صفحة 1
إشارة بسيطة ومهمّة
يا سانشو بينثا الطيّب
يا من أحببتَ حمارك كثيراً،
ودعوته بيا ولدي وقُرَّة عيني،
انظر! لقد أسروا الطبيعة كلّها،
واستلبوا الحريّة الواسعة،
ووضعوا أبواباً للبراري!
صفحة 2
الدلالة الذهنيّة للكتاب
لأنّ جُلَّ كتبنا وأفكارنا هي عن الناس ومشاغلهم، لأننا صرنا نعيش في عالم ذي بُعدٍ واحد، بَشريّ..
خنَق مجتمعُ البشر الأبعادَ كلّها، والْتَهَم كوحشٍ خرافيّ الآفاق الوسيعة..
تَتُوق مَنافسي للأهوية النقية، وأهرع مستقصياً العوالم الأخرى، هنا على الأرض.
لقد كان المجتمع البشري من الأنانية والاستفحال أنّه شرَع يضيّع ذاتي المتعدّدة ويجعلني إنساناً فقط، وفهِم التعدّد فهماً مقصوراً على البشر.
هوية البعض تُحدَّد بالدين أو العِرق أو اللغة، وأنا أعرف مما تتركّب هويّتي:
أنا أولاً ريفيّ مولود بين الأشجار والحقول والعصافير وأخبار الحيوانات، وبعدَ هذا ثانياً أنا مثقّف بالثقافة العلمية والمعارف الطبيعية. هذان هما الأساس في تكويني، وتأتي وراءهما المكوّنات الأقلّ أهميّة.
هذا الكتاب، وكلّ كتبي، إعادة توسيعٍ لنفوسنا وعقولنا، وخروج من الاستبداد البشري ومن قمقم البشريّة التي تزداد تضييقاً كلما ازدادت تضخّماً.
إنها التعدّدية الحقيقية التي تجعلنا أكثر تفهّماً وأوسع عقولاً، والتي تلوّن شحوبنا البشري بألوان الطبيعة فنعود طبيعيين ومنتمين إلى الأرض، وتجعلنا نُطامن من تقديرنا هكذا للتعدّدية البشرية حصراً، والتي هي في كثير من مناحيها مُضيِّعة وخائنة، بل مستحيلة.
صفحة 3
لو كانت لي ذاكرة إلهيّة
لو لم تكن الآلهة خرافة عظمى لكنت أرجو أن أكون.... أبديّاً كليّ المعرفة وشمولي النظر.
هذا أنت أيّها الحمار الذي أروي حياتك، أعرفك أين ولدت، وكيف عشت، ومن أنت. لكنني سُهّدت طويلاً في ليالي عمري أفكّر بهمّ وأسف بمن لم أعرفهم، بحميرٍ آخرين وعصافيرَ وأشجارٍ و ذئاب، أفراداً لا أنواعاً، وواحداً واحداً وذاتاً ذاتاً (ولا أقول شخصيّةً لأنّ الحيوانات لها ذاتها، أمّا الشخصيّة فهي مرضٌ متولّدٌ ومضاف على الذات اخترعه المجتمع). فلكلٍّ سيرةُ حياةٍ خاصّة وهيئة خاصّة وظروف مختلفة. بين الحمير مَن حياته توقّدٌ وقوّة ومنهم مَن حياته ذلّ ومأساة، في البوادي، وعند النّاس.
هذه الكائنات لو كنت أعرفها، كيف عاشت حياتها يوماً وراء يوم وبتفاصيلها الدقيقة.
آه لَو كنتُ.... أبديّاً، كليّ المعرفة وشمول النظر، لا لأجلي أنا بل لكي أجعل كلّ حمار وشجرة وحشرة وعصفور تحيا فيّ وتَخْلُد في تذكاراتي. كي تجد في كنف معرفتي حياتها الأبديّة، وحِفظاً لذاتها الخاصّة في ذاتي العامّة.
صفحة 4
مقــــدّمـةٌ
ـ الـتـاريخ المُحْتَقَـــر ـ
إنني أكتبُ تاريخاً للمغلوبين..
تاريخاً لا يشعر المرء وهو يقرأه بالفخر والثقة، بل بالانكسار والحزن. فالتاريخ عادة هو تاريخ المنتصرين ومنشدي أناشيد النصر، ومعه يشعر من يقرأه بأنّه مع الواقفين والمتقدّمين في الحياة.
هكذا، ومنذ البداية، أنا أكتب سيرة فاشلة، وأليمة، وأحكم على نفسي بالوقوف في صفّ الفاشلين، أنا الأرستقراطيّ التفكير وعديم الرحمة تجاه المنحطّين، وأحكم على جهدي هذا بالفشل!
لكنْ مهلاً! فإنّ هذه السيرة عن حياة حمار بذاته، والتي أختصر بها تاريخ سلالته كلّها منذ القِدَم، فتغدو سيرة حياة الحمار كنوع، هي سيرةٌ كذلك للحياة البرّيّة كلّها في هزيمتها وتدهورها، من دُجّن منها ومن لم يُدجَّن. وماذا بقي الآن من الحياة البرّيّة بغير تدجين؟!
هذه الحياة كلّها قد تحوّلت إلى حديقة خلفيّة لمنزل الإنسان؛ إلى بيئةٍ ومرافقَ حيويّةٍ ومكان انتفاع. صار كلّ ما في الطبيعة من جماد وأحياء تحت سيطرته وتحكّمه واستغلاله، وكأنّه إله. لقد كانت الطبيعة تُعبد أرباباً بغير عَدٍّ، وتُمثَّل حيواناتُها آلهةً مقدَّسة، ثمَّ غابت تلك الألوهة وحلّت ألوهة أخرى مفردة ولها صورة إنسان. وهذا في معنىً عميقٍ لا يخفى. فأينما توجَّهتَ فثمَّة وجه الإنسان.
هذه هي البرّيّة المقهورة اليوم. ولكنْ ما وقع عليه القهر منذ ألفيّات، يستحقّ الرأفة أكثَر، وأن يُذكر بإسهابٍ.
إنني أمثّل البرّيّة بحيوان قد وقع الحيف عليه كثيراً، ووقع عليه الهزءُ والاحتقار فوق ذلك! فأُسِر وأهين وصار يمثَّل باسمه على المذلّة والغباوة، بينما نحن من صيّره هكذا.
فلماذا الحمار، وليس مثلاً الثور أو الكلب أو التيس، أو غيرها من الحيوانات المدجَّنة؟ أو حتّى حيواناً برّيّاً كالذئب قد أورده الناس حافّة الفناء؟
صفحة 5
السبب التلقائي هو أنّ هذا الكتاب إنجازٌ لما سبق وقلتُ في كتابي السابق: "أخبار الحيوانات" أنني سأقوم به؛ فلقد أشرت إلى حياة هذا الحمار إشارة سريعة، واعداً بكتابة كتاب مفرد عنه.
ورغم أنّ اختياري هكذا كان مباشراً، إلاّ أنه يقوم كذلك على إدراكي لخلفيّاته الواقعية: فالثور كائنٌ جليل، ومن السخف أن يُعامل هكذا، ومع وجود قرنيه! لكنني لا أعرف عنه مرويّات كثيرة بمقدار ما أعرف عن الحمار. وكذا التيس. وليت أنَّ العمر يتيح لي معرفتهما الوافية والكتابة عنهما وعن سواهما، فأعيش معها حيوات متجدّدة وثريّة. وأمّا الكلب فإنَّ معرفتي به وبالمرويّات عنه أوفى من تلك التي عن الحمار. لكنني أشعر أنّ الكلب لا يقع عليه الحيف كما على الحمار. أعرف حالات كثيرة عاشت فيها كلابٌ في أَسرٍ ثقيل، وفي القيد والمسغبة، لكنني أعرف كذلك أنّ الكلب في العموم يُراعى ويُلاعَب ولا يُقسى عليه بالأعمال. بل يُذهب به وراء غريزته الطبيعيّة في الصيد. ويدخل الكلب بيوتنا وتشعر به مفهوماً منّا، بينما الحمار غريبٌ ومطروح في الخارج، مستترٌ وراء قيده وانكساره وذلّه. فأنا أشعر بالتعاطف العميق والحزن على هذا الحيوان المظلوم، المذلول والصابر. وصبره ربّما هو ما أغرى به البشر، زيادةً في القسوة عليه والاحتقار له!
فأنا أذهب هكذا إلى الأكثر معاناة ومهانةً، إلى المسحوق الذي لا يقدر أن يفعل شيئاً.
أمّا الذئب وأمثاله من الحيوانات البرّيّة، فإنّ الحمار البرّي الذي قُضيَ عليه تقريباً يمثّلها. فتاريخ الحمار تاريخ مركّب من البرّيّ والمدجَّن، وهو هكذا مزدوج الدلالة. إنّ حالة الطبيعة كلّها اليوم وما أوصلها إليه تحكّم الناس، بحيث لم يكد يبقى فيها حياة حرّة بعدُ، بل كلّها تحت رحمة الإنسان، يجعل منها طبيعةً محجَّمة ومأسورة ومدجَّنة نوعاً ما!! فيلتفّ الحديث عن الحمار المدجَّن ليدلّ عليها، ويعبِّر من طرفٍ عنها، هازّاً رأسه لأجلها.
صفحة 6
من ناحية ثانية، يمكنك أن ترى كيف أنَّ سيرة حياة الحمار هي سيرة حياة للمجتمعات البشرية: في ما قبل المدنية، أي الحالة الوحشية الطبيعيّة، ومع بدايات البُعد عن هذه الحالة، ومن ثمّ الزراعة والتمدّن، وبعد ذلك عصر الآلات والتكنولوجيا وأهميّته بين مجتمع وآخر، وعلاقته بالمدجَّنين الآخرين، من تيسٍ وثور وكلب وحصان...
فعندما أروي سيرة النوع، إنما أروي في الحقيقة علاقته بالبشر، وبأحوالهم، وتقلّب ظروفهم، وأهميته تبعاً لذلك لديهم، أو انحسار تلك الأهمية.
فإذا كان من تلك الجهة يمثّل الحياة البريّة كلها، فإنه من هذه الجهة كذلك يمثّل الحياة البشرية وأطوار المدنيّة. فسيرة حياة الحمير، هي سيرة حياة للبشر!
* * *
إنني أعرف عنجهيّة الإنسان، ويمكنني أن أدرك مسبقاً سخريته من الحمار ومن كلّ ما أوردته عنه أعلاه. أعرف سخرية الإنسان من المنكسرين وجحوده للمفضِلين عليه.
إن سخريتنا منه ذاتية فينا، وليست فيه، فهو بعد كلّ حساب وقورٌ وجَدِّيّ وليس فيه سخافة البشر.
لأجل ذلك أكتب هذا الكتاب، كي نكون أوسع أُفقاً، وأكثر فهماً، وأكثر تقديراً لمن خدمَنا طويلاً، وأكثر رأفة بالمسحوقين والمستَغَلين، لا بين البشر، فإنّ هؤلاء يمثّلون أمراً آخر، ولهم وضعٌ مختلف. أنا لا أهتمّ كثيراً بالدعوات العاطفيّة لمراعاة فقراء وضعفاء وجهلاء البشر، إذ أنني مع نظام التفريق بين البشر، وأنّ البشر قد كثروا على نحو لا يُحتَمَل، فلا بدّ من إزاحة "العدد الأكبر". وهذا يصبّ في مصلحة أولئك المستغَلّين الكُثر من كائنات الطبيعة، ويفسح المجال للتنوّع الطبيعي وبقاء الطبيعة، ويجنّبنا موتها الذي هو موتنا حتماً، ويبقي من البشر على الأقوياء عقلياً والجديرين بالحياة.
أكتب هكذا ليكون لنا تفهّمٌ وإدراكٌ أوفى، وموقف مُنصِفٌ، من هؤلاء الودعاء والمسحوقين، ومنهم الحمار.
صفحة 7
إنَّ قيمة الحمار المعنوية قد مضت في طريق هابط، وبعد أن كان يُقَدَّر في مصر والهند بقداسة، وتُقدّمه بعض قبائل إيران ذبيحة إلهية لإله الحرب الذي هو إلهها الأعلى، حدث حطٌّ من شأنه، وصار رمزاً للغباء والبلادة بل وحتّى للشرّ! فياللغرابة. وإنني لأُؤكِّد على هذا الأمر المهمّ: كلما رجعنا في الزمن وجدنا الأقدمين أكثر إدراكاً لأهمّيّة الحمار وشأنه في حياتهم، وإن قسوا عليه بكثرة أعمالهم. وأنّه كلما كان المرء أقرب إلى البساطة في حياته وأقرب إلى الطبيعة وبريء من تعقيدات المجتمع ومفاهيمه المبتعدة باطّرادٍ عن الطبيعة، كلما كان أكثر تواضعاً وأقلّ ترفّعاً وخجلاً من الحيوانات. انظرْ كيف أنّ بدويّاً لم يرَ حَرَجاً في أن يمدح خليفةً أمويّاً بأنّه كالحمار في الصبر، ولم يجد الخليفة بدوره غضاضة في هذا، بل استحسنه ورضي به! أمّا نحن الحديثين المنفصلين عن حياة الطبيعة وأعمال الريف، فمحبتنا للحيوانات ـ إن أحببناها ـ صوريّة، وتعلّقنا بها باهت وبغير وشائج. (هل أنا كذلك؟ أرجو لا). بي أملٌ أننا بالفهم التاريخي والبيولوجي للحمير وسواها، سنغدو حداثيين غير منفصلين عن تراب الأرض وعناصر الطبيعة. وسنكون بالمقارنة مع القدماء أكثر محبة وتقديراً للطبيعة وأكثر عقلانية وارتباطاً بها بما لا يقاس.
* * *
وتسمع من يعترض متعجِّباً ويقول إننا بعيدون عن الواقعية، إذ نهتمّ بحمار ونكتب كتاباً لأجله، بينما آلاف من البشر يحتاجون إلى الاهتمام والرعاية، وأنّهم أَولى. ولا أجد بدّاً من الردّ بأنني أزدري هذا كلّه، ولا أقيم له اعتباراً، فلقد سئمنا هذه الأنانية البشرية المريضة والجاهلة، وهذا التقديس للذات، الذي لم ينجم عنه إلاّ الإكثار من البشر، وإتاحة الحياة لكلّ سِقط وتافه، بما شوّه المجتمع البشريّ نفسه وخرّب الأرض.
وإنني لمتمسك بمعارفنا واكتشافاتنا ووسائل الحياة الحديثة، ولا أميل أبداً إلى الرومانسيين، وأدرك هويتي الإنسانية، وارتباط حياتي بسواي، والمشكلة هي فقط في العدد البشريّ المرعب، وفي الجماعة المتضخّمة.
* * *
هذه السيرة غريبة وغير معهودة؛ فنحن نظنّ أنّ البشر وحدهم لهم حياة ولهم تاريخ وسيَر، وأنّ الحيوانات، كما يراها ديكارت، آلاتٍ ولوالبَ لا تبتعد كثيراً في ماهيّتها عن التراب. أردت أن أُظْهر في هذا الكتاب أنّ لها مثلنا تاريخها وهمومها وأفراحها وأحزانها، وحياتها العميقة التي تعيشها يوماً بيوم.
صفحة 8
ومع أنني أدرك أننا نعيش اليوم حالة أزمة معيشيّة، وهو الأمر الناتج عن تكاثرنا وتنافسنا على "الموارد" وازدياد حاجاتنا ومصاريفنا، ممّا ينعكس ضيقاً نفسيّاً وتمحوراً على الذات، ولاسيما في البلدان المتخلفة والفقيرة، حيث تموت فكرة الجماعة والأمّة، ولا يجد الفرد أمامه إلاّ الحلول الفرديّة وتدبير الحال، فبالتالي يصبح الإنسان أكثر التياعاً وقسوة وهزءاً، ويدوس كلّ شيء لأجل بقائه ومصلحة أولاده... ومع أنني أدرك أننا في هذه المرحلة التكنولوجية صرنا ننظر إلى الريف والحيوانات والحمير بترفّع وامتعاض وازدراء، فإنني لا أجدُ بدّاً إذاً من محاولة لفت الانتباه إلى قيمنا الحقيقية، والتي يرتهن بقاؤنا ببقائها، إذا أرى بوضوح أننا مربوطون في الحقيقة بأكثر الكائنات تواضعاً، بالحشرات والبكتريا وأصاغر الأعشاب، وبكلّ كائن برّيّ، بل بكلّ حجر وقطرة ماء وذرّة أوكسجين. فنحن لم نأتِ من فوق، ولم تهبط روحنا من الأعالي، ولم نُطرَد إلى هذه الأرض كمغرَّبين عن مكاننا الأصلي الجنّاتي.
فلنتذكّر أننا تيتان جبابرة، ولكن مثل ذلك التيتان ابن جِيا، وكيف يموت إذ يفقد تماسّه مع أمّه الأرض؟ راجع أوفيد.
* * *
في صباح يوم من أيام أوائل الصيف منذ عشر سنوات، وقفت أرقب الحقول والأحراج حول بيتنا، ملآناً من ولعٍ كلّي بها، ومن تفهُّمٍ عقلانيّ متأتٍّ عن قراءات علميّة لسنوات طويلة، ومِن ألمٍ على تدهور الحياة البريّة. وكان ثمّة حمارٌ مربوط، وقطيع صغير من الماعز. فكّرت كثيراً كثيراً، وبمكابدةٍ عميقة انسربت في كلّ أنحاء عقلي ونفسي.
يومها أدركت أنّ المعرفة العلمية أساسٌ للشعور والعاطفة الصائبَين، وأنّ الحساسية المفرطة لا تنفصل عن الفهم العميق.
ويومها قلت لنفسي إنني يجب، أن أوسّع ذاتي وحياتي الخاصّة ما أَمكن، وأن أحيا في ذات الكائنات، وأن أجعل قلوبَها تدقّ في صدري.
* * *
وها أنا اليوم، أجعل من ذاتي ـ بمدى المستطاع ـ ذاتاً غفلاً، وأعيش في ذات الحمار:
ناشئاً معه يوم أن تكوّن في السهوب منذ ملايين السنين، ماشياً في دروبه ومتأمّلاً عبره. أركض بأرجله حرّاً حين كان في الحريّة، وأتجرجر معه تحت القيد عندما أُسِر. إنني أضيف إلى حياتي حياةً أخرى، تمرمرني وتُغْنيني، وأهبه لغتي ومعرفَتي ليعبّر بهما عنه.
أذكرُ كيف أن ذلك الفلاح في جوارنا، قد مضى فوق حماره الأثير إلى قلبه يقصدان الحقل، فصدمهما على الطريق شحنٌ مسرعٌ، فماتا للتوّ وامتزجت دماؤهما، فكانا صديقين في الحياة والمَمات.
صفحة 9
وأنا مع ذلك الحمار، وسلالته كلِّها، أمزج دمي بدمه، فتجري دماؤه في أوردتي، فأنا وإياه واحد.
حين أتكلّم أنا، أتكلّم منه، وحين يتكلّم، يتكلّم بي. أحياناً يتوالى صوتانا وينجدلان.
قلتُ في نفسي إنني إذا تكلّمتُ عنه بشكلٍ تامّ فإنّني أُغيّبه، وإن جعلت الكلام كلّه له صيّرتُه ذاتاً بشرية وغريبة عن ذاته! فلنتكلّم معاً، هو في الأحاسيس والمشاعر، وأنا في الأفكار والمعارف. نكمّلُ معاً حياته الفردية في تاريخ الجماعة الحميرية ـ البشرية، وتاريخ الأرض.
وأنني لأدركُ أنّه خير للحيوانات أن لا نُقحِم حياتنا في حياتها، وأن لا نوليها رعايتنا على أن نريحها من استبدادنا وشرّنا، وأن ندعها بحالها، هي تحيا حياتها، ونحن لا نحمل عبئها. لكننا أوصلْنا الأمر إلى دَرَكة مظلمة فوجب اهتمامنا.
وإنني لأُدرك كذلك أنّ التساؤل حول إلى مَن يُوَجَّه هذا الكتاب، ومَن المعنيّ بخطابه، تساؤل أنا أقرّه وأفكّر فيه، فأصحاب الحمير هم من يجب أن يقرأوا الكتاب، لكن في الواقع فإنّ هؤلاء عموماً ليسوا بوارد القراءة. أما "المثقفون" فهم ليسوا بوارد الحمير! وهكذا يعاني الحمار من الضياع هنا أيضاً. لكنّ أهمّية الحمار في تاريخنا، ودوره الأساسي في تمدّننا، ودلالة تدجينه وانحسارِ أصوله البرّيّة على حال الطبيعة كلّها، وإمكانية إغناء أذهاننا وتوسعة نفوسنا بمعرفة تاريخه وتاريخ كلّ الكائنات لو أمكن، وردّ الاعتبار له ولها بذلك، كلّ هذا يجعل من الموضوع قيمة عمومية تستحقّ الاهتمام الأوسع.
يشير العنوان إلى "الحمار" بالتعريف، وهنا "الـ" التعريف لا تعني، كما هي القاعدة، التحديد لحمارٍ مفرد فقط، بل تعني "الـ" النوع، وليس كما لو قُلتُ "سيرة حياة حمار"، وهكذا أتيح لي أن أعود لأنظر في حياة هذا الحمار الفرد عبر عائلته التاريخية، بما أتاح، عبر فهمها، فهمه على صيغة أوفى. فليس إذاً بالغريب، والكتابُ عن حياته هو، ألاّ أبتدئ الحديث عنه إلاّ وقد انصرمَ مِن الكتاب خُمسه. فهذا الحمار بعينه هنا هو مُفرد وجماعة، وواحد في كثيرين.
لقد مات منذ سنوات، ولم أكن يومها بعيداً بمحبتي عن الحيوانات واهتمامي بها، ولكن ّ هذه المحبّة وهذا الاهتمام قد تناميا فيّ من ثمّ كثيراً، وصرت أستبطنه وأمثاله أكثر عمقاً، إلى أن صرتُ اليوم آسى في ذاتي على أشياءَ مضت ولم ألتفت إليها بالحرص التام والمضحّي كما الآن. وصرت بعد هذه السنين أكثر فهماً ومحبّة وأكثر تعلّقاً بالحيوانات، من مات منها كهذا الحمار ومن هو حيّ أو سيحيا.
أنا وإياه بعد سنوات من الانضواء تحت إهاب حياته، واحد، لا اثنان بَعد.
لقد توحدّت معه وكأننا قنطورس أسطوري متحقّق، من إنسان وحمار.
صفحة 10
تـابـع للمقــدمــة
ولا تظنّ أنني في تأليفي لهذا الكتاب كنت أعتمد على ما يجود به الخاطر، أو ما يتأتى لجالس منفرد في البراري من تخيّلات. أبداً. بل استلزم منّي الأمر بحثاً كثيراً وتتبعاً للموسوعات والكتب، وتدبّراً للمعلومات والأبحاث حول الحمير والخيول وتاريخها وتاريخ التطوّر الإنساني.
فالمواقع الإلكترونية كثيرة جدّاً، وتتطرّق لتطوّر الحمير وضروبها و أماكن انتشارها، ومن هذه المواقع ما هو مشهور كموقع ويكيبيديا، وموقع الأنواع المنقرضة، وموقع الجمعية الأمريكية للحمير والبغال، وكذلك الكثير الكثير من المواقع والأبحاث والمقالات، وأشير هنا إلى مقالة
ـ Kathleen hunt: horse evolution.
ومن الكتب أذكر:
ـ Janet Baker – Carr: An Extravagance of donkeys. iUniverse. ـAnday Merrifield: The Wisdom of Donkeys. walker. New York.
ـ Michael Tobias & Jane Morrison: Donkey , The Mystique Of Equus Asinus. council oak books.
وبالأخصّ كتاب:
ـFrank Brookshier: The Burro. univ oklahoma press.
والموسوعة الرائعة:
ـ Enciclopedia salvat de la fauna. Spain 1970.
فكلّ هذه الأبحاث والمقالات والموسوعات والكتب كانت معلّمي وموجّهي لإدراك الوضع التاريخي للحمير، وكيف عاشت وتعيش، وما بُنيتها وأمراضها وصفاتها، وما سلالاتها وما انقرض منها وما بقي، وشكّلت مدخلاً لي كي أفهم نفسيّة الحمار الذي أروي حياته، وكلّ الحمير، و"ذهنيته" وطباعه العامّة.
فأنا مديون للأبحاث العلمية ولهذه الكتب التوثيقية والمكتوبة بالمعرفة والمحبّة للحمير.
وأنا لم أقتصر على التنوّر من هذه الكتب، بل تجد أفكاراً وعبارات ومواقف فيها، قد دوّنتها في كتابي هذا أو أخذتها عنها.