eKtab
EN ع
ابحث عن نفسي - الجزء الاول
اقرأ عينة مجانية

ابحث عن نفسي - الجزء الاول

بقلم فتحية ناصر

صفحة 1
انتظار···
 
وقلت: غدا حين يعود··
 
سأغني له الأغاني التي كان يحبها··
 
وسأهديه حبات المطر التي خبأتها له ذات شتاء··
 
وسألون له وجه القمر 
 
وسأتجول معه في طرقات حياتي
 
وأسرد عليه حكايتي من الألف إلى الياء···
 
 
 
شهرزاد
صفحة 2
عزيزي··
 
خلقنا الله وأودع بنا فطرة حبه، والهوى··
 
كل إنسان تتجاذبه قوتان: نفس أمارة، وأخرى مطمئنة··
 
وكل منا يستطيع أن يجعل من نفسه نفساً مطمئنة·
 
كل إنسان تشغله مسألتان: الدنيا والآخرة·
 
وكل حي يفكر·· بالحياة والموت·
 
وأنا، يا عزيزي··
 
امرأة - ككل الخلق - تتنازعني تلك القوتان· تتجاذبان أطراف روحي، ربما أكثر من الآخرين، لأنني نشأت منذ طفولتي في جو مليء بكل الأضداد··
 
لو كنت نشأتَ مثلي، قروياً - متمدناً، أو متمدناً - قروياً، غنياً·· يحيط بك الفقراء·· وتعيش في (قصر) تحيط به بيوت الفقراء·· طفلاً وحيداً في منزل (شاسع)·· ومن حولك البيوت تعاني (انفجاراً) سكانياً من الأطفال الإخوة·
 
لو كنت نشأت بين قوم متدينين، مواظبين على الصلوات والمآتم وأحببت عاداتهم، بينما أهلك لهم عادات أخرى، وليس لديهم ذلك التعلق الديني القوي··· في ظل كل هذا، كيف كنت لتكون؟···
 
لا أحد - كما تقول يا عزيزي - يكره الإيمان·
صفحة 3
بل إن الله أودع بنا فطرة البحث عنه والاعتقاد بوجوده، وحب عبادته·
 
وليس كالأطفال حباً لله!· ربما لأنهم لم يتسربلوا بعد بأي رذيلة من رذائل الدنيا، أو خطيئة· لذلك هم أحباب الله··
 
وكشأن كل الأطفال يا عزيزي، أحببت أن (أتدين)· وأن أعرف الكثير من أمور ديني· لكن ظروف معيشتي حرمتني ذلك· لذلك سعيت لـ(تدارك) وضعي وتصحيحه وإن تقدمت بي السنوات· ولعلي بالغت في الأمر·
 
لقد كنت أضخم الأمور، وأفكر كثيراً، وعميقاً في هذه المسألة بالذات، لأنه لم يكن ليهدأ لي بال طالما أشعر بأني أغفلت جانباً مهماً، وضرورياً في الحياة كالدين، لا أعرف منه أو عنه شيئاً·
 
كان ضرورياً أن أعرف· لكي لا أشعر بأني إنسانة خاوية من الداخل· وإن لم أعد بعد تلك المرأة المتدينة، فعلى الأقل·· لدي في داخلي الآن الأساس الذي حق أن تتشكل على هيكله ذاتي·
 
في بعض الأمور، قد لا تقنعنا تجارب الآخرين· ولا يمكننا الكف عن التفكير بها حتى نجربها بأنفسنا·
 
الله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، والذي كــرَّه إلينا الإثم والفسوق والعصيان، قد أودع بنا في الوقت ذاته حب التمتع بالحياة· وقال: 
صفحة 4
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
 
وقال: خذوا زينتكم عند كل مسجد
 
وقال: وأما بنعمة ربك·· فحدث
 
أما أنت·· 
 
فربما دفعت ثمن صراع الأضداد في داخلي···
 
صراع السعادة والحزن، والحب والشوق،
 
والإيمان والعصيان···
 
ولعل ما ستقرأ لن يقنعك· كما لن يكون بنظرك مبرراً  كافياً، ولا عذراً·
 
يكفيني أن تعلم وحسب، ما خطبي· وأن تعلم أيضاً أنني الآن أنتظرك·
 
من يدري··· ذات يوم، ربما تعود···
صفحة 5
 تكوين
 
أيامَ لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور
 
وتتبُّع النحل الأنيق وقطف تيجان الزهور
 
وبناء أكواخ الطفولة تحت أعشاش الطيور
 
مسقوفةً بالورد، والأعشاب، والورق النضير
 
نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور
 
ونعود نضحك للمروج وللزنابق والغدير
 
ونمر ما بين المروج الخضر في سكر الشعور
 
نشدو ونرقص - كالبلابل - للحياة وللحبور···
 
 
 
أبو القاسم الشابي
صفحة 6
خــيــبــة
 
 
 
في أعماق نفسي أغنية لا ترتضي الألفاظ ثوباً·
 
أغنية تقطن حبة قلبي، فلا تريد أن تسيل مع الحبر على الورق··
 
وتحيط بعواطفي كغلاف شفاف، فلا تنسكب على لساني كالرضاب···
 
كيف أتنهّدها وأنا أخاف عليها من دقائق الأثير؟
 
ولمن أنشدها وقد تعودت سكنى نفسي فأخشى عليها خشونة الآذان؟
 
إن نظرت إلى عيني رأيت خيالها،
 
وإن لمست أطراف أصابعي، شعرت باهتزازاتها···
 
جبران
صفحة 7
من الماضي البعيد··
 
- يا بعيد  -  
 
سأبدأ···
 
وسأحكي لك عن أيامي الأولى·· البائسة - السعيدة···
 
عن أوراقي البيضاء التي خط فيها والدي أول السطور·· وزيـّـنـــتها أمي بأجمل الألوان···
 
وكتبت عائلتي فيها أول أسباب الألم···
 
عن أثوابي التي فصلها القضاء، وألبسنيها القدر،
 
وطرزها الناس بأشكال وألوان من الحكايا!···
 
هاك أوراقي - يا عزيزي - لتقرأ··· 
 
كان ياما  كان···
 
في الماضي يا بعيد··
 
كان أني طفلة ولدت ل (السلطان)!·
 
قالت لي رباب إن أهل القرية كانوا يسمون والدي هكذا··
 
كان جدي الأكبر، (النوخذة) محمد غريب يسكن المحرق·
صفحة 8
كان له اثنان من الأبناء، أكبرهما مراد الذي أنجب سالم صبياً، وثلاث بنات هن عايشة وسميرة، والصغرى  ليلى (أمي)· أما ابنه الثاني عبد الرحمن، فقد كان جدي لوالدي خالد، كما أنجب وداد، عمتي التي أصبحت فيما بعد زوجة لخالي سالم·
 
عندما جئت أنا لهذه الدنيا، كان النوخذة قد قضى منذ زمن بعيد· لكن ذكره ظل يتردد، بـخـير، وشر!··
 
كان عند بعض سكان المحرق مثالاً للعصامية· ولست أدري كيف يكون عصامياً إذا كان ابن النوخذة في ذلك الوقت يكون - تبعاً لوالده - نوخذة أيضاً!· لكن شيئاً واحداً يحسب له حقاً، وهو أنه لما توفيت زوجته رضي بابنيه منها عائلة له، ولم يتزوج ثانية·
 
لم يكن الرجال في ذلك الوقت قادرين على تنظيم حياتهم من دون امرأة، تهتم بشؤون البيت في غيابهم، وتربي أولادهم· أو - في الحقيقة - لم يكونوا يتصورون أن يبقى الرجل منهم عازباً، أو أرملاً، (وطبعاً لم يكن يعترف أيامها بشيء يدعى الطلاق، كي أقول مطلقاً!)، فقد كان للعشرة الزوجية في ذلك الوقت هيبة قدسية، لذلك كان العرف الاجتماعي يقر للرجل أن يتزوج بعد وفاة زوجته، بل لا يقر له أن يبقى من دون زواج بعد ترمله· لكن النوخذة، كسر القاعدة!·
 
أشك في أن ذلك بدر منه وفاءً لزوجته!· ففي تلك الأيام لم يكن الدافع للزواج شيء يسمى الحب كي يبقى ذاكراً لها!·· بل كان الدافع للزواج، هو النمو الجنسي!· (الرغبة)، مـتلـبــّســـة بالحديــث الـــزواج نصــف الـــدين! أعتقد أن الجد لم يكن يملك الوقت كي يــبحث عن، بل حتى كي يفكر، في زوجة!· فقد كان - بحسب حكايات خالتي عايشة - يعمل كالنحلة لتحصيل المال، حتى بعدما ينتهي موسم الغوص·
صفحة 9
لما كبر عبد الرحمن ومراد، كان والدهما قد أصبح طواشاً، ولم يستغرق وقتاً أطول كي يصبح فيما بعد أحد أكبر تجار اللؤلؤ في المحرق، ولم يكن عدد هؤلاء التجار يزيد على أصابع اليد الواحدة·
 
كان جدي الأكبر (محمد غريب) قد قدم من فارس مع أبيه عائدين لأصلهما العربي، حاملين معهما الأموال التي شارك بها والد جدي في تجارة اللؤلؤ كنوخذة، بعدما كاد يخسر أمواله في فارس، حيث جاء إلى البحرين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه· وتمكن بالفعل من إنقاذ أمواله لكن لم يطل عمره كثيراً هنا فمات مورثاً ابنه محمد (جدي الأكبر) ماله ومكانته التجارية·
 
في اليوم الذي حقق فيه جدي الربح، الذي أعاد مجده، خرج للشارع سعيداً مبشراً أباه، صارخاً روزبه، روزبه أي أن ذلك يوم السعد· لقد أصبح جدي منذ ذلك اليوم طوّاشاً كبيراً من تجار اللؤلؤ، فكان من باب الاحترام  والهيبة أن لا يسمونه (غريباً)، فلقبوه (روزبه) طالما الكلمة جديدة عليهم، وصاروا ينادونه (عمي محمد روزبه) أو (عمي بو مراد روزبه)·
 
اتفق الجمهور على تلك القصة· أما ما اختلفوا فيه فكان: أن بعض الناس يقولون إن الجد كان مولعاً بالغوص، حتى إنه لم يحتمل أن تحل الثروة والثورة النفطية والاستثمارات الأجنبية التي دخلت البحرين محل سفنه· انصرف كل الغواصين إلى الشركات· فلماذا يبقون يعانون قسوة الغوص وغدر البحر، مقابل رُبّـيات قليلة يعيشون عليها عاماً كاملاً، بينما يمكنهم أن يحيوا باستقرار، بلا سفر وبعد عن الأهل، بلا مخاطر، وبين يدي حدث عظيم، في شركة أعظم ويقبضوا معاشاً شهرياً!؟· لمَ يجازف أحد بحياته وأمامه هذه الفرصة الذهبية؟
 
صُدِمَ الجد· فالنواخذة يخبرونه كل موسم بأن عدد الغواصين يتضاءل، حتى انصرف النواخذة أنفسهم عن الغوص وبحثوا عن تجارة أكثر مكسباً!· ربما اقتنعوا بلؤلؤ اليابان الصناعي!· ربما بينهم أيضاً من انصرف إلى إحدى تلك الشركات!· ولكن، هل يقبل نوخذة أن يكون هو ومن كانوا يعملون تحت إمرته، موظفين على قدم المساواة في الشركة؟·
صفحة 10
حين جاء البترول والغاز الطبيعي والاستثمارات الأجــنبــية لـهذه الثروة التي قبعت في بطن دلمون طوال آلاف السنين، أعلن زمن الغوص الرحيل· ومرض الجد·
 
بعضهم يقولون إنه كان يصحو في الليل صارخاً على إثر كابوس ويجري إلى الشارع يبعثر ماله ثم يلُمّه!!·
 
أناس قالوا إنه فقد عقله حقاً، ولولا أولاده الذين أنشأهم على معرفة قيمة المال، لتبدد ماله وما بقي لدينا نحن الآن شيء، وغيرهم اكتفوا بالقول إنه مات بالسكتة·
 
لست أدري إن كان الجد حقاً قد جن، أو ظل وفياً لعمله، باقياً فيه حتى يوم مات (في متجره) كما تقول الفئة الثالثة، أم أنه أصيب بسكتة!· لم أسأل أحداً· فلم يكن أي جزء في كل القصة يهمني· ولا كان فيها من الإثارة ما يدفعني للفضول· ولا شعرت لمرة في حياتي أني أحتاج أن أعرفها· كان لي عالم آخر أحيا فيه·
 
قضت خالتي عايشة كل عمرها تحكي لي الحكاية· تعيد اليوم بعض التفاصيل وتزيد تفاصيل جديدة يوم الغد· شيء مما تقول كان يطابق ما يقوله أهل المحرق، وأشياء أخرى لم تكن تتطرق لها·
 
كانت إذا تحدثت عن عصاميته أطالت وفصلت، وبدت كما لو أنها تحكي عن بطل أسطوري، عن مجدِ ثوريٍّ عظيم!·
 
وكأنه قد أرسى مبادئ أخلاقية، لا  كرّسَ حياته في جمع المال!·
 
أما إذا وصلت إلى خاتمة القصة، اكتفت بالقول:
 
يرحمه الله· ورّث كل فلوسه لعياله الاثنين
 
هذا فقط ما لم يزد عليه شيء بين البارحة، واليوم والغد··
 
هذه هي الجملة الوحيدة التي صمدت، دون تغيير، دون زيادة، من دون الكثير من التفاصيل·