صفحة 1
العازف
من كان ساعي بريد
بين السماء والأرض
أصبح عازفاً...
لقد عاد إلى مهمته الرتيبة. مهمته العظيمة الرتيبة. يردد بصوته النوراني في السماء: قدّوس قدّوس، الحمد لك والشكر لك.
وعندما يأتي المساء، يعود إلى بيته السماوي مطمئناً.
يطوي جناحيه في الظلام كطاووس مهزوم. وصغار الملائكة تفرد أجنحتها حوله زهواً.
يشعر إمام الجوقة بالحزن. يتذكر ماضيه المجيد بأسى بالغ.
وقد يطلب إجازة من اللَّه، كي يشرع بتدوين مذكراته.
العازف العظيم، اشتاقت روحه إلى ضمّة من نبي، أو نفحة من قديس.
سألته أن يضمني بجناحيه فأبى. قال إن تمسسْ جناحيّ تحترق.
فإذا أردت أن تسمعني، فاجلس في آخر الليل، على شاطئ نهر «الغانج».
واسمع تراتيل
العاشق الذي في السماء.
من كان ساعي بريد
بين السماء والأرض
أصبح عازفاً...
لقد عاد إلى مهمته الرتيبة. مهمته العظيمة الرتيبة. يردد بصوته النوراني في السماء: قدّوس قدّوس، الحمد لك والشكر لك.
وعندما يأتي المساء، يعود إلى بيته السماوي مطمئناً.
يطوي جناحيه في الظلام كطاووس مهزوم. وصغار الملائكة تفرد أجنحتها حوله زهواً.
يشعر إمام الجوقة بالحزن. يتذكر ماضيه المجيد بأسى بالغ.
وقد يطلب إجازة من اللَّه، كي يشرع بتدوين مذكراته.
العازف العظيم، اشتاقت روحه إلى ضمّة من نبي، أو نفحة من قديس.
سألته أن يضمني بجناحيه فأبى. قال إن تمسسْ جناحيّ تحترق.
فإذا أردت أن تسمعني، فاجلس في آخر الليل، على شاطئ نهر «الغانج».
واسمع تراتيل
العاشق الذي في السماء.
صفحة 2
مع الأنبياء
كان جبريل أمس يتنزه على ضفاف الجنة منادياً:
أنا العازف، من نديمي؟
أنا الروح القدس، من خليلي؟
أنا الظامئ الذي كان يسقي كؤوس الوحي، من يسقيني؟
مرّ على ضيوفه القدامى فرداً فرداً.
ودخل أولاً خيمة آدم وقال: هل لي أن أسهر معك الليلة، في فردوسك الأعلى. فأجابه إنّ ضيوفي اليوم كثر، فاختر لك أحد أبنائي.
أعترف أنك كنت لي في الأرض معلّماً، ولا أنسى الأسماء التي علّمتنيها؟
فخرج، ثم دخل خيمة إبراهيم فوجده يداعب بلطفٍ قرني كبش من المسك، فقال له:
جئتك اليوم ضيفاً، فاذبح هذا الكبش وقل لابنك أن يأتينا بأقداح الخمر والعسل.
فأجاب إبراهيم: هذا هو الكبش الذي فدى ابني في الدنيا. وأخشى إن ذبحته أن أغضب الله، وأن لا أكون من الشاكرين.
فخرج، ثم دخل خيمة موسى ونادى: ألقِ الألواح يا موسى واخرج إلي. خرج موسى فألفى جبريل لدى الباب فهتف:
مرحى أيها الساقي العتيق. هل لديك جرعة واحدة من ذلك الماء المقدس الذي كنت تأتيني به في الدنيا. فقال له جبريل: لقد جئتك اليوم مستسقياً.
فاملأ كؤوسك من رحيق جنتك واسقني. أو دعنا نحيي الليل نديمين على ضفة نهر السلسبيل، وحولنا آلاف من الحوريات العين، والولدان المخلّدين.
فأجابه موسى غاضباً: إن قراءة ألواحي خير مما تدعوني إليه. إذهب إلى هارون أخي، لعله أفرغ قلباً مني.
فخرج، ثم دخل خيمة هارون وألقى التحية عليه قائلاً: لقد أرسلني إليك ابن أمك، وقال إنك أهدأ بالاً، وأفسح وقتاً، وأميل للأنس منه. فأنا ضيفك الليلة، على نهر العسل حتى الصباح. فأجاب هارون: الله الله وأنشد شعراً:
نديمَ الوحي إن القلب سكرانُ
فلي في البيت أصحابٌ وخلّانُ
ولي حُور على نهرٍ وولدانُ
فجئني عندما أصحو ولي شانُ!
فخرج، ودخل خيمة عيسى، فرحّب به، وأجلسه على كرسي من النور، فقال جبريل:
أنت أخ كريم، وصديق قديم. وسنسهر الليلة معاً، نتذاكر شؤون الدنيا وشجونها. فقال عيسى: دعك من الدنيا وذكرياتها الأليمة، نحن في الجنة لا همّ ولا ألم ولا خوف ولا حزن. ويعزّ عليّ أن تكون ضيفي، وأنا اليوم صائم عن الطعام والشراب ثلاث ليالٍ وأربعة أيام. هذه جرّتي طافحة بالنبيذ فاشربها، وأطفئ غلتك أيها الروح القُدُس.
عندئذٍ حرك جبريل جناحيه المتعبين وقال: عم مساءً يا صاح! أجميع الأنبياء مشغولون عني الليلة؟ ألا أستحقّ أن أكون لكم نديماً، وأنا الذي كنت أسقيكم من الوحي كؤوساً، وألقنكم من الله دروساً.
فحنى عيسى رأسه حياءً، وقال: أنت خير نديم يا صاح، وإنني لأقسم بالجنة وما فيها، أنك أحق بالتكريم والتبجيل من كثير من سكانها.
إن موعدنا غداً، عند النبي الأمّي، سأجيء والأنبياءَ لتكريمك. وسيلتقط لنا المصورون على ضفاف الجنة صوراً تذكارية.
كان جبريل أمس يتنزه على ضفاف الجنة منادياً:
أنا العازف، من نديمي؟
أنا الروح القدس، من خليلي؟
أنا الظامئ الذي كان يسقي كؤوس الوحي، من يسقيني؟
مرّ على ضيوفه القدامى فرداً فرداً.
ودخل أولاً خيمة آدم وقال: هل لي أن أسهر معك الليلة، في فردوسك الأعلى. فأجابه إنّ ضيوفي اليوم كثر، فاختر لك أحد أبنائي.
أعترف أنك كنت لي في الأرض معلّماً، ولا أنسى الأسماء التي علّمتنيها؟
فخرج، ثم دخل خيمة إبراهيم فوجده يداعب بلطفٍ قرني كبش من المسك، فقال له:
جئتك اليوم ضيفاً، فاذبح هذا الكبش وقل لابنك أن يأتينا بأقداح الخمر والعسل.
فأجاب إبراهيم: هذا هو الكبش الذي فدى ابني في الدنيا. وأخشى إن ذبحته أن أغضب الله، وأن لا أكون من الشاكرين.
فخرج، ثم دخل خيمة موسى ونادى: ألقِ الألواح يا موسى واخرج إلي. خرج موسى فألفى جبريل لدى الباب فهتف:
مرحى أيها الساقي العتيق. هل لديك جرعة واحدة من ذلك الماء المقدس الذي كنت تأتيني به في الدنيا. فقال له جبريل: لقد جئتك اليوم مستسقياً.
فاملأ كؤوسك من رحيق جنتك واسقني. أو دعنا نحيي الليل نديمين على ضفة نهر السلسبيل، وحولنا آلاف من الحوريات العين، والولدان المخلّدين.
فأجابه موسى غاضباً: إن قراءة ألواحي خير مما تدعوني إليه. إذهب إلى هارون أخي، لعله أفرغ قلباً مني.
فخرج، ثم دخل خيمة هارون وألقى التحية عليه قائلاً: لقد أرسلني إليك ابن أمك، وقال إنك أهدأ بالاً، وأفسح وقتاً، وأميل للأنس منه. فأنا ضيفك الليلة، على نهر العسل حتى الصباح. فأجاب هارون: الله الله وأنشد شعراً:
نديمَ الوحي إن القلب سكرانُ
فلي في البيت أصحابٌ وخلّانُ
ولي حُور على نهرٍ وولدانُ
فجئني عندما أصحو ولي شانُ!
فخرج، ودخل خيمة عيسى، فرحّب به، وأجلسه على كرسي من النور، فقال جبريل:
أنت أخ كريم، وصديق قديم. وسنسهر الليلة معاً، نتذاكر شؤون الدنيا وشجونها. فقال عيسى: دعك من الدنيا وذكرياتها الأليمة، نحن في الجنة لا همّ ولا ألم ولا خوف ولا حزن. ويعزّ عليّ أن تكون ضيفي، وأنا اليوم صائم عن الطعام والشراب ثلاث ليالٍ وأربعة أيام. هذه جرّتي طافحة بالنبيذ فاشربها، وأطفئ غلتك أيها الروح القُدُس.
عندئذٍ حرك جبريل جناحيه المتعبين وقال: عم مساءً يا صاح! أجميع الأنبياء مشغولون عني الليلة؟ ألا أستحقّ أن أكون لكم نديماً، وأنا الذي كنت أسقيكم من الوحي كؤوساً، وألقنكم من الله دروساً.
فحنى عيسى رأسه حياءً، وقال: أنت خير نديم يا صاح، وإنني لأقسم بالجنة وما فيها، أنك أحق بالتكريم والتبجيل من كثير من سكانها.
إن موعدنا غداً، عند النبي الأمّي، سأجيء والأنبياءَ لتكريمك. وسيلتقط لنا المصورون على ضفاف الجنة صوراً تذكارية.
صفحة 3
إبليس يدخل الجنة
عندما أصدر الرب مرسوم التوبة على جميع خلقه، بعد أن عاقب المجرم وجازى المذنب وزجر المسيء، فتحت لإبليس أبواب الجنة فدخلها بحفاوة. وليس كما دخلها خلسةً من قبل في بطن أفعى. وعندما وجد الجنة ونعيمها، وجبالها وأنهارها، وفراديسها العجيبة، وأوديتها الرحيبة، أرتج عليه.
وأمسك الله قلبه أن يقع ويغمى عليه، كما صعق موسى في الطور.
ومن فرط النشوة خلع إبليس ثيابه، ومضى عارياً مذهلاً، يرقص مدبراً ومقبلاً، ثم قاده أحد الحرّاس الشداد إلى شجرة الحياة في وسط الجنة فأكل منها ما لذّ وطاب. ثم أخذ ما هفّ إليه من الشراب. وخرج الطعام من جلده مسكاً، يُشمّ ريحه من أقاصي الجنة وأطرافها. ثم عرته قشعريرة لذيذة، ونشوة عظيمة، فأحسّ بريش ينبت في كتفيه ويديه ورجليه، ثم نما الريش فصار أجنحة كبيرة، شهية الجمال، غريبة الجلال.
وهكذا أصبح إبليس ملاكاً، بل أصبح في الملائك سيداً، كما كان في الجن مارداً، وبدأ طوافه في الجنة.
مع آدم وحواء
عند الباب الخلفي للجنة، كان أحدهم يحمل جرساً من النارنج، وكانت دونه غمامة من الأجراس المعلّقة على الأشجار، فيها أولاد يسبّحون الله، ويقرأون سورة الفاتحة منشدين بصوت واحد مجلجل، كأنه خفقان أجنحة الملائكة، «آمين». فتجيب الأشجار «آمين» وتجيب الأنهار «آمين». وثمة في الملأ الأعلى جوقة من البلابل الملأى بأرواح الشهداء والقديسين، تسبّح شجواً: طبت روحاً.
أيها الرفيق الأعلى.
وعلى ضفة نهر التوبة، كان إبليس يجلس وملاك الرحمة على أريكة من خشب الفردوس، يتبادلان الزفرة وهواءُ الفردوس يهب من أقصى الجنة، فقال إبليس، ما أطيب هذه الريح، تذكرني بقول الشاعر في الدنيا:
تمتع من شميم عرار نجدٍ
فما بعد العشيّة من عرارِ
عندما أصدر الرب مرسوم التوبة على جميع خلقه، بعد أن عاقب المجرم وجازى المذنب وزجر المسيء، فتحت لإبليس أبواب الجنة فدخلها بحفاوة. وليس كما دخلها خلسةً من قبل في بطن أفعى. وعندما وجد الجنة ونعيمها، وجبالها وأنهارها، وفراديسها العجيبة، وأوديتها الرحيبة، أرتج عليه.
وأمسك الله قلبه أن يقع ويغمى عليه، كما صعق موسى في الطور.
ومن فرط النشوة خلع إبليس ثيابه، ومضى عارياً مذهلاً، يرقص مدبراً ومقبلاً، ثم قاده أحد الحرّاس الشداد إلى شجرة الحياة في وسط الجنة فأكل منها ما لذّ وطاب. ثم أخذ ما هفّ إليه من الشراب. وخرج الطعام من جلده مسكاً، يُشمّ ريحه من أقاصي الجنة وأطرافها. ثم عرته قشعريرة لذيذة، ونشوة عظيمة، فأحسّ بريش ينبت في كتفيه ويديه ورجليه، ثم نما الريش فصار أجنحة كبيرة، شهية الجمال، غريبة الجلال.
وهكذا أصبح إبليس ملاكاً، بل أصبح في الملائك سيداً، كما كان في الجن مارداً، وبدأ طوافه في الجنة.
مع آدم وحواء
عند الباب الخلفي للجنة، كان أحدهم يحمل جرساً من النارنج، وكانت دونه غمامة من الأجراس المعلّقة على الأشجار، فيها أولاد يسبّحون الله، ويقرأون سورة الفاتحة منشدين بصوت واحد مجلجل، كأنه خفقان أجنحة الملائكة، «آمين». فتجيب الأشجار «آمين» وتجيب الأنهار «آمين». وثمة في الملأ الأعلى جوقة من البلابل الملأى بأرواح الشهداء والقديسين، تسبّح شجواً: طبت روحاً.
أيها الرفيق الأعلى.
وعلى ضفة نهر التوبة، كان إبليس يجلس وملاك الرحمة على أريكة من خشب الفردوس، يتبادلان الزفرة وهواءُ الفردوس يهب من أقصى الجنة، فقال إبليس، ما أطيب هذه الريح، تذكرني بقول الشاعر في الدنيا:
تمتع من شميم عرار نجدٍ
فما بعد العشيّة من عرارِ
صفحة 4
فهزّ ملاك الرحمة جناحيه غبطة، ونقّطت السماء أجراساً صغيرة من الدمع في كؤوس تشبه الأكمام التي لم تمسَّها يد العاشق. قال الملاك: كيف خرجت من الجحيم، أيها المارد الرجيم. أجاب الشيطان في قهقهةٍ:
أتقنط من رحمة الله أن تنفجر من أصابعك يا ملاك الرحمة، ألم أكن خادم الله في الدنيا وإن عصيت، ألم أكن بطل الرواية التي أخرجت صاحبيك من الجنة، ألم أوسوس لهما لأصبح سيد اللعنة، ألم أكن رئيس جهاز الأمن الإلهي في الدنيا، ما لكم تَتْفلون في وجهي كراهيةً وحقداً، وأنا أبصق في وجوهكم المسك! ألم أكن أجري في شرايين الناس أتجسس على دمائهم وقلوبهم التي تخفق في صدورهم؟
لقد أصدر الملك مرسوماً إلهياً بتبرئتي والغفران لي، لأنني قمتُ بدوري الخطير في الدنيا على أحسن وجه، إذ كنتُ أبتسم مشفقاً في وجوهكم العابسة، وألسنتكم التي تمطرني اللعنات بكرة وعشياً، فيما كانت أرواحكم ترقص عندما تراني. أنتم ضحايا وسوستي أيها الناس، كما كان أبواكم من قبل. لقد كان ثمة اتفاق بيننا إذن. أنتم تحمّلونني تبعة معاصيكم، وأنا أعبث بكم كما تعبثون بأطفالكم.
قه. قه. قه.
في هذه الآونة، كان آدم وحواء مضطجعين على سريرٍ من المسك، في ربوة شرق الجنة. يشاهدان من خلال الغمامة إبليس وصاحبه إذ هما يتشاجران. وهبّت نسمة عطرية فإذا آدم يمشي ضاحكاً، يرافقه اثنان من الحرس الملكي، فحيّاهما وعانق إبليس عناقاً حاراً، فإذا الزبد يعلو والأمواج تُغرق الأشجار النائمة على ضفاف النهر...
وصاح آدم: مرحى أيها الرفيق! كم أنا مدين لك بهذه النعمة، وإن أنسَ فلا أنس ذكرياتٍ لنا في تلك الجنة قبل أن نُطرد منها. لقد علمتني التمرد والغواية اللذين لا طعم للعيش من دونهما. أنا وزوجي كل مساء، نشاهد في سينما العالم السفلي شريط زفافنا الجميل، أيها الإشبين لن أنسى لك الفضل.
يقولون أخطأتُ ولو لم أخطئ لما ذقت حلاوة الغفران إذ تاب عليّ ربي.
ويزعمون أن زوجي خانتني مع الشيطان. كلا لم تخن. أنا الذي خنتُ عهدي مع الله إذ نسيت. إنني ألتمس العذر لإبليس لأن بذرة الغواية كانت في نفسي. لقد خُيّرتُ بين الجنة وتلك الشجرة.
فاخترت الشجرة الملعونة التي نهيتُ عنها. إن النهي يا سيدي هو الذي أغراني. أعترف لكما يا صاحبيَّ، بأنني لم أكن مذنباً وإن عصيت. ولو أعيد الاختيار ثانية لاخترت الشجرة.
تعالا معي إلى تلك الشجرة في أعلى الربوة، تحتها تجري ثلاثة أنهار من العسل الأبيض والأسود والأصفر. وعلى ضفة كل نهرٍ تنبتُ الحورُ العين عند كل شهقة أو زفرة، منهن الشقراء والبيضاء والسمراء لهن جلود ترشح بالمسك وعيون يغشاها النعاس، يرتلن عندما يضعن ثيابهن:
إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
هذه الشجرة أطيب أشجار الجنة مذاقاً، وأعلاها ساقاً، وأورفها أغصاناً، وأجملها ألواناً. جذوعها المجد، وأغصانها الحب، وأوراقها المعرفة، وثمرها الحكمة.
وكانت حواء، كلما اشتاقت إلى آدم، تمد يدها إلى تلك الشجرة الطيبة، فتأكل منها وتنام.
أتقنط من رحمة الله أن تنفجر من أصابعك يا ملاك الرحمة، ألم أكن خادم الله في الدنيا وإن عصيت، ألم أكن بطل الرواية التي أخرجت صاحبيك من الجنة، ألم أوسوس لهما لأصبح سيد اللعنة، ألم أكن رئيس جهاز الأمن الإلهي في الدنيا، ما لكم تَتْفلون في وجهي كراهيةً وحقداً، وأنا أبصق في وجوهكم المسك! ألم أكن أجري في شرايين الناس أتجسس على دمائهم وقلوبهم التي تخفق في صدورهم؟
لقد أصدر الملك مرسوماً إلهياً بتبرئتي والغفران لي، لأنني قمتُ بدوري الخطير في الدنيا على أحسن وجه، إذ كنتُ أبتسم مشفقاً في وجوهكم العابسة، وألسنتكم التي تمطرني اللعنات بكرة وعشياً، فيما كانت أرواحكم ترقص عندما تراني. أنتم ضحايا وسوستي أيها الناس، كما كان أبواكم من قبل. لقد كان ثمة اتفاق بيننا إذن. أنتم تحمّلونني تبعة معاصيكم، وأنا أعبث بكم كما تعبثون بأطفالكم.
قه. قه. قه.
في هذه الآونة، كان آدم وحواء مضطجعين على سريرٍ من المسك، في ربوة شرق الجنة. يشاهدان من خلال الغمامة إبليس وصاحبه إذ هما يتشاجران. وهبّت نسمة عطرية فإذا آدم يمشي ضاحكاً، يرافقه اثنان من الحرس الملكي، فحيّاهما وعانق إبليس عناقاً حاراً، فإذا الزبد يعلو والأمواج تُغرق الأشجار النائمة على ضفاف النهر...
وصاح آدم: مرحى أيها الرفيق! كم أنا مدين لك بهذه النعمة، وإن أنسَ فلا أنس ذكرياتٍ لنا في تلك الجنة قبل أن نُطرد منها. لقد علمتني التمرد والغواية اللذين لا طعم للعيش من دونهما. أنا وزوجي كل مساء، نشاهد في سينما العالم السفلي شريط زفافنا الجميل، أيها الإشبين لن أنسى لك الفضل.
يقولون أخطأتُ ولو لم أخطئ لما ذقت حلاوة الغفران إذ تاب عليّ ربي.
ويزعمون أن زوجي خانتني مع الشيطان. كلا لم تخن. أنا الذي خنتُ عهدي مع الله إذ نسيت. إنني ألتمس العذر لإبليس لأن بذرة الغواية كانت في نفسي. لقد خُيّرتُ بين الجنة وتلك الشجرة.
فاخترت الشجرة الملعونة التي نهيتُ عنها. إن النهي يا سيدي هو الذي أغراني. أعترف لكما يا صاحبيَّ، بأنني لم أكن مذنباً وإن عصيت. ولو أعيد الاختيار ثانية لاخترت الشجرة.
تعالا معي إلى تلك الشجرة في أعلى الربوة، تحتها تجري ثلاثة أنهار من العسل الأبيض والأسود والأصفر. وعلى ضفة كل نهرٍ تنبتُ الحورُ العين عند كل شهقة أو زفرة، منهن الشقراء والبيضاء والسمراء لهن جلود ترشح بالمسك وعيون يغشاها النعاس، يرتلن عندما يضعن ثيابهن:
إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
هذه الشجرة أطيب أشجار الجنة مذاقاً، وأعلاها ساقاً، وأورفها أغصاناً، وأجملها ألواناً. جذوعها المجد، وأغصانها الحب، وأوراقها المعرفة، وثمرها الحكمة.
وكانت حواء، كلما اشتاقت إلى آدم، تمد يدها إلى تلك الشجرة الطيبة، فتأكل منها وتنام.
صفحة 5
حواء وصاحباتها
في اليوم التالي، نهضت حواء واغتسلت، فأخذت الأنداء ترشح كالجمان من سقيفة أمام باب قصرها. وأمرتْ جاريتها أن تُعدَّ القهوة لزائراتها وهن سبع من الحوريات. فكان صباحاً نسائياً بامتياز. وأخذن يثرثرن مغتبطات أمام شلال من النور الممزوج بالكوثر.
قالت الأولى وهي تضع إحدى قدميها في الماء: كنت في الدنيا امرأة دميمة وأحسنت الإيقاع برجل وسيم. كأن زواجه بي كان تكفيراً عن قبحي وعقوبة لجماله. وعشت أباهي النساء الجميلات بسحري وذكائي. أما هنا فأنا شقية إلى حد ما، لأنني أشعر بأنني مجرد رقم من الأرقام. وبتعبير أدق، أنا واحدة من سبعين امرأة...
فقاطعتها الثانية قائلة: لستُ أفضل حالاً منك... كنتُ مليكة جمال في الأرض، وكان الرجال يتهافتون عليّ ويقفون طوابير في باب منزلي. فأضرب المواعيد لمن أشاء، وأصرف منهم من أشاء. كنتُ أبتزّهم كثيراً، حتى أصبحت ذات ثراء وجاه. أما الآن فأنا مجرد ثمرة في سلة من الثمار النضيجة.
وأخذت الثالثة رشفة ناعمة من فنجان قهوتها وقالت: لا أشعر بأنني امرأة مميزة كما كنت من قبل. لكأنني واحدة من السبايا في بلاط السلاطين. وأنا أرفض أن أكون وعاءً من أوعية الشهوة على مائدة رجل واحد.
أما الرابعة، فقد انتصبت مغضبة وقالت: لقد فقدت شيئاً ثميناً كان يعذبني ويسعدني في آن. أين تلك الحرائق التي كانت تشتعل في دمي وثيابي عندما أرى حبيبي يقعد بجوار امرأة أخرى. أنا الآن لا أشعر بالغيرة. آهٍ ما أتعسني!
وقالت الخامسة، بعد أن وضعتْ ساقاً على ساق: أنا سعيدة بلقائك يا سيدتي، وفرحة بكنّ جميعاً: نحن في سلام دائم ونعيم لا ينقطع. يكفي أننا مرتاحات من عذاب الحمل والوضع وصراخ الأطفال، نحن سيدات مجتمع الجنة، لا شيء يشغلنا عن الحب واللذة.
ووافقتها السادسة فأضافت: أي رفيقاتي، يكفي أننا لم نعد ناقصات عقل ودين. إننا نتزوج دون ألم ولا يرشح منا سوى عطر زكي. ثم نعود أبكاراً، ثم نتزوج. وهكذا. وفي هذا التجدد لذة لا توصف ونشوة لا تضاهى.
وهنا تدخلت صاحبة القصر فقالت: عجباً لكنّ، لا يرضيكن شيء، أشكوى وأنتن في هذا النعيم؟
في اليوم التالي، نهضت حواء واغتسلت، فأخذت الأنداء ترشح كالجمان من سقيفة أمام باب قصرها. وأمرتْ جاريتها أن تُعدَّ القهوة لزائراتها وهن سبع من الحوريات. فكان صباحاً نسائياً بامتياز. وأخذن يثرثرن مغتبطات أمام شلال من النور الممزوج بالكوثر.
قالت الأولى وهي تضع إحدى قدميها في الماء: كنت في الدنيا امرأة دميمة وأحسنت الإيقاع برجل وسيم. كأن زواجه بي كان تكفيراً عن قبحي وعقوبة لجماله. وعشت أباهي النساء الجميلات بسحري وذكائي. أما هنا فأنا شقية إلى حد ما، لأنني أشعر بأنني مجرد رقم من الأرقام. وبتعبير أدق، أنا واحدة من سبعين امرأة...
فقاطعتها الثانية قائلة: لستُ أفضل حالاً منك... كنتُ مليكة جمال في الأرض، وكان الرجال يتهافتون عليّ ويقفون طوابير في باب منزلي. فأضرب المواعيد لمن أشاء، وأصرف منهم من أشاء. كنتُ أبتزّهم كثيراً، حتى أصبحت ذات ثراء وجاه. أما الآن فأنا مجرد ثمرة في سلة من الثمار النضيجة.
وأخذت الثالثة رشفة ناعمة من فنجان قهوتها وقالت: لا أشعر بأنني امرأة مميزة كما كنت من قبل. لكأنني واحدة من السبايا في بلاط السلاطين. وأنا أرفض أن أكون وعاءً من أوعية الشهوة على مائدة رجل واحد.
أما الرابعة، فقد انتصبت مغضبة وقالت: لقد فقدت شيئاً ثميناً كان يعذبني ويسعدني في آن. أين تلك الحرائق التي كانت تشتعل في دمي وثيابي عندما أرى حبيبي يقعد بجوار امرأة أخرى. أنا الآن لا أشعر بالغيرة. آهٍ ما أتعسني!
وقالت الخامسة، بعد أن وضعتْ ساقاً على ساق: أنا سعيدة بلقائك يا سيدتي، وفرحة بكنّ جميعاً: نحن في سلام دائم ونعيم لا ينقطع. يكفي أننا مرتاحات من عذاب الحمل والوضع وصراخ الأطفال، نحن سيدات مجتمع الجنة، لا شيء يشغلنا عن الحب واللذة.
ووافقتها السادسة فأضافت: أي رفيقاتي، يكفي أننا لم نعد ناقصات عقل ودين. إننا نتزوج دون ألم ولا يرشح منا سوى عطر زكي. ثم نعود أبكاراً، ثم نتزوج. وهكذا. وفي هذا التجدد لذة لا توصف ونشوة لا تضاهى.
وهنا تدخلت صاحبة القصر فقالت: عجباً لكنّ، لا يرضيكن شيء، أشكوى وأنتن في هذا النعيم؟
صفحة 6
الحاج الأحمر
وذات يوم، خرج إبليس يتحسس أخبار الجنة، ولمّا ولج إحدى غاباتها الوارفة، وجد شيخاً أمرد، يعتمر قبعة بيضاء، وكان يُعرف بـ «الحاج الأحمر» من قبل، لحمرة تضرب بياض خديه.
واقترب إبليس من الشيخ الذي يقعد في ظل شجرة ضخمة من أكبر أشجار الجنة، وأرسخها جذوعاً، كأنها شجرة بلوط تزين أفنانها أزهار حمراء وبيضاء وصفراء. وعليها الطيور من كل لون وصوت.
ثم أدى إليه التحية قائلاً:
ـ مرحى يا صاح... السلام عليك!
فحدق إليه الشيخ قليلاً وأجاب:
ـ من الزائر؟
ولم يشأ إبليس أن يكشف عن نفسه، فما زالت نزعة المكر والتجسس تجري في دمه، فقال له: كنتُ حطّاباً في الأرض، ولذا فأنا أبحث عن شجرة تظللني وجذع يسند ظهري، فإن الأشجار لا تنسى. وهي تمسك ظلالها عندما تراني. ولكن بالله عليك قل لي من أنت أيها الشيخ الواجم الكئيب؟
فأجاب: أنا «الحاج الأحمر» الذي لم يسعد في الدنيا، وعاش أكثر أيامه وحيداً، تزوجتُ امرأة طيبة، ولكنني لم أرزق ولداً.
انتظرت السنين الطويلة ولم أرزق ولداً. صلّيت وصمت وزكيت وتصدقت ولكنني لم أرزق ولداً. قصدتُ وزوجي البيت الحرام وطفت حول الكعبة المشرّفة سبعين مرة ودعوتُ ربي وتضرعت إليه، ولكن لم يقدر لي أن أرزق ولداً. ثم ماتت زوجي فصبرت ولم أتزوج بأخرى. وقضيت بقية أيامي وحيداً حزيناً. ثم دب فيّ المرض وتورمت قدماي وصدق فيّ قول الشاعر:
دب فيّ السقام سفلاً وعلوا
وأراني أموت عضواً فعضوا
وعندما قُبضت روحي، مشى في جنازتي رجلان فقط، مسكينان مثلي. علماً أنني مشيت في جنازات كل من ماتوا قبلي من أهل القرية. وقُبيل حَيني مشيت وحيداً في جنازتي. فالشيخوخة كما قيل هي الجنازة التي يمشي فيها الإنسان على قدميه. أعني الإنسان الذي يحمل تابوته على ظهره ويدفن في الروح أحلامه الحدباء.
وجزاني الله الجنة بما صبرت. فرُحْتُ أعبّ من ملذاتها ومطايبها لأعوض عما فاتني من متع الدنيا ونعيمها. واستطعت أن أروي عطشي القديم إلى النساء، إذ تزوجت المئات من الحور الأبكار، وقضيتُ منهن الأوطار. كما حظيتُ بزوجي الصالحة فأكرمتها وأحييت معها الليالي الملاح، وذكريات الأفراح.
ومع كل هذا النعيم، والخير العميم، لم ترتوِ روحي، ولم تُداوَ جروحي. فالولد الذي حلمت به في الدنيا، لم أرزقه في الآخرة. إنني أتذكر دائماً حسرتي وغيرتي عندما كنت أرى جاري يداعب طفله ويناغيه، أو يضع سبّابته في فيه. ولا أنسى حرقة زوجي، ولسعة قلبها عندما رأت امرأة جاري ترضع طفلها من ثديها المدرار باللبن. فجاءتْ إليّ باكية، ثم اشتريتُ لها دمية تسلّيها، وترضعها وتناغيها، وتلحس أصابعها كثيراً، كما هيأتُ لها مشطاً ومرآةً وسريراً.
أجل يا صاح، إنني أشتهي ولداً يخرج من صلبي، ويحمل اسمي، ويكبر رويداً رويداً أمام عيني... إنني لا أطيق هؤلاء الأطفال المخلدين الذين لا تربطني بهم شهوة ولا عاطفة، لأنهم ليسوا قطعة من روحي.
لقد تحولتُ دون أن أدري إلى مُدمن للراح. فالنشوة الوحيدة هي أن أنسى، والعلاج الوحيد هو أن أشفى من ذاكرتي.
أما زوجتي فقد نصحتها أن تعود، إلى هوايتها القديمة، تربية الطيور. إنها تمنحها الشعور بالأمومة.
وهنا أطرق الشيخ قليلاً، فقعد إبليس إلى جانبه، مسنداً ظهره إلى تلك الشجرة الضخمة التي تجري من تحتها ساقية من الخمر الصافي وصاح بصوت مرتفع:
إسقني واشرب على أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روى
وذات يوم، خرج إبليس يتحسس أخبار الجنة، ولمّا ولج إحدى غاباتها الوارفة، وجد شيخاً أمرد، يعتمر قبعة بيضاء، وكان يُعرف بـ «الحاج الأحمر» من قبل، لحمرة تضرب بياض خديه.
واقترب إبليس من الشيخ الذي يقعد في ظل شجرة ضخمة من أكبر أشجار الجنة، وأرسخها جذوعاً، كأنها شجرة بلوط تزين أفنانها أزهار حمراء وبيضاء وصفراء. وعليها الطيور من كل لون وصوت.
ثم أدى إليه التحية قائلاً:
ـ مرحى يا صاح... السلام عليك!
فحدق إليه الشيخ قليلاً وأجاب:
ـ من الزائر؟
ولم يشأ إبليس أن يكشف عن نفسه، فما زالت نزعة المكر والتجسس تجري في دمه، فقال له: كنتُ حطّاباً في الأرض، ولذا فأنا أبحث عن شجرة تظللني وجذع يسند ظهري، فإن الأشجار لا تنسى. وهي تمسك ظلالها عندما تراني. ولكن بالله عليك قل لي من أنت أيها الشيخ الواجم الكئيب؟
فأجاب: أنا «الحاج الأحمر» الذي لم يسعد في الدنيا، وعاش أكثر أيامه وحيداً، تزوجتُ امرأة طيبة، ولكنني لم أرزق ولداً.
انتظرت السنين الطويلة ولم أرزق ولداً. صلّيت وصمت وزكيت وتصدقت ولكنني لم أرزق ولداً. قصدتُ وزوجي البيت الحرام وطفت حول الكعبة المشرّفة سبعين مرة ودعوتُ ربي وتضرعت إليه، ولكن لم يقدر لي أن أرزق ولداً. ثم ماتت زوجي فصبرت ولم أتزوج بأخرى. وقضيت بقية أيامي وحيداً حزيناً. ثم دب فيّ المرض وتورمت قدماي وصدق فيّ قول الشاعر:
دب فيّ السقام سفلاً وعلوا
وأراني أموت عضواً فعضوا
وعندما قُبضت روحي، مشى في جنازتي رجلان فقط، مسكينان مثلي. علماً أنني مشيت في جنازات كل من ماتوا قبلي من أهل القرية. وقُبيل حَيني مشيت وحيداً في جنازتي. فالشيخوخة كما قيل هي الجنازة التي يمشي فيها الإنسان على قدميه. أعني الإنسان الذي يحمل تابوته على ظهره ويدفن في الروح أحلامه الحدباء.
وجزاني الله الجنة بما صبرت. فرُحْتُ أعبّ من ملذاتها ومطايبها لأعوض عما فاتني من متع الدنيا ونعيمها. واستطعت أن أروي عطشي القديم إلى النساء، إذ تزوجت المئات من الحور الأبكار، وقضيتُ منهن الأوطار. كما حظيتُ بزوجي الصالحة فأكرمتها وأحييت معها الليالي الملاح، وذكريات الأفراح.
ومع كل هذا النعيم، والخير العميم، لم ترتوِ روحي، ولم تُداوَ جروحي. فالولد الذي حلمت به في الدنيا، لم أرزقه في الآخرة. إنني أتذكر دائماً حسرتي وغيرتي عندما كنت أرى جاري يداعب طفله ويناغيه، أو يضع سبّابته في فيه. ولا أنسى حرقة زوجي، ولسعة قلبها عندما رأت امرأة جاري ترضع طفلها من ثديها المدرار باللبن. فجاءتْ إليّ باكية، ثم اشتريتُ لها دمية تسلّيها، وترضعها وتناغيها، وتلحس أصابعها كثيراً، كما هيأتُ لها مشطاً ومرآةً وسريراً.
أجل يا صاح، إنني أشتهي ولداً يخرج من صلبي، ويحمل اسمي، ويكبر رويداً رويداً أمام عيني... إنني لا أطيق هؤلاء الأطفال المخلدين الذين لا تربطني بهم شهوة ولا عاطفة، لأنهم ليسوا قطعة من روحي.
لقد تحولتُ دون أن أدري إلى مُدمن للراح. فالنشوة الوحيدة هي أن أنسى، والعلاج الوحيد هو أن أشفى من ذاكرتي.
أما زوجتي فقد نصحتها أن تعود، إلى هوايتها القديمة، تربية الطيور. إنها تمنحها الشعور بالأمومة.
وهنا أطرق الشيخ قليلاً، فقعد إبليس إلى جانبه، مسنداً ظهره إلى تلك الشجرة الضخمة التي تجري من تحتها ساقية من الخمر الصافي وصاح بصوت مرتفع:
إسقني واشرب على أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روى
صفحة 7
القرد الأصلع
ذات يوم، وفيما كان إبليس يتنزه على إحدى الضفاف، كان ثمّة قرد أصلع الرأس يتسلق الأغصان ويقفز من شجرة إلى أخرى.
وعندما رأى القرد إبليس يمشي حالماً، أخذ يقطف الثمار النضيجة ويلقيها في الماء الجاري بين ضفتيّ الطريق. وسمع إبليس جلبةً فنظر إلى أعلى، فرأى القرد الملعون يقهقه حيناً ويأكل لباب الثمر ويرمي بالقشور في الماء حيناً آخر. فصرخ به إبليس: قل لي ما خطبك أيها القرد باللَّه عليك!
فصمت القرد ولم يجب، فأنطق الله الشجرة التي تسلقها فقالت:
كان هذا القرد في الدنيا رجلاً فقيراً وسخاً وطيباً، أصلع الرأس، يلبس العمامة عندما يذهب إلى بستانه، ويخلعها عندما يعود إلى كوخه. وكان عادة يكشف عن صلعته المخيفة للأطفال فيزعقون ويهربون أو يُصابون بالإغماء.
لم يكن مجرماً بل كان شريراً طيباً. يرفث ويسبّ دون أن يعني ما يقول أو يعي ما يتكلم. الحق أقول لك يا سيّد الجن، كان طاهر الشر، بريء الغضب، من أولئك المساكين الذين تمنى النبيُّ أن يُحشر في زمرتهم.
كان وجهه منتفخاً كرغيف ساخن، وبطنه ملآن بالديدان النيئة، وفي المساء كان يدخن النارجيلة ويملأ جوفه من دخانها الأسود دون اكتراث لتذمّر امرأته وشكواها.
تلك المرأة التي كان يضاجعها كيفما اتفق دون أن ينزع عنها كامل ملابسها، بل كان يبحث في الليل عن أي ثقبٍ فيها..
أجل يا سيد الجن، كان يخيف الأطفال عندما ينزع العمامة عن رأسه، وكأنه أبو دلامة، الذي قال عن نفسه:
إذا نزع العمامة كان قرداً
وخنزيراً إذا لبس العمامه
وحين مات هذا الرجل، لم يجد أحداً من الناس يمشي وراءه، سوى زوجته وجاره العجوز. بل إن زوجته ظلت يومين كاملين تفتش عن كفن مرقعٍ تغطي به جثته الباردة العفنة. وهكذا، أدخله الله الجنة وجعله قرداً فرحاً، وجعل زوجته سلحفاة عزلاء تحبو على الضفة الأخرى.
ذات يوم، وفيما كان إبليس يتنزه على إحدى الضفاف، كان ثمّة قرد أصلع الرأس يتسلق الأغصان ويقفز من شجرة إلى أخرى.
وعندما رأى القرد إبليس يمشي حالماً، أخذ يقطف الثمار النضيجة ويلقيها في الماء الجاري بين ضفتيّ الطريق. وسمع إبليس جلبةً فنظر إلى أعلى، فرأى القرد الملعون يقهقه حيناً ويأكل لباب الثمر ويرمي بالقشور في الماء حيناً آخر. فصرخ به إبليس: قل لي ما خطبك أيها القرد باللَّه عليك!
فصمت القرد ولم يجب، فأنطق الله الشجرة التي تسلقها فقالت:
كان هذا القرد في الدنيا رجلاً فقيراً وسخاً وطيباً، أصلع الرأس، يلبس العمامة عندما يذهب إلى بستانه، ويخلعها عندما يعود إلى كوخه. وكان عادة يكشف عن صلعته المخيفة للأطفال فيزعقون ويهربون أو يُصابون بالإغماء.
لم يكن مجرماً بل كان شريراً طيباً. يرفث ويسبّ دون أن يعني ما يقول أو يعي ما يتكلم. الحق أقول لك يا سيّد الجن، كان طاهر الشر، بريء الغضب، من أولئك المساكين الذين تمنى النبيُّ أن يُحشر في زمرتهم.
كان وجهه منتفخاً كرغيف ساخن، وبطنه ملآن بالديدان النيئة، وفي المساء كان يدخن النارجيلة ويملأ جوفه من دخانها الأسود دون اكتراث لتذمّر امرأته وشكواها.
تلك المرأة التي كان يضاجعها كيفما اتفق دون أن ينزع عنها كامل ملابسها، بل كان يبحث في الليل عن أي ثقبٍ فيها..
أجل يا سيد الجن، كان يخيف الأطفال عندما ينزع العمامة عن رأسه، وكأنه أبو دلامة، الذي قال عن نفسه:
إذا نزع العمامة كان قرداً
وخنزيراً إذا لبس العمامه
وحين مات هذا الرجل، لم يجد أحداً من الناس يمشي وراءه، سوى زوجته وجاره العجوز. بل إن زوجته ظلت يومين كاملين تفتش عن كفن مرقعٍ تغطي به جثته الباردة العفنة. وهكذا، أدخله الله الجنة وجعله قرداً فرحاً، وجعل زوجته سلحفاة عزلاء تحبو على الضفة الأخرى.
صفحة 8
الضفادع
وغادر إبليس القرد وتابع سيره، ولما جنّ عليه الليل وجد نفسه أمام بحيرة لازوردية صافية، ينزلق عليها شعاع فضي من قمر نوراني كأنه الزئبق. ثم سمع نقيق الضفادع القمرية على شاطئ البحيرة، فأحس بشعور غريب من الغبطة في هذا الجو السحري الهادئ، وشعر بالنعاس، فوضع خده على يده ونام.
ولكنه ما لبث أن استيقظ فجأة على دبيب الضفادع التي غلغلتْ في ثيابه، وقفزت على يديه ورجليه، فقعد كالمسحور، ونظر إلى هذه الضفادع العجيبة، ذات الجلود المشعّة كالتبر، والعيون المضيئة كاللآلئ. فتأوه وقال: يا سبحان الله!
وتقدمت منه الضفدعة الكبيرة الملوّنة وقالت: لا تعجب من أمرنا ولا تخف. نحن ضفادع الجنة أقزام الشعراء، كنا نكتب الشعر حسداً وغيرة. لم نكن ذوي موهبة، ولم يتنزل علينا الإلهام.
كنا نسرق المعاني والألفاظ من أهلها، وننسبها لأنفسنا، مَثَلُنا مَثَلُ الدجاجة التي تقوقئ لكي يحسبوا أنها التي باضت وخرج من بيضها الفراخ.
نحن يا سيدي، لم نكن نحسن التغزل بالكلمات، ولم نعرف كيف نراودها عن نفسها، كما لم نملك الجرأة على اغتصابها.
كنا نضاجعها تملقاً دون رغبة في الحب أو شهوة في العناق.
كانت قصائدنا مزعجة كالنقيق. أما نقيقنا اليوم فمؤنس وممتع. أليس كذلك؟
فتبسم إبليس من قولها ونهض وقال: كل ما في الجنة رائع مدهش. ثم وضع في جيبه ضفدعتين صغيرتين لتؤنساه قليلاً في وحشة الظلام.
وغادر إبليس القرد وتابع سيره، ولما جنّ عليه الليل وجد نفسه أمام بحيرة لازوردية صافية، ينزلق عليها شعاع فضي من قمر نوراني كأنه الزئبق. ثم سمع نقيق الضفادع القمرية على شاطئ البحيرة، فأحس بشعور غريب من الغبطة في هذا الجو السحري الهادئ، وشعر بالنعاس، فوضع خده على يده ونام.
ولكنه ما لبث أن استيقظ فجأة على دبيب الضفادع التي غلغلتْ في ثيابه، وقفزت على يديه ورجليه، فقعد كالمسحور، ونظر إلى هذه الضفادع العجيبة، ذات الجلود المشعّة كالتبر، والعيون المضيئة كاللآلئ. فتأوه وقال: يا سبحان الله!
وتقدمت منه الضفدعة الكبيرة الملوّنة وقالت: لا تعجب من أمرنا ولا تخف. نحن ضفادع الجنة أقزام الشعراء، كنا نكتب الشعر حسداً وغيرة. لم نكن ذوي موهبة، ولم يتنزل علينا الإلهام.
كنا نسرق المعاني والألفاظ من أهلها، وننسبها لأنفسنا، مَثَلُنا مَثَلُ الدجاجة التي تقوقئ لكي يحسبوا أنها التي باضت وخرج من بيضها الفراخ.
نحن يا سيدي، لم نكن نحسن التغزل بالكلمات، ولم نعرف كيف نراودها عن نفسها، كما لم نملك الجرأة على اغتصابها.
كنا نضاجعها تملقاً دون رغبة في الحب أو شهوة في العناق.
كانت قصائدنا مزعجة كالنقيق. أما نقيقنا اليوم فمؤنس وممتع. أليس كذلك؟
فتبسم إبليس من قولها ونهض وقال: كل ما في الجنة رائع مدهش. ثم وضع في جيبه ضفدعتين صغيرتين لتؤنساه قليلاً في وحشة الظلام.
صفحة 9
وادي الفراشات
وفي الصباح الباكر وصل إبليس إلى وادٍ من أودية الجنة، يُسمى وادي الفراشات. فطفق يمشي فيه متخفياً، حيث تحط آلاف الفراشات على الأشجار وتحت الصخور. الأرض مفروشة بالزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر. إلى أن أبصر خلف السياج رجلاً يجلس في ظل صخرة يأكل ويشرب من رحيق كالصمغ يخرج من بطون الفراشات، فصاح إبليس: يا للدهشة ماذا أرى، ما قصتك أيها الرجل؟
فتنهد الرجل وقال: تزوجتُ في الفانية امرأة عاقراً، وكنت أحبها حباً شديداً، وصبرتُ عليها سبعة عشر عاماً دون أن أنكح أخرى.
ثم تزوجتُ امرأة ولَّدت لي طفلة شقراء، سماوية العينين، ذكية وجميلة، فأحببتها حباً جماً بلغ مستوى العبادة. إنها ثمرة حرماني الطويل، ذقت منها حلاوة الأنس وطعم السعادة. وفي أحد أيام الربيع، خرجت من بيتي إلى البستان البعيد، فلحقت بي وتشبثت بإحدى رجليّ، فلم أستطع أن أمنعها من مرافقتي. وأنا الذي تسبيني بإشارة من إصبعها أو لثغة من فمها. ورافقنا أيضاً ولد يافع لأحد الجيران، وكان يحمل بندقية صيد. وعندما وصلنا إلى البستان، راحت الطفلة تقفز كالفراشة بين الزهور، وانصرفتُ إلى بناء جدارٍ يريد أن ينقض. وبعد برهةٍ، سمعت صوتاً مثل أزيز الرصاص، فقمتُ مسرعاً إلى جهة الصوت، وحسبتُ أن الفتى قد صاد عصفوراً، والحقيقة أنه اصطاد عصفورة ساحرة هي ابنتي. إذ أراد أن يداعبها مازحاً ولم يدرك أن ثمة رصاصة في بندقيته. فوجّه إلى صدرها وضغط على الزناد، فأصابت الرصاصة قلب ابنتي فقتلت فوراً. وسال دمها الطري على الورود. لم تنبس ببنت شفة ولم تصرخ. بل أغمضتْ عينيها على الحلم وماتت. ثم فتحتْ عينيها ولم تغمضهما إلى الأبد. لقد دخلتْ تلك الرصاصة قلبي.
لقد كنت أنا القتيل الحقيقي. لقد قُتل الحلم الذي عشتُ من أجله. وعفوتُ عن الجاني لأن عينيها البريئتين أمرتاني بذلك. وعشتُ بعدها ثلاثين سنة ميتاً، ورزقت غيرها من الأطفال، فلم يشفِ أحد جرحي أو يملأ فراغها في قلبي وعقلي. اعتزلتُ الناس وقضيت حياتي ساهماً شارداً، وحين جاء ملاك الموت إلى سريري ضحكتُ وفرحتُ كثيراً. ولم يعرف أحد من حولي سبب نشوتي ثم جزاني الله بما صبرتُ وأعطاني أجمل أودية الجنة، حيث أقضي أيامي راتعاً بين الفراش، أمشي حافياً على الزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر. وهذه الفراشات هي أطفال الجنة.
ففي كل فراشة أجد رائحة ابنتي. إلا أنني ما زلت أبحث مذ وطئتُ هذا الوادي، عن تلك الفراشة الذهبية التي طارت من يدي. إنها كل الفراشات وكل الألوان.
وفي الصباح الباكر وصل إبليس إلى وادٍ من أودية الجنة، يُسمى وادي الفراشات. فطفق يمشي فيه متخفياً، حيث تحط آلاف الفراشات على الأشجار وتحت الصخور. الأرض مفروشة بالزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر. إلى أن أبصر خلف السياج رجلاً يجلس في ظل صخرة يأكل ويشرب من رحيق كالصمغ يخرج من بطون الفراشات، فصاح إبليس: يا للدهشة ماذا أرى، ما قصتك أيها الرجل؟
فتنهد الرجل وقال: تزوجتُ في الفانية امرأة عاقراً، وكنت أحبها حباً شديداً، وصبرتُ عليها سبعة عشر عاماً دون أن أنكح أخرى.
ثم تزوجتُ امرأة ولَّدت لي طفلة شقراء، سماوية العينين، ذكية وجميلة، فأحببتها حباً جماً بلغ مستوى العبادة. إنها ثمرة حرماني الطويل، ذقت منها حلاوة الأنس وطعم السعادة. وفي أحد أيام الربيع، خرجت من بيتي إلى البستان البعيد، فلحقت بي وتشبثت بإحدى رجليّ، فلم أستطع أن أمنعها من مرافقتي. وأنا الذي تسبيني بإشارة من إصبعها أو لثغة من فمها. ورافقنا أيضاً ولد يافع لأحد الجيران، وكان يحمل بندقية صيد. وعندما وصلنا إلى البستان، راحت الطفلة تقفز كالفراشة بين الزهور، وانصرفتُ إلى بناء جدارٍ يريد أن ينقض. وبعد برهةٍ، سمعت صوتاً مثل أزيز الرصاص، فقمتُ مسرعاً إلى جهة الصوت، وحسبتُ أن الفتى قد صاد عصفوراً، والحقيقة أنه اصطاد عصفورة ساحرة هي ابنتي. إذ أراد أن يداعبها مازحاً ولم يدرك أن ثمة رصاصة في بندقيته. فوجّه إلى صدرها وضغط على الزناد، فأصابت الرصاصة قلب ابنتي فقتلت فوراً. وسال دمها الطري على الورود. لم تنبس ببنت شفة ولم تصرخ. بل أغمضتْ عينيها على الحلم وماتت. ثم فتحتْ عينيها ولم تغمضهما إلى الأبد. لقد دخلتْ تلك الرصاصة قلبي.
لقد كنت أنا القتيل الحقيقي. لقد قُتل الحلم الذي عشتُ من أجله. وعفوتُ عن الجاني لأن عينيها البريئتين أمرتاني بذلك. وعشتُ بعدها ثلاثين سنة ميتاً، ورزقت غيرها من الأطفال، فلم يشفِ أحد جرحي أو يملأ فراغها في قلبي وعقلي. اعتزلتُ الناس وقضيت حياتي ساهماً شارداً، وحين جاء ملاك الموت إلى سريري ضحكتُ وفرحتُ كثيراً. ولم يعرف أحد من حولي سبب نشوتي ثم جزاني الله بما صبرتُ وأعطاني أجمل أودية الجنة، حيث أقضي أيامي راتعاً بين الفراش، أمشي حافياً على الزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر. وهذه الفراشات هي أطفال الجنة.
ففي كل فراشة أجد رائحة ابنتي. إلا أنني ما زلت أبحث مذ وطئتُ هذا الوادي، عن تلك الفراشة الذهبية التي طارت من يدي. إنها كل الفراشات وكل الألوان.
صفحة 10
جدتي
كانت تنتظر قدومه، ذلك الزائر الغريب الذي يُسمى الموت.
وتقول لي: سأموت هذا الشتاء. وكان الموت يأتي في المساء ممتطياً صهوة الريح المطهمة. تعرف موكبه القادم من قرع الطبول ونحيب الأشجار. والريح تنشب أظفارها في لحم السنديانة العتيقة، التي يعشش في جذوعها طائر البرق. وكانت جدتي تسمع دوي الرعد، فتنفجر فيها شهوة الحياة، تماماً كما يُولد الفِطر.
في المرة الأولى، دخل الموت في ليلة ماطرة حجرتها المضاءة بالوهم. تخيلته زوجها الشيخ، ففتحت عينيها وقالت: كيف جئت يا أبا عثمان في شدة الليل المظلم. في هذه العاصفة الرهيبة. لم تخف منه بل رفعتْ ذراعها لتداعب لحيته الشعثاء المضمّخة بالمسك وهي تتمتم:
لقد أوحشتني كثيراً. أنا لم أرك منذ عشرين عاماً. أين كنت مختفياً عني وكيف عدت من تلك الدنيا؟
ولكن الشبح أنشب يده القوية في عنقها الضعيفة. فتخيلته لصاً مارقاً وقالت بصوت مرتجف: خذ كل ما لدي من مالٍ ومتاع. فأنا لستُ إلا عجوزاً لا تغني ولا تسمن من جوع. خذ الخاتم الفضي من إصبعي. وخذ هذه التميمة المعلقة في عنقي. خذ إسوارة العرس. وهناك في الصندوق الخشبي، خمسون ليرة عثمانية، خذها أيضاً هدية لك. أرجوك لا تقتلني. عندئذٍ أخذ الملاك حليها ودراهمها ثم اختفى.
في المرة الثانية، قالت لي جدتي: سأموت هذا الشتاء. لقد هيأتُ كفني الأبيض. وخبأته في فرشة الصوف. قل لهم أن يحضروا ماءً ساخناً مثل الماء الذي كنت أوقده لجدك كل صباح في حمأة الثلج. وتنهدتْ وقالت: ما أجمل تلك الأيام. ثم حركتْ شفتيها اليابستين وقالت: قل لهم أن يغسلوني بالزيت والصابون.
وإياك أن تدع الرجال والنساء الفضوليات يتفرجن على عورتي، عطّرني يا ولدي فأنا سألاقي جدّك الطيّب هناك.
وعندما هبت الريح وأغطش الليل، جاء ملك الموت بهيئة شيخ ملثم، لا يُرى إلا عيناه، وطرق باب حجرتها، فنهضتْ وهي تدبّ على يديها إلى أن لمستْ بهما المزلاج الحديدي وفتحتِ الباب.
وحين رأته أغمي عليها فوقعت على الأرض. وعندما أفاقتْ وجدته واقفاً محملقاً فيها، مكشراً عن أنيابه الصفراء، فقالت له بعد أن أغمضتْ عينيها: هناك في القبو خمّ صغير، وفيه ديك سمين ودجاجتان. خذ ديكي الوحيد واذبحه، والدجاجة البيضاء تبيض كل يوم. والدجاجة الحمراء ستعطيك صيصاناً جميلة. أرجوك لا تقتلني. فقام عنها مَلَك الموت ثم اختفى.
في المرة الثالثة، جاءها مَلَك الموت بهيئته المعهودة، في ليل مظلم عاصف كللته الثلوج البيضاء. فلم ترتعد جدتي ولم تخف. وعندما طرق بابها، نادته من داخل حجرتها: لقد ادخرتُ لك أكياس الطحين والبرغل والأرزّ في الغرفة الملاصقة. بابها الخشبي مكسور فادخلها وخذ ما تشاء لك ولأولادك. فحنى الملاك رأسه ومضى.
وفي المرة الرابعة، حضر إليها مَلَك الموت فعرفته، وهي التي تعرف كيف تدفع شرّه عنها. فقدمتْ إليه كأساً من الشاي دهاقاً وقالت له: ستكون حصتك «حرزانة» هذا الشتاء. عند جارتنا بقرة سمينة ستفديني بها. القبو مفتوح فاذهب وفكّ رسنها واسحبها وراءك، إنها طيعة كالنعجة. وهي تحلب في اليوم عشرة أرطال وستنتج لك ثيراناً قوية. فابتسم مَلَك الموت ثم اختفى.
وفي المرة الأخيرة، لم يبق عند جدتي شيء ترشو به ملك الموت.
وعندما جاءها لم يجد عندها شيئاً ينفعه. ولم ينفع جدتي تضرعها وسجودها على قدميه. فقبض روحها بسهولة، كما تقتلع الريح شجرة يابسة هشة.
ورزقها الله في الجنة مكاناً عليّاً وقصراً من الذهب الخالص وفراشاً من حرير ووسادة من استبرق. ولكن جدتي لم تنسَ متعة الوضوء في الفجر إذ تقوم وتصلي. وها إنّ إبليس يحضر إليها كغلام أمرد طيع يحمل في يديه إبريق الكوثر. وهي تعامله بحنو مفرط، لأن وجهه يشبه وجه حفيدها البار في تلك الدنيا.
كانت تنتظر قدومه، ذلك الزائر الغريب الذي يُسمى الموت.
وتقول لي: سأموت هذا الشتاء. وكان الموت يأتي في المساء ممتطياً صهوة الريح المطهمة. تعرف موكبه القادم من قرع الطبول ونحيب الأشجار. والريح تنشب أظفارها في لحم السنديانة العتيقة، التي يعشش في جذوعها طائر البرق. وكانت جدتي تسمع دوي الرعد، فتنفجر فيها شهوة الحياة، تماماً كما يُولد الفِطر.
في المرة الأولى، دخل الموت في ليلة ماطرة حجرتها المضاءة بالوهم. تخيلته زوجها الشيخ، ففتحت عينيها وقالت: كيف جئت يا أبا عثمان في شدة الليل المظلم. في هذه العاصفة الرهيبة. لم تخف منه بل رفعتْ ذراعها لتداعب لحيته الشعثاء المضمّخة بالمسك وهي تتمتم:
لقد أوحشتني كثيراً. أنا لم أرك منذ عشرين عاماً. أين كنت مختفياً عني وكيف عدت من تلك الدنيا؟
ولكن الشبح أنشب يده القوية في عنقها الضعيفة. فتخيلته لصاً مارقاً وقالت بصوت مرتجف: خذ كل ما لدي من مالٍ ومتاع. فأنا لستُ إلا عجوزاً لا تغني ولا تسمن من جوع. خذ الخاتم الفضي من إصبعي. وخذ هذه التميمة المعلقة في عنقي. خذ إسوارة العرس. وهناك في الصندوق الخشبي، خمسون ليرة عثمانية، خذها أيضاً هدية لك. أرجوك لا تقتلني. عندئذٍ أخذ الملاك حليها ودراهمها ثم اختفى.
في المرة الثانية، قالت لي جدتي: سأموت هذا الشتاء. لقد هيأتُ كفني الأبيض. وخبأته في فرشة الصوف. قل لهم أن يحضروا ماءً ساخناً مثل الماء الذي كنت أوقده لجدك كل صباح في حمأة الثلج. وتنهدتْ وقالت: ما أجمل تلك الأيام. ثم حركتْ شفتيها اليابستين وقالت: قل لهم أن يغسلوني بالزيت والصابون.
وإياك أن تدع الرجال والنساء الفضوليات يتفرجن على عورتي، عطّرني يا ولدي فأنا سألاقي جدّك الطيّب هناك.
وعندما هبت الريح وأغطش الليل، جاء ملك الموت بهيئة شيخ ملثم، لا يُرى إلا عيناه، وطرق باب حجرتها، فنهضتْ وهي تدبّ على يديها إلى أن لمستْ بهما المزلاج الحديدي وفتحتِ الباب.
وحين رأته أغمي عليها فوقعت على الأرض. وعندما أفاقتْ وجدته واقفاً محملقاً فيها، مكشراً عن أنيابه الصفراء، فقالت له بعد أن أغمضتْ عينيها: هناك في القبو خمّ صغير، وفيه ديك سمين ودجاجتان. خذ ديكي الوحيد واذبحه، والدجاجة البيضاء تبيض كل يوم. والدجاجة الحمراء ستعطيك صيصاناً جميلة. أرجوك لا تقتلني. فقام عنها مَلَك الموت ثم اختفى.
في المرة الثالثة، جاءها مَلَك الموت بهيئته المعهودة، في ليل مظلم عاصف كللته الثلوج البيضاء. فلم ترتعد جدتي ولم تخف. وعندما طرق بابها، نادته من داخل حجرتها: لقد ادخرتُ لك أكياس الطحين والبرغل والأرزّ في الغرفة الملاصقة. بابها الخشبي مكسور فادخلها وخذ ما تشاء لك ولأولادك. فحنى الملاك رأسه ومضى.
وفي المرة الرابعة، حضر إليها مَلَك الموت فعرفته، وهي التي تعرف كيف تدفع شرّه عنها. فقدمتْ إليه كأساً من الشاي دهاقاً وقالت له: ستكون حصتك «حرزانة» هذا الشتاء. عند جارتنا بقرة سمينة ستفديني بها. القبو مفتوح فاذهب وفكّ رسنها واسحبها وراءك، إنها طيعة كالنعجة. وهي تحلب في اليوم عشرة أرطال وستنتج لك ثيراناً قوية. فابتسم مَلَك الموت ثم اختفى.
وفي المرة الأخيرة، لم يبق عند جدتي شيء ترشو به ملك الموت.
وعندما جاءها لم يجد عندها شيئاً ينفعه. ولم ينفع جدتي تضرعها وسجودها على قدميه. فقبض روحها بسهولة، كما تقتلع الريح شجرة يابسة هشة.
ورزقها الله في الجنة مكاناً عليّاً وقصراً من الذهب الخالص وفراشاً من حرير ووسادة من استبرق. ولكن جدتي لم تنسَ متعة الوضوء في الفجر إذ تقوم وتصلي. وها إنّ إبليس يحضر إليها كغلام أمرد طيع يحمل في يديه إبريق الكوثر. وهي تعامله بحنو مفرط، لأن وجهه يشبه وجه حفيدها البار في تلك الدنيا.