eKtab
EN ع
إبراهيم بن الأشتر
اقرأ عينة مجانية

إبراهيم بن الأشتر

بقلم د. إبراهيم بيضون

صفحة 1

مقدّمة

من التواريخ ما ذهلت عنه المرويات التي رصدت عموماً، الخبر السياسي، فلا ترى غير السلطة وما حولها، ثم أخذت تصبّ اهتمامها على «الفتن» التي انفتحت أبوابها ولم تُغلق، منذ تمرّد الأمصار على الخليفة الثالث واغتياله. ولم يكن ذلك أول حدث من نوعه في الإسلام، وربما الفتنة نسجت خيوطها الأولى من قبل، باغتيال الخليفة الثاني، ومن بعد اكتملت فصولاً بالخليفة الرابع. والأسباب ليست غامضة، وإن جرى توليفها أو تلفقيها، فهي وثيقة الصلة بأزمة الخلافة التي تعثّرت، نظاماً راسخاً، في أوّل الطريق. ومن السذاجة التسليم بما حبكته الروايات حول هذه المسألة، من دون البحث في خلفياتها، والوقوف على الجهة الكامنة وراءها، والتي ما انفكت تتربص بالسوانح، في دأبها على تطويع الإسلام لمصلحة نفوذها القديم، وهي بعد على الضفاف منه، وإنّما اكتفت به شعاراً لتسويغ طموحاتها في إطار «شرعية» مفتعلة، والمجتمع ـ الأمة، في تكوينه القبلي، لم يكن مُحصّناً من الإغواء، وبالتالي لم يكن صعباً أخذه إلى حيث يشاء المتربّصون.
كانت «الفتنة الكبرى» ـ المصطلح المتداول بعد اغتيال الخليفة عثمان ـ المنعطف الخطر الذي فجّر أزمة الخلافة، وبلغ ذروته في البيعة لعلي ومعها إرث ثقيل لم يكن ممكناً تجاوز تبعاته. فقد تورّط كبار الصحافة في الصراع السياسي، الذي جرّ إلى حروبٍ خاضها مُكرهاً الإمام، ولمّا يكن بعد قد استقرّ في الكوفة، أو أُتيحتْ له الفرصة لتنظيم إدارته، كذلك قواته العسكرية. فقد وجد نفسه في خضّم قبائل، شاركت وحدات قتالية في الفتوح، دون أن تكتنه من أهدافها سوى ما يعود إليها بالنفع من غنائم أو تملّك أرض.. ولم يكن في الوقت متّسع لترويضها في إطار تربوي عقائدي، وتوضيح رؤيتها باتجاه قضية ترسب في وعيها، ولا تنكفئ عن التضحية في سبيلها.
وكانت صفّين من هذا المنظور، حرب قبائل على جبهتي العراق والشام، مع الفارق أنّ القبائل في الأخيرة كانت مطواعة لمعاوية، قديمة العهد بالولاء له، بينما كانت على خلاف ذلك مع الإمام، ليس صعباً اختراقها وحتى هدر منجزاتها وهي على وشك الانتصار. فكان «التحكيم» وانشقاق الخوارج، من مظاهر ذلك الخلل في جبهة العراق، التي سرعان ما اختلّت بُنيتها، وذهبت سدىً خطبُ الإمام في تحريضها على الجهاد، لا سيما وأن ثقافتها الدينية، لم تؤهّلها لفهم أبعاده، فاستكانت إلى واقع مرير، عانت الكوفة تداعياته الكارثية فيما بعد.
جرى ذلك ولمّا يُحسم الصراع، حتى بعد اغتيال الإمام و«الصلح» مع خليفته، فقد ظلّت الكوفة في خطّ الممانعة، على الرغم من عمليات القمع والتصفية والنفي التي استهدفتها، على يد ولاة تمّ اختيارهم بدقّة لهذه المهمة، ولم يتقاعسوا عن أدائها بكفاءة عالية. وإذا كان حجر بن عدي الكندي قد تصدّر واجهة المعارضة، مؤسّساً حركة التشيع تيّاراً سياسياً جذرياً، فإن الأشتر (مالك بن الحارث النخعي) الذي سبقه إلى الشهادة يبقى رائداً في خياراته المبكِّرة، لصيقاً بالإمام، مُفعماً بفكره القيمي، فكان بدوره ممّن حفر عميقاً في تلك التجربة، حتى غدا من رموزها الأوائل. ولعل في سيرته ما يبهر، مناضلاً شجاعاً وقيادياً بارزاً، حيث شارك على هذا المستوى في معركة اليرموك، وفي فتوح العراق، قبل أن يستقرّ مع قبيلته في الكوفة بعد ركود العلميات العسكرية في عهد عثمان. ولم يستكن حينئذٍ لسياسة الاستئثار وانتهاك الأقارب حقوق المجاهدين الذين بسيوفهم فتحوا البلاد، فإذا هم مهمّشون، خاضعون لمشيئة ولاة متطفِّلين على الدور، وما زالت في نفوس بعضهم رواسب ممّا قبل الإسلام.
والخليفة آنذاك (عثمان) وقع في شرك أولئك المخضرمين، واستُدرج إلى الخروج من تاريخه، مناضلاً من روّاد المسلمين، ليصبح بتأثيرهم حاكماً مطلقاً، يستمد شرعيته من «الحقّ الإلهي»، متماهياً معه الولاة المستبدّون. وكان الأشتر أول من تصدّى لهذا النمط الاستعلائي من السلطة، ممثَّلاً بوالي الكوفة سعيد بن العاص، وذلك عبر حركة مسلحة يمكن اعتبارها إرهاصاً لما حدث بعد نحو عامين في المدينة من تمرّد عرب الأمصار المطالبين بالإصلاح. وقد سبق له أن نُفي مع رفاقه إلى الشام وسمع من معاوية كلاماً ينال من القبائل اليمنية، ويرفع من شأن قريش التي اصطفى الله منها «خير خلقه» واختصّها بالملك، وجعل الخلافة فيها، ما أثار حقداً ظل كامناً في ذات الأشتر الذي ربما كان وراء حركة الاعتراض في المدينة، أو محرِّضاً أساسياً عليها.
إبّان تلك الأزمة، تعرّف الأشتر علياً الذي ثناه عن الذهاب إلى «الفتنة»، فالتزم رأيه، مدركاً مخاوفه بأن سقوط عثمان، يعني سقوط الخلافة، بما يحمله ذلك من نتائج سلبية على الإسلام «فلم يشترك ـ كما يؤكد هوارت ـ في محاصرة عثمان وفي قتله». وتحقّقت بالتالي هواجس علي، فقد تناثر دم الخليفة على مصحفه، من دون أن يتحرك لنصرته، أكثر المستفيدين من عهده: مروان ومعاوية، كما تقاعس الصحابيان (طلحة والزبير) الطامحان إلى وراثته، فانكفآ متهيّبين هول الحدث، بينما علي لم ينج من الخيار الصعب، حين لم يجدوا منقذاً سواه.
صفحة 2
وكان الأشتر في صخب التداعيات الخطرة لخلافة الإمام، قائداً على مقدمة جيشه في البصرة وصفّين، ورجل المهمات الكبرى، ما شكّل إحراجاً لمعاوية، فأخذ يخطّط لاغتياله، حتى إذا تحقق ذلك اختلّت الجبهة العراقية ولم يعد ممكناً إعادة تشكيلها على النحو الذي كانت عليه قبل التحكيم وتمرّد الخوارج. ولم يطل الوقت حتى اغتيل الإمام ومعه الخلافة الراشدية، التي استُبدل بها ملك وراثي، أخذت تتبلور صورته في مقولات معاوية وهو بعد والٍ لعثمان على الشام، كما سبقت الإشارة.
وفي القدس دعا معاوية إلى بيعته (41هـ)، مما يرجّح دوافع ذلك بعاملين: القطيعة مع الخلافة الراشدية التي انطلقت من المدينة، متكئة على تراث الرسول، وانتقلت مقرّاً أواخرها إلى الكوفة، بعد عملية التفريغ التي شهدها الحجاز في سياق الفتوحات والثورة ـ الفتنة، والثاني، تكريس السمة الشامية لخلافة بني أمية، وذلك في اختيار القدس غير البعيدة عن دمشق مكاناً لإعلانها، حيث تحتشد القبائل الموالية لها، والتي شكّلت مادتها وعصبها وضمانة صمودها.
وقد رضخت الأمصار للحكم الأموي طواعية أو بالإكراه، بما في ذلك الكوفة، إلا أن الأخيرة ظلّت مصدر قلقٍ له، ولم تُثنها وسائل القمع عن الاستمرار في الممانعة. ولكن إعدام حجر بن عدي كانت له ارتدادات سلبية على مشروعها التغييري بقيادة الحسين، ما أربك ثورته التي انتكست قبل أن تصل إلى قاعدتها في الكوفة. وعلى الرغم من ذلك، فقد تعملق الحسين شهيداً هزّ أركان الخلافة الأموية، قبل أن يُسقط بدمه رجلها الأرعن يزيد، الذي غاب فجأة في ظروف غامضة.
والمرحلة حينئذٍ، كان يمسك بعنانها مناضل، لم يتردّد اسمه كثيـراً في الروايات التاريخية، إلا أنه كان حاضراً بقوة في الكوفة، وهو إبراهيم بن الأشتر، الذي عزف عن الانخراط في تيّار الثأر للحسين، إذ وجد فيه هدراً لطاقات الشيعة في غير محلها، مندرجاً في مشروع تغييري لم يكن متسرّعاً فيه، وإنما كان يترقّب السوانح الموائمة للتعبير عنه، وفي المحصلة كان إسقاط الحكم الأموي في صميم أهدافه. هذه الشخصية الفذّة، أول ما يلفتك فيها، نقاوة المبدأ، ورصانة الدور، وفروسية نادرة على غير ادّعاء، فلم يَحدِ عن خطّه الثوري الجذري أو يساوم على قضية آمن بها، أو ترتجّ في وعيه الثوابت التي قادته في النهاية إلى خيار كربلائي، فكان بحقٍّ ابن أبيه، الأشتر العظيم.
... وبعد، فلطالما أثار هذا المناضل الشكيم اهتمامي واستفزني التعتيم عليه، فيما المختار الذي صعد إلى السلطة بسيفه، وبه تعقّب أيضاً قتلة الحسين، ينتزع الضوء منه. وكنتُ أُسوّغ عزوف المؤرخين عن ابن الأشتر، بأنه في شخصيته الهادئة، ربما لم يستثر الغرائز في موضوعة الثأر للحسين، كما كان من أمر المختار، أو ربما بسبب ضحالة المادة التاريخية غير الكافية لدراسة شاملة عنه. وقد ظلّت تراودني لفترات طويلة، فكرة الكتابة عنه، انتصافاً لرجل قيمي لم ينل سوى هامش من التاريخ، ولم أبرح بدوري نصيراً لمثل هذه النماذج، المقاومة لجبروت السلطة وطغيانها، من أجل أن تسود العدالة، وإن أخفقت فالشهادة هي «الفوز العظيم».
ولا أزعم أنني وجدتُ من المادة، ما يكفي للإحاطة بتاريخ ابن الأشتر، سوى ما كان من تفاصيل ما في السنوات الخمس المثيرة من حياته (66ـ71هـ)، وما قبل ذلك لم تتعد أخباره لمحات سريعة، جمعتُ شتاتها لدعم هذه الدراسة، ولكنني لم أدّخر جهداً لوضع هذه الشخصية في دائرة الضوء الذي كان خافتاً في مكان وساطعاً في آخر، إلّا أنها ظلّت محبوكة في السياق، وقليلاً ما انقطعت عنه. ولعلني في النهاية، استعدته من أقبية النسيان، إلى الموقع الذي يستحقّ، متوخّياً الموضوعية وعدم الجنوح إلى المبالغة، وكانت ملاذي في ذلك، المصادر المكرّسة التي استبرتها روايات ودلالات، حتى قُدِّر لهذا الكتاب أن يُنجز، ولم أظنّ ذلك ممكناً.. ولكنني غامرتُ وجبهت التحدي، من دون أن تفارقني هواجس التعثّر، ربما لأول مرة، في المهمّة الصعبة.
بيروت في 3/12/2011
صفحة 3

مدخل

تدين شبه جزيرة العرب لموقعها الجغرافي، مركزاً لنشوء حضارات مبكّرة ، من اليمن جنوباً حيث ساد النمط الاقتصادي الزراعي والتجاري، إلى الحجاز وسطاً حيث قامت مكّة في «وادٍ غير ذي زرع»، حاضرةً تتكّئ على تاريخ استثنائي، مُستفيدةً من تغيّر خطوط التجارة، لتصبح محور الأخيرة وأداة حِراكها بين الشرق الآسيوي والغرب الأوروبي.. ولم يكن ذلك ممكناً دون هجرة النبي إبراهيم إليها، واختيارها لبثّ دعوته (الحنيفية)، المتزامنة مع بناء الكعبة، رمزاً لتحولٍ ريادي في المفاهيم، من الوثنية إلى التوحيد في عالم ذلك الزمن البعيد.
ولكن المفارقة أن العقيدة «الإبراهيمية»، ظلّت في إطارها النخبوي، ولم تأخذ طريقها إلى الوعي الشعبي، فيما الكعبة (البيت الحرام) أجمعت على تقديسها القبائل العربية، حيث تداخل الدين مع التجارة في منظومة بعثت الحيوية في نسيجها الاجتماعي، ما أدّى إلى اتّساع دوائر التحضّر على حساب البداوة المتراجعة، فكان الإسلام نقطة التحوّل المفصلية في هذا الاتجاه، والهجرة إلى يثرب (المدينة) تكرّست هجرة إلى التحضّر المقرون بالجماعة. وكانت الفتوح، اضطراراً، محورها التشكيلات القبلية التي كانت مادة الحروب في الإسلام، من دون أن تكتنه تفاصيله، أو تجيش قِيمُه في نفوسها المتأرجحة، بين ثقافة العصبيات والثقافة الإيمانية، في وقتٍ كانت غالبية هذه القبائل التي استنفرها الخليفة الراشدي الأول للجهاد، خارجة لتوّها من التمرّد على الإسلام، في ما عُرف بحركة الردّة.
ولعلها مفارقة أيضاً أن تعقب ذلك مباشرةً حملات الفتوح، متسائلين في ضوء هذه الإشكالية، إذا كانت هذه الحملات جرت في التوقيت الموائم، أو أنّها احتاجت إلى إعداد نفسي وانصهار أكثر جذرية في العقيدة، وإذا كان في الانتظار فرصٌ مماثلة، لما تمّ في لحظة خاصة من التاريخ، شهدت انتصارات باهرة، وفي أعقابها سقوط امبراطورية (الفارسية)، وانكفاء أخرى مجرَّدة من معظم أراضيها (البيزنطية)؟ تلك أسئلة من الصعب البتّ في أجوبة حاسمة عنها، ولكن اتِّساع مدى الفتوحات أربك الدولة الصاعدة، وهي لا تملك حينئذٍ من الخبرة والتمرّس لإدارة بلدان تفوقها تنظيماً وتراثاً حضارياً، ما يساعد على تجذير حضورها على المدى البعيد فيها. ويردّ الشيخ العلايلي هذه المسألة، إلى «عدم عناية حكومة الخلفاء ببثّ الدعوة وغرس التربية الدينية التي كانت لازمة لذلك المجتمع»[1].
ولكن من هي القبائل التي أسهمت في الفتوحات الأولى؟ إن دعوة أبي بكر كانت شاملة ولم تستثنِ أحداً من الانضواء في الألوية المعدّة للتحرّك نحو الشام. وقد جاء فيها: «أمر ـ أي الخليفة ـ أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز، يستنفرهم للجهاد ويرغبّهم فيه وفي غنائم الروم، فسارع الناس إليه بين مُحتسب وطامع وأتوا المدينة من كل أوب»[2] ومن الواضح أن هذه الدعوة ركزت على حافزيْن، ربما متناقضين في المبدأ، ولكنهما متكاملان في الواقع، وهما الجهاد والغنائم.. فإذا كانت النُخب التي انطلقت من المدينة مؤمنةً برسالية الإسلام وملتزمة بنهج الرسول الذي كانت آخر غزواته إلى تبوك على تخوم الشام، فإن القبائل تطّلب حشدها تحفيزاً يطابق تقاليدها في الغزو والغنائم، وكل ما يؤجّج غرائزها القتالية، ويثير حماستها لتلبية دعوة الخليفة.
هذا ما حدث فعلاً حينذاك، إذ وفدت تشكيلات القبائل على المدينة «من كل أوب»، منخرطة في الألوية، مطواعة لقادتها على الجبهات، فكانت الانتصارات العظيمة في ظاهرة انقلابية مشهودة لحركة التاريخ. ولكن رواية البلاذري لم تُشر إلى أسماء هذه القبائل التي قاتلت وحداتٍ بقيادة رؤسائها، كذلك الروايات الأخرى جاءت مقتضبة في هذا السياق. وعلى سبيل المثال فإن الطبري في روايته عن مسيرة خالد بن الوليد من البحرين بعد قضائه على ردّة الأخيرة، إلى العراق حيث المثنّى بن حارثة الشيباني يقوم حينذاك بعمليات توسعية محدودة، يكتفي بالقول: إنّه حشد «ثمانية آلاف من ربيعة ومُضر، إلى ألفين كانا معه»[3]، لم يحدّد نسبهما، كما لم يأت على ذكر قبائل أخرى انضمت إليه أو رافقته بعيد ذلك إلى الشام، بناءً على طلب الخليفة.
ومن السائد أن جذعين تفرّعت منهما القبائل العربية ، وهما القحطانية والعدنانية، أو العرب العاربة والعرب المستعربة، ولكن ما يلفت أن النسَّابين تتبعوا بانتظام حلقات الأخيرة وتفرعاتها، يحدوهم إلى ذلك انتماء الرسول إلى قريش المتحدرة من كنانة، المتصلة بدورها بمضر أحد أحفاد عدنان، فيما العاربة ظلّت تُنسب لقحطان مجموعات متفرّقة من دون انتظام في سياقٍ تسلسلي، مندرجةً فقط في ما يُعرف بالقحطانية أو اليمانية. وكانت هذه تفوق عدداً العدنانية التي حملت مع تعاقب الأزمنة تسميات أخرى، مثل النزارية والمضرية والقيسية. كما أنها تفوّقت حضارة، حيث قامت في اليمن كيانات منذ الألف الثاني قبل الميلاد، لا سيما إمارة سبأ في دورها الحيوي على صعيد التطور الاقتصادي والتفاعل مع القوى السياسية المعاصرة لها. وفي وصف موسكاتي ما يؤكد على أصالة تلك الحضارة وسطوعها، إذ يقول: «كان العرب الجنوبيون عظيمي التوثيق في صناعة القطع الفنية الصغيرة، فالكُتّاب اليونان والرومان ترنّموا بأناشيد الثناء على الكؤوس والأوعية التي صنعها السبئيون من الذهب والفضة.. وقد صنعت قطع كثيرة من الحلي بالغة القيمة من الذهب الذي كان وافراً في جنوب شبه الجزيرة العربية ، وسُكّت نقودٌ كثيرة اقتداءً بالعالم اليوناني الذي نجد أثره في تلك النقود نفسها.. إن فنّ جنوب الجزيرة، كسائر مظاهر الحضارة التي ينتمي إليها، يدلّ على مرحلة من الحضارة تروّع المرء يتقدّمها. قامت مزدهرة راسخة في أحوال مستقرة، وكانت مستقلة عن بقية أنحاء الجزيرة، بل مختلفة عنها في عدّة وجوه»[4].
ولقد امتدّت مسيرة اليمن الحضارية حتى القرن السادس الميلادي، ممثلةً بإمارة حِمْير التي شهدت في أواخر عهدها تنافس الفرس، والأحباش (بدعم بيزنطي) على النفوذ فيها. كما اشتدت صراعاتِ مُبشّري الأديان، ما أنهك نظامها الاقتصادي وزعزع بنيتها السياسية، وأغرى بالتالي الأحباش بغزوها والقضاء عليها. ولم ينفك هؤلاء منذ القرن الرابع الميلادي يتربّصون بها، في ظلّ مشروع يرمي إلى تنصيرها، ذلك الذي عبّر عنه بعد سقوط اليمن، (القرن السادس) بناء القائد أبرهة الكنيسة المعروفة بـ «القليْس» في صنعاء، بهدف صرف القبائل العربية عن الكعبة إليها. وهو ما يفسّر متابعة غزوه شمالاً نحو مكة، متوخّياً استكمال مشروعه بالتقدّم إلى مراكز النفوذ البيزنطي في الشام، ولكنّ مكة ردّت الغزو على أعقابه، في ذلك العام الشهير بـ«عام الفيل»، المتزامن مع ولادة محمد (570م). ولم يسع أبرهة البقاء في اليمن، بعد انتفاضة أهله المتحالفين مع الفرس، لتثبتَ شبه الجزيرة مرة أخرى، أنها عاصية على الأطماع الخارجية في تاريخها القديم.
صفحة 4
كان الطابع الحضري إذاً الغالب في اليمن، حيث اتّسمت أنظمتها بالوحدة الاجتماعية، والحكام اتخذوا لقباً «ملكياً»، فيما القبائل، غير المعروفة بأسمائها حينذاك، لم يكن لها حضور متنافر مع السلطة، وإنما كانت منصهرة في مجتمع ينعم بالأمن والرخاء. ولكن مع بدء الاختلال الاقتصادي، وما نجم عنه من اضطراب سياسي، شهدت المرحلة موجة واسعة من الهجرات القبلية باتجاه الشمال، بحثاً عن أماكن تتوافر فيها عناصر الاستقرار. ومن هذه القبائل، وفاق ما يذكره المؤرخ جواد علي: «حِمْير وكهلان، ومن مجموعة حمير، قضاعة (في رأي من جعل قضاعة من اليمن) ومن قضاعة: كلب وأسد، ومن أسد تنوخ. وأما مجموعة كهلان فتتألف من الأزد وهمدان ومذحج وطيء، ومن الأزد، غسان والأوس والخزرج»[5].
كانت الأزد أقوى هذه القبائل، وأكثرها انتشاراً، حيث تفرّعت منها، بالإضافة إلى ما سلف، خزاعة التي سادت في مكة لقرون ثلاثة بعد إخراج بني جُرهم منها. وكان هؤلاء معاصرين لهجرة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل الذي اتخذ زوجة منهم، ومن ثم لبناء الكعبة رمزاً لعقيدة الحنيفية التوحيدية التي بشّر بها إبراهيم، وسادت على مستوى نخبوي في مكة، إذ أعاق انتشارها، تكريس عمرو بن لحيّ رئيس خزاعة، الوثنية بين قومه، ثم درجت على ذلك قريش بعدما ورثت السيادة من الأخيرة على مكة، معزّزةً بنفوذ تجاري بلغ ذروته مع هاشم[6] بن عبد مناف، مؤسس نظام الإيلاف، شبكةً تربط مكة بمصادر السلع وأسواقها. ولقد تكرست مع «الإيلاف» معادلة الدين ـ التجارة، عنصراً استقطابياً للقبائل التي ألفت التردّد إلى مكة في مواسم الحجّ،والكعبة حينئذٍ، وهي بيت الأصنام، احتفظت بقدسيتها في الوثنية، حتى إذا اختتمت القبائل طقوسها، تحوّلت إلى المتاجرة في الأسواق القريبة من مكة.
ومن القبائل اليمنية ذات الشأن، برزت كندة، قويةً مهيبة، بل متفوّقة على الأزد الشهيرة، في أنها أسّست «مملكة» خاصة بها في حضرموت، وتداولت السيادة مع بني كلب على دومة الجندل التي استهدفتها سريتان من الرسول، كما عقدت صلحاً معه أثناء غزوة تبوك. ومن كندة، الأشعث بن قيس الذي اعترف بالإسلام ثم ارتّد عنه، ربما توخياً لموقع ما في العهد الجديد. وقد تحقق له ذلك في عهد عثمان الذي عيّنه والياً على أذربيجان، ولكن سيرته إبان خلافة علي محاطة بالشكوك، خصوصاً بعد امتناعه عن تسليم خراج ولايته إلى بيت المال، ولطالما كان أكثر ارتهاناً لمصالحه الخاصة، وأقلّ صدقيةً في إيمانه بالإسلام. وعلى مثاله سار أبناؤه وأحفاده، فكانوا الأسرع في الولاء للحكم الأموي بعد اغتيال الخليفة الراشدي الرابع، ولم ينج الأشعث نفسه من الضلوع في هذا الاغتيال، حيث استضاف القاتل شهراً في بيته، قبل تنفيذ مهمته المشبوهة[7]. وعلى النقيض من الأشعث، الكندي الآخر حجر بن عَديّ الذي وُصف بأنه «من عظماء أصحاب علي»[8]، وكان قاتل معه في صفّين، وما زال جذرياً في خياره بعد «صلح» الحسن، مؤسساً حركة التّشيع، تيّاراً سياسياً في مواجهة الظلم والانحراف.
كانت القبائل اليمنية راجحة في فتوح المشرق وتداعياتها، وبدت الكوفة البؤرة التي تمركزت الغالبية فيها، متآلفة مع نمط اقتصادها الزراعي، الموائم لتراثها مما قبل الإسلام، فيما النمط التجاري في البصرة، شكل عنصر استقطاب للقبائل المضرية القادمة من الحجاز، إلا أن تكوينها الاجتماعي، كان خليطاً من الاتجاهين ولم يطغَ أحدهما حضوراً ودوراً على الآخر، ما جعلها أكثر استكانة في حياتها السياسية خلال العهد الأموي. ومن هذا المنظور، فإن الكوفة في غالبيتها اليمنية، الموالية للخليفة الراشدي الرابع، والمتأثرة بصورة ما بنهجه، حملت لواء المعارضة ولم تسلّم، ما يتعدى الظاهر، بشرعية العهد الجديد. ولم يستطع زياد بن أبيه الذي سبق أن فرض نظاماً قمعياً في البصرة، إخماد حركة الممانعة فيها، والتي اتخذت منحىً سرّياً بعد إعدام حجر ورفاقه.
ومن اللافت أن قبائل برمّتها، اندرجت في خطّ المعارضة، على صعوبة هذا الخيار الذي دفعت أثماناً باهظة في سبيله، فقد كانت همدان صافية الولاء لهذا الانتماء، كذلك خزاعة ونخع، فيما كانت كندة مخترقة من جانب بني الأشعث، إلّا أن ذلك لم يؤثِّر في دورها النضالي القيادي من أجل التغيير. ولكن بعد إعدام حجر خفت دور كندة لمصلحة خزاعة التي أدارت حركة الممانعة، وإن بوتيرة أقل اندفاعاً من الأولى، مما سينعكس على التنظيم الثوري الذي بدأ يُعدّ له منذ «الصلح»، مفتقداً وهجه السابق مع الكندي. ويمكن تفسير ذلك في الغموض الذي اكتنف دور المعارضة الشيعية، والغياب الملتبس لقادتها بعد وصول موفد الحسين إلى الكوفة.
أما نخع وهي ـ كما سبق القول ـ فرع من مذحج، شهرت مع بروز مالك بن الحارث المعروف بالأشتر. وكان قد تعرّف عليّاً أثناء توافد المتمردين من قبائل الأمصار إلى المدينة، احتجاجاً على سياسة الخليفة عثمان، مطالبين بتحسين أوضاعهم الاقتصادية ودفع ظلم الولاة من الأسرة الحاكمة عنهم. وبات الأشتر حينئذٍ مقرّباً من علي، ملتزماً بمواقفه، لا سيما بالدعوة إلى عدم الانجرار إلى الفتنة.
وعندما آلت إليه الخلافة أصبح قطباً في إدارته، مشاركاً في كل حروبه، حتى أن مؤرخاً وصفه بأنه «رجل الساعة في جيش علي»[9]. وحين قرّر الخليفة الجديد، بعد حرب البصرة، اتخاذ الكوفة مقرّاً له، كان له دور أساسي في التمهيد لذلك، محبطاً محاولة أبي موسى الأشعري، آخر ولاة عثمان عليها، في تثبيطه الناس عن البيعة لعلي وتوجيه ولائهم لمصلحة معاوية[10]. وحينذاك خرجت وفود الكوفة لملاقاته في «ذي قار» محطّته الأولى نحو العراق، وكان النخعيون أكثر حماسة لبيعته، وفي طليعتهم كميل بن زياد الذي رافق الخليفة من «المدينة»، وهاني بن هوذة، آخر ولاة الكوفة في عهده[11]. ويجدر القول في هذا السياق إن مذحج التي تنتمي إليها نخع، كانت لا تزال ـ باستثناء الأشاعرة ـ موالية لعلي وأبنائه، ولم يغب اسمها عن التداول بعد نزول مسلم بن عقيل في الكوفة، منتظمةً حينذاك في «رُبع» واحد مع بني أسد[12] حسب رواية الطبري.
وكانت همدان اليمنية ـ كما سبقت الإشارة من القبائل البارزة في الكوفة، وهي لم تغيّر في ثوابتها النضالية ضد الحكم الأموي، وقد انتظمت في إحدى الفِرَق (الأرباع) الأربع ـ إلى جانب تميم ـ للهجوم على قصر الإمارة[13]، ومنها أيضاً خُزاعة المتفرعة من الأزد، في صدارة القبائل الشيعية، إذ قاتلت مجتمعة في صفين إلى جانب علي، وذلك بقيادة سليمان بين صُرد على رأس رجّالة الميمنة، كما برز معه خزاعي آخر هو عبد الله بن بديل[14]. وبعد سقوط الخلافة الراشدية، استمرّت خزاعة معاندة في خطها الجذري، ومنخرطة في حركة النضال السرّي الذي كان عمرو بن الحمق الخزاعي آخر شهدائه[15]. ولكن خزاعة التي قُدّر لها اتخاذ دور أساسي في ثورة الحسين، بقيادة سليمان، ثاني أشهر رجالات الشيعة بعد حجر بن عدي، لم يرد ذكرها في التنظيمات العسكرية السالفة (الأرباع)، كذلك على الرغم من أن الدعوة للحسين إلى الكوفة انطلقت من دار سليمان، فإن غموضاً تامّاً ـ بُعيد ذلك ـ يحيط به وبآخرين من القادة الكبار، مما لا نجد تفسيراً له في الروايات التاريخية.
وتبقى بجيلة أو بجلة، وهي من كهلان القحطانية[16]، وقد وصف المؤرخ المعاصر نفسه، رجالها، بأنهم «فدائيو أهل العراق»[17]، وكان علي قد أوفد بعد بيعته بالخلافة أحد رؤسائها (جرير بن عبد الله) محاوراً لمعاوية، إلا أنه فشل في مهمته. بيد أن بجيلة لم تكن بين القبائل المشتهرة، وكـاد يغيب ذكرها عن المرويات، لـولا سطوع رفاعة بن شدّاد على رأس قبيلته وهو حينئذٍ شاب في صفين، وأمضى حياته مناضلاً قوي الشكيمة في تيار التشيع حتى قُتِل مع المختار الثقفي[18]، وقد تنطبق مقولة المؤرخ السالف على رفاعة، ولكنّ في تعميمها على قبيلته مبالغة واضحة، من دون أن نغض النظر عن الديباجة الصحافية في أسلوبه، والتي ورد منها على سبيل المثال أنموذجان: «رجل الساعة» بالنسبة إلى الأشتر، و«فدائيو العراق» بالنسبة إلى بجيلة.
صفحة 5

الفصل الأول

الأشتر في صخب فتنتين

هو ـ كما سلف ـ مالك بن الحارث، من نخع، أحد فروع مذحج القحطانية، ولا نعرف عنه غير ذلك في مطالع الإسلام. وكان أول ما تردّد اسمه في فتوح الشام، حيث كان في عداد الذين وجّههم أبو عبيدة ابن الجرّاح إلى «فحل» حسب رواية سيف في تاريخ الطبري[19]. ولعله حينئذٍ شارك في اليرموك، المعركة الحاسمة ضد البيزنطيين (الروم). وفي أعقابها كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى أمير الجيوش في الشام بأن يصرف «جند العراق إلى العراق»[20] دعماً لحملة سعد بن أبي وقاص[21]. ولم يكن ليحدث ذلك، لولا أن حُسم الموقف العسكري في الشام بعد معركة اليرموك، و«كان ممن أرسل ـ حسب ابن الأثير ـ الأشتر وغيره»[22].
وفيما يتوقّف الدور الشامي للأشتر لدى الطبري عند معركة «فحل» (14هـ)، يروي اليعقوبي أن أبا عبيدة «وجّه الأشتر على جمع إلى الروم، فقتل منهم مقتلة عظيمة»[23]، من دون تحديد مكان «المقتلة» وزمانها. وعلى نحو ما أورده اليعقوبي، يروي ابن الأثير أنّ أبا عبيدة «سيّر.. جيشاً مع ميسرة بن مسروق العبسي، فسلكوا درب غدراس، من أعمال أنطاكية في بلاد الروم. وهو أول من سلك ذلك الدرب، فلقي جمعاً للروم معهم عربٌ من غسان وتنوخ وأياد، يريدون اللحاق بهرقل، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مدداً من قِبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية، فسلِموا وعادوا»[24].
كان ذلك في سنة خمس عشرة للهجرة، ممّا يتفق ورواية اليعقوبي بشأن هذه الحملة في تاريخها وبعض تداعياتها، والتي ربما كان الهدف منها اختراق ثغور البيزنطيين، وفي الوقت عينه درء الخطر عن الشام وتحصين أمنها. أما وجود ابن الأشتر في الحملة أو التحاقه بها، فهو ما يؤكد على مشاركته في معركة اليرموك السابقة على تلك الحملة، مع العلم أن ثمّة التباساً لدى الطبري بصدد المعركة إذ يُدرجها في العام الثالث عشر للهجرة[25]، خلافاً للبلاذري والمصّنفين المعاصرين له باتفاقهم على حدوثها في العام الخامس عشر[26]. كما يؤكد أن الأشتر، بعد الحملة على الثغور، لم يعد منخرطاً في القوة الشامية، حيث أصبحت نخع بعيد ذلك جزءاً من النسيج القبلي في العراق، وبدا حنيئذٍ أحد رؤسائها البارزين.
هذا ما اقتصرت عليه المرويات عن الأشتر في عهد الخليفة عمر ابن الخطّاب، ومن اللافت، وهو المحارب الجسور، أنه لم يرد ذكرٌ له في الفتوحات الشرقية التي كانت تضخّها بالجنود قاعدتا البصرة والكوفة. فمن المستبعد خلوده إلى السكينة حينذاك، من دون أن يسهم وقومه في الحملات التي كانت فريضة على المسلمين. إذ إن المرويات المهتمة بأحداثيات الحروب، غالباً ما ركّزت على قادتها الكبار. وعلى سبيل المثال، نرى ابن خياط في روايته عن فتح قيسارية (19هـ)، يكتفي بالقول: «أميرها معاوية بن أبي سفيان وسعيد بن عامر بن حذيم، كل أمير على جنده، فهزم الله المشركين...»[27]. كما أن فتحاً من أهمّ ما حقّقه العرب المسلمون في عهد عمر، وهو الذي جرى في «نهوند» من بلاد فارس، نجد الطبري، على الرغم من نزوعه إلى التفصيل، ومن ثمّ إسهابه، خصوصاً في هذه المعركة (21هـ)، منهمكاً في حوارات ورسائل متبادلة بين قيادتي الطرفين، فضلاً عن الغنائم، أكثر من تنظيم الفِرق المقاتلة ودور قادتها وتأثيرهم في اجتراح النصر[28].
وإذا كان الأشتر شبه غائب عن الواجهة في عهد عمر، فإنه يظهر بقوة في السنتين الأخيرتين من عهد عثمان، حيث تراجعت حينذاك عمليات الفتوح، كذلك الحوافز لدى القادة وجندهم، واستكانت القبائل إلى شيء من الدعة، كما استفزّتها في المقابل ممارسات لم تتنّبه لها من قبل، مع استئثار بني أمية بالسلطة واستغلالهم الثروات في بلدان فُتحت بسيوفها، ممّا لم يكن مسموحاً به من قبل.. حتى إن الصحابة الكبار حال عمر دون انتشارهم في الأمصار، تفادياً للوقوع في شرك نزعاتهم الخاصة، وهم تجّار في الأساس، فيسيئوا ـ وهم النخبة ـ للإسلام[29]. ولذلك يؤثرون، بعد اغتياله، خليفةً ضعيفاً (عثمان)، ترك لهم العنان لإرواء نزعاتهم في تملك الضياع والأموال[30]. كما خرق الخليفة الجديد القواعد في تسليم السلطة الفعلية لأقاربه، فكان مروان ابن الحكم يدير شؤونها في المدينة، ومعاوية مطلق اليدين في الشام، والآخرون من الأسرة يتداولون بتعسّفٍ إدارة الولايات.
وكان أول نقد علني لسياسة الخليفة وأعوانه، أطلقه صحابي من النخبة هو أبو ذرّ الغفاري في العام الثلاثين للهجرة، مندّداً باكتناز الأموال لدى فئة محظية، مقابل حرمان يستبدّ بشرائح واسعة في المجتمع. فجاءت عبارته الشهيرة: «يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء»[31]، بمثابة إنذار للنظام، لتحدث هزّة فيه، وترهص بالثورة عليه. وإذا كانت صرخة الغفاري اتخذت طابعاً دينياً ـ اجتماعياً، فإن الكوفة، بؤرة قابلة للتفجّر، تلقفت رسالته، وما لبث الأشتر بعد نحو ثلاثة أعوام، أن بدأ يتعرّف معالم دوره، ثائراً على الظلم ومقاوماً ضد الانحراف، إلى ريادته في التمرُّد على السلطة ممثلةً بوالي الكوفة سعيد بن العاص الأموي، الذي اغترّ بموقفه، والمتملقون من حوله يشدّون أزره، إلى حدّ التباهي بأن «السواد» ملك (بستان) له، كما سواد الناس خاضعون لـ «ملكه». فلم يتأخر الأشتر. وكان في مجلسه مع وجوه أهل الكوفة في الردّ عليه: «أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟»[32]... وكانت تحدوه في ذلك الموقف الجريء دوافع إصلاحية ذات بعد اقتصادي. ما يتجلى في كتابه ـ حسب رواية المسعودي ـ إلى الخليفة، بعدما لجأ سعيد إلى المدينة تهيّباً من سخط أهل الكوفة عليه بتحريض من الأشتر، وفيه يقول الأخير: إنا والله ما منعنا عاملك.. لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك من أحببت»[33].
صفحة 6
ولكن معاوية لم ير سوى البعد القبلي السياسي في حركة الأشتر، وسوى التحدّي من قائد يمني لشرعية قريش، فكان أن عوقب مع كميل بن زياد النخعي وآخرين بالنفي إلى دمشق[34]. ولعل ما حدث حينئذٍ يؤشّر إلى طموحات معاوية البعيدة، حيث أنزلَ المنفيين في كنيسة قديمة[35]، وخاطبهم بلهجة لا تخلو من استعلاء، مؤكداً في أطروحته على أن قريشاً هي الشرعية وهم الرعية، وبالتالي لا يحقّ للأخيرة انتهاك المقدّس بالتهجّم على الوالي القرشي. كما جاء في سياق الرواية المنسوبة إلى سيف بن عمر: «إنكم قوم من العرب.. وقد أدركتم بالإسلام شرفاً.. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وأن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلّةً كما كنتم. إن أئمتكم لكم اليوم جُنّة[36]، فلا تشّذوا عن جُنتكم». فقال رجل من القوم: «أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوّفنا، وأما ما ذكرت من الجُنّة، فإن الجنة إذا اختُرقِت خُلص إلينا». وفي هذه الرواية من الدلالة ما يتعدّى الاستفزاز لجماعة أسهمت بدور بارز في فتح العراق وما هو أبعد منه، إلى صراع سياسي، أو بدايات له، وهو ما تنبّه له معاوية، الذي توجّس خطورة حركة الأشتر، مصارحاً المنفيين ـ وفاقاً للرواية عينها ـ «بأنها إرادة الله أن يستنقذ من أكرم واتّبع دينه من هوان الدنيا وسوء مردّ الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً، فكان خيارهم قريشاً، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلّا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه»؟[37].
ولم يحِر أولئك جواباً، فهم يدركون أن والي الشام، غير والي الكوفة وإن تهيّب الثاني ردعهم، فإن لدى الأول كل الجرأة لتجاوز الردع إلى التهديد بالتصفية، لا سيما الأشتر الذي استثناه من العودة إلى الكوفة، فيما الآخرون ترك لهم حرية الاختيار[38]. ولعل في هذا النصّ المنسوب إلى معاوية، ما يكشف عن نظرية سياسية مبكّرة نحو الملك الذي شدّد عليه في الحوار مع الأشتر وأصحابه. فكان من هذا المنظور أول القائلين بالحق الإلهي لقريش، «المهاجرة» وغير المهاجرة معاً، أو ما عبّر عنه بالإرادة الإلهية. ولم يكن قميص عثمان، المخضّب بدمائه، والذي ارتفع بعد عامين فقط في دمشق، إلّا تمسّكاً بهذا «الحق»، ودفاعاً عن هذه الشرعية التي انتهت إليه (معاوية) وتكرّست في بيته، مُستخدماً كلّ أدواته الإعلامية للترويج لها، ملكاً وراثياً على أنقاض الخلافة، بل «الشورى»[39] المُفرغة أساساً من مضمونها الذي ربما صاغها الفقهاء في زمن غير زمانها.
هذه الحادثة ظلّت راسخة في وعي الأشتر، فلم يبرح ذاكرته، الموقف المهين أمام والي الشام، وكان قد طلب من الخليفة، الالتحاق بعبد الرحمن بن خالد في حمص، بعد منعه من العودة إلى الكوفة[40]. وإذ هو في مقامه ذاك، تناهت إليه أخبار عن مغادرة سعيد بن العاص إلى المدينة، منيباً عنه عمرو بن حريت في إدارة الكوفة. ولم يلبث أحد أصحاب الأشتر، وهو يزيد بن قيس، أن خلع عثمان، وكتب إلى الأشتر أن يوافيه إلى الكوفة. فما مرّ وقتٌ قصير، إلا وقد فاجأ الناس يوم الجمعة على باب المسجد، مستعيداً قولة سعيد بشأن «السواد»[41]. فالتفّوا حوله مندّدين بسياسة الوالي المتغطرس، ثم ارتفعت وتيرة الاحتجاج لتطال الخليفة نفسه. وفي صخب الجدال، خرج ابن قيس والأشتر إلى الجرعة (على مقربة من الكوفة)، ومعهما نحو ألفٍ من الرجال ـ وكان قد بلغهما أن ابن العاص في طريق العودة إلى الأخيرة ـ للحؤول دون وصوله إليها.
ولم يجد عثمان بدّاً من أن يستبدل بسعيد، أبا موسى الأشعري[42] الأكثر حنكة، واليمني الوحيد في إدارة الخليفة... حدث ذلك سنة أربع وثلاثين للهجرة، وحينذاك لم تعد الكوفة وحدها في المواجهة. فقد امتدّت موجة السخط على سياسات الخليفة وولاته إلى الأمصار الأخرى، لا سيما البصرة، فيما الشام كانت قبائلها مطواعة لمعاوية، رجل العهد القوي، وبالتالي لم تكن لديها حوافز للتذمّر، بعدما نعمت برغد عيش وامتيازات خاصة، ما جعلها وثيقة الصلة بالنظام، بل رأس الحربة في الدفاع عن شرعيته.
ولعل هذا التفاوت بين حالة الشام وحالة الأمصار، استفزّ الأخيرة لتحسين ظروفها الاقتصادية، مطالبة، في الكوفة تحديداً، بتوزيع الأرض على فاتحيها. ولكن ذلك لم يلقَ استجابة من قبلُ لدى الخليفة عمر الذي آثر بقاءها في أيدي مالكيها الأصليين، وهم أدرى من العرب ـ في تكوينهم القبلي ـ بأساليب الزراعة القائمة على الرّي، والتي تحتاج إلى نظام تعاوني يصعب تطبيقه لدى الفاتحين، مُعبِّراً عن ذلك بالقول المنسوب إليه: «أخاف إن قسَّمتُه ـ أي السواد ـ أن تفاسدوا بينكم في المياه»[43]. هذا عدا أن الجبهات الحربية كانت لا تزال مفتوحة، والعرب هم مادتها الأساسية، وليس من شأنهم ممارسة شؤون أخرى، تدفعهم إلى الاسترخاء وفقدان الحماسة نحو قضية لها أولويتها حينذاك. ولكن ما تصدّى له عمر وتبنّاه عليّ انطلاقاً من الرؤية الموضوعية عينها فيما بعد، أفلت زمامه، وإن على مستوى النخب، في عهد عثمان، الذي منح امتيازات لبعض الصحابة في هذا المجال، فضلاً عن الولاة المقرّبين، ما أدّى إلى أن يصرّح سعيد بن العاص ما صرّح به عن «السواد»، من دون أن يعي أن الانفجار يكمن فيه. وما بين «الكنيسة» في الشام، و«الجرعة» في العراق، كانت خطوطه تتشابك عبر مثلّث: الكوفة، البصرة، الفسطاط، و«المدينة» لم تعد في منأى عنه.. والأشتر بكلّ حضوره في التفاصيل.
وفي محاولة لتطويق الأزمة المتفاقمة، ينعقد في عاصمة الخلافة، ما يمكن أن نسمّيه، تجوّزاً، «مؤتمر» الولاة (34هـ) الذين توافدوا عليها، وأخذوا يُدلون باقتراحات ليست مجدية، هذا عدا أن الآراء شابها اختلاف، والمصالح تضاربت في ما بينهم[44]. فكان مروان ومعاوية قطبي اللحظة: الأول يحرص على حماية نظام كان ركنه الأساسي، والثاني، على نقيضه، ينفخ في الأزمة، لاستنقاذ ما تبقّى من الخلافة المترّنحة، وهو «ما زال يطمع فيها» حسب رواية سيف بن عمر[45]. وقد تجلّى هذا الموقف لاحقاً، حين أطاحت الثورة (الفتنة) عثمان، في مطالبة معاوية بدمه، وهو لم ينفك من قبل يعده بفرقة من الجيش للدفاع عه، من دون أن تغادر هذه أرض الشام، وهو ما دفع علياً إلى اتهامه بالضلوع في الأزمة وما انتهت إليه، كما جاء في قوله: «أما إكثارك الحجاج على عثمان وقتلته، فاعلم أنك إنما نصرت عثماناً حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له»[46]. وفي صخب الأزمة (35هـ) وبعد تدفّق المعترضين على سياسة عثمان وولاته، بدت «المدينة» خاوية من السلطة، من دون أن يكون لدى القادمين مشروع يتعدى الإصلاح، ولكن ارتباك الخليفة وسوء تصرّف المحيطين به، فاقم الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك.
صفحة 7
وقد حاول قادة الوفود، استمالة من تبقّى من الصحابة الكبار: علي، طلحة، الزبير[47]، لتعزيز جبهتهم، ولكنهم لم يلقوا استجابة، خصوصاً من جانب علي الذي ما انفك يتجنّب الصلة بهم[48]، من دون أن يقطع الحوار مع عثمان، حيث وضع ابنيه حرساً على داره، مُدركاً خطورة سقوط الخلافة. ولكنه على الرغم من جهوده لحماية الخليفة فقد تبرّم الأخير منها[49]، حتى إذا ابتعد الصحابة عنه، واستمرّ بتأثيرٍ من مروان في مماطلة الثائرين، أعلن هؤلاء الحصار عليه، ذلك الذي انتهى إلى مصرعه على يد جماعة من الرجال المغمورين من الوفد المصري، وهم ينتمون إلى قبائل متأخرة في إسلامها، مما يبدو في الطريقة التي تمّ فيها اقتحام دار الخليفة، واستهداف بيت المال[50]، معبّراً عن نمط خاص بهذه القبائل. وقد يتفق ذلك مع ما نُسب إلى الحسن بن علي، عندما سُئِل إذا «كان فيمن قتل عثمان من المهاجرين أو الأنصار؟ قال: لا، كانوا أعلاجاً من أهل مصر»[51].
والقتلة في النهاية معروفون، وقد تسلقوا الجدار في وضح النهار كما ذكرتهم، بأسمائهم الروايات التاريخية، وهم: كنانة بن بشر الليثي (التجيبي). والسكونيان: قبّرة وسودان بن حمران، إلى الغافقي بن حرب، الأكثر ضلوعاً في الاغتيال[52]. وكان آخر من حادث عثمان، محمد بن أبي بكر، في محاولة يائسة لإقناعه بالاستجابة لمطالب الثائرين «فلما خرج وعرفوا انكساره»[53]، حسب رواية سيف، اقتحم القتلة الدار وأجهزوا على الخليفة، دون أن يكون التوقيت مصادفة، أو تكون المبادرة عفوية، وإنما كانت الخطّة مدبّرة بإتقان، لإلقاء التهمة على محمد بن أبي بكر، ومن ثمّ توريط علي بها، إذ كان الأخير أحد المقرّبين منه.
أين كان الأشتر من هذه التطورات؟ يقول كليمان هوارت: «لمّا ثارت الفتنة خرج الأشتر إلى «المدينة» في مائتي رجل (35/655). ولكن علياً أغراه بما يعتزمه من ضروب الإصلاح، فرجع مع رجاله، غير أنه لقي في طريقه رسولاً للخليفة يحمل أمراً بقتل الأشتر، ومع هذا لم يشترك في محاصرة بيت عثمان أو في قتله»[54]. وسواء أكانت معرفة سابقة تشج بين الاثنين، أم أنها استجدّت في المدينة بعد قدوم الأشتر مع وفد الكوفة إليها، فإن القائد النخعي بدا متأثراً منذ البداية بشخصية علي، ومنخرطاً في تيّاره الإصلاحي، وحريصاً على عدم الانجراف في التطرّف، بما يُسيئ إلى الخلافة والإسلام. وكان واضحاً أن مصرع عثمان زاد الأمور تعقيداً، فقد شغر موقع الخلافة خمسة أيام، دون أن يكون لدى الثوّار حلّ للأزمة الصعبة، كذلك الصحابة الثلاثة: طلحة، الزبير، سعد بن أبي وقّاص، تهيّبوا الموقف، فاعتكف الأخير، فيما الأوّلان، تحت وقع الصدمة، خبطا في متاهة والتبست عليهما المخارج، ولم يكن ثمة شك أن كليهما كان توّاقاً إلى ملء الفراغ، ولكن أحداً لم يُظهر رغبة علنية في ذلك، خصوصاً وأن موقفهما، في أحسن الحالات، كان رمادياً إزاء ما سُمي، اصطلاحاً بالفتنة، أو التصرّف بحكمة قبل انفجارها وبعده. وفي المحصّلة سيقع على عليّ الاختيار الصعب، ويقطف «ثمرة تلك الفعلة المحمّلة بالبلاء»[55]، كما وصفها ولهوزن، فتقبّل البيعة مكرهاً، بعدما فقدت الخلافة بريقها المركزي الذي بدأ ينطفئ في عهد سلفه[56].
وكان الأشتر حينذاك في أتمّ نشاطه، مُذلِّلاً العوائق أمام الخليفة الجديد ومواجهاً بحزم المتردّدين في البيعة، ومنهم على سبيل المثال عبد الله بن عمر، وقد همّ بضرب عنقه لولا أن ثناه عليّ عن ذلك[57]. ولكن البيعة على الرغم ممّا أُحيط بها من التشكيك، كانت أكثر التزاماً بمعايير «الشورى»، إذ بايع المهاجرون، وعلى رأسهم طلحة والزبير، كذلك حظيت بنسبة إجماع من الأنصار، وأقرّت بها الأمصار، من دون الشام التي كان لها مشروعها الخاص، وقد اتّضحت ملامحه في العامين الأخيرين للعهد السابق.
وهكذا بدت خطط عليّ الإصلاحية متعثّرة في أول الطريق، فما كاد يبادر إلى تنظيم جهازه الإداري في المدينة والولايات، حتى نكث طلحة والزبير البيعة، وقد كانت واهية في الأساس، إذا تمّت في صخب الفتنة، من دون أن يلتقي كلاهما على حدٍّ أدنى من الجوامع المشتركة مع الخليفة الجديد. وما لبثت عائشة أن استدرجتهما إلى التمرّد، حيث سبق لها اللجوء إلى مكة، ساخطةً على عثمان، محرِّضة عليه[58]. ثم التحق بهم يعلي بن منية من اليمن ومعه خراجها، ليُستثمر في تمويل حركة اعتراضية على بيعة علي، وجدت في البصرة بؤرة مناسبة لها. والمفارقة، أن القضية المشتركة للمتمرّدين، عبّر عنها شعار الثأر للخليفة السابق: «ائتمروا وأجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان»[59]، حسب الرواية في تاريخ الطبري. وعلى الرغم ما اتّسمت به هذه الخطوة من خروج على وحدة الجماعة، إلا أنها لم تخل من استقطاب ربما أسهمت فيه زوج الرسول أكثر من شريكيها الناكثيْن، ما كان له تأثيره في الدخول إلى البصرة والسيطرة عليها. وكان لا بدَّ حينئذٍ أن يحزم عليّ أمره ويغادر المدينة، وهو مدرك أنه لن يرجع إليها، بعدما فقدت الأخيرة موقعها الموائم عاصمةً للخلافة، وتحوّل الثقل السكاني والاقتصادي إلى الأمصار، في أعقاب حركة الفتوح[60].
ولم يكن لدى الخليفة من الأنصار ما يكفي لإخماد الفتنة الجديدة، ومع ذلك جازف بالخروج، فكانت محطّته الأولى في الربذة، مصرّحاً فيها، بأن غايته الإصلاح ودرء الفتنة[61]، فبايعته طيء، ثم بعد وصوله إلى فيد التحقت به أسد، حتى إذا بلغ ذي قار وجّه الأشتر إلى الكوفة، حيث تردّد إليها أيضاً محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عباس، إضافة إلى محمد بن جعفر والحسن بن علي وعمّار بن ياسر[62]. وقد نجح هؤلاء في جمع بضعة آلاف على رأسهم القعقاع بن عمرو وعديّ بن حاتم والمسيّب بن نجبة ويزيد بن قيس وحجر بن عدّي[63]، ممّن غدوا وآخرون رموز التشيع في الكوفة. وكان للأشتر دور أساسي في تحشيد القبائل من اليمن ومضر، فلم يكن «يمرّ ـ حسب مروية ابن الأثير ـ بقبيلة فيها جماعة إلّا دعاهم، ويقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى... إليه في جماعة من الناس، فدخله وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبّطهم[64]، والحسن يقول له: اعتزل (يقصد الأشعري) عملنا وتنحّ عن منبرنا، وعمّار ينازعه.. فنزل أبو موسى، فدخل القصر، فصاح به الأشتر، أخرج.. ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى فمنعهم الأشتر»[65].
وما زال الأشتر وأصحابه يجدّون في حشد الأنصار حتى بلغوا اثني عشر ألفاً[66]، حسب الرواية السالفة، ما عزّز جبهة الخليفة الذي كان من الصعب عليه تحقيق نصر من دون مساندة الكوفة بعد انضواء عدد كبير من قبائلها إليه. ولذلك غادر مطمئناً ذي قار إلى البصرة، وهي على الرغم من خضوعها للمتمردين، لم تكن بأكثريتها مقتنعة بالشعار الذي استخدمه قادتهم وهو الثأر لعثمان، فيما كانوا قبلاً من أشدّ المحرّضين عليه[67]، في الوقت الذي طغى شعار «الإصلاح وإطفاء النائرة» على خطاب علي[68]. وكان يعني ذلك أن تبايناً واضحاً ساد بين فريقين، أحدهما يتسلّح بشرعية الخلافة ومعها الدعوة إلى السلام، والثاني تغلب عليه نزعة العداء لعلي، مدافعاً في العلن عن شرعية فقدت وجودها، ويُخفي في الباطن توقاً إلى السلطة والنفوذ. كما أن التوازن بعد مدد الكوفة، اختلّ بينهما، إذ قدّر الطبري في روايته أن سبعمائة فقط من أهل المدينة ومكة[69]، انضموا إلى الحركة الانفصالية، ولم يلتحق بها في البصرة أكثر من ثلاثة آلاف[70]، ولذلك لم تدم الحرب سوى أربع ساعات[71] بحسب رواية اليعقوبي، كانت كافية لاندحار الحركة وقتل رمزيها: طلحة والزبير، فيما أُسرت عائشة وأُعيدت مكرّمة، بشفاعة كونها زوج الرسول، إلى مكة[72]، وقد عهد علي إلى الأشتر القيام بهذه المهمة[73].
بعد ذلك أعلن الخليفة انتهاء الحرب من دون تداعيات سلبية، وفاقاً لتشريعه المعروف بـ «قتال أهل القبلة»: (لا يُجهز على جريح ولا يُتبّع مولٍّ، ولا يُطعن بوجه مدبر، ومَنْ ألقى سلاحه فهو آمن...)[74].. والصراع كان سياسياً ولم يُحسم في هذه المعركة، ولكنه ابتدأ فعلياً حينذاك، ممهّداً لنهاية مأسوية للخلافة التي انحرفت عن مضمونها القيمي، وباتت مجرّد ملك وراثي عضوض.
صفحة 8
جرت وقائع معركة البصرة (الجمل) في العام التالي لخلافة علي (36هـ)، ولم يبغته الأمر الذي طالما اعتاده، بعدما تكتّلت ضده قريش بمهاجريها الكبار، وجمهورها غير «المهاجر» لإقصائه عن الخلافة، حتى إذا آلت إليه، وقد استنفدت ذاتها، كانت الحرب وسيلتها لإسقاطه. ولكنه، مكتنهاً ما عظُم من التحديات الآتية، لم يُخلِ الساحة للمتآمرين عليها، ولم ينثنِ عن ركوب الخطر من أجل المبدأ الذي رسخ في وعيه المبكِّر، قضيةً غير قابلة للمساومة، ودائماً كانت النخبة سبيله إلى بناء المجتمع القيمي على قاعدة العلم والعدالة. هذه النخبة التي اختارت ركوب الخطر معه، واختبرها في حرب البصرة، كانت ما يُعوّل عليه ضد أولئك الذين قلبوا المفاهيم وعبثوا بالمصطلحات، وحوّلوا الباطل حقاً.. هؤلاء ـ كما وصفهم ـ «اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً، واتخذهم له أشراكاً.. فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزّلل وزيّن لهم الخطل»[75].
وكان الأشتر من صفوة هذه النخب التي أنتجتها حرب البصرة، حيث كان المقدام فيها، وكشف فيه الإمام مقاتلاً جسوراً وعقلاً راجحاً مفعماً بالإيمان، فبات الأقرب إليه ورجل المهمات الصعبة مما يفسّر عدم اندراجه بين ولاته، باستثناء حالات وقتية، حين عيّنه على الجزيرة[76]، أو على مصر[77] في مهمة لم تكتمل فصولاً، للحؤول دون سقوطها في يد معاوية الذي استخدم شتى الوسائل لفكّ الحصار عن الشام. وفي مروية ابن الأثير ما يعبَّر عن قلق معاوية الشديد في هذا الصدد خصوصاً إبان ولاية قيس بن سعد ـ وهو من صقور الإمام ـ عليها، «مخافة أن يُقبل علي في أهل العراق، وقيس في أهل مصر، فيقع بينهما..»[78].
ولقد تآمر على قيس خصوم له في جبهة الإمام، في وقت كان معاوية يحاول إغواءه بالانضمام إليه. ولكن قيساً على الرغم من تذمّره ممّن انتقدوا طريقته في إدارة ولايته، ما لبث أن تخلى عن منصبه، من دون أن يتخلى عن ولائه الشديد للخليفة.
ولعل إثارة هذه المسألة، كان القصد منها، الوقوف على تركيبة الجبهة العراقية غير المتماسكة، وضعف الولاء للقيادة فيها. فثمة شخصيات خضعت لاجتهادات خاصة بها، وثمة قبائل ما انفكّت تستفزّها العصبيات، أكثر مما يعنيها الالتزام بالمبدأ. وكـان اختيار جرير بن عبد الله البجلي، رسولاً للحوار مع والي الشام، يعكس واقع الجبهة المضطربة في الكوفة، إذ قدّم نفسه لهذه المهمة، بناءً على أن جلّ قومه مع معاوية، وقد ينجح في جمع كلمتهم على طاعة الإمام[79]. ولكن الأشتر حذّره منه قائلاً ـ حسب رواية اليعقوبي ـ «لا تبعثه فإن هواه هواهم»[80]، إلا أن الإمام، انطلاقاً من إدراكه المسبق لموقف معاوية الرافض للحوار، سواء أكان الموفد إليه معتدلاً أم متشدّداً، أجاب الأشتر: «دعه يتوجه، فإن نصح أدّى أمانته، وإن داهن كان عليه وزر من أؤتمن ولم يؤدِ الأمانة وأوثق فخالف الثقة فوالله ما أردتهم إلّا على إقامة حقّ، ولا يريدهم غيري إلّا على باطل»[81]. وفي النتجية كان الفشل الذريع ما أصابه جرير، وبالتالي كان ذلك إيذاناً بالحرب.
وهكذا كان الخيار الذي لا بدَّ منه، وقد عبّر عنه الإمام في ما يشبه الدعوة إلى التعبئة، كما جاء في رواية الدينوري: «أيها الناس سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار...»[82]. وما كاد ينهي كلامه، حتى انتفض رجل من فزارة، وكانت الأخيرة أيضاً على جبهة الشام، مخاطباً الإمام قائلاً: «أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم.. لا نفعل ذلك »[83]، وكان الأشتر حاضراً، فلم يتردد في قمع «تمرّد» الفزاري[84] المشبوه، في تثبيطه القبائل التي كان لبعضها امتداد على جبهة الشام، وجاء ذلك بمثابة رسالة للمتخاذلين، المؤيدين ضمناً لموقف الفزاري السالف، فسارعوا حينئذٍ إلى الانتظام في خيار الحرب. ولقد تعملق الأشتر في تلك اللحظة الحاسمة، فلم يخدش حماسته شيء مما جرى، مقلِّلاً من شأنه، كما بدا ـ حسب رواية الدينوري ـ في قوله للإمام: «لا يُؤيسنك من نصرتنا ما سمعت من هذا الخائن، إن جميع من ترى من الناس شيعتك، لا يرغبون بأنفسهم عنك، ولا يحبّون البقاء بعدك، فسرْ بنا إلى أعدائك، فوالله لا ينجو من الموت من خافه، ولا يُعطى البقاء من أحبه، ولا يعيش بالأمل إلّا المغرور»[85].
ولم يطل الأمر حتى بدأ المقاتلون يتجمّعون في معسكر «النُخيلة»، وما لبث الإمام أن غادر الكوفة مستخلفاً عليها أبا مسعود الأنصاري، أحد السبعين الذين بايعوا الرسول في العقبة الثانية[86]. ثم تابع المسيرة حتى «البليخ»[87]: وعبر الفرات بواسطة جسر أُعدّ لذلك، موجّهاً اثنين من قادته: زياد بن النضر وشُريح بن هانئ، بعدما بلغه خبرٌ عن تقدّم أبي الأعور السلمي في عدد كبير من فرسان الشام. فسارع إلى إلحاق الأشتر، بزياد وشريح، قائداً عليهما، حيث جرى اقتتال شديد، لم يجد السلمي بعده سوى التراجع منسلّاً في الظلام إلى معسكره»[88] وحينذاك بدأت حروب صفين.
ليس يعنينا الدخول في تفاصيل ما جرى من قتال، في ذلك المكان القريب من الرقّة على الفرات، فهي معروفة ومتداولة في المصنفات والأبحاث، وإنما هدفنا من ذلك، الإضاءة على شخصية استثنائية، تجذّرت عقيدة ومبدأً في خطّ الإمام، ولم تفارقه حتى فصل بينهما الموت، عنيتُ بها الأشتر الذي لم يلحج قط سيفه.. إلّا بعد سقوطه ضحية مؤامرة ممّا ألفه معاوية في تصفية أعدائه[89]. حينذاك أدرك الأمام أن الحرب انتهى نصفها الآخر، بعدما تضعضع الأول في مؤامرة التحكيم. كان ثمة قادة عظام، قاتلوا واستبسلوا واستشهدوا تحت لواء الإمام في صفين، ولكن الأشتر كان الأكثر حضوراً في ساحاتها، حيث واكبها بذاتٍ متوثَّبة صافية، قائداً على الميمنة دائماً، ومحرّضاً على القتال حيث يجد استرخاءً أو تلكّؤاً، ومعترضاً على التحكيم الذي وجد وفيه هدراً للوقت لمصلحة معاوية. ولقد صدق الأخير في وصفه الأشتر باليد اليمنى لعلي، الذي شعر لأول مرة بالانكسار، وتكشّفت سافرةً أمامه الحقائق، بأن لا حقّ بعدُ يؤخذ بناصيته، وأن الباطل ماج في النفوس غيّاً وفساداً، وأن الإسلام ينكفئ قيماً، إلى شعارات جوفاء.. فما أقسى ذلك على أول المؤمنين به، المولود في الكعبة، الناشئ في بيت الرسول، والداخل إلى «مدينة العلم» من بابها العريض، فلو انكشف له الغطاء ما ازداد إلَّا يقيناً.
أما الأنموذج فكان الأشتر، كما عصب النخبة التي راهن عليها الإمام، وهو مقبلٌ بغير حماسة على البيعة بالخلافة[90]، ومُكتنه سلفاً أنها طريقٌ موحشة لا يبدّد ظلمتها سوى أولئك الذي عمرت قلوبهم بالإيمان و«هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون»[91] كما وصفهم في «نهجه البليغ»، تلك هي النخبة التي ناضل من أجلها، وتوالدت على هذه الصورة عبر الأزمنة، وكان الأشتر من رموزها الكبار. وقد ورد عن الأخباري أبي مخنف أنه «عُثر، بعد هلاك الأشتر في جعبة مولى له، على رسالة كانت موجّهة إلى أهل مصر، وفيها: «من عبد الله أمير المؤمنين إلى أمّة المسلمين الذين غضبوا لله حين عُصي في الأرض وضرب الجوْر بأرواقه على البَرّ والفاجر، فلاحقّ يُستراح إليه، ولا منكر يُتناهى عنه.. فقد بعثتُ إليكم عبداً من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر، أشدّ على الكفّار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيف من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحدّ، فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلّا بأمري، قد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم، وشدّة شكيمته على عدوكم، عصمكم الله بالهدى وثبَّتكم على اليقين»[92]. إنها شهادة لم يفز بها أحدٌ غير الأشتر من أصحاب علي الذي اصطفاه منذ الفتنة الأولى، فلم يُبدِّل مذّاك خطّ سيره، ولم ير إلى غير الحق سبيلاً ونهجاً.. ولعله حين شعر بالسّم يسري في دمه، تجرّع الأسى، مؤثراً حينها لو كان ذلك في ساحة الحرب، المكان الطبيعي لنهاية أمثاله العظماء.
صفحة 9

الفصل الثاني

الأشتر في «النهج»

لفت الأشتر الأنظار منذ فتوح الشام، حيث تردّد اسمه في معركة اليرموك[93]، ومن ثمّ أحد قادة الحملة التي تعقبت فلول الروم، قبل أن يندرج بهذه الصفة بين الفرسان الملتحقين بقوات سعد بن أبي وقّاص في العراق، في القادسية إلى جانب هاشم بن عتبة والأشعث بن قيس وقيس بن هبيرة[94]. وباستثناء هاشم وهو ابن أخي سعد، المتحدّر من «زهرة» القريشية، كان الآخرون ينتسبون إلى نخع وكندة ومراد من القبائل اليمنية التي انتشرت بكثافة في الكوفة، امتداداً إلى البصرة، فالمشرق الإسلامي.
يغيب اسم الأشتر بعد ذلك، وربما كان الأمر خاضعاً لتركيبة الجيوش، المتشكلة من وحدات قبلية، لكلٍ منها رئيسها الذي يتلقى الأوامر من «أمير الجيوش»، ولم يكن الأشتر حينذاك رئيس قومه في القادسية، وإنما انعقد لواء نخع لزيد بن عبد الله. ويروي الدينوري أن زيداً كان «صاحب الحملة الأولى وكان أول قتيل، فأخذ الراية أخوه أرطأة فقُتل..»[95]، مما يعني أن الدور الطليعي كان لفرسان نخع في هذه المعركة. بيد أن الروايات تقتضب في التفاصيل، مركّزة على القادة الكبار، ممن ينتمون غالباً إلى المهاجرين وقليلاً جداً إلى الأنصار، فيما يأتي في الصف الثالث رؤساء القبائل، ولكن الأخيرة لم تعدم قيادات أبلت في الحروب، من دون أن تنعقد لها الرئاسة، وربما أغفلت الروايات التاريخية التنويه بها. وفي المحصلة فإن شخصية قيادية مثل الأشتر، لا بدَّ أن تكون في صميم تلك الفتوحات، حتى فتور حركتها خلال عهد الخليفة عثمان، وحينذاك أخذ دورها في السطوع، مناضلة ضد التسلّط والاستئثار انطلاقاً من الكوفة.
ولعل الهدف من إعادة تظهير الدور القيادي للأشتر، الدخول على نطاق أوسع إلى عالمه المفعم بالفروسية، مجاهداً قيمياً، كانت الثورة على الظلم من أبلغ سماته، ملتقياً هنا مع خطّ الإمام، حتى قبل تعرّفه في المدينة. فلم تكن لدى الأشتر طموحات شخصية، وإنما على مدار التجربة ما انفك ذلك المناجد تحت رايـة الإسلام وتصويب مسيرتـه، ما ابتغاه من قبل ومن بعد، وما كانت المناصب تعنيه، حتى في خلافة علي الأكثر اندراجاً فيها. فقد كان خياره حاسماً في الانحياز إلى الإمام، إلى السلطة العادلة المائجة في خطابه، لا سيما تلك الكلمات التي رسخت يقيناً في عقله: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا يقرّبان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كلّه، كلمة عدل عند إمام جائر»[96].. لقد عرف الأشتر إذاً أن يختار، والأفضل هو ما ارتقى إليه، ولم ينشز عن ذلك في سيرته المتخمة بالأخطار من كل صوب.
لم يألف الأشتر غير جبهات الحرب، والأخيرة ما انفكّت طاغيةً على عهد الخليفة الإمام، الذي ألف بدوره صاحبه الشكيم، الحاضر الذهن، النقي الإيمان، الراجح الرأي، فاستبقاه معه، قائداً ونصيحاً في آن. ولم تكن سوى مرة واحدة فارقه فيها لمهمة عصي حلّها على غيره في مصر، حيث اغتيل قبل وصوله، كما لقي هذا المصير محمد بن أبي بكر، إذ تربص به أحد الموالين لمعاوية (معاوية بن حديج الكندي) وقتله على صورة مريعة، بعد اتهامه بالتعصب ضد اليمنية[97]. وكان الإمام أوفد الأشتر إلى مصر في وقت كان يجري الإعداد للتحكيم، وتشتد الحاجة فيه إلى وجوده، مما يرجح أن إيفاده إلى مصر لمعالجة أزمتها وليس عاملاً عليها. وكانت مصر تشكّل حلقة التوازن الأخيرة في الصراع بين علي ومعاوية، أو لنقل آخر الأوراق في يد الخليفة، خصوصاً بعدما ظهر من اختراق واضح لجبهته، أدى إلى فرض «التحكيم» عليه، ما يبدو في اختيار الأشتر، رسولاً إلى مصر، وفي محتوى الكتاب ـ المشار إليه سالفاً ـ الذي حمله معه، ما يعبّر عن ثقته المطلقة بصاحبه، عاقداً عليه الآمال الكبار لإحباط المؤامرة من جانب معاوية للسيطرة على مصر.
* * *
ولو سبرنا كتب الإمام وتوجيهاته لعمّاله وقادته وأصحابه، لن نقع على مثل هذا الكتاب، ليس فقط في بلاغته وعمقه فحسب، بل في ما يكنّه الإمام في نفسه من تقدير لقائده الأثير، حين يصفه بأنه «سيف من سيوف الله». هذا «السيف» افتقده علي في وقت نال الوهن أشده من جبهته، ولا نبالغ في القول إن مصر حدّدت مسار الصراع لغير مصلحته. فمن التحكيم، إلى تمرّد الخوارج، إلى تصفية الأشتر، لم تعد مجدية متابعة الحرب التي امتد أوارها إلى العراق، واتخاذ الصراع منحى عراقياً ـ عراقياً، منحرفاً عن منحاه الأساسي في الشام، إذ كان ذلك يحتاج إلى إعادة نظر في بناء قوته العسكرية، وهي في تكوينها وحدات غير متجانسة ليست مؤهلة بعد لمواجهة جيش قوي ومتجانس في الشام. فكان لا بدَّ من الانتظار، من دون أن تُفهم المفردة الأخيرة على أنها تسليم بالأمر الواقع، بقدر ما هي تحفّز للثورة عليه، واستعادة لزمام المسيرة، والنخب لا تزال معقد الآمال.. فهل بقي من العمر متّسع لذلك؟ لعل معاوية، أكفأ من يجيب عن مثل هذا السؤال؟
بين الإمام والأشتر «كتاب» و«عهد». وإذا كان الأول مبتسراً في التنويه بصفات موفده، معوّلاً على شجاعته وحكمته، فإن الثاني كان من الإسهاب والعمق، ما جعله نصّاً مُميّزاً في «النهج»، وهو «أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن» كما جاء في تقديم الشيخ محمد عبده له[98]. وقد استهلّه بالأمر «بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسُنته.. وأن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها[99] عند الجَمَحَات، فإن النفس أمّارة بالسوء إلّا ما رحِم الله.. فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشحّ بنفسك عمّا لا يَحلُّ لك.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم»[100]. والإمام الذي يسكن الله في عقله، لا ينفك يتحدّث بكتابه، ويقبس من نوره النهج القويم لكل حاكم بما يحدّد علاقته بالرعية، فلا ينزع إلى الاستئثار والاستغلال (فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يُطامِن (يخفض) إليك من طِماحك، ويكفّ عنك من غربك ويفي إليك بما عَزَب عنك من عقلك)[101].
صفحة 10
فاللطف والرحمة وعدم الاغترار بالنفس وممالأة الخاصة، وتجنّب الظلم، هي مفردات طالما طفحت في نصوص الإمام، ومن دونها يتوه الحاكم، خليفةً أو أميراً عن المقصد وتلتبس عليه معالم الطريق، «والله ـ يقول الإمام ـ سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد»[102]. ولا يظنّن أحد ممّن تغويه السلطة وينأى عن الشعب، أنّه في حصن مكين. فهي معادلة ساقطة مهما تتالت الحِقاب والأزمنة، لأن الأمة لا تعدم استيلاد قادة نورانيين، ويبقى «يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم»[103]، كما في قول آخر في «النهج». هكذا رأى الإمام إلى السلطة، قارئاً بتمعن صيغتها في «الكتاب» ومستلهماً صورتها الرسولية سلطةً تقوم على العدل، وحينئذٍ يتوهج العقل بنور إلهي، مُنفتحاً على الحوار، مُوقّراً إنسانية الإنسان: «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحقّ وأعمّها في العدل وأجمعها لرضا الرعية، فإنّ سخط العامة يُجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يُفتقر مع رضا العامة»[104].
تلك هي المعادلة الثابتة في خطاب الإمام، مؤسسة على ثلاثة أركان: «أوسطها»، بمعنى «القطب «ما بين طرفين»[105] وليس وسطاً بينهما. وفي معجم ياقوت منسوباً إلى الإمام: «خير الناس هذا النمط الأوسط، يلتحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي»[106]، و«أعمّها»، فلا يُستثنى أحد في العدل، و«أجمعها»، بما يؤدي إلى «رضا الرعية»، ويطابق بين الخاصة والعامة في مواجهة تحديات الأمة، وإن بدرت منها (الرعية) شوائب، فالوالي «أحق من سترها»[107]. وليس المقصود هنا إخفاءها أو تجاهلها، ولكن من شأنه ترويضها في الاتجاه الصحيح، كابحاً بحسن سيرته أحقادها وعصبياتها، مدقّقاً في كل ما يُرفع إليه من تقارير، قد تخفي تملّقاً أو تكاذباً من حواشيه. فالإمام في هذا السياق يحذّر ـ وكلامه موجّه دائماً إلى الأشتر ـ قائلاً: «لا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويَعدِك[108] الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يُزيِّن لك الشّره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظنّ بالله»[109]. ومن اللافت أن البخل كثيراً ما تردّد في «النهج»، مقترناً بأقبح صفات الرجال، لا سيما ذوي الأمر منهم، ومن ذلك، ولعله الأكثر عمقاً وشمولاً: «البخيل جامع لمساوئ العيوب»[110].
لقد حظي عهد الأشتر باهتمام خاص من الفقهاء والمؤرخين، ممّن خاضوا في موضوعة الفكر السياسي والإداري عند الإمام، ولذلك انتصافاً لهذه الشخصية الفذّة، وبحافز الإضاءة عليها، بما يقارب دورها التاريخي، توخّينا رصد ما أمكن من تفاصيل، ليست تخصّها فقط، ولكنها معنية أيضاً بالأشتر الابن الذي أغامت أخباره، وكان أقلّ حظّاً من أبيه في الدراسات التاريخية. فقد أحاطت بالإمام شخصيات استثنائية، مثل عمّار بن ياسر وقيس بن سعد وحجر بن عدي وسليمان بن صُرد ورفاعة بن شدَاد.. ولكن الأشتر كان الأكثر تميّزاً في حضوره، رجل حرب ومهمّات صعبة، وعقيدة راسخة، إلى حكمة وصدقية قول وفعل. لذلك اصطفاه الإمام ومنحه كل ثقته، وقال فيه كلاماً لم يقل مثله في الآخرين.. والعهد يبقى الأنموذج في هذا المجال، وقد صاغه على نحوٍ من العمق والبلاغة، بمستوى ما يمثّله الأشتر في نفسه، وبقدر ما تحمله المهمة التي انتُدب إليها من خطورة كان الأجدر في التّصدي لها.
ولعل القراءة المتأنيّة في «العهد»، تكشف ما يتعدى الوصايا والكتب التي اعتاد الإمام توجيهها إلى عمّالـه وقادتـه، أو حتى المنافثات الخاصة، كتلك التي أفضى شيئاً منها إلى النّخعي الآخـر الأثير، كُميل بن زياد، عن العلم والعلماء[111].
ولطالما ربط الإمام بين العلم والسلطة، أساساً للعدالة التي ضلّ طريقها الجاهلون، فأخفقوا. أما الذين استبروها بالعلم فساروا في الطريق الصحيح، ومن «علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم»[112] على حدّ تعبيره. ومن هذا المنظور و«العهد» المتفرّد بهذا العنوان، يشكّل نظرية كاملة للسلطة العادلة التي استشرفها الإمام من تجربة مفعمة بالمعاناة ومثقلة بالتحديات، منذ أن تفتّح عقله مبكّراً على الإسلام، وكان الأشتر أول المنضوين في خطّه من عرب الأمصار، فلم يسر في غير طريق الحق والعدالة.
ولقد سبق أن ضاق الخليفة عمر بالمتزلفين من حوله، ومنهم عمّال شذوا عن «الطريق» فاتّبعوا أهواءهم على حساب مصالح الأمة، ولكن كان شديداً عليهم، وبثّ عيونه لرصد سلوكهم، ومحاسبة المستغلين منهم، حتى «ملّته» خصوصاً قريش، فلم يجد سوى علي نصيحاً، فاختاره للقضاء[113]، وأخذ برأيه، من دون الذي استشارهم من كبار الصحابة، عندما قرّر الشخوص إلى العراق لقيادة الحملة إلى بلاد فارس بعد عزله سعد بن أبي وقّاص[114]، ولم يخيّب علي ظنّ الخليفة فيه.
وفي هذا السياق، يؤكد الإمام على دور الأعوان في جهاز الحاكم، باختيار أفضلهم من المنصهرين في العقيدة، وتجنّب المتملقين الذين «يميلون مع كل ريح»[115] فعمل على تجديد إدارته، مؤثراً ألّا يكون بينها من سبق لهم أن خاضوا تجربة السلطة، ففسدوا وأفسدوها، ولم يصمدوا أمام إغوائها. وفي ضوء ذلك يخاطب الأشتر قائلاً: «إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شرِكهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف، ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم[116] وأوزارهم، ممّن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه: أولئك أخفّ عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عِطفاً، وأقلّ لغيرك إلفاً.. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمُرّ الحقّ لك، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كرهِ الله لأوليائه واقعاً [ذلك] من هواك حيث وقع، وألصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضْهمْ على أن لا يطروك ولا يَبْجحوك بباطلٍ، فإن كثرة الإطراء تُحدث الزّهو وتُدني من العِزّة»[117].
ولعل «العهد» هنا، مطابقٌ للميثاق في تأسيسه لسلطة قوامها العدل، ولن يكون ذلك إلّا بتعميق الولاء العقدي للمجتمع، بما يؤدي إلى ترسيخ القِيم فيه، وفي مبدئها كسر سطوة الظلم وردّ الاعتبار إلى الرعية التي عانت التهميش واستلاب الدور، ما دفعها سابقاً إلى إطلاق صرخة الاحتجاج ضد استعلاء «الطبقة» العليا، المهيمنة على النفوذ والمال والأرض. وفي ضوء ذلك شدّد الإمام على تصويب العلاقة بين الحاكم والرعيّة، على قاعدة الكفاءة والمحاسبة: «لا يكوننّ المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة! وألْزِمْ كلّاً منهم ما ألزم نفسه. واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راعٍ برعتيه من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس [له] قِبَلَهم.. وإنّ أحقّ من حَسُن ظنّكَ به لمن حَسُن بلاؤك عنده، وإن أحقّ من ساء ظنُّك به لمن ساء بلاؤك عنده»[118]. ولكن الإمام ينبّه الأشتر، إلى أن في ما سلف من التجارب جدير باقتدائه، وليست ثمة قطيعة، إلّا مع الانحراف: «لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الأُلفة، وصَلَحَت عليها الرّعية، ولا تُحْدثنّ سُنّةً تَضُرُّ بشيء من ماضي تلك السُنن، فيكون الأجر لمن سَنّها، والوزر عليك بما نَقضتَ منها»[119].