صفحة 1
تقديم
أبعدُ من التعرّف
وليد أبو بكر
لا يمكن التغاضي عن أن صلاح حزيّن علّم كثيرين، منذ وقت مبكّر، الاهتمامَ بالاطلاع على الأدب الذي يكتبه إسرائيليون مرتبطون بطبيعة مؤسستهم الرسمية، حتى وإن تفاوتت قوة هذا الارتباط· لم يكن ذلك من قبيل المقولة الشائعة التي تدعو إلى معرفة العدوّ وحسب، كما كان الحال في اهتمامات فلسطينيّة وعربيّة سابقة بهذا الأدب، ولكنّه جاء كدعوة إلى التعمّق في هذه المعرفة، لأن الحركة الصهيونية، في الأساس الذي قامت عليه، كانت حركة ثقافية، ولأن الثقافة، كما يراها، أكثر مكونات أي مجتمع، قدرة على الكشف·
كنت واحداً ممن تعلّموا ذلك من صلاح حزيّن، الذي يقدّر لي الآن أن أقدّم لبعض ما اكتسبته منه؛ لأنّه رحل قبل أن يعطي هذا الجهد المهمّ الذي أنتجه وحده بإخلاص كبير لما يؤمن به، صورةً أخيرةً للنشر في كتاب، مع أنه نشر كثيراً منه في الصحف والدوريات العربية المعروفة·
بدأ هذا التعلّم حينما شاركت كمعقب على دراسة له حول الأدب الإسرائيليّ، في ندوة حول القضية الفلسطينية في أربعين عاماً، عقدتها جمعية الخريجين في الكويت، في العام 1989، ثمّ نشرت وقائعها في كتاب، أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، في العام نفسه، ضمّ الدراسة والتعقيب·
حين قرأتُ دراسة صلاح حزيّن القيمة، أدركت عمق ما يفعل، ولمستُ فيه قدرة خارقة على المتابعة، ومعرفة واسعة بتطوّرها، ما فتح أمامي باباً واسعاً للتعرّف على هذا الأدب، بعد أن أشعرتني الدراسة بضرورة التعرّف عليه، بطريقة أكثر دقّة مما سبق أن فعلت· وكانت تلك الدراسة، والكتب التي استعرتها منه حول الموضوع، والحوارات التي دارت بيننا بعد ذلك، عوناً أساسياً لي في إعداد كتاب عن صورة العربي في الأدب الإسرائيلي، شاركتُ في جزء منه في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقد في عمان عام 1992، وصدر عن دار الكرمل في عمان، في العام 1994·
كرّس صلاح حزين كثيراً من جهده ووقته لمتابعة الأدب الإسرائيلي، وركض وراء ما يستجد منه، ساعدتْه في ذلك أمور ثلاثة: الأول هو الاهتمام الإسرائيليّ الرسميّ بالترويج لما ينتج من أدب، كنوع من الاعتراف بأهميته، عن طريق ترجمته فوراً، ونشره بعدة لغات واسعة الانتشار، وقت نشره بالعبرية، والعمل (المؤسسي) على التعريف به، من خلال شبكة واسعة ممن يهتمون بمراجعة الكتب في العالم، خصوصاً حين تكون إسرائيلية؛ والثاني هو إتقانه للغة الإنجليزية، التي تخصص بها في جامعة دمشق، وتابع تطوير نفسه فيها بعد ذلك، من خلال قراءاته الواسعة لما ينشر بهذه اللغة؛ والثالث هو عمله في مجلة العربي الكويتية، أوسع الدوريات العربية انتشاراً، إضافة إلى الصحافة الكويتية التي كانت أبرز صحافة عربية، بين منتصف سبعينيات القرن العشرين وآخر تسعينياته، ما أتاح له حركة دائبة في العالم، ظلت تسهل له الحصول على الإنتاج الأدبي الجديد، خصوصاً بهذه اللغة·
ترك صلاح حزين مجموعة كبيرة من الدراسات حول الأدب الإسرائيلي، الذي أتفق معه على التسمية التي أطلقها عليه، وعلى مبرّرات هذه التسمية، التي يتجنبها كتّاب اللغة العبرية، لأسباب كثيرة، لعلّ أهمها هو ذلك الطموح الصهيونيّ في أن تكون فلسطين كلّها ليهود العالم كلّهم (مهما كانت اللغة التي يتحدّثون بها)، لا لمن يعيشون داخلها فحسب، وهو ما يكرّسه لديهم ما يسمى قانون العودة
وأرض إسرائيل لدى الفكر الصهيوني مجرّد مكان ممنوح من ربّ إسرائيل لشعبه المختار· وبذلك فهم لا ينسبون إلى اسم إسرائيل قوميّة يتطلّعون إليها، أو وطناً قوميّاً كما يسمّونه، كما تفعل كل شعوب العالم، كما أنهم فوق ذلك يتناسون ما هو عبريّ، ليكرّسوا الدين اليهوديّ كقوميّة، مع كلّ ما في ذلك من تناقض موضوعيّ وتاريخيّ، يجعلهم يتجنبون أن يسمّوا ما يكتبونه من أدب بأنه يهوديّ، وفي ذلك إشارة واحدة من مجموعة إشارات تؤكد زيف الأسس التي قام عليها كيانهم، وهو واحد من الأمور التي قصدت دراسات صلاح حزيّن أن تشير إليها باستمرار·
صفحة 2
ولأن كلّ واحدة من هذه الدراسات كتبت مستقلة عن الأخرى، ولأغراض نشر في أماكن مختلفة، فقد احتاجت إلى جهد كبير في جمعها، وفي طباعة ما هو مكتوب بخطّ اليد منها، (لأن بعضها يعود إلى وقت سابق على انتشار التعامل مع الحاسوب)، وهو جهد قامت به الكاتبة حزامة حبايب بحماسة تامة، تنطلق من شعورها بأهمية ما تركه هذا المثقف الكبير الراحل من كتابات رائدة في هذا المجال· وقد كان ما قامت به سبباً جوهرياً في عدم ضياع هذه الدراسات، وهو جهد تستحقّ عليه كثيراً من الاعتراف والتحية·
وتذكر الكاتبة أن صلاح حزين، في غير حوار لها معه قبل رحيله، أكد أنه يعكف على تجميع هذه الدراسات في كتاب، وأنه سيقوم بتحديث بعضها وتوسيع بعضها الآخر، والإشارة إلى المصادر التي اعتمدها، وبكتابة دراسات أخرى تتناول مستجدات أدبية إسرائيلية، خصوصاً ما يرتبط منها بالانتفاضة الثانية، مع ما يستلزمه كلّ ذلك من حذف وإضافة· وقد أشار إلى شيء من خطته في فهرس أوليّ سجّله ولم يتمكن من إنجازه، وفي هذا الفهرس تصريح بعناوين مثل: الأدب الإسرائيلي بين انتفاضتين؛ سمات الأدب الإسرائيلي؛ ظاهرة المؤرخون الجدد؛ الشعر الإسرائيلي· ومن أجل ذلك عمل على تجميع عديد النصوص والمراجع، ودوّن عديد الملاحظات في بطاقات بحثيّة، لم يتأتَّ له أن يعمل عليها بعد ذلك·
هذه الملاحظات التي كان يشعر بها الكاتب، استدعت جهداً خاصاً في تطويع موادّ مستقلة لتصبح معدّة على شكل كتاب يملك شيئاً من تناسق كان مؤلفه بالتأكيد أقدر على القيام به·
في مراجعتي للنصوص المتوفّرة، كانت هناك ضرورة لأمرين: الأول هو التخلص من التكرار الذي كان واسعاً، بسبب استقلالية الدراسات كما سبقت الإشارة· وقد استلزم ذلك تفريغ كلّ ما يشكّ بتكراره في ملفّ واحد، بهدف المقارنة، ثمّ اختيار المكان المناسب لكلّ جزء منه، مع حذفه من الأمكنة الأخرى؛ والثاني هو خلق منطق من نوع ما، في تسلسل فصول الكتاب، بالقدر الذي تتيحه هذه الدراسات المستقلة·
وقد تكون هناك ملاحظات لا بدّ منها، تتعلق بما كان من المحتمل أن يتغيّر، لو أتيح للكاتب وقت كي يعيد النظر في دراساته من جديد: الملاحظة الأولى هي أن تغيّرات جذرية طرأت على موقف بعض المؤرّخين الجدد، الذي نبَّه إليه حين كان قريباً من بداياته· وقد حدث لدى بعضهم تحول جذريّ، يمكن اعتباره ارتداداً صارخاً عن المواقف التي أعطت هذه الفئة صفاتها الإيجابية· حدث ذلك بالضبط مع رائدهم بيني موريس، الذي صارت القضية التي تؤرقه تتلخص في القول: كان على الاحتلال الإسرائيلي أن يقوم بطرد ما تبقى من الفلسطينيين، كما فعل مع غالبيتهم، حين كان قادراً على ذلك؛ فبمثل هذا التطهير كان سيخلص الدولة من المشكلة المزمنة للوجود العربي في إسرائيل، الذي يشكل صداعاً مزمناً لها، يهدّد هويتها، إذا لم يهدد وجودها على المدى البعيد·
كما حدث، من ناحية أخرى، استمرار في كشف ما حاول قادة التطهير العرقيّ إخفاءه من ممارسات ارتكبت فيها مجازر إضافية ضدّ الفلسطينيين، وقت النكبة وبعدها، بالإضافة إلى كشف الزيف الذي قامت عليه المقولات الإسرائيلية، وخصوصا مقولة أرض بلا شعب، ومقولة العودة إلى أرض الآباء والأجداد، مع إلغاء تاريخ الشعب الذي يعيش عليها، ما يعني الارتباط التاريخيّ لليهود بهذه الأرض، من خلال أساطير تمّ اختراعها (وفرضها) حول الشعب ذاته أو حول وجوده القديم فيها· وفي هذا الإطار، ازداد عدد المؤرخين والدارسين الذين انضموا إلى الاتجاه النقدي في قراءة التاريخ، قديمه وحديثه·
الملاحظة الثانية هي أن تحوّلات كثيرة حدثت وتحدث باستمرار في مواقف الكتّاب الإسرائيليين، التي تتأرجح باستمرار، حسب مقتضى الحال، ما يجعل الحكم على هذه المواقف مختلفاً عما رآه الكاتب وهو يدرس شيئاً من أعمالهم· ومع أن أعمالاً أخرى كثيرة صدرت لهؤلاء الكتاب، يمكنها أن تؤكّد بعض استنتاجاته، إلا أن أعمالاً أخرى، صدر بعضها متزامناً مع ما توقف عنده، وصدر بعضها الآخر بعد ذلك، قد تحيل إلى مواقف نقيضة، وخصوصاً منها أعمال كاتبين أشار إليهما، هما عاموس عوز و أ· ب· يهوشواع، وكاتب ثالث لم يدرس أعماله، مع أنه يشكّل الضلع الثالث لهما على قمة الكتابة الروائية في إسرائيل، وربما يكون أكثر يسارية وثباتاً على المواقف التي تتبدل عند زميليه، وهو الكاتب ديفيد غروسمان·
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بإشارة الكاتب إلى صفة العرب التي يطلقها الكتاب على سكان الأرض الفلسطينية، مجرّدة من علاقتهم بهذه الأرض، وبالتالي من صفتهم الفلسطينية· وقد لمس الكاتب سبباً مهماً لذلك، هو ما نسبه إلى البداوة والرعوية التي تحملها الكلمة في بعض معانيها، (بما فيها من سلبية حوّلت العربي إلى نمط جاهز في صفاته وسلوكياته في الكتابات الإسرائيلية)، لكنه لم يشر إلى ما هو أعمق من ذلك، مما تتخذه الدعاية الصهيونية ركناً له حضوره في مزاعمها، حين تعني أن لهؤلاء العرب مساحات واسعة من الأرض العربية التي يشكلون جزءاً من سكانها، ويمكنهم أن ينتقلوا إليها، بينما لا يوجد لليهود إلا قطعة الأرض الصغيرة الموعودة هذه، التي لن يؤثر تفريغها لهم في المساحات العربية الواسعة، وهو منطق يدخل في باب الخداع الذي تستند إليه الصهيونية في كلّ مقولاتها، منذ تطلعت إلى اغتصاب أرض فلسطين، وطرد سكانها، ومحو تاريخهم فيها، رغم أنه يمتد على قرون عديدة·
وبالرغم من الخسارة الكبيرة التي سيشعر بها كلّ من يقرأ هذه الدراسات؛ لأن صاحبها لم يعمل على انتظامها بالشكل الذي كان يخطط له، ولأنه - قبل كلّ شيء - رحل، في قمة عطائه الذي كان يبشر بكثير من الإنتاج، في دراسة الأدب الإسرائيلي، وفي غير ذلك من الدراسات التي تميز بها، كمثقف نوعي، واسع المعرفة، عميق القدرة على التحليل، بالرغم من كلّ ذلك، فإننا نجد في نشر هذا الجزء من تراث الكاتب الراحل واجباً أول، لا من باب الوفاء له فقط، وإنما لأن كثيراً من المعرفة التي تنفع الناس، موجود فيه·
صفحة 3
الأدب الإسرائيلي وأزمة المصطلح
في أواخر العام 1967، كتب غسان كنفاني مؤلفه الرائد في الأدب الصهيونيّ حارثاً في أرض بكر، فحتى ذلك التاريخ لم يكن أحد قد كتب باللغة العربيّة كتاباً عن ذلك الأدب الذي اختار له غسان كنفاني وصف الصهيونيّ· وفي كتابه المذكور أشار كنفاني إلى أن استخدامه تعبير الأدب الصهيونيّ يشمل الأدب الذي كتب ليخدم حركة استعمار اليهود لفلسطين، سواء أكتبه يهود أم كتاب يعطفون، لسبب أو لآخر، على الصهيونيّة ويخدمونها مباشرة أو غير مباشرة (1)· وأضاف أن هذا يعني بالطبيعة أن الأدب الصهيونيّ يشمل الأدب الذي كتب بلغات غير عبرية ومن قبل كتَاب غير يهود طالما أنه ينضوي تحت راية الصهيونيّة السياسية ويخدم مخطّطاتها(2)· وزاد كنفاني على هذا بأن أعلن أنه لن يتقيد بتاريخ ولادة الحركة الصهيونيّة علناً في أواخر القرن الماضي كنقطة بدء للدراسة، ولكن سنمضي إلى الوراء في تقصي جذور الصهيونيّة في الأدب إلى أبعد ما نستطيع(3)·
وكان طبيعياً لغسان كنفاني أن يفتح باب الأدب الصهيونيّ ليجد نفسه أمام خضمّ متلاطم من الأدب والفكر والدين والسياسة عبر آلاف السنين، ويخوض فيه ليخرج كتابه المذكور· وفي الكتاب الذي لا يزيد عدد صفحاته على مائه وستين صفحة، كان على كنفاني أن ينتقل بحيوية فذّة بين الأفكار الدينية اليهوديّة وبين الصهيونيّة الأدبيّة التي ظهرت في كتابات الأدباء الأوروبيين، والصهيونيّة كحركة سياسية تبلورت في أواخر القرن الماضي، وتتبّع أسطورة اليهوديّ التائه وتطوّرها في كتابات الأدباء الأوروبيين من غير اليهود، كما تتبّع شخصية اليهوديّ كما ظهرت في عدد من الروايات والمسرحيات، وخصوصا الأدب الإنجليزي·
ولا يخفى أن كلاً من هذه المكوّنات يحتاج إلى دراسات وأبحاث هي فوق مقدرة الفرد الواحد، بل هي مهمة مراكز بحث مخصصة لدراسة الحركة الصهيونيّة، وما يتفرّع عنها· ولأن مثل هذه المراكز لم تنشأ في أي من البلدان العربيّة، فقد كان على المهتمين بهذا الفكر والأدب الانطلاق من النقطة التي بدأ منها غسان كنفاني، والتنويع عليها، فتوالت الكتب مثل: الأدب الصهيونيّ بين حربين، لإبراهيم البحراوي (1977)، والأدب الصهيونيّ بين الإرث والواقع، لجودت السعد (1981)، والشخصية الصهيونيّة في الرواية الإنجليزية، لهاني الراهب (1974)، والاستيطان اليهودي في الأدب الصهيونيّ، لعبدالوهاب وهب الله (1983)، والأسس الأيديولوجية للأدب الصهيونيّ، لبديعة أمين (1989)؛ الخ·
ورغم تنوع موضوعات الكتب المذكورة، فإنها تشترك جميعاً في إطلاق صفة صهيونيّ على الأدب موضع الدراسة، سواء كان ذلك دراسة للأدب المكتوب بالعبرية في إسرائيل، كما في كتاب إبراهيم البحراوي، أو دراسة الشخصيّة اليهوديّة في الرواية المكتوبة باللغة الإنجليزية، كما في كتاب هاني الراهب، أو تتبع فكرة الاستيطان وتجلياتها في الأعمال الأدبيّة التي كتبها بعض الكتّاب اليهود والإسرائيليّين كما في كتاب عبد الوهاب وهب الله، أو متابعة الأفكار التوراتية كما انعكست في الكتابة بالعبرية، شعراً أو رواية أو قصة، كما في كتاب جودت السعد· ويمكننا هنا أن نلاحظ أن وصف الصهيونيّ تم تعميمه على الأدب المكتوب في إسرائيل، والأدب المكتوب بالعبرية، وذاك الذي كتبه كتّاب يهود، والأدب الذي يكتبه أدباء أو كتّاب مناصرون لإسرائيل ومؤيدون للفكرة الصهيونيّة·
ومن بين الكتب المذكورة سابقاً، لم تتوقف سوى بديعة أمين في كتابها الأسس الأيديولوجية للأدب الصهيونيّ لتوضّح ما تقصده بالأدب الصهيونيّ، وهو توضيح يحيلنا من جديد إلى غسان كنفاني· إذ تكتب بديعة أمين أن الأدب الصهيونيّ ليس ما يكتب من قبل أدباء وكتّاب يهود فقط، وليس ما يكتب في إسرائيل فقط، وليس ما يكتب باللغة العبرية فقط، فهناك كتّاب صهاينة غير يهود، وهناك كتّاب يهود غير صهاينة أو أنهم ضدّ الفكرة الصهيونيّة، كما أن هناك جزءاً - ولعله الأكبر - من الأدب الصهيونيّ يكتب وينشر خارج إسرائيل بغير اللغة العبرية (4)·
صفحة 4
ومن بين عشرات الكتب التي صدرت بالعبرية، فإننا لا نجد سوى عدد محدود من الكتب أخذت عناوين لا تحمل وصف الصهيونيّة، هذا التعبير الفضفاض كما حدّدته بديعة أمين· فقد كتب الشاعر الراحل معين بسيسو كتاباً حمل اسم نماذج من الرواية الإسرائيليّة في العام 1970، وأصدر خليل السواحري في العام 1984 كتاباً بعنوان حرب الثمانين يوماً في الشعر الإسرائيليّ· أما الكتب الأخرى فقد أشارت إلى اهتمامها بالأدب العبري كما في كتاب الشخصية العربيّة في الأدب العبري الحديث لغانم مزعل، أو الأدب اليهوديّ كما في الرواية اليهوديّة الحديثة في الولايات المتحدة وفرنسا الذي نشره محمود قاسم في العام 1986· ودمج صالح العياري بين العبري والصهيونيّ في كتابه في الشعر العبري والصهيونيّ المعاصر الذي أصدره عن دار طلاس السورية في العام 1987·
وعلى الرغم من التداخل الكبير بين موضوعات الكتب المذكورة، فإنها حملت عناوين الصهيونيّة مرّة والعبريّة مرّة ثانية واليهوديّة مرّة أخرى· وباستثناء الكتابين المذكورين آنفاً لمعين بسيسو وخليل السواحري، وبحث لكاتب هذه السطور حمل عنوان اتجاهات في الرواية الإسرائيليّة (5) لم يشتمل - فيما أعلم - أيّ من عناوين الكتب العربيّة الأخرى على مفردة الإسرائيليّ، مما يعني أن هناك مشكلة، ليس في تحديد الاسم فقط، بل في حصر الموضوع نفسه·
ويلاحظ أن عناوين الكتب والأبحاث التي حملت مصطلح الإسرائيليّ تميّزت بتركيزها على الأدب الذي كتبه روائيّون أو شعراء أو قاصّون إسرائيليّون يعيشون في إسرائيل، وأدب كُتب - باستثناءات قليلة - باللغة العبرية، في حين بحثت الكتب التي حملت عناوينها مصطلح الصهيونيّ في الأدب الذي كتبه يهود بالعبرية أو بغيرها في إسرائيل أو أماكن أخرى من العالم في العصر الحاضر أو العصور الماضية· أما الكتب التي نصت عناوينها على اليهوديّ فإنّما حددت أماكن كتابة هذا الأدب، مثل كتاب محمود قاسم الرواية اليهوديّة الحديثة في الولايات المتحدة وفرنسا، أو أنها لم تشِر إلى ذلك إطلاقاً، وفي جميع الأحوال فإن الكتب التي حملت هذا العنوان بالعربيّة قليلة جداً، وأغلبها إما مترجم عن لغات أخرى، أو هو رجع الصدى لها· أما مصطلح العبري فإن عناوين الكتب التي حملتها - وهي أيضاً قليلة ونادرة بالعربيّة - بحثت في الأدب المكتوب باللغة العبرية وفي العصور الحديثة، في حين لم يحظ الأدب المكتوب في العصور الوسطى، كما هو شأن النتاج الذي كتب في أيام الحكم العربيّ في الأندلس أو الأدب القديم، بأهمية تذكر من جانب الأقلام العربيّة·
وفي المقابل، فإن الكتب التي نُشرت في الغرب أو في إسرائيل حول هذا الموضوع حملت عناوينها صفتين من الصفات التي ذكرناها هما: اليهوديّ والعبري ومن بين عشرات الكتب والمراجع التي عُدتُ إليها، لم أعثر على كتاب واحد يتحدث عن الأدب الإسرائيليّ أو الشعر الإسرائيليّ أو الرواية الإسرائيليّة· كما لم أجد كتاباً يتحدّث عما أسميناه الأدب الصهيونيّ أو الشعر الصهيونيّ أو الرواية الصهيونيّة·
المسألة إذن ليست مسألة أسماء أو عناوين أو صفات فقط، بل هي أيضاً قضية وموقف سياسي وأيديولوجي واختيار متأنٍّ من جانبنا، وكذلك من جانبهم، للعنوان الذي يقترب أكثر من هذا الموقف، ويخدم هذه القضية بصورة أكبر· إنه صراع سياسيّ بيننا وبينهم، مادّته عناوين الكتب والصفات والتعابير التي يودّ الأدباء والكتّاب الإسرائيليّون أن ينسبوها لأنفسهم أو يبعدوها عنهم، والتي يريد الكتّاب العرب تثبيتها عليهم وعلى نتاجهم الأدبيّ·
وخلال هذه الحرب، ضاعت حقائق كثيرة، وأُسقطت صفات بغير حقّ، وتداخلت الحدود، ففي محاولة لتشخيص أكثر دقّة للأدب الإسرائيليّ، اقترح بعض المجتهدين إطلاق اسم الأدب الاستيطاني بوصفه أدباً يكتبه مستوطنون وجاءوا من أطراف الأرض إلى الأرض الفلسطينيّة، غير أن مثل هذا المصطلح توارى لعدد من الأسباب، أهمّها أنه يُدخل هذا الأدب ضمن سياق آخر تماماً هو سياق الأدب الذي كتبه مستوطنون أوروبيون في المستعمرات التي كانوا يقيمون فيها مثل رديارد كبلنغ، الذي كتب عن التجمعات البريطانية في الهند أيام كانت مستعمرة، وألبير كامو الذي كتب عن المستوطنين الفرنسيين في الجزائر، وغيرهما· وبذلك فإن هذا المصطلح يهمل أهمّ عنصر في الاستيطان الصهيونيّ، وهو اختلافه النوعيّ عن أنواع الاستيطان الأخرى وخصوصيته·
وحاول آخرون استخدام اصطلاح الأدب اليشوفي، حيث إن التجمعات الاستيطانية في فلسطين كانت تسمى اليشوفاه، غير أن هذا الاجتهاد لم يصمد هو الآخر ذلك أن الـ يشوفاه تعود إلى القرن الخامس عشر، وهو القرن الذي شهدت سنواته الأخيرة قدوم اليهود إلى فلسطين والاستقرار فيها، بعد أن طرد الإسبان المنتصرون العرب المسلمين ومعهم اليهود من إسبانيا في العام 1492، في أعقاب سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، في أيدي ملكي إسبانيا فرديناند وإيزابيلا· ومن نافل القول إن اليهود الذين قدموا من إسبانيا إلى فلسطين، وأقاموا الـ يشوفاه الأول في فلسطين في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، أتوا بدوافع دينية، لا سياسية أو استيطانية، تكوّنت ضمن خطط الحركة الصهيونيّة وأهدافها·
صفحة 5
بخلاف تعبير الأدب الإسرائيليّ الذي يبحث في الأدب المكتوب في إسرائيل تحديداً، فإن أكثر المصطلحات التي ذكرناها استخداماً بقي مصطلح الأدب الصهيونيّ، الذي حملته كتب عديدة، فلماذا كان هذا المصطلح هو الأكثر استخداماً من جانب الكتّاب العرب؟ وما هي الأسس السياسية والأيديولوجية التي يقوم عليها هذا الاستخدام؟
إنّ ميل الكتّاب العرب إلى استخدام تعبير الصهيونيّ ينبع من الرغبة في وصم الكتابة الأدبيّة التي تكتب في إسرائيل على وجه الخصوص، والتي يكتبها يهود وآخرون خارج إسرائيل، وتحمل معنى التعاطف مع الفكرة الصهيونيّة أو الحركة الصهيونيّة أو مع إسرائيل كدولة وكيان، بالدعائية، وبكونها تعبيراً أدبيّاً عن الفكر الصهيونيّ الذي أدانته الأمم المتحدة ذات يوم في أحد قراراتها كفكر عنصري، وبذلك فإن أكثر من طعنة توجّه إلى هذا الأدب الموصوم بالصهيونيّ، فهو أدب دعائي فجّ ومباشر، ومسخَّر لخدمة الأغراض والأهداف السياسية للحركة الصهيونيّة، ولذا فإنه يفتقد بالضرورة الشروط الفنية التي يجب توافرها في الكتابة الأدبيّة، وهو إلى جانب ذلك أدب عنصري لأنه مسخَّر لترويج الأفكار الصهيونيّة، توأم العنصرية، وبذلك فإن الأدب يفتقد بالضرورة الشرط الإنساني الذي يجب توافره في الكتابة الأدبيّة والإبداع الفني، وعليه فإن الأدب الصهيونيّ يفتقد أهم شرطين للإبداع الأدبيّ، وهما: الشرط الفني، والشرط الإنساني·
وبعيداً عن عنصرية الصهيونيّة أو عنصرية الأدب الذي ينتجه الأدباء الصهاينة أو الإسرائيليّون، فإن المهمّ هنا هو أن اختيار هذا التعبير من جانبنا ينبع من موقف أيديولوجي ولا يقوم على أساس علميّ، فالصهيونيّة أيديولوجيا، ومن الخطأ نسبة أدب إلى أيديولوجيا، فليس هناك أدب نازيّ أو أدب فاشيّ أو أدب شيوعيّ وآخر رأسماليّ، هناك أدباء يعتنقون هذه الأيديولوجيات، ومن خلال كتاباتهم يمكن اكتشاف هذه الأيديولوجية أو تلك، وملاحظة ميل هذا الكاتب إليها، لكن ليس هناك أدب ينسب إلى أيديولوجيا·
وأهم من ذلك أن اختيار هذا التعبير لوصف الأدب الذي ينتجه الأدباء الصهاينة يقود إلى دوّامة من الأسئلة التي لا تنتهي؛ فمن هو الكاتب الصهيونيّ؟ وهل أن كل ما يكتبه الأدباء الصهاينة هو بالضرورة أدب عنصريّ؟ وماذا عن كتّاب بدأوا تقدميين وانتهوا صهاينة مثل ماريو فارغاس يوسا؟ وكيف نتعامل مع الأدب الذي كتبه في كلٍّ من مرحلتيه؟ وإن كان هذا تصنيفنا الأيديولوجي لأدبه فماذا عن القيمة الأدبيّة لما كتبه؟ هل تتغير بتغيّر موقفه الأيديولوجي؟ ومن الذي يمكن أن يحصر الأدباء الصهاينة في العالم كلّه وعبر التاريخ كلّه، إذا اعتمدنا تعريف بديعة أمين للأدب الصهيونيّ؟ بل إن ترجمة مصطلح الأدب الصهيونيّ إلى الإنجليزية مثلاً يحوله إلى مصطلح مضلل فتعبير (Zionist Literature) باللغة الإنجليزية يعني مجموع الكتابات والنشرات التعريفية والتثقيفية والدعائية الخاصة بالحركة الصهيونيّة، أي ما يمكن ترجمته إلى العربيّة بأدبيّات الحركة الصهيونيّة·
في مقابل تركيز الكتّاب العرب على استخدام تعبير الأدب الصهيونيّ، يستخدم الكتّاب الإسرائيليّون والأوروبيون تعبيري الأدب اليهوديّ والأدب العبري، وهذان المصطلحان هما الأكثر استخداماً من جانب هؤلاء الكتّاب والنقاد· ولدى استخدام مصطلح الأدب اليهوديّ فإن هؤلاء يدرجون كل ما كتب من جانب أي كاتب يهوديّ، في أيّ مكان على الأرض، وفي أي عصور التاريخ، تحت هذا المصطلح· وبالطبع فإن هذا التعبير لا يقل خطأ وتضليلاً عن تعبير الأدب الصهيونيّ؛ فلم يعتد الكتّاب والنقاد على نسبة أدب ما إلى ديانة من يكتبه، فلم يسمع أحد عن أدب مسيحيّ وآخر إسلامي وثالث بوذي، ويبدو أن بعض الكتّاب اليهود تنبهوا إلى ما في هذا التعبير من خلل؛ فكتب إيمانويل لتفينوف في مقدمة كتابه كتاب بنغوين للقصص القصيرة اليهوديّة (6) قائلاً إن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الوصول إلى تعريف مقبول لليهوديّ من النواحي العرقية أو الدينية أو الاجتماعية· والشيء نفسه ينطبق على الأدب اليهوديّ(7)· ويسحب كاتب يهوديّ آخر، هو ليون إسرائيل يودكين تساؤله على الكاتب اليهوديّ نفسه، فإن كان في مصطلح الأدب اليهوديّ كل هذا الغموض، فماذا عن الكاتب اليهوديّ؟ ويتساءل يودكين في مقدّمة كتابه الأدب اليهوديّ والهوية في القرن العشرين(8) عن الكاتب اليهوديّ، وعما إذا كان هذا الكاتب يختلف عن الكاتب الذي يعتنق الديانة اليهوديّة؟ وإن كان هناك اختلاف بينهما فما هو؟ وهل هو الكاتب الذي يكتب عن وعي بيهوديّته كما يقول لودفيع لويسون؟ أم هو الذي يخاطب القارئ اليهوديّ كما يرى زئيف جابوتنسكي؟ أم هو الكاتب اليهوديّ المولد(9)· ويحاول جابوتنسكي، الزعيم اليميني الصهيونيّ الذي كان في الوقت نفسه شاعراً وروائيّاً، أن يجيب عن هذا السؤال بما يتناسب وأفكاره الشوفينية قائلاً: إن الكاتب هو العامل الحاسم في تحديد من هو الكاتب اليهوديّ، وليس اللغة ولا موضوع الكتابة· وهو يجمل ذلك بقوله إن الكاتب اليهوديّ هو ذاك الذي يكتب بروح يهوديّة وللقارئ اليهوديّ(10)، غير أن هذا التعريف القسري لا يقنع قائله، فيبقى السؤال مطروحاً بعد أكثر من نصف قرن على وفاة صاحبه، ويطرح لتفينوف في كتابه المذكور آنفاً أسئلة حول فرانز كافكا اليهوديّ التشيكي الذي كتب بالألمانية، وبوريس باسترناك اليهوديّ الروسي الذي اعتنق المسيحيّة في روسيا الشيوعية، وأناتول فرانس الكاتب الفرنسي الذي وُلد لأمّ يهوديّة، وكذلك الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه الذي ولد لأمّ يهوديّة هو الآخر· هل هؤلاء الكتّاب وغيرهم أدباء يهود؟ ومن المعروف أن الدين اليهوديّ يعتبر كلّ من ولد لأمّ يهوديّة يهوديّاً، وماذا عن كتّاب غير يهود يكتبون حول اليهود مثل الكاتب الأمريكي جون أبدايك الذي كتب أكثر من رواية حول شخصية تدعى هنري بك؟ وهل تندرج هذه الروايات تحت عنوان الأدب اليهوديّ؟
صفحة 6
وإذا كان مصطلح الأدب اليهوديّ يلقى كلّ هذه التحفظات من جانب الكتّاب اليهود، فإن مصطلح الأدب العبري يبقى هو الأكثر استخداماً ودون أي تحفظ من جانب كتّاب إسرائيل والغرب· والحماسة لاستخدام هذا المصطلح دون غيره تعود إلى عدد من العوامل المهمة؛ أبرزها أنه يرتبط ارتباطاً مباشراً باللغة العبرية التي تعدّ اللغة المقدّسة لليهود في أنحاء العالم المختلفة وعلى مرّ العصور، فهي لغة الصلوات، ولغة الطقوس، ولغة الكتاب المقدس لليهود، ما يجعل الكتابة بها استمراراً لاستخدام لغة التوراة التي يزيد عمرها على الألفي عام، ولا يخفى ما تعطي هذه الفكرة من بعد زمنيّ وعراقة وثراء للأدب الحديث المكتوب بالعبرية، وذلك رغم أن هذه اللغة اقتربت من الاندثار كلغة ما بين زمن خراب الهيكل في العام 70 بعد الميلاد على يد القائد الروماني تيتوس وبين القرن العاشر الميلادي، حين عادت هذه اللغة إلى الظهور كلغة أدب وموضوعات دنيوية وذلك في زمن الحكم العربيّ في الأندلس؛ ومرة أخرى بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وذلك حين بدأ بعض الكتاب اليهود في أوروبا الشرقية والوسطى بالكتابة بالعبرية ضمن عملية إحياء وتطوير اعتبرها مؤرّخو الحركة الصهيونيّة جزءاً من عملية البعث اليهوديّ·
ومن المعروف أن عملية الإحياء اللغوي كانت دائماً جزءاً من عملية البعث القومي، أو النهوض القوميّ لأيّ شعب من الشعوب· ويرى مؤرخو الصهيونيّة أن اللغة العبرية هي المقياس الأكثر حساسية لطبيعة الثورة اليهوديّة في العصور الحديثة(11)· والثورة اليهوديّة التي يقصدونها هي الحركة الصهيونيّة، فهم يرون أنه حتى عصر التنوير كانت اللغة العبرية تستخدم للتعبير عما هو ديني· وفي عصر التنوير المعروف باسم الهسكلاه، في القرن الثامن عشر، بدأت عملية تحويل اللغة العبرية كي تتسع لما هو دنيوي أيضاً· وكانت تلك خطوة أولى نحو عصرنة اللغة العبرية، ضمن عملية إحياء يهوديّ شاملة، كما يرون· وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت الكتابة بالعبرية كلغة إبداع داخل الإطار الأوروبي على أيدي منديلي وبياليك وتشيرنيخوفسكي· وعلى أيدي هؤلاء، بدأ ما يعرف بالأدب العبري الحديث·
مع بدايات القرن العشرين، انتقل مركز الثقل في الكتابة العبرية إلى فلسطين، وذلك من خلال هجرة بعض أبرز كتّاب العبرية من أوروبا إلى فلسطين أمثال: آشر باراش، وجوزيف حاييم برينر، ويوسف عجنون، الذين وصلوا أثناء ما يعرف بالهجرة الثانية (1904 - 1914)· وقد تفاقمت هذه الهجرة خلال العشرينيات والثلاثينيات، وضمّت بعض الكتّاب البارزين بالعبرية أيضاً، وكان هؤلاء نواة ما يعرف الآن بالأدب الإسرائيليّ·
وقد تزامن هذا مع عدد من التطوّرات المهمّة التي أدت إلى تركيز الكتابة بالعبرية في إسرائيل: فقد نشبت الثورة البلشفية في روسيا في العام 1917، وفرضت على اليهود الاندماج في المجتمع الجديد، ومنعت الكتابة بالعبرية على من بقوا في روسيا، في حين هاجر بعض كتّاب العبرية إلى فلسطين· أما التطوّر الثاني فهو اندماج يهود الولايات المتحدة في المجتمع الأمريكيّ، بما في ذلك الاندماج الثقافيّ، بحيث غدت اللغة العبرية غريبة على المجتمع· وهكذا انتهت الكتابة بالعبرية في أكبر مجتمعين يضمّان أكبر أقليتين يهوديّتين في العالم·
وفي الفترة التي فصلت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي الثلاثينيات على وجه الخصوص، حدثت أكبر هجرة أوروبية إلى فلسطين، وذلك بعد صعود النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، وبدء عملية التوسع الألماني في المجال الحيوي، التي نادى بها هتلر ومع إقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينيّة في العام 1948، كان القسم الأعظم من الكتّاب والأدباء اليهود الأوروبيين قد تحوّلوا إلى كتّاب وأدباء إسرائيليّين يكتبون بالعبرية، لغة الدولة الجديدة·
يلخص ليون إسرائيل يودكين الفرق بين الأدب المكتوب بالعبرية في إسرائيل وذاك الذي كتبه اليهود في أنحاء العالم الأخرى، بقوله: إنه حدث لأوّل مرّة في إسرائيل أن كتب اليهود بلغة عبرية تعبّر عن مجتمع في طور التكوُن، لغته الأم هي العبرية، وغالبية أفراده من اليهود، ولم يعد اليهوديّ يكتب بالعبرية لمجموعة أو أقلية دينية أو عرقية في بلد آخر، كما كان الأمر في السابق·
صفحة 7
ومع ذلك، فإن الكتب التي صدرت في إسرائيل أو في الخارج بأقلام كتّاب يهود أو غربيين غير يهود بقيت تشير إلى الأدب المكتوب في إسرائيل بوصفه أدباً عبرياً· وكما هو الحال لدى الكتّاب العرب الذين يصرّون على استخدام تعبير الأدب الصهيونيّ، من منطلق أيديولوجي صرف، فإن استخدام مصطلح الأدب العبري ينطلق هو الآخر من موقف أيديولوجي نقيض؛ موقف يقوم على الرغبة في إضفاء بعد زمنيّ عميق على الأدب الذي يكتبه الأدباء اليهود والإسرائيليّون، وفي منحه جذوراً تعود إلى التوراة، كتاب اليهود الذي هو في أحد وجوهه كتاب أدبيّ·
ومن خلال الموقف الأيديولوجي نفسه، يريد النقاد والمؤرّخون اليهود والصهاينة ضم الكتّاب اليهود الذين كتبوا بالعبرية في بلدان أوروبا في القرن الماضي إلى قائمة مبدعيهم، وذلك كي يسدّوا ثغرة في التسلسل الزمني للكتابة بالعبرية كما رأينا، وثغرة أخرى في الجغرافيا أيضاً· إن من عناصر الشذوذ في تاريخ الأدب الذي يطلق عليه مصطلح العبري أنه نبت في رقعة جغرافية غير تلك التي استمرّ فيها؛ فقد بدأ في أوروبا، لكنّ أحداً لم يعد يكتب بهذه اللغة هناك· وبدلاً من ذلك، كُتب بها في إسرائيل التي كانت حتى وقت قريب بلداً عربيّ الثقافة والتاريخ·
ومن الطريف أن نلاحظ أن النقاد والمؤرخين الغربيين والإسرائيليّين لا يميلون إلى استخدام تعبير الأدب الإسرائيليّ· وعدم الميل هذا لديهم لا يوازيه إلاّ عدم ميل الكتاب العرب إلى استخدام المصطلح· فالكتّاب العرب يميلون إلى استخدام تعبير الأدب الصهيونيّ، أما الكتاب الأوروبيون والإسرائيليّون فإنهم يستخدمون مصطلح الأدب العبري كما رأينا· ويشترك الكتاب العرب من جهة، والأوروبيون والإسرائيليّون من جهة أخرى، في أنهم يصلون الأدب المكتوب في إسرائيل بما كتب أو يكتب خارجها، كما أنهم يصلون ما كتب في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بما كتب قبل نحو ألفي عام، والفرق بين الطرفين هو أن الكتّاب العرب يربطون إسرائيل بأيديولوجيتها الصهيونيّة، بينما يربطها الأوروبيون والإسرائيليّون بديانتها ولغتها العبرية·
ويمكن إرجاع عدم استخدام الكتّاب العرب لمصطلح الأدب الإسرائيليّ إلى عدم اعترافهم بإسرائيل، وبكل ما يتفرّع منها أو ينسب إليها، وعدم الاعتراف هذا يُعبّر عنه بإطلاق أسماء غير الأسماء التي أطلقتها إسرائيل على نفسها وعلى كل ما يتعلق بها أو يُنسب إليها، فكان يشار إلى إسرائيل غالباً بالكيان الصهيونيّ بدلاً من إسرائيل، وبالنتيجة فقد حلّ تعبير الصهيونيّ محل الإسرائيليّ وصفاً لكل ما هو إسرائيليّ، ومن هنا جاء تعبير الأدب الصهيونيّ·
هناك سبب آخر يضاف إلى ذلك، هو تلك النظرة التي وجهها العرب إلى إسرائيل بوصفها تجسيداً للفكرة الصهيونيّة· والصهيونيّة نبت أوروبي في الأساس وليست من المنطقة، وعليه فإن إسرائيل ظهرت ككيان سياسي يجسّد فكرة غربية هي الفكرة الصهيونيّة· وترتب على ذلك أن الصهيونيّة هي الأصل، وكل ما عداها فروع، بما في ذلك إسرائيل· وعليه فإن الحرب، وخاصة في مستواها الأيديولوجيّ، كانت تشنّ ضد الأيديولوجية الصهيونيّة، في حين كانت المواجهة العسكرية تتمّ مع إسرائيل تحديداً بوصفها الكيان المجسد لها· وهكذا تشكل في الوعي العربيّ نوع من المطابقة بين الصهيونيّة وإسرائيل، وهو تطابق لم ينته إلا في العام 1967، العام الذي بدأت خلاله محاولاتنا الأولى لمعرفة كلّ من الصهيونيّة وإسرائيل والفرق بينهما·
وإذا كانت هذه هي الأسباب التي دعت الكتّاب العرب إلى الابتعاد عن استخدام تعبير الأدب الإسرائيليّ، فما هي أسباب ابتعاد الأدباء والكتّاب والمؤرخين الأدبيّين الإسرائيليين والغربيين عن استخدامه؟
ذكرنا سابقاً أن اللغة العبرية كانت لغة اليهود المقدسة، وأنها استمرت على مرّ العصور كلغة صلوات وطقوس وسجلات وحسابات فقط، أما الحياة اليومية فكان تدوينها من جانب الكتّاب اليهود يتمّ بلغات أخرى، هي لغات بلدانهم التي يعيشون فيها، إلاّ أن هناك استثناءات قليلة من ذلك· الاستثناء الأقل تمثل في العصر القديم، أي عصر الممالك اليهوديّة في فلسطين حتى مجيء المسيح· وخلال هذه الحقبة ظهرت أعمال أدبيّة شعرية بوجه خاص، كُتبت بالعبرية تعبيراً عن هموم دنيوية وليس دينية فحسب·
صفحة 8
وتجسد الاستثناء الثاني في الفترة الذهبية لحكم العرب في الأندلس، التي بدأت في القرن العاشر الميلادي وظلّت حتى خروج العرب واليهود من الأندلس، في أواخر القرن الخامس عشر· وخلال هذه الحقبة الزمنية استخدمت اللغة العبرية لأول مرة كلغة إبداع أدبيّ مادّته الحياة اليومية وليس الدين· ونذكر هنا أن هذا الإبداع أخذ من الأدب العربيّ أنموذجاً له، مثل الشكل الشعري الذي نقله اليهود واستخدموه في كتاباتهم، وكذلك في استعارة بعض أشكال الإبداع العربيّة الخالصة، مثل فن المقامة الذي صاغ كثير من الكتّاب اليهود على منواله بالعبرية·
أما الاستثناء الأخير، فكان استخدام اللغة العبرية في إيطاليا فألمانيا فبولندا وروسيا، وعملية تطوير هذه اللغة من لغة صلوات وطقوس إلى لغة حديثة تستجيب لمتطلبات العصر، والتي بدأها الكاتب شالوم يعقوب أبراموفيتش الذي يعرف باسم منديلي موخر سفاريم أي بائع الكتب، والذي ولد في مينسك في روسيا في العام 1836 وتوفي هناك في 1917· وبعد منديلي جاء آخرون، أبرزهم حاييم نحمان بياليك ويوسف حاييم برينر وماكس نورداو وآشر باراش وغيرهم· وعلى أيدي بعض هؤلاء، انتقل مركز الكتابة بالعبرية إلى إسرائيل، وهناك بدأت تجربة جديدة هي التجربة الإسرائيليّة·
إنّ هذا يعني أن تاريخ الأدب العبري في قسمه الأعظم كُتب في عصور قديمة غابرة أو وسيطة، وإن كان كُتب في عصور حديثة، فإن ذلك لم يحدث في إسرائيل، بل في أوروبا وضمن أدب الحداثة الأوروبي عموماً، وليس ضمن إقليم أو منطقة محدّدة(12)، كما يقول آلان ليلتشوك، وهو من أبرز المؤرخين الأدبيّين الإسرائيليّين· وباختصار، فإن الأدب الإسرائيليّ يبدو ضئيلاً جداً، إذا قورن بالأدب العبري الذي يعود إلى نحو ثلاثة آلاف عام، ونسبة الأدب إلى إسرائيل بدلاً من اللغة العبرية يعني التخلي عن ثلاثة آلاف عام من الكتابة بالعبرية في أنحاء العالم المختلفة، وفي حقب متباينة من التاريخ، والاكتفاء بعمر الدولة الإسرائيليّة القصير، أو عمر الوجود اليهوديّ في فلسطين· وبحسبة بسيطة، نستطيع أن ندرك سبب إصرار الأدباء والكتّاب الإسرائيليّين على استخدام تعبير الأدب العبري بدلاً من الإسرائيليّ·
وثمة سبب آخر لا يقلّ أهمية عن الأول، هو أن الأدب الإسرائيليّ في حقيقة الأمر لم يكن ابن الدولة الإسرائيليّة، ولم يكن ابن المنطقة، ولم يتأثر بتراثها، بل كان ابن الإبداع الأوروبي كما شاهدنا، فقد ظهرت البدايات الأولى للأدب، الذي أصبح فيما بعد إسرائيليّاً، في أوروبا، حيث نشأ وترعرع هناك قبل الانتقال مع الأدباء اليهود المهاجرين إلى فلسطين· ومن شأن فكرة مثل هذه أن تلحق خللاً في صورة الأدب التي يريدها الإسرائيليّون منسجمة ومتسقة، فأيّ أدب هذا الذي نشأ في بلاد أخرى وواصل طريقه في بلاد غيرها؟!
ولكي يحل الكتّاب والمؤرخون الإسرائيليّون كل هذه المشكلات دفعة واحدة، فإنهم يختارون تعبير الأدب العبري بديلاً للأدب الإسرائيليّ·
وأودّ أن أذكر هنا أن هاتين الحقيقتين (أن الأدب الإسرائيليّ يتكئ على تراث كتب قبل آلاف السنين ولم تكن له استمرارية في المكان أو الزمان، وأنه نبت في أوروبا وليس في المنطقة التي قامت فيها إسرائيل)، قد تركتا آثاراً في الكتابات الأدبيّة الإسرائيليّة، تمثلت في وجود فجوتين إحداهما زمانية والأخرى مكانية في الرواية والقصة الإسرائيليّة على وجه الخصوص· فمن نافل القول الإشارة إلى أن الهروب من هذه الحقائق، باعتماد تعبير الأدب العبري، لا يحلّ المشكلات العديدة للأدب المكتوب في إسرائيل· وفي لفتة موحية في كتابه الأدب اليهوديّ واليهوديّة في القرن العشرين يستخدم يودكين عنواناً فرعياً للحديث عن الأدب العبري المكتوب في إسرائيل هو الأدب الإسرائيليّ: بداية جديدة ووجه الإيحاء هنا هو اعتبار ما يكتب في إسرائيل منذ ما قبل قيام الدولة بقليل بداية جديدة، أي أنه يفصله عما كتب في أوروبا في القرن التاسع عشر وعمُا كتب في العصور القديمة باللغة العبرية· وبذلك تنبه يودكين إلى أنّ قيام إسرائيل شكّل علامة فارقة في تاريخ الصهيونيّة، بحيث لم تعد أي من الكلمتين تغني عن الأخرى بالضرورة، فإسرائيل دولة لها استراتيجيتها وأهدافها وخططها وسياستها ومهامها التي تختلف عن الصهيونيّة، ممثلة في المنظمة الصهيونيّة العالمية أو الوكالة اليهوديّة، أو حتى في كونها فكرة أو أيديولوجيا· وعليه فإن التطابق الموهوم بين إسرائيل والصهيونيّة، والذي لم يكن موجوداً في يوم من الأيام، تحوّل إلى اختلاف تم التعبير عنه من خلال صراع دار في أواخر الأربعينيات ولم يحسم حتى الآن بين دولة إسرائيل والمنظمة الصهيونيّة العالمية، الذراع المنظمة للحركة الصهيونيّة(13)·
وعلى المستوى الأدبيّ، فإن الأدب المكتوب في إسرائيل أخذ على مرّ السنين يكتسب سمات خاصة تميزه عن الأدب الذي يكتبه اليهود خارج إسرائيل· ولم يقتصر هذا الفارق بين الأدبيْن على اللغة، حيث أصبحت العبرية هي لغة الإبداع في إسرائيل، بينما بقي الإبداع في الخارج موزّعاً على لغات العالم المختلفة، بل شمل المضامين الرئيسية للكتابة وموضوعاتها أيضاً، وحتى الأشكال الفنية المستخدمة والتيارات والمدارس الأدبيّة التي تنقسم إليها الكتابة داخل إسرائيل من جهة، وخارجها من جهة ثانية·
وباختصار، فإن الأدب المكتوب في إسرائيل هو نتاج مجتمع جديد في طور التكوّن، له مشكلاته وقضاياه الخاصة التي تختلف عن المشكلات والقضايا التي تواجه يهود العالم في الخارج الذين تعبر عنهم كتابات ونتاجات أدبيّة ذات سمات أخرى، وضمن أساليب وأشكال فنية أخرى تختلف تماماً عما ينتج داخل إسرائيل·
ويمكن أن نلاحظ أن إدراك هذه الحقائق في العالم العربيّ أخذ تعبيره من خلال تزايد استخدام تعبير الأدب الإسرائيليّ أو الثقافة الإسرائيليّة على حساب تعبير الأدب الصهيونيّ؛ ففي مقابل التركيز على استخدام مصطلح الأدب الصهيونيّ حتى بداية الثمانينيات، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إلى استخدام مصطلح الأدب الإسرائيليّ، كما يظهر في الملف الذي نشرته مجلة إبداع المصرية في عدد من أعدادها حول الثقافة الإسرائيليّة
وفي تصوّري أن الانتقال إلى استخدام مصطلح الأدب الإسرائيليّ يعكس تطوراً في وعينا بالفروق بين ما هو يهوديّ وما هو صهيونيّ، وبين ما هو عبري وما هو إسرائيليّ، ليس في مجال الأدب والفكر فقط، بل في المجالات الأخرى أيضاً· وأساس هذا الوعي هو إدراك الخطوط الفاصلة، مهما كانت دقيقة، بين كل من هذه التعابير، وتبين مواقع التداخل بينها مهما كانت هذه المواقع كبيرة ومعقدة·
إنّ الهروب من هذه الحقائق باعتماد تعبير الأدب العبري لا يحلّ المشكلات العديدة للأدب المكتوب في إسرائيل، ونظرة واحدة على المشهد الأدبيّ في إسرائيل تظهر لنا تعقده وتنافر مكوِّناته·
صفحة 9
حساسية إسرائيل المَرَضيّة تجاه الأدب
بدت غريبة علينا نحن العرب ضجّة أثارها قرار وزير المعارف الإسرائيليّ (يوسي سريد من حزب ميريتس اليساري في حينه) تضمين نماذج من الأدب الفلسطيني في المناهج الدراسية الإسرائيليّة، مع أن جميع من اختيرت كتاباتهم، باستثناء محمود درويش، هم مواطنون في إسرائيل، كما أن القصائد المختارة له كانت من قصائد السجن التي كتبها وهو مواطن هناك، ما يعني قصر تعبير الأدب الفلسطيني على أدباء العام 1948، واستثناء أدباء المنفى الذين يمثّلون الرئة الثانية للأدب الفلسطيني· وكانت هذه الضجة قد بدأت في الكنيست، ثمّ انتقلت إلى مجلس الوزراء: فهل عرفت أعلى المنابر السياسيّة في أية دولة، خصوصاً إذا كانت لم تبلغ من العمر طويلاً، مثل هذا العدد من المعارك الأدبيّة؟
إن المتابع لما يجري في إسرائيل من أحداث يعرف تماماً مدى حساسية إسرائيل للأدب، ولا أدري إن كان هناك مجتمع أكثر من المجتمع الإسرائيليّ ضعفاً وهشاشة تجاه الأعمال الأدبيّة، ولا أعرف مجتمعاً عرف مثل هذا العدد من المعارك السياسيّة، التي كان الأدب عنوانها المشهر، مثل المجتمع الإسرائيليّ· ومن الطريف أن هذه المعارك تخاض من على منبر الكنيست تحديداً·
هل يمكن أن يكون ذلك نابعاً من معرفة وثيقة أن التعبير الأدبيّ يختلف عن غيره من أنواع التعبير الأخرى في أنه لا يمكن أن يكون أدباً عظيماً ومؤثراً إذا لم يكن صادقاً؛ إذ ليس هناك مثل الأدب ما يرفض الزيف ويقوم على الحقيقة، والصدق والحقيقة كانا على الدوام أعدى أعداء إسرائيل، التي تقوم في جزء كبير من وجودها على الأكاذيب، سواء اتخذت تلك الأكاذيب شكل أساطير دينية أو خرافات توراتية أو صورة قصص مضخّمة الأحداث والوقائع·
وربما تعود تلك المعرفة بأهمية الأدب والثقافة، من جانب مؤسسي الحركة الصهيونيّة، إلى أن هناك تياراً مؤثراً في الحركة الصهيونيّة يسمّى الصهيونيّة الثقافيّة، بل إن هناك من يرى أن الصهيونيّة ليست حركة اجتماعية لها مضمونها الطبقي المحدّد لجهة كونها تعبيراً عن البورجوازية اليهوديّة، بل هي في الواقع حركة ثقافيّة قام بها مثقّفون· ولا يتردّد هؤلاء في الاستشهاد بالعدد الكبير من المثقّفين والأدباء والشعراء الذين قادوا هذه الحركة السياسيّة أو ساهموا فيها·
نصر بلا مجد
في العام 1949، ولم يكن قد مضى على إعلان إسرائيل أكثر من عام، نشر الروائيّ الإسرائيليّ يزهار سميلانسكي رواية خربة خزعة التي تتحدّث عن احتلال الجيش الإسرائيليّ قرية في جنوب فلسطين أثناء حرب العام 1948، وسرعان ما بدأ الجنود المنتصرون في ممارسات تمتهن كرامة المهزوم وتمعن في إذلاله ـ والمهزوم هنا مجموعة من المواطنين القرويين البسطاء ـ ثم أخذ الجنود الإسرائيليّون الذين أسكرتهم نشوة النصر في تجميع من تبقّى من سكان القرية في شاحنات، وإبعادهم إلى ما وراء الحدود، في مشهد يفقد النصر الإسرائيليّ أيّ مجد، ويحوّله إلى نصر فارغ من أيّ مضمون إنسانيّ؛ فهو ليس نصراً في ميدان المعركة على جيوش العدوّ، بل على نساء وأطفال ومواطنين عزل·
صفحة 10
أحدثت هذه الرواية ضجّة كبيرة في الكنيست، ورأت القيادات السياسيّة الإسرائيليّة فيها خروجاً عن الرواية الرسميّة الإسرائيليّة، التي كانت تزعم أن هناك حرب استقلال خاضها الجيش الإسرائيليّ ضدّ الإنجليز والعرب، وأنّ سكّان فلسطين العرب رحلوا عن بلادهم استجابة لنداء القادة والزعماء العرب، ولم يُرحّلوا في شاحنات مثل تلك التي صوّرها الروائيّ· وقد تحوّلت أروقة الكنيست إلى ساحات لمناقشة هذه الرواية - النقيض، شارك فيها القادة والزعماء الإسرائيليّون، وهو نقاش تجدّد بعد أعوام حين تحوّلت الرواية إلى فيلم سينمائي، ثمّ في السبعينيات حين تحوّلت إلى مسلسل تلفزيوني·
وفي العام 1964، كان الكنيست مسرحاً لنقاش دار حول رواية كتبها الروائيّ أ· ب· يهوشواع تحت عنوان في مواجهة الغابة، وفيها يتحدّث عن طالب في الدراسات العليا يعمل حارس غابة في شمال فلسطين، يشكّ في أنّها أقيمت على أنقاض قرية عربية· وتتطوّر الأحداث حتى يحرّض رجلاً طاعناً في السن من المهجّرين من القرية على حرق الغابة، وعندما يفعل، تتّضح المعالم المدفونة تحت الغابة·
وفي العام 1973، اجتمع الكنيست لمناقشة قصيدة العبور للشاعر الفلسطينيّ الراحل توفيق زياد، التي كتبها تحيّة لعبور الجيش المصري قناة السويس في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973· وفي العام 1988 اجتمع الكنيست لمناقشة قصيدة محمود درويش عابرون في كلام عابر وفي العام 1991 احتجّ عدد من نوّاب الكنيست الإسرائيليّ على منح الروائيّ إميل حبيبي جائزة الدولة للأدب، وكان الروائيّ الفلسطيني الراحل نفسه أجاب عن سؤال حول كيفية كتابته روايته العظيمة المتشائل بقوله إن ذلك جاء ردّاً على نائب إسرائيليّ عاب على العرب في إسرائيل أنّهم لم ينتجوا أدباً ذا قيمة· وفي العام 1993 لجأ الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد إلى إلقاء قصيدة كتبها باللغة العبرية،اتخذت شكل المقامة الهجائية، للردّ على عضو الكنيست الإسرائيليّ المتطرّف رحبعام زئيفي(14)·
المؤرّخون الجدد
هذه الحساسية الإسرائيليّة الخاصة تجاه الأدب، والكتابة عموماً، بدأت قبل إعلان الدولة العبريّة، ففي الثلاثينيات والأربعينيات ظهر جيل أدبيّ بين اليهود المهاجرين إلى فلسطين أطلق على نفسه اسم جيل البالماخ، نسبة إلى قوات البالماخ، وهي صفوة القوات التابعة لمنظمة الهاغاناه التابعة لحزب العمل الإسرائيليّ، الذي كان يمثل التيّار الرئيسي في الحركة الصهيونيّة· وبغضّ النظر عن أن تلك ربما كانت المرّة الوحيدة في التاريخ الأدبيّ التي ينسب فيها جيل أدبيّ إلى تنظيم عسكريّ، فإن جيل البالماخ الأدبيّ كان يُفترض فيه أن يكتب عن بطولات اليهود ضدّ الإنجليز، وكذلك ضدّ العرب· ومن السمات الشخصية لبطل البالماخ أن يكون واثقاً من نفسه ولا يهاب المخاطر، بل يتغلّب عليها بسهولة، فالخوف لا يعرف إلى قلبه سبيلاً، لأنه مؤمن بعدالة قضيته· لكن تتابع صدور ما يشبه الروايات السابقة، (وبعضها لم يناقش في الكنيست وإن كان جديراً بذلك على أي حال)، بدأ يلقي بظلاله على مصداقية الرواية الرسمية الإسرائيليّة لما يعرف في الأدبيّات السياسيّة الإسرائيليّة بحرب الاستقلال·
ومن الطريف أن نذكر أن ما كان قد كشفه الأدب في إسرائيل من زيف في الرواية الرسمية الإسرائيليّة لتلك الحرب، أثبته بعد ذلك المؤرّخون الإسرائيليّون المعروفون باسم المؤرّخون الجدد، الذين يُؤرَّخ لظهورهم بكتاب المؤرّخ الإسرائيليّ بيني موريس المعنون ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الصادر في العام 1988، ففي هذا الكتاب يتتبعالمؤرّخ المعروف(15) ملابسات حرب 1948 المعروفة في إسرائيل بحرب الاستقلال، ويقرّر أنّ المواطنين الفلسطينيين، أو أن جزءاً كبيراً منهم على الأقلّ، لم يغادروا بلادهم استجابة لنداءات القادة والزعماء العرب، بل أُخرِجوا تحت تهديد السلاح والقتل، وأن كثيراً من المجازر ارتكبت ضدّهم، وأن الترهيب كان جزءاً من السياسة الإسرائيليّة في حربها ضدّهم، وأن بعضهم أخرج من فلسطين في شاحنات قذفته إلى ما وراء الحدود، تماماً كما روى يزهار سميلانسكي·
بعد بيني موريس ظهر عدد من المؤرّخين الذين أحدثوا ضجّة وذعراً في المجتمع الإسرائيليّ لم تهدأ بعد، أمثال توم سيغف، وآفي شلايم، وإيلان بابيه، وسيمحا فابلان وغيرهم، وفي أحد وجوه المسألة فإن ما يثبته المؤرّخون الإسرائيليّون الجدد هو ما كان بعض الأدباء الإسرائيليّين قد صوّروه في أعمالهم الأدبيّة منذ سنين·