صفحة 1
حزن ليلى : طفول
زرقةُ البحر قامَتْ
على كَتْفِها طفلتانْ
طفلةٌ قبَّلتني ونامَتْ
حقولَ (بَبايٍ)* حزينٍ بحضن المروجْ
طفلةٌ عذَّبتني طويلاً طويلاً
ولمّا تَنَم·
قمتُ منْ جنبها مُثْخناً
طاعِناً في هموم الشَّرار
كانتِ النارُ بابَ الخروج
كانتِ النارُ باباً اليها يَقُود
قمتُ من جنبها مثخناً
رافقتني إِليها المواني
وسُمْرُ الأقاحي، وجرحُ الغيومِ
التي غافَلَتْها الرعود
متعبٌ، قبَّلتني الجديلةْ
وأوصتْ عليَّ صغارَ الطيور
دامعٌ قلبُ ليلى، وليلى بِها
حزنُ طيرٍ شريد
صفحة 2
وطيرٍ ينامُ عليه الحديد
وطيرٍ على حضنها نازفٍ من قرارِ اللَّهيب
دامعٌ قلبُ ليلى· أنا عاشقٌ
طاردتني كلابُ القبيلةِ كلَّ العهود
تقاطر عشقي إِليها، تواصلَ موتاً - حياةً
تداخلَ حتى ارتعادِ النجومِ، وحتى انفلاتِ
النيازكِ، حتى انفجارِ القلوب
كنتُ فيها أذوب
صدِّقوا رؤيتي، فالمدى أحمرٌ من دماءِ الورودِ
التي فاجأتها البنادقْ
ومن مُهَجِ الطيرِ، ذاك الذي لم يَبِعْ ريشَهُ، لَمْ
يَبِعْ صوتَهُ في المَزاد
صدّقوا ما تقولُ عيونُ القواقعِ في
هَمْهَماتِ الخليجْ،
فتلكَ التي لم أخُنْها، ويكبرُ في عُنفِها ساعِدي
لن تكونَ التواصُلَ والاجتياحَ
اذا لم تكونوا جميعاً على الموعدِ·
دامعٌ قلبُ ليلى، وكنتُ أُسَرِّحُ شعرَ طفولْ
وكانت طفولُ تنادي أباها الذي غيَّبوهُ، وتمسَحُ
للياسمينِ البريء شذى دَمعِهِ
قامَتِ الرَّملةُ اليابسةْ
تستقي الوُدَّ، تنمو على حُضْنِها مُعشِبَةْ
صفحة 3
أمطر الصيفُ من شرفة الانتظار،
تنادي أباها طُفولُ، وترسمُ في الرمل شمساً
وترسمُ نَخْلةْ
وسهماً وحيداً يقود الى جهةٍ خامسةْ·
أُمُّها أيقنت، جرح عصفورها لم تُخنْهُ البلادُ التي
أسرجته جواداً جَسوراً، يمرُّ بها من زمان التَّوجُّسِ
والاندحارِ، ويعبر كل الجُسورِبه الدَّمُ تعرقُ فيهِ
رياحُ الحضورِ المليءِ خصوبةْ
وتَلْبَسُ كلُّ الجراح ندوبهْ
وتنضحُ كلُّ الشوارع زيتاً لتجعلَ من خيطِ معطفِه
شمعةًجدولاً من لهيبْ
فاستَرحْ يا ترابَ الخليجْ
واشربِ الحرقةِ اللاهبةْ
سوفَ يَرْشَحُ يوماً
لكَ الطوبُ في الأبْنيةْ
رغوةَ الشمسِ والياسمينِ
وخطْف البريقْ
إسترحْ، يا ترابَ الخليجْ
إسترح، يا ترابَ الخليجِ،
انتظرني·
16 يوليو 73
صفحة 4
آثار أقدام على الماء
وانتظرناكَ طويلاً
أنا واللَّيلُ وجدرانُ المدينةْ
والشّبابيكُ وكلُّ الطُّرقات
واستحالَ الصَّمتُ في الأشياء
من حولي عيونْ
ينبضُ الشَّوقُ على أجفانها نبضَ ارتقاب
وانتظرناكَ مع النجمِ تجيء
من خلالِ السُّحُب الدَّكناءِ يَجلوها الشمالْ
واشتممنا
زخَّةَ العطرِ من الفجرِ المحنّى
علَّكَ الآتي مع الشمسِ تُضيءْ·
زُمَرُ العشَّاق ما بين دُخانٍ ورمادْ
مرَّتِ اليومَ، وما كنتَ على الحدِّ الرَّهيفْ
تحملُ العشقَ لمعشوقٍ أسير
بضَّعَت فينا الأقاويلُ الكثيرةْ
أورقتْ فينا شُجيراتُ السَّراب
فتهاجسنا، اختبأنا في شقوقِ الانحسار
وانتظرنا أُمَّكَ المحروقةَ النبضِ يَعودْ
بحثُها الخاوي على عُريِ الزِّقاق
تَلْمحُ الماشينَ في البعدِ حَزينةْ
تسأل الجدرانَ: هل عاد عُبَيدْ؟
صفحة 5
غائرٌ وقعُ الثواني
وأنا أركضُ في وجهِ الرِّفاق
أنبُشُ الثورةَ فيهم والتَّعَبْ
أتملّى في تقاطيعِ الغضبْ
علَّ جرحاً شال جُرْحَكْ
- منْ تُرى شالَ عن الجرحِ التُّراب؟؟
- أخذوهُ والجراح
أحْكمَ التصويبَ جنديٌ أجير
داسَ أنقاضَ المصابيحِ
وَفَتَّ الزهَراتْ
خَرَّ في الساحةِ نَجمٌ
صبغَ الأرضَ تلوّى واستراح
وتفرَّقنا على كلِّ الجِهاتْ
ليتَني أمتَلِكُ اليومَ سِلاحْ·
كانَ يوماً نابضاً من شَهر مارِسْ
حينَ قالت نخلةٌ عطشى : ظَمِئنا
وتحمَّلنا كثيراً
شَدَّ رَحْلُ الصمتِ
ماتَ الصبرُ منْ حَرِّ الظمأْ
وعيونُ الماءِ تجري عَذْبَةً
تهدُرُ الخِصْبَ على قاعِ البحرْ،
نَهمَ الأشداقِ يأتي الملحُ، عَبْر النُّسغِ،
لكنْ كلُّنا نُعطي الثَّمَرْ·
هَتَكَتْ سُورَ البساتينِ تغنَّتْ
جاءَ مرضوضَ الصدى وقعُ الحروفْ
صوتُها مرَّ برجلينِ يطوف
فوقَ أمواهِ الخليج
صفحة 6
حاصرَ السَّاحلَ غنّى بالثُّبور
فاستطالتْ نحوَ قلبِ الشمس هاماتُ النخيلْ
كبُرَتْ بِنتُ البساتينِ تنامَتْ
في رياحِ المستحيل
طفلةٌ غرثى، ومرَّتْ بانتهاكاتِ العصور
داسَها حافِرُ خيلٍ مرَّ في جوفِ قَتيلْ
مَرَّةً تُجبى لذي الوجهِ الدَّميم
مرةً تغدو على النَّطعِ فناراً
لأساطيل التَّتار
مرةً تغدو فَتيلْ
وطعاماً للمدافِعْ
وحزازاتِ السُّيوف
ومتاريسَ أمانٍ قبلَ جدرانِ القِلاعْ
طفلةٌ غَرثى ومرَّتْ بانتهاكاتِ العصور
داسَها حُزنُ جَوارٍ كُنَّ في الأسرِ ظِماءْ
وعليها فَرَّخَ الجُدريُّ آلاف البُثُور
وتغذَّى جرْحُ مسمارِ حِذَاءْ
كَبُرتْ بنتُ البساتينِ تنامَتْ
في رياحِ المستحيلْ
كانتِ السُّقيا دماءْ،
كنتَ (عبد اللهِ) (1) تاريخاً من الذُّلِّ
وللفقرِ وعاء
رافضٌ أنتَ، ومرفوضٌ عنيد
عبرَ تاريخ الولاء
إنَّني اليومَ تذكَّرت أباكْ
صفحة 7
حينَ لم يقوَ على كسرِ الحديد
يومَ أن جرُّوهُ صبحَ الأربعاء
وعلى الأرضِ أمامَ الجمع، في السوقِ الكبيرْ
أكلتْ فيهِ الجريد
رطبةً خضراءَياما أكلتْ فيهِ الجريد
مِرْجلا كانَ على النارِ، وبعضاً من تراب
شدَّ في كلتا اليدين
عندما قال : أُريد
إي وَحقّ الشمس إذْ تُشرقُ يوماً
إنَّني دوماً أبوها، وأُريد،
فاذا مُتُّ، سأحيا
كلَّ يومٍ سوف أحيا من جديد·
قطراتٌ من دمائِكْ
صَبَغَتْ حائطَ بيتٍ في طريقٍ للمدارس
وصدى طلقة نار
سجَّل الرابعَ والعشرين صُبحَ الأربعاء
كانَ يوماً نابضاً من شهر مارِسْ
أعزلا مرَّ هنا
يافعاً بين الزحام
عندما اجتاح لظى النِّيران أشتات المواكِبْ
واقفاً ظَلَّ ونادَتْ
صرخَةُ المحكومِ : كلاَّ·
أيها الأطفالُ في كلِّ زمانٍ،
آهِ، ما جدوى حَياتي؟
أُطْلِعُ الشمسَ، وإلاّ
شَمْعَةً أوقِدُ في قلبِ الظَّلامْ·
صامداً ظَلَّ، وطاشَت مِنْ وَجَلْ
لاصَقَ الحائِطَ وَهْناً
قَبَّلَ الأرضَ طويلاً
واشْتعَلْ ·
مارس 71
صفحة 8
لغة الظمأ الأرجواني
كل رأس مرَّ في النارِ
لكي تبقى على الأرض الزهورْ
هو عنواني وإسمي
صار إِسمي في ملفَّات التحرِّي
نجمةً تشعل أطراف الفتيلْ،
تصفع العتمَ، تغني
وتضيء الانتظار·
وأنا أُمِّيَ من عصرٍ إلى عصر سبيَّةْ
وأبي في البَرِّ بستانٌ مصادرْ
واحتراق يلهب الأصدافَ دُرّاً
ووروداً دامياتٍ في القَرارْ
فاعتنقني، أيها المدُّ، تواريخَ جديدةْ
وتجسَّدْ عطشَ الأرض التي لم تُروَ منِّي·
كنتُ بالأمس على الشاطىء رملهْ
يغسل الطلُّ على أذيالها ملحَ البحارْ
كنتُ خيطاً في إِزارٍ باهتِ اللونِ
استراحتْ في الثنايا قطرةُ الدَمِّ - الدموعْ
بعضَ شيءٍ من فُتاتِ الصبر في حزن القلوع
حين يرمي الموجُ أوصالَ الرجالْ
صفحة 9
فوق أسيافِ الخليجْ
زفرة الموال شيخٌ عاد من إبْحارهِ صِفر اليدينْ
وأنا خوصةُ نخلٍ في حصير
نثر الموسمُ أولادي عليه
همسُهم جاء صراخاً، وصراخي جاءَ
في الحقل طعين
كنتُ في السوقِ طريقاً
للبغايا والجنود الغرباء
(بعْضُهم مَرَّ بلا بِزَّةِ حربٍ
كان يخفي تحت إبطيهِ السلاحْ
خوفَ أن تُودي بهِ نظرةُ ضيْم)
مُتُّ في الوحشةِ غيمْ
وضبابا وسلالاً خاوياتْ
شيَّعتني وردةُ الدَّمِّ ورمضاءُ الجزيرةْ
حين أرداني الوَباءْ
وتفشّى في القُرى أقصى البلادْ
(عندما ذُبتُ على السعفِ احتضارْ
ما الذي كانتْ تقولْ
نجمةُ الصبحِ لأشجار الحقولْ؟)
ماتَ في الصمتِ جياعُ الفقراء
خَجِلَ الصيفُ الذي جاء ولم تعرقْ
لهُ تلك الجباه
صرتُ شيئاً يتحوَّل
هذه الأنقاضُ حُبلى برمادٍ قابل للاشتعال
صفحة 10
وتوزَّعْتُ على اليُتْمِ صغاراً سافرتْ عنَّا المدينةْ
فارتبكنا لحظةً، ثم اشتعلنا
وتَباعَدْنا، ارتطمنا، وتفرَّقنا شظايا
لامستْ كلَّ جدار
ثم جئناكِ حُليّاً وثمار
وعناقاً لم تذوقي مثله قبلُ
فها أنتِ بأحزانِ المدار·
زهرةُ البَرْسيمِ نامتْ، والحَمامْ
حطَّ مجروحاً على البيضِ ونامْ
(لم يكنْ بيضاً، ولكنْ كانَ باروداً
وأحزاناً، وأشعارَ غرامْ)
أيها الأمُّ الحزينةْ
حزنُكِ الآن شراره
فاسمحي لي، أنا أعطتني الظَّهيرةْ
وَهَجَ الشمسِ، ومنديلَ دموع لم تفارِقْ
في الأسى مُقْلَةَ عينْ·
ها هي النارُ بجوفي، وأنا أصرخُ : لا
كانتِ النارُ على جاري
وها دوريَ جاءْ
وغداً أنتَ الوقُودْ
إعتدِلْ ناحيةَ الليل، تداخَلْ
في الزحام
في الممراتِ، وفوق الأبنيةْ
وتوالدْ في الجذور
وتدلَّ مِنْ سطوح المستحيل