعوة الناس إليه بل هو وسيلة مهمة لكل من يريد الوصول إلى قلوب وعقول الناس أيا كان مقصده وغايته.
وكذلك كان من الدواعي لذلك ما أراه ويراه كثيرون منا من فقر وضعف في أسلوب الطرح لدى فئة ليست بقليلة من العاملين في مجال المسرح والتصميم ولست أدعي أنني من خلال هذه الدراسة الموجزة أني سأحيط بجوانب الموضوع كافة فهو موضوع كبير ولكني أشير إلى ما يحضرني مما أرى أهمية لفت الأنظار إليه سائلا الله سبحانه أن يجعله لي ولمن يستفيد منه ذخرا وفائدة . ومن المعلوم أن الأزياء ليست نوعا زخرفيا في العروض المسرحية أو السينمائية، بل أنها عنصر أساسي من عناصر المسرحية أو الفلم السينمائي الفترة الزمنية التي تنتمي إليها المسرحية، وهذا يدل على جهل مطبق بأصول الحرفة المسرحية واشتغالاتها. من جانب آخر بدا لنا الفن بصورة عامة والأزياء، يمكن اعتبارها جزء مهم لا يختلف عن الديكور في الأهمية ولها قيمتها العظمى في زيادة إيضاح حركة الممثل سواء كان في المسرح أو السينما، ولا نغالي إذا قلنا إن الأزياء تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد الممثل فهي تعكس المكانة الاجتماعية والفترة التاريخية التي تنتمي إليها الشخصية المؤدية في العرض المسرحي هناك من يتجاهل دراسة المسرحية (القصة) والابتعاد عن المذهب الذي تنتمي إليه المسرحية أو عدم أسلبة العرض المسرحي (الأسلوب) مكتفيا بالعرض الصوري التجميلي مبتعدا عن خاصة مندرجا في إطار حضاري وثقافي أوسع و أكثر أهمية هو إطار حضارتنا العربية الإسلامية و تاريخنا العريق وماضي إبداعنا الفني والأدبي، فحضارتنا، ونحن نفخر بأن نكون جزءا منها، حضارة ملموسة ومحسوسة عبر تاريخنا الحافل، بالأعمال الفنية النحتية أو الصورية وحتى المسرحية، فكان عماد الإبداع فيها الشواهد القائمة في سومر وبابل وآشور ومصر الفرعونية.
مصمم فن الأزياء إذن أمام آلية مهمة وفاعلة في إبراز عمله وجهده أو التقليل من شأنهما. فأما أن يكتب لموهبته وقدرته في التأثير في محيطه الفني التخصصي والذيوع والانتشار أو تنحصر في إطار محدود و تخبو جذوتها وتذهب بها الرياح دون تأثير في المتعلم.
مفهوم الأزياء
الأزياء هي وحدة العلاقات الشكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا.. من هذا المنطلق أو من هذا التعريف للزي نجد أن القيمة الجمالية في الملابس تزداد وتتسع بوحدة الأشكال والألوان وتنوعها بحيث تصبح أكثر جمالاً حتى تصل للمتلقي بكل سلاسة، وهذه العملية لا يمكن أن تتم ألا عبر خصائص معينة نبغي توفرها في العرض المسرحي.
إن تحقيق الأزياء على خشبة المسرح وإمتاع النظَّارة ليس بالعملية البسيطة والتي تتطلب إدراك الجزئيات في العمل الترابطي وتحديد الزمانية والمكانية للزي مع الديكور والإضاءة، وأيضا لاجتذاب ا لنظر في المتعة من خلال أسلوب الزي المختار والفترة الزمنية التي ينتمي إليها، إذ لا بد أن تكون ذات ميزات بسيطة في سرعة إيصالها للمتلقي، بحيث لا بد أن تكون بصياغات وأشكال فنية ذات دلالات تساعد على الجمالية مع الحفاظ على المضمون في العرض المسرحي وذلك يتم من خلال البساطة في التراكيب الفنية المستخدمة في العملية المنضوية في العمل المسرحي. وهذا ما اقتضى أن يكون هناك مختصين ذو معرفة يملكون الموهبة والدراية بنوعية الخامات وألوانها لمراعاة طريقة التفصيل المتداولة للمرحلة المراد اشتغالها من متطلبات العرض المسرحي، لذا توجب الرجوع إلى دراسة النص المسرحي وفهم زمن ومكان وقوع الأحداث لمعرفة لباس الشخصيات وليس كل زي له منظور بصري يساعد على الفهم بل على العكس من ذلك نجد أن هناك أزياء مركبة تجعل من العمل الفني مجموعة طلاسم يتعذر على المتلقي فهمها ولذلك نرى ما ذهب إليه "ناثان نوبل" اقتراباً لهذا المفهوم الذي نتطرق إليه حيث قال "إن المتعة الجمالية هي نتاج التواصل بين الشيء الفني والمشاهد حيث أن تفحص العوامل التي تؤدي إلى تجربة الزي قد ينهي فهمها لهذه المسألة وتزودنا بالدليل لاكتشاف السبيل إلى المتعة لدى التطلع إلى الآثار الفنية والتكوين في المسرح. وتشتق الزي، وجمعه أزياء الصورة والهيئة، والزي ما أكده بعض نقاد المسرح هو ربط ومزاوجة وترتيب مختلف عناصر العمل الفنية، أيضا.
فالأزياء- إذا- هو تصميم دلالة يعين الممثل في عملية الأداء وهو عملية تجسيد المعنى الذي يشتمل على جميع عناصر الفن بدون استثناء. والزي ليس حكراً على خشبة المسرح فقط وإنما في بقية الفنون الأخرى، حيث نجد الزي في كل شيء له علاقة بالفن، ويحمل أبعاداً محدودة جمالية تساعد في خلق الشكل الجمالي العام. والزي هو: الانتقاء والتنسيق تبعاً لبعض المبادئ، وهو ضرورة أساسية في المسرح والسينما وفي معظم ألوان الجمال الطبيعي إن لم يكن كلها، وهنا تبرز العلاقة بين الزي وبين أسلوب العرض الفني، وهذا ما يطرح تساؤل، هل العمل مأساوي أم كوميدي ؟ وتسمى عملية الانتقاء والتنسيق في الفن باسم التصميم، والتصميم وسيلة هامة في المسرح لتوضيح وتركيز القيم العقلية العاطفية للشخوص. إن أول تعريف للأزياء منذ أقدم الأزمنة كان يعتمد المحاكاة في أبسط أشكالها وما دام كل مشهد قابل للتموضع فنياً؛ فإن النتائج تتأتى بشكل مباشر وغير مباشر؛ مرتبطة بالعناصر الفنية الأولى، أي بالخامات التي سيحولها الإنسان إلى فن من الفنون وزي الشخصية المسرحية هو أداة توضيحية للمشاهد كأداة تعبير يمارس من خلالها تجسيد التكامل والإشباع ..
أسطورة الأزياء والتاريخ
بين الأسطورة والواقع تشير بعض الكتابات إلى الأساطير الدينية بأغلبها من قريب أو بعيد إشارات عن الأزياء منذ بدء الخليقة مما يتعلق بنزول آدم وحواء بعد أن أكلا الثمرة المحرمة وشعرا بالخجل الشديد والندم على هذه المعصية وما آلت به ظروف نزولها إلى الأرض فأدركا بأنهما عاريان وشعرا بالحاجة لستر عورتهما فاستخدما بداية أوراق التين.
مما لاشك فيه أن أسطورة الأزياء والتاريخ مترابطة تصاعديا عبر الزمن، فهناك من يرى أن حاجة الإنسان قد تكون دافعا بديهيا لإيجاد الألبسة والأغطية لكن يمكن إرجاع هذا الاختراع (الأزياء) إلى سببين اثنين يمكن تحديدهما كالآتي:
1 - الأسطورة الدينية (التأثير الديني).
2 - الاتجاه العلمي (التطور الإنساني).
ففي الأول ترى الأسطورة القديمة أن اليونانيين القدماء نسبوا الملابس إلى الإله (زيوس - عطارد)، بينما نسب قدماء المصريين الملابس للإله (راع)، كما اعتقد العراقيون القدماء بما أوصى به الإله مردوخ بعدم الإباحية، كما أن هناك اعتقاد أن (برتا)البطلة كانت امرأة غزلت ونسجت بيدها أول ثوب في العالم
إيمانا منها بأن هذا الكساء سيجلب لها أنظار المعجبين، وبذلك أصبحت نموذجا تحتذي به النساء في ذلك الزمان، أما السبب الثاني يعتمد (الاتجاه العلمي) يعتمد على تقلبات الجو والطقس، وتبدل درجات الحرارة، (الفصول الأربعة) إضافة لما يمكن معرفته عن التطور الذي طرأ على (التجمعات السكانية (مرحلة الزراعة (أوراق الشجر) والصيد (الفراء والجلود)، ومن ثم التعرف على النسيج الملابس المنسوجة من الأصواف أو ألياف النباتات (القطن، الكتان) أما الحرير فكان الصينيون هم أول من استخرجوا خيوطه من دودة القز.
فتقلبات الجو، هي التي دفعت الإنسان لحماية جسده فبدأ بأوراق الأشجار (العريضة الضخمة) التي تغطي اكبر جزء من جسمه، ورغم انقراض هذا النوع من الألبسة البدائية إلا أن الأبحاث السكانية تشير إلى مجموعات بشرية تعيش في بعض الغابات تستخدم هذه الأزياء في تلك الحقبة الزمنية من حياة الإنسان البدائي، بدأت هذه الحقبة قبل أن يعرف الإنسان الصيد ثم اهتدى الإنسان إلى الجلود والفراء حيث كان ينزعها عن جسم الحيوانات ليغلف بها جسده، وترافق هذا الأمر بتطورات تقنية تمثلت بنقله نوعية مما هو قبل الصيد وحتى ما بعده أدت إلى تطور أدوات الصيد والذبح والسلخ وحفظ الجلود والفراء، أما الملابس المنسوجة فلم تظهر إلا بعد ذلك بوقت طويل جدا بعد أن أضحى الإنسان لا يكتفي بالجلود الحيوانية كما هي، بل بدأ بتفصيله لها ليكون ملائما لمقاييس جسمه وتضاريسه،! ومطابقا له قدر ما يستطيع ووجد أن بعض الألياف النباتية من المرونة بحيث يمكن أن تأخذ شكل الجسم بسهولة فعكف على زراعتها (القنب، الكتان، القطن) ومن ثم عالج هذه المنتجات بالغزل اليدوي.
مرت الأزياء بمراحل متتابعة من التطور، والتنوع، ولقد حققت وصولها إلينا كقيمة معرفية أما من خلال الرسوم الجدارية في الكهوف والمغاور عند الإنسان في العصر الحجري القديم، أو من خلال ما رسم في المقابر عند المصريين، والبابليين والآشوريين أو عبر التماثيل والمنحوتات، ومن خلال كتابات المؤرخين القدامى، ومما لا شك فيه أن أكثر العصور وضوحا من حيث معرفتنا بالأزياء، هي العصور القديمة ونقصد بالعصور القديمة تلك التي أستقر فيها الفينيقيون والكنعانيون وظهور الحضارات السومرية والآكدية والبابلية والفرعونية والآشورية والصينية والهندية والإغريقية والرومانية... الخ.. ومن أهم المصادر التي يمكن اعتمادها للدلالة على تطور الأزياء في هذه الفترة الكتابات المسمارية والهيروغليفية التي أثبتت أن الأقوام التي سكنت بلاد الرافدين وبلاد النيل هي أقوام ساهمت في تطور الزي وتنوعه للرجال والنساء والعسكريين وغيرهم من فئات الشعب الأخرى متمثلة بالملوك والوزراء والقادة والرعاع. أما الفينيقيون فكانوا من سادة صناع الملابس في العالم حيث جابوا البحار متاجرين بصناعتهم ومنتجاتهم إلى أكثر بقاع العالم، ما بين أواخر الألف الرابعة ومنتصف الألف الثالثة ق.م. ولعل الرسومات الموجودة في مقابر فراعنة مصر القديمة تشير إلى أنهم كانوا يرتدون ثوبا مستطيلا له فتحتان الأولى كبيرة للعنق والذراع الأيمن معا، والفتحة الأخرى للذراع الأيسر، وقد كان لا يتعدى الركبة ألا قليلا. بينما في الآثار والرسوم التي تركها فراعنة الملكية المصرية الحديثة، أي بعد 500 عام، فقد أوضحت أن الأزياء بقيت على حالها ولم تتغير إلا تغيرا بسيطا، حيث استطال ثوب الرجال حتى القدمين وأصبحت له ثلاث فتحات، الأولى للرقبة، والباقية للذراعين وذلك حوالي عام 1900 ق.م.
وفي بعض الآثار الفينيقية التي تعود لأواخر الألف الثاني، ومستهل الألف الأول، والتي وجدت على الساحل السوري فتشير إلى أن الأزياء في هذه الفترة كانت استمرارا لأزياء الألف السابعة قبل الميلاد على أن الرجل الفينيقي كان يلبس طاقية من اللباد بيضاوية الشكل ويتزين بحلي كثيرة كالأقراط في الإذنين.. إلى جانب الأطواق والأسوار في المعصمين، ويشترك في ذلك الرجال والنساء على حد سواء، مع ظهور بعض التحولات على كيفية (غطاء الرأس) ليصبح أكثر جمالا وأناقة، كما أصبح يوضع على رأس المرأة
أزياء شعوب بلاد وادي الرافدين
إن حضارة أجدادنا القدماء، في وادي الرافدين والتي ظهرت في الفترة بين سنة (5000 – 3200) قبل الميلاد، والتي استطاعوا أن يحققوا منجزات حضارية مهمة في المدة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ والتي يطلق عليها (فجر الحضارات) تحت ظل السومريين والآكديين، والتي بلغت أوجها في الألفية الثانية والأولى قبل الميلاد، إبان حكم البابليين والآشوريين، وهي نتائج تعاقب أجناس بشرية من أصول ولغات متباينة جدا. مع ذلك تعكس نظاما روحيا متماسكا يهيمن عليه وحدة تامة يرافقها بنفس الوقت تنوع داخلي، بل استندت على نظرة دينية شاملة للكون، بصفاتها الحضارية المتميزة وقتذاك.
السومريون والآكديون
كان لانتقال الإنسان من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية في حدود سنة (3200 ق.م) أثر كبير لهذه الحقبة الزمنية ومنجزا لإنسان هذا العصر، فقد صاحب اختراع الكتابة إلى تطور ضمني للأزياء ويمكن اعتبار السومريين، وهم من أقدم الشعوب المتحضرة التي سكنت جنوب وادي الرافدين، ونتيجة لزراعة هذه الشعوب (القنب والكتان والقطن)، استطاعوا أن ينسجوا خامات (أقمشة) كانت في بدايتها خشنة الملمس غير مهتمين بالألوان، وتدريجيا توصلوا إلى نسيج اقل خشونة وبدأوا بتفصيل أنواع خاصة من الأزياء تخص الرجال والنساء، واهتموا بأزياء الملوك والقادة والعسكريين.
ومن أجل تناول أزياء العراق القديم، اعتمدت في ذلك على الآثار المكتشفة في المدن العراقية القديمة، خاصة في مدينة أوروك (الوركاء) ومدينة (أور) جنوب العراق، ولم يقتصر الاقتباس في هذه الرسوم على الأزياء بل تعدى الوجوه والهيئة العامة للجسم حيث رسم أحيانا وفقا لما هما عليه في المنحوتات السومرية والأكدية.
زي الرجـال
بدايات الإنسان السومري والآكدي متقاربة بعض الشيء وهي شعوب استطاعت أن تخط لها هوية أبتدئها السومريين وطورها الآكديين، ارتدى الرجل في هذه الفترة قطعة قماش تلف حول الجسم في منطقة الخصر وبقى الصدر عاريا، كما ارتدوا وزرة أشبه بالتنورة، كما امتاز علية القوم بارتداء تنورة طويلة وقد حلى بعضها بالراشيب، أما زي الملك أختلف بعض الشيء عن غيره وذلك بثوب طويل يصل إلى مشط القدم كما تكون حافته أما مقرنصة أو نصف دائرية محلى حافاتها السفلية بشراشيب كما تقلد الملك القلائد والأختام، ووضعوا على رؤوسهم التيجان تشبه الخوذة وهي مصنوعة من النحاس أو الذهب. أما رجال الدين، ارتدوا تنورة متكونة من قطعتين تبدأ من أعلى الخصر وتصل إلى ما تحت الركبة ومنها تكون طويلة إلى حد القدم، كما وضعوا على جانبي الكتف قطعة قماش أشبه بالشال المعاصر. أما الجنود فارتدوا جلود الحيوانات.
الرأس: امتاز رجال الدين بحلق شعورهم ولحاهم وشواربهم، أما الرجال فكانوا يطلقون شعورهم إلى أن تصل إلى الكتفين، وكذلك غالبا ما تكون لحاهم طويلة ومستطيلة من الأسفل كما اتصفت هذه الشعور واللحى بالتجعد، وكانوا يطلقون وشواربهم.
زي النسـاء
تشابهت أزياء النساء والرجال، ارتدت المرأة قطعة قماش بطريقة اللف حول الجسد من جهة الخصر كما وضعت قطعة قماش مفتوحة من جهتين إحداهما لدخول الرقبة واحد الذراعين والأخرى لدخول الذراع الآخر، وبهذا يصبح احد الكتفين عاري، كما هناك موضة أخرى وذلك بلف قطعة القماش من تحت الذراع الأيمن ليلف حول الجسم ويتنوع فيه الطول، منه ما كان أعلى من الركبة ومنه طويل يصل إلى مشط القدم. وبعد مرور الزمن تغير اللباس فأصبح يزين بنقوش أو بشراشيب كما استعملت المرأة في بلاد سومر وآكد الحلي للتزين، كما ارتدت ثوب على شكل قميص بدون ياقة يلبس تحت الثوب الأخير. الرأس تركت المرأة شعرها مسترسلا على الكتفين ويصل أحيانا إلى نهاية الظهر، أو يجعلنه على شكل دائرة يلف بطريقة جميلة إلى الخلف وأحيانا على شكل ضفائر، كما ارتدت الملكات غطاء للرأس مصنوع من المعدن الغالي أو تيجان من الذهب.
الأحذية: عرف عن السومريون والآكديون عدم ارتدائهم الأحذية (أي حفات القدمين)، ويظهر في تمثال الملك السومري جوديا وهو حافي القدمين، وبمرور الزمن بدء الملوك والملكات وعلية القوم، ارتدوا قطعة من الجلد تربط حول القدم بشرائط جلدية.
الأقمشة: استعملت هذه الأقوام في بداياتها، أوراق الشجر وجلود وفرو الحيوانات ثم تطورت أدواتها فبدؤوا بحياكة الصوف لصناعة القماش الصوفي الخشن، من غير تغير اللون المطلوب.
الأزياء البابلية والآشورية
تسمى المدة المحصورة بين سنة (3000 – 2400 ق.م)عصر فجر السلالات، لأنه شهد ظهور أولى السلالات الحاكمة، والمتمثلة بدويلات المدن السومرية، وكان الحكم ينتقل وقت ذاك في الأسرة الواحدة من الأب المؤسس إلى أبناءه من بعده. وكانت بلاد وادي الرافدين تتكون في هذا العصر من وحدات سياسية صغيرة تسمى (دويلات المدن) وكانت كل دويلة يحكمها ملك أو أمير، تتألف من مدينة كبيرة بعض الشيء تقوم مقام العاصمة، يتبعها عدد من المدن والقرى والحقول الزراعية، يبلغ عدد نفوس الدويلة الواحدة ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف نسمة.
تمتاز هذه المنطقة بأراضيها الرسوبية الخصبة وبوفرة مياهها من النهرين (دجلة والفرات) مما ساعد على قيام الزراعة وتربية الأغنام والماشية، وهذا ما أثر تأثيرا ايجابيا على الفرد في هذا المجتمع، فتطور العمران يصحبه الزي الذي استخدمه إنسان تلك المرحلة وطور ما قبله إلى أن وصلنا بصورته المتأخرة، صاحبها ظهور أصناف من الحرفين والصناع، فبالإضافة إلى الفلاح هناك النجار والبناء والحداد والصائغ والحائك... الخ، إذا ما علمنا أن السومريين حققوا الكثير من المنجزات الحضارية ولا سيما في مجال الأزياء، فكان الإبداع في مجال الغزل وعمل آلة المنول للحياكة البدائية، وبه استطاعوا تحويل المواد الأولية للصوف والقطن إلى خيوط وأقمشة. وكان لامتزاج شعبي سومر وأكد، أثر كبير بنشوء شعب جديد يحمل تطلعات متأثرا على ما احتوته جعبة الحضارتين ونتيجة هذا الامتزاج ظهور الدولة البابلية، التي بدأ التطور يصاحب مجمل حياة شعبها فظهرت علامات واضحة على مستجدات الزي البابلي.
فبعد أن كان اللباس بصورة عامة قطعة من قماش الصوف تلف حول الجسد أو جلد الحيوانات وفروها فصل على بدن الإنسان مجسما ففي هذه المرحلة أصبح بالإمكان جعل السيقان والقسم الأسفل من الأذرع ضيقة جدا انسجاما مع أسلوب يتفق وروحية العصر وقت ذاك، ولقد كان أثر ذلك أكثر إثارة لان الوزرة قد زخرفت بغنى وباتت الألوان تظهر على شكل خاص، فقد كانت أهداب الوزرة السفلى طويلة جدا ومعمولة بشكل يبين الخروج على ما ألفناه في العهود السابقة، يضاف إلى هذا أن الجزء الأعلى من الوزرة حتى الحزام قد غطي بأربعة صفوف من الأهداب القصيرة . ويبدو أن هذا قد قصد به أن يمثل تغيرا في أسلوب الوزرة (التنورة)، أصبح يحظى، فيما بعد بأهمية خاصة كما يظهر في الصورة رقم (6)، اندرج هذا التجديد على مجمل الحياة البابلية والآشورية.
كما أثر التطور والازدهار الاقتصادي والتوسع العسكري إلى نقل ومزج حضارات الدويلات المحتلة مع حضارة وادي الرافدين وبهذا نقلت ما امتاز به الفينيقيين ومصر الفرعونية وخاصة الأزياء إلى الحضارتين البابلية والآشورية كما أثر الآشوريين خاصة على بلدن العالم وحتى الأوربي منها وهذا يظهر واضح عبر ما وصلنا من المنحوتات الجدارية والتماثيل في بابل ونينوى.