صفحة 1
جهاد
تسير الخطايا وراء الحكايا فكل حكاياتنا مرعبة··
وفي كل يوم جديد يمر تردد روحي: أنا مذنبة
وليس سوى رب هذا الوجود يريح الذي ذنبه عذّبَه
فيارب يقرعُ بابَك قلبي فإن لظى الحب قد ذوّبه
وعاد إليك يصيح: أغثني فأسئلتي لم تجد أجوبة
فأنت الحبيب المجيب القريب·· ومن كالذي ربهُ قرَّبه···
د· مانع سعيد العتيبة
صفحة 2
توبة
وتظل دنيانا تدور··· تدور في نفس المصير
ونظل نحفر قبرنا بيدين من نار الشرور
حتى إذا اكتمل البناء هوى··· كما تهوي الصخور
د· محمد العبودي
- للإنسان بعدان··· مادي ناسوتي هو الجسد، ومعنوي ملكوتي هو الروح·· وإنسانيتنا يا أختي في جانبنا الملكوتي· وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر··· ألا يقول الرسول صلى ا& عليه وآله وسلم: أشجع الناس من غلب هواه، ويقول: أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك· إنها الأمارة بالسوء، ولذا فتهذيبها يحتاج التكرار ويتطلب الإصرار والمواظبة· السلوك العرفاني طريق شاق· لقطعه تحتاجين نفَساً طويلاً، وقبل السير فيه لا بد من التوبة والإخلاص لله في النية· ألا ترين أننا كلما أخذنا من الدنيا لا نكتفي؟·· كلما أكلنا لا نشبع، مهما امتلكنا من المال نريد أكثر···
- بلى·· صلى ا& عليه وآله وسلم
- حقاً·· لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب!·
يقول الرسول صلى ا& عليه وآله وسلم: إذا توخى المرء الحذر في ثلاثة أشياء يفوز حتماً: الأول بطنه وماذا يأكل· والثاني لسانه وماذا يقول؛ والثالث غريزته الجنسية ويقول: أخوَفُ ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى، وطول الأمل· فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق· وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة في سورة سبأ يقول تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون }· لماذا المترفون بالذات؟ لأنهم اتبعوا أهواءهم، ولم يؤدوا حق الله في أموالهم· لأنهم أخذوا وأخذوا، وكلما أخذوا ازدادوا غفلةً بدلاً من شكر الله على نعمه؛ فتكثّفت على قلوبهم الحجب، وعميت بصيرتهم·· حتى إنهم ليصلون إلى حال يقول الله عنه والعياذ بالله، {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}· فهل تستحق ملذات ساعة أن ينزل الإنسان بكرامته التي أعزّه الله بها إلى مصافّ الدواب؟··
وأما طول الأمل، فهو الشعور بأن الموت بعيد منا، ولذلك فهو يُنسي الآخرة· حتى ليشعر الإنسان أنه خالدٌ في هذه الدنيا، فلا يعمل لآخرته شيئاً· بينما يجمع المال وينجب البنين، ويمتلك العقارات والأراضي ····· يعمل الكثير من أجل الدنيا·· التي هو تاركها· لأنه لا يشعر أنه مغادرها··
لنتجنب الوقع في شرك طول الأمل علينا أن نتذكر الموت دائماً···
- وكيف أجعل ذكر الموت ملازماً لي؟
صفحة 3
- احفظي هذه الآيات وردديها؛ وأنت تعملين، وأنت تقودين السيارة، مهما كنتِ تفعلين· فإن ذكر الله حسن على أي حال···
قولي: وإن إلى ربك المنتهى
فإن إلى ربك الرُجعى
يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه
ألا إلى الله تصير الأمور·····
اقرئي أيضاً سورة الواقعة كل ليلة قبل أن تنامي، فهي تحفظ من الغفلة· وتذكّري أن الملائكة على جنبيك تكتب ما تفعلين· ونصيحة أخيرة؛
أكثري قراءة القرآن········
وهكذا؛ بينما كنت أنتظر تعيين الوزارة في مستشفى العجزة، حضرت دروس أم عامر·
في الدرس الثاني جاءتني إذ كنت في مكاني قرب بتول وسألتني: كيف تشعرين بحضور هذه الدروس؟ كان السؤال محرجاً لي، فأنا أعي أي إجابة تريد أن تسمع مني لكنها لن تكون أبداً صادقة، ولن تبدو كذلك· ولم أكن سأسعى لأن أجعلها تبدو كذلك!· أجبت باختصار - كمشاعري التي كانت في ذلك الحين مختصرة أيضاً تجاه تلك الدروس؛ أجبت: أشعر براحة نفسية، واكتفيت· يومها قالت لي الكثير في وصف ما (سأشعر به لاحقاً)، قالت: هذه بداية جيدة· بمرور الوقت سيتعلق قلبك بالحضور· لعالم الروح هيبة· والإنسان بفطرته يحب الإيمان والتدين· وإذا رأى الله عبداً يباشره بخطوة فإنه يقرّبه إليه خطوات· ولا يرد الله عبداً· سترين كم وكيف سيتغير الكثير في حياتك كلما انتظمتِ أكثر في الحضور· ستنالين من الله التوفيق وسداد الخطى في كل شيء· حتى لو طال بقاؤك جالسة فلن تشعري بالتعب· ولا بالملل· ولا بالتيبُّس!· في لحظةٍ ما ستشعرين كم أضعتِ من عمرك السنين····· يقول الإمام علي \: الدنيا بحرٌ عميق يغرق فيه خلقٌ كثير وأنتِ لا تريدين أن تغرقي، صحيح؟
قلت: صحيح
ابتداءً من الدرس الثالث كان جوار بتول قد أصبح مكاني المعتاد، وبعد انتهاء الدرس كنت أطرح عليها بعض الأسئلة عما لم أفهمه في الدرس، وعن بعض الكلمات التي وردت في الكتب التي قرأتها ولم أفهمها كالخُمس وغير ذلك·
صفحة 4
لاحظَتني أم عامر فأعجبَت بي· واعتدت من بعدها أن تأتيني بعد إنهائها درسها مختصرةً كلامها مع الأخريات، لتحدثني عن السير إلى الله، وكرامات أوليائه· ولما لمسَت حاجتي لدروس في الفقه نصحتني بقراءة رسائل فقهية، ولما شعرتُ بصعوبة المادة سألت بتول إن كان بإمكانها أن تشرح لي مشكورةً ما أقرأ· سألت بتول لأن سؤالها عليّ أسهل وهي إليّ أقرب· أما أم عامر، فبينما كانت تتوجه إليّ بعد إنهائها دروسها كنت أشعر تجاهها بالاحترام؛ والهيبة· وأصبحت أعرف أيَّ هالةِ نورٍ تحيط بها حتى لتجعل الأخريات يحببنها مهما أساءت إليهن - أقصد؛ قست عليهن· لكن؛ أن أطلب منها أن تمنحني من وقتها لتشرح لي ما لست أفهم في الفقه؟··· يا إلهي كم أستحي منها!···
طلبت ذلك من بتول· وقبل أن توافق تدخلت أم عامر إذ سمعتني فقالت: إذا تمكنتِ من الحضور يوم الاثنين لمدة ساعة أسبوعياً فيمكنني أن أوضّح لك ما يستعصي على فهمك من المسائل الفقهية شكرتها بامتنان لذلك··
يوماً بعد يوم··· كان شعوري بالتقصير في ديني يتزايد· كلما عرفت في الدين أكثر ندمت أكثر···
ها هي أم عامر تعلمني قبل كل شيء الوضوء الصحيح والصلاة· كالطفلة كنت أقف وهي تملي عليّ عبارات الصلاة، وحركات الصلاة لكي يكون ركوعي صحيحاً وسجودي صحيحاً، وتدرّسني شروط لباسها وأحكام الفقه فيها؛ ماذا يستحق سجود السهو، وماذا يستدعي ركعة الاحتياط، ومتى ينبغي أن أعيد الصلاة· علمتني أيضاً كيف أؤدي الغسل الواجب، وشرحت لي أحكام الحيض وأحكام الطهارة والنجاسة وكيفية الخمس····
يالتقصيري في حقوق الله وديني···
منذ صغري وأنا أتمنى··· أن أشعر بالإسلام يملأ حياتي·· أن أكون بالفعل لا بالاسم مسلمة···
هذا بحق ما كنت أريد·· هذا كل ما أحتاج··· فأين كانت أيام الله هذه عني···
لقد أنعم الله عليّ بالكثير وأنا غافلةٌ عن شكره؛ وأقل شكره بأداء حقه··· فرّطتُ كثيراً في جنب الله فظلمتُ أول ما ظلمتُ نفسي··· وجعلتُ نعمَ الله نِقَماً عليّ···
ها هي سورة الواقعة تذكرني كل ليلة بأن لي موعداً للموت لن أخلفه·· وأنا·· أدفع مصيري الأبدي ثمناً للهو ساعة··· لا صلاة، ولا صوم يُقبَل دونها··· ولا غُسل ولا ستر··· أسير أتخبط لأنني أمشي في الظلام···
أوَذكرت في غفلتي أن الله رؤوف رحيم، ونسيت أنه شديد العقاب؟··
أفسدني الدلال يا رب والحياة التافهة التي أحياها·· رأيت أم عامر في البدء قاسية لأنني مدللة···
الطريق إلى الله يتطلب قسوة، على النفس أولاً· وشدة وغلظة· وإلا فكيف تتهذب غرائزي وتسمو نفسي إذا تركت لها الحبل على الغارب؟···
إنها تهتم لأمري·· لقد أصبحت أمي···
أمي الروحية···
صفحة 5
تريد بحق أن تنتشلني مما أنا فيه وتعيدني إلى جادّة الصواب·· أن تعيدني إلى فطرتي···
ظننت فيها السوء فقط لأنها لم تبتسم·
وسوء الظن هذا ذنبٌ يضاف إلى رصيدي··
أنا أيضاً لم أكن أبتسم حتى ليقول الكل إني مغرورة؛ فكيف أظن بغيري سوءاً لا أرضاه لنفسي؟·· ثم ألا يقول الرسول لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيرا··· هذا الشيطان يوسوس لي أثناء الدرس بالملاحظات السلبية، ليشغلني عن الاستفادة من الدروس، وليحرمني الشعور باللذة الروحية التي تغمر قلوب كل الحاضرات، فلماذا أحقق له أمله؟ ألا أرى أم عامر تبكي·· ولا تستحي أمام الخلق أن تبكي إذا ذكرت مصائب الإمام الحسين \ وما جرى على أهل البيت· وتبكي حين تدعو وتطلب من الله الزيارة حتى لتتقطع أنفاسها من كثرة البكاء···
قالت لي أم عامر:
إن أول علامات قبول الإنسان في رحاب الله هي أن يُشعِرَه بلذة الإيمان··
وها أنا ذا···
أرقب التبدل في داخلي يوماً بعد يوم··
وذلك التعلق المهيب بالحضور··
عزمت على التوبة من كل ذنوبي·· الصغائر والكبائر··
وهل كان عندي يا رب من صغائر!؟· كل ما فعلت كان كبيرا···
عزمت على التوبة··· فكُتِبَ لي بها أن أولد من جديد···
عاريةً من ذنوبي··· نقيةً بقلب طفل···
إنسانة طاهرة· بمجرد أن فكرَّتْ أن تترك من خلفها الدنيا وتمضي إلى رحاب الله···
من بين أوراقي:
الفاضلة أم عامر··
الشكر لله أولاً؛ ثم إليك لأنك ترينني طريق الصواب··
لقد عرّفتِني طريق الله، وها أنا أبذل كل طاقتي لأسمو فوق رذائل هذه الدنيا··
صفحة 6
لقد كنت أقرأ القرآن كثيراً في السابق· لكنني أشعر أن كل تلك القراءات لم تكن تنفعني، لأنها لم تكن عن حضور قلب· ولو كانت عن حضور قلب لعصمتني عن ارتكاب كل تلك الذنوب·
أنا اليوم أعي كم كنت جاهلة· وأعلم أن جهلي ليس عذراً لتركي الصلاة، ولا لجرأتي في عصيان خالقي·
أشكركِ· بل إنني ممتنة إليك بعد الله· وأسأل الله أن يجزيك عني خير الجزاء، ويبلّغك مناك؛ ويرزقك الجنة· ويرحمك بما يسّرتِ لي طريق الهداية، وأن يجمعنا مع أنبيائه وحبيبه محمد وأوليائه في جنات النعيم·
سلّمت أم عامر تلك الورقة بعد إنهائها الدرس، عالمةً أني لا ولن أوفيها حقها· لكنني شعرت برغبة ملحّة في شكرها لعل الشكر يُعلِمُها كم أقدّر ما تفعل لأجلي· شكرها أقلُّ ما أفعل· استحيتُ أن أشكرها بلساني· وفكرت أن الكتابة أوقع من الحديث، كما أنها ستبقى دائماً تذكرها بامتناني لها··
بعد عودتي إلى البيت هاتفَتـْني وقالت:
لا شكر على واجب· إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا···
فازددت إحراجاً· وحباً بها· واحتراماً لها وهيبة···
أنا أعرف أن لا شيء أفعله من الممكن أن يَعدِل ما تسديه لي·· هي لم تهبني شيئاً مادياً لأجزل لها عطاءً مادياً مكافئاً·· لقد عرّفَتْني بعالم الروح، أدخلَتْ إلى عالمي النور·· فكيف أجزيها···
قلتُ··
- أم عامر·· أنا أشعر أنك·····
ولم أعرف كيف أقول لها ذلك·
- أنني ماذا؟
- أنكِ······، أخشى أن أسيء إليك بذلك·
- ماذا يا أمل؟·· قولي··
قلت في نفسي: يا رب امنحني الشجاعة لأقول هذا ثم قلت:
- أم عامر أنا··· أشعر أنك أمي··· لكني أعرف أنني لست ابنةً مشرّفة، ولا·····
- لا تكملي·· أنا أمك حقاً وأم كل من تحضر درسي·
- لكنني كثيرة الذنوب···
- كلنا كذلك··· كل بني آدم خطّاء·
- لم يذنب في الخلق أحدٌ قبلي ولا بعدي مثلي···
صفحة 7
- وهذا يا ابنتي أول الطريق··· يقول الله في حديث قدسي: إذا وقعتَ في معصية فلا تنظر إلى صغرها ولكن انظر من عصيت···
كل أسبوع يوم الاثنين كانت تتاح لي بأم عامر لحظات انفراد أشكو لها فيها المشاكل التي تعترض طريقي، والتي هي كما أفهمَتني مشاكل عادية تعترض طريق كل السالكين إلى الله· وكنت دائماً أحادثها بصوت خافتٍ وخَجِل؛ ورأسي إلى الأرض· قلت لها يوماً:
- لقد بكيت بكاءً مراً بين يدي الله في لحظة ما؛ وكانت أول مرة أصلي فيها لوحدي بعدما حفظت الصلاة· كنت أقرأ تلك الآية في سورة الزمر بعد الصلاة: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله···· إن الله يغفر الذنوب جميعا·· كررتها وبكيت متأملةً رحمة الله ومحبّتَه عيالَه·· ومع هذا فإلى الآن ما أزال لا أصدق أحياناً أن يغفر الله لي كل ذنوبي···
- ألا يقدر الله على ذلك؟ وماذا تضره المغفرة؟ - سبحانه وتعالى -···
- لا تضره المغفرة· ولا تنقصه الموهبة·· لكني لا أستحق·
- لو حاسبنا الله بما نستحق لما دخل الجنة أحد، ولا حتى أولياؤه· انتبهي فهذه حيلة من حيل الشيطان؛ يوسوس لك بذلك كي يثنيكِ· إنها كما يقول الإمام علي \ كلمة حق يراد بها باطل· تذكري أن الله يقول ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون يريد الشيطان أن يجعلك من أولئك الكافرين فحذارِ· أحسني الظن بالله فهو عند ظن العبد، إن خيراً فخير وإن شراً فشر· اذكري نعمَ الله عليك· لقد وهبك الكثير من دون أن تطلبي فكيف يبخل بالمغفرة؟· اعتبري ما فات من حياتك ابتلاءً نجوتِ منه· بل امتحاناً نجحتِ فيه، فحتى الذنوب يمكن أن تكون ابتلاءً· ثم اذكري ستر الله الجميل على ذنوبك وقولي دائماً: يا من أظهر الجمل وستر القبيح
ومن يستر فكيف لا يغفر؟····
وشكوت لها يوماً من قلبي القاسي الذي لا يخشع؛ وعيني التي لا تدمع·· فمنذ بكيت أول مرةٍ في توبتي لم أستطع أن أبكي ثانيةً· قالت لي: لا تستعجلي؛ ستأتي رقة القلب في وقتها· لقد غسلتِ بدموع التوبة كل ذنوبك، وهذا يكفي للآن· التائب من الذنب كمن لا ذنب له· رقة القلب هي أكثر ما يتطلب صبراً في الطريق إلى الله·
مارسي الأعمال التي ترقق القلب: بدأتِ بالتوبة والآن كفّري عن ذنوبك· اقضي الصلوات الفائتة منذ دخلتِ سن التكليف، وأعيدي الصيام· ثم بعد قضاء الصيام صومي استحباباً· اقرئي بعض الأدعية وتعقيبات الصلوات· زوري القبور وقولي·· أنتم السابقون ونحن اللاحقون··· اقرئي الكتب الدينية فهي تعزز ذكرك لله· صلّي دائماً بحضور قلب· أفرغي خاطركِ من أي شيء دنيوي عندما تصلين······
ونسيت المجلات التي كنت أتسلى بقراءتها؛ وكتب القصص والروايات والشعر···
كل شيء عدا كتاب الله والكتب الدينية صار بالنسبة لي تافهاً··
عملت جادةً في مجاهدة نفسي ومحاربة أهوائي···
اشتريت كتب الدين في مختلف المجالات: في الفقه والعقائد·· الأحاديث القدسية والنبوية، وكتب السيرة والتفسير؛ وكتب الإعجاز العلمي واللغوي والفلكي والطبي والغيبي في القرآن؛ وطبعاً؛ كتب تزكية النفس···
كان بي نهمٌ إلى الدين، ورغبة تزداد كلما قرأت أكثر· درست كتب العقائد الإمامية دراسة ذاتية· وكانت أم عامر دائماً حاضرةً للإجابة عن أسئلتي بعد الدرس أو عبر الهاتف، كلما أدرت رقم هاتفها على استحياء· وكنت أحظى منها بترحيب حار دليلاً على المعزّة الخاصة···
اشتريت أيضاً أشرطة محاضرات للعديد من المشايخ· الوائلي، المهاجري، الآصفي···· وداومت على الاستماع المحاضرات الدينية في الواحدة ظهراً كل يوم في إذاعة إيران·
صفحة 8
مشيت في المقابر؛ أتذكر قول الله لنبيه عيسى: يا عيسى··· هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبك الخشوع· وقم على قبور الأموات فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل: إني لاحقٌ في اللاحقين··· وقوله في التوراة: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟·· ولمن أيقن بالحساب كيف يذنب·· ولمن أيقن بالقدَر كيف يحزن، ولمن أيقن بالنار كيف يضحك، ولمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئنُّ إليها···· ولمن أيقن بالجزاء·· كيف لا يعمل؟····
وأصبحت كل آية عذابٍ تبكيني، وحتى·· كل آية رحمة··· تذكّرني بأني لا أستحق عفو الله ورغم ذلك فهو يرحم··· وكل نداء حميمٍ من الله إلى ابن آدم في حديث قدسي يبكيني·· لحنانه··· وقربه للقلوب·· حين يقول···
عبدي·· أنا وحقي لك محب، فبحقي عليك كن لي محباً··· وحين خاطب داوود: ذكّر عبادي نعمائي وإحساني إليهم· وحبّبني إليهم فإنهم لا يحبون إلا من أحسنَ إليهم وحين قال·· يا داوود·· بلّغ أهل الأرض أني حبيب من أحبني، وجليس من جالسَني·· ومؤنس من أنس بذكري· وصاحبٌ لمن صاحبني، ومختارٌ لمن اختارني······
فاخترت صحبته·· والأنس بقربه···
أصبحتُ حبيسة غرفتي أمضي وقتي في التعبد؛ أختار من القرآن سوراً تشعرني بقربي إلى الله، ولم أكن أملُّ·· والوقت يمضي وأنا لا أشعر به حتى إن الشمس تشرق أحياناً في غفلةٍ مني، وأنا ساهرة طوال الليل أدعو وأقرأ· لم يعد يعرف أحدٌ إن كنت في البيت أم لا· الخادمة تأتيني صباحاً بصينية فطوري؛ فإذا لم أفتح ظنت أني لست هناك، فعادت أدراجها· وتعود تأتي وقت الغداء وتطرق الباب فلا أفتح لها· وأبي·· نادراً ما ألتقيه·
ساعدني كثيراً اختلاف نوبات عملي التي لا يركز أبي في تفاصيل مواعيدها، ساعدني على ممارسة اعتكافي· واظبت على قراءة دعاء كميل، ودعاء الندبة، ودعاء التوسل، وسورة يس· وكان لبعض الآيات عندي مكانةٌ خاصة فأرددها دائماً؛ وبعض الأذكار أرددها مع كل فعل، فإذا استيقظت من نومي قلت: الحمد لله الذي بعثني من مرقدي ولو شاء جعله سرمدا وإذا أشرقت الشمس قلت: أصبحنا وأصبح الملك والملكوت والليل والنهار وما يكون فيهما لله وحده··· وإذا ركبت سيارتي قلت: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين··· وأذكر دائماً قوله تعالى: فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله وأدعوه·· أن لا يردني لسوء استنقذني منه، وأن لا يبتليني ثانيةً بالغفلة·
لقد ملأ اسم الله أوراقي·· زيّنَ أي ورقةٍ وقعَت بين يدي·· كما يكتب كل محب دون شعور اسم حبيبه؛ كما كنت أكتب اسمك في دفاتري المدرسية وأنا صغيرة··· وكلماتُ الأدعية التي حفظتها لكثرة تكراري قراءتها باتت دون قصد تنساب من حبر أي قلم أمسكه لأخطَّ شيئاً···
إلهي··· لو طردتني من بابك·· لو نهرتَني وزجرتني···
لو من جوارك بعّدتَني ما كففتُ عن تملقك·· وما برحتُ من بابك لما انتهى إليه قلبي من المعرفة بكرمك·· ورأفتك ورحمتك
فهبني يا إلهي صبرت على عذابك؛ فكيف أصبر على فراقك··
وهبني صبرت على حر نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك··
ربِّ لئن طالبتني يوم القيامة بذنوبي لأطالبنّك بعفوك··
ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنّك بكرمك··
ولئن أدخلتني النار·· لأخبرنّ أهلها أني أحبك···
أحبك······؟
وتوقفتُ عندها وأنا أخط ذلك المقطع، وهمستُ لنفسي··
صفحة 9
يا من مددتَ لي يد الرعاية منذ صغري·· وحفظتني في كل خطواتي·· ورحمتني·· ومننتَ عليَّ بأن وفّقتَني لنيل بركات معرفة الطريق إليك من بعد ضياعي···
أنت يا رب كما أحب·· فاجعلني كما تحب·····
هل أنا أحب الله حقاً؟·· سألتُ أم عامر·
لقد أصبح ذكر الله حقاً مؤنسي؛ وأكثر ما أفكر فيه هو الله· أحبه لأنه أحسنَ إليّ مذ خلقني، وذكرني؛ من قبل أن تعرف أمي بحملها بي فتذكرني··· ودلني على الحق·· حكمته قضت بما أراني في طفولتي مع رباب أم يمنحني فرصة سلامة القلب··
إنه سبحانه يقول لموسى: يا موسى·· من أحبني لم ينسني···
وها أنا؛ أكاد لا أنسى ذكره؛ فأنا إذن أحبه؟؟···
أجابتني أم عامر:
- خائفة أنتِ من عذاب الله وناره؟
قلتُ: الآن لا· لم أعد كذلك·
- طامعةٌ في جنته؟
- نعم، من أجل أن أكون بقربه وأراه· بالأمس كنت أخشى الموت واليوم لا· بل ما أسعدني بالموت إن كان لقائي بالله بعده··
- أنتِ الآن إذن من الأحرار· أو؛ قريباً تكونين منهم·
- الأحرار؟
- في الطريق إلى الله، هناك عبادة العبيد، وعبادة التجار، وهناك الأحرار· فأما العبيد فيعبدون الله خوفاً من ناره· وأما التجار فيعبدونه طمعاً في جنته، وأما الأحرار··· فيعبدونه حباً به··
هنيئاً لك ما وصلتٍ إليه·· لقد قرّبك الله إليه في وقتٍ قصير لما عرف عن صدق نيتك··
وبكيت يومها عند أمي····
- أيمكن أن أكون يوماً من أولياء الله؟··· فتطوى لي الأرض وأستشعر الغيب وتحصل لي الكرامات؛ وأسمع أصوات كل ما حولي يسبّح لله إذا صليت؟·· ويجعلني الله مثله أقول للشيء كن فيكون؛ وأتمنى أي شيء فيحصل··
- قريباً إن شاء الله، فاستمرّي····
لم أسأل أم عامر كيف عرفَت أني وصلت إلى مرتبة عبادة الأحرار· لقد كانت في نظري أحد أولياء الله، ولم أستبعد أن يكون الله قد أطلعها على نوايا قلبي· لذلك جعلَتني إليها الأقرب وعندها الأفضل· لقد أعطتني قبل مدة كتاباً اسـمه (ثم اهتديت) لشخص كان على المذهب السني ثم تشيّع، وقالت لي حافظي عليه فهو مُصادَر· بعدما انتهيت منه سألتني: هل اقتنعتِ؟ أجبت: نعم فأعلَنَتْ في تلك الليلة أمام الحاضرات في درسها أني (ببركة الله) تشيّعت، فعلَتْ الأصوات بالصلوات وسلمت عليّ الحاضرات وهنّأنني···· أصارحكَ أني لم أكن في قرارتي أقصد ذلك· (التشيع)· تضايقت قليلاً لما حصل، لكني في اللحظة نفسها راجعت نفسي فوجدتني أسائلها·· وهل كنت سنية؟ أنا لم أعرف عن مذهب (والدي) شيئاً، ولا عن الإسلام كله· ولما تعلّمت صلاة المسلمين تعلمت صلاة الشيعة، وفي الفقه تعلمت أحكام الشيعة، ودرست عقائد الشيعة، وقرأت أحاديث أئمة الشيعة·· فلماذا يضايقني أن أعلَنَ واحدةً منهم··
صفحة 10
بل إن هذا يجب أن يسعدني فأخيراً، نال وجودي قبول فئة من الناس في هذا الوطن·····
لو أن أبي علّمني صلاته·····
كانت تلك ستة أشهر· (من نوفمبر إلى مايو 91). نزعت عن كتفيّ خلالها الخيوط الحمر التي تشير إلى أنني تحت التدريب، وأصبحت رسمياً ممرضة مؤهلة نلت وظيفتي في تلك الفترة، وعملت على ترتيب إجازتي لتكون أسبوعياً يوم الخميس لكي أحضر درس أم عامر· وكنت أستثمر كل ثانيةٍ من وقت الفراغ الذي يكون عندي في العصر أو الليل في القراءة·
ستة أشهر كانت مرحلةَ التحول· قصيرةٌ قياساً لسالكين آخرين قضوا سنين· أما الحجاب فقد التزمت بلبسه فيما عدا زياراتي إليك· وظننت أن أبي سيعترض لكنه لما رآني أرتديه لم يعلق بشيء· لا خير ولا شر·
خلال الأشهر الستة تلك تعرفت أيضاً على أم سلمان، وأحبتني··· كانت إنسانة بسيطة، على سجيتها· تحضر أحياناً دروس ابنتها، وأحياناً تفضّل الجلوس مع جاراتها للخوض في الأحاديث، ضاربةً بعرض الحائط الدروس، متسليةً معهنّ بشرب (القدو)!· كانت أم سلمان الوحيدة التي تسمح لها أم عامر بالتخلف عن الدرس (احتراماً لها)!!!· وبما أنني كنت أبقى بعد كل درس لبعض الوقت أتحدث مع أم عامر، فقد كان طبيعياً أن تدعوني أم سلمان للعشاء معهم· كانت وجباتهم دائماً بسيطة··· سندويشات جبنه أو نخي؛ روب وباجلا؛ بيض مقلي مع الطماطم أو لوبياء·
كانت لحظات تسعدني·· أن أرى أفراد عائلة ومجموعة من الصغار مجتمعين حول صينية صغيرة وطعام متواضع·
كم جميلٌ أن يحظى الإنسان بإخوة يشاركونه العشاء ويتنازعون اللقمة من ناحيته أحياناً··
استأذنتني أم سلمان بعد مرات عدة في أن يتناول معنا سلمان عشاءه لأنه لا يحب أن يأكل وحده قالت: إنه مثل أخيك
جلس على استحياء أمامي وأنا في تلك العباءة والحجاب الأسود أبتسم مخفضةً رأسي·
طبعاً لم تكن أمه تعرف أنه يكلمني·
بعدما عدت إلى البيت اتصل بي؛ قال··
بدوتِ جميلةً وأنتِ تأكلين معنا، وأنت ترتدين العباءة··· فهل يتحقق مناي بأن تصبحي فرداً منا···
لم تكن تلك الأمنية بعد كل ما تغيّر في حياتي مستحيلة·· لقد أحببت تلك العائلة حتى صار لا غنى لي عنها·
طوال الأشهر الستة كنت أستمع لأحلام سلمان؛ وكثيراً ما شاركته الحلم سراً في داخلي·· نسيت أنني في الأصل أسعى لتعذيبه بحبي·
قال إنه سيجمع المال ليشتري أرضاً ويبنيها؛ بيتاً لنا ثم سيوفر مبلغاً آخر يفتتح به محلاً صغيراً، وقال خجلاً إنه لن يستطيع الصبر حتى يبني ذلك البيت، فلعلّي أحنّ عليه وأقبل أن أعيش بضعة أعوام في بيت أهله··
قال في حبي الكثير··
وبدا لي أكثر نقاءً·· وحبه أكثر صفاءً··
ربما لأنني بدأت أصبح أنقى فرأيته نقياً··