صفحة 1
مقدمة الطبعة الثانية
خلافا لفحوى شذرات الكتاب لم أغير ما جاء فيه من آراء واستنتاجات عبرت من خلالها عن صدمتي بحقائق وبداهات ليست هي كذلك إذا ما نظرنا إليها من زاوية نيتشه الساخط والساخر من قطعان الجماهير السائرة وراء كراز عقائدي يجرها بهدى غرائزها إلى حيث الطاعة العمياء لمشيئته. حتى إنني لم أشأ تعديل أو بالأحرى تصويب بعض الاستنتاجات التي خلصت إليها منذ ما يقارب العشر سنوات يوم كنت متحمسا للثورة على واقعنا المزري؛ قبل أن يدب في الوهن على شاكلة من تمرحلت أطوار حياته غير إخفاقات وخيبات وسقطات منها تولد الحكمة وبها يتصالح الإنسان مع نقصانه في حياة أقصر من أن تملأ بشغف الحب وغبطة المعرفة. علما أن ثمة وقائع لم تبق على ما كانت عليه بحكم التحول الحاصل في نظرة القارئ إلى واقعة الهجوم الانتحاري على برجي مركز التجاري في 11 أيلول مثلاً، ومن موقفه من تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية التي تسارعت وتيرة تطورها في الآونة الاخيرة إلى حد أنها باتت أمرا واقعاً، لا يقبل نقاش ما قبلها مثلما لا يسمح بالافتراضات الآيلة إلى النظر في الثورة التكنولوجية من باب الرفض لما صار من ضرورات الحياة العصرية. ولأن المفاعيل الناجمة عن هذا التحول الهائل في عصر اتسم بطفرة علمية وتكنولوجية لها تأثيرات دامغة في المستوى المعرفي والقيمي والأخلاقي سعيت إلى التمثل بعقل نيتشه قدر إمكاناتي لقراءة ظواهر ومستجدات تكاد من فرط الإيمان بها أن تؤله على نحو ما تأله في عصور سابقة آلهة ميتافيزيقيون تم اليوم الاستعاضة عن جانب من وظيفتهم لصالح وظيفة آلة الكومبيوتر والانترنت وكل ما أدى إلى استلاب البشر بميتافيزيقيا جديدة اسمها التكنولوجيا. لهذا ربما أصر بعض الفلاسفة على القول بأن الميتافيزيقيا شرّ، لا بد منه فإذا كانت كذلك فلنجعلها من النوع الذي لا يحبط الهمم بل يحفز على ما دعا إليه نيتشه في بناء عالم يليق بإنسانه الأعلى.
والجدير ذكره أن التبدل شأن جدلي لا يقتصر على ذات القارئ فالكاتب هو أيضا عرضة لمتغيرات وذلك نتيجة تأثره بمكتسبات معرفة لن تقف عند حد قول ما إن تلفظ به حتى صار غيره... بعده وكل ما جعله «يتماسف» (من مسافة) مع منطوق ينطق به لحظة كان يعيش ظروفا وعوامل معارف وخبرات تبدلت فتبدل معها الرأي في هذا الموضوع والموقف من تلك المسألة. إلا أن هذا لا يعني أبدا التنكر لما كتبته ولن أتخلى عن التيمة الجامعة في شذرات لفظتها بروح شخص بقي هو هو نفسه ساخط مع شيء من الروية وساخر مع «رشة» مهادنة وقليل من الدبلوماسية؛ رغم علمي بأن هذا شيء غير محبب ولن يلقى ترحيبا من قبل المتحمسين إلى النقد القاسي والسخرية اللاذعة وكل ما من شأنه تسلية القارئ بلعبة الوخز واللطم والركل وشد الأذنين وكل ما يحاكي رغبتنا إلى الانتقام من آباء زرعوا في رؤوسنا قيم عالمهم ومبادئه الذي لا يتناسب مع قيم عالمنا اليوم.
أكثر ما لفتني عند القارء استقباله الجزء الثاني من الشذرات الجديدة التي وضعتها في كتاب تحت عنوان «خفايا ساطعة... بين ما نريده... وما لاإرادة لنا فيه» بحفاوة باردة لما يثير أصلا اسم نيتشه من استفزاز أثار شهية بعضا ممن التبس عليه مضمون الجزء الثاني مع أنه تتمة لما جاء في الجزء الأول مع فارق نرده بدورنا إلى ما يفرضه السياق الزمني من تحولات في ذات الكاتب كما في الموضوعات نفسها. ومن المفيد الإشارة إلى سبب آخر نعزوه إلى التقدم في العمر فلا تؤاخذني إذا ما بردت حماوة الدم في جسد شخص لا يرغب المهادنة لكنه خلص إلى أن الحياة كلها بحلوها ومرها ليست إلا تسويات متتالية. كتبتها في الجزء الثالث مِنْ: «إضاءات نيتشوية».
نديم نجدي
خلافا لفحوى شذرات الكتاب لم أغير ما جاء فيه من آراء واستنتاجات عبرت من خلالها عن صدمتي بحقائق وبداهات ليست هي كذلك إذا ما نظرنا إليها من زاوية نيتشه الساخط والساخر من قطعان الجماهير السائرة وراء كراز عقائدي يجرها بهدى غرائزها إلى حيث الطاعة العمياء لمشيئته. حتى إنني لم أشأ تعديل أو بالأحرى تصويب بعض الاستنتاجات التي خلصت إليها منذ ما يقارب العشر سنوات يوم كنت متحمسا للثورة على واقعنا المزري؛ قبل أن يدب في الوهن على شاكلة من تمرحلت أطوار حياته غير إخفاقات وخيبات وسقطات منها تولد الحكمة وبها يتصالح الإنسان مع نقصانه في حياة أقصر من أن تملأ بشغف الحب وغبطة المعرفة. علما أن ثمة وقائع لم تبق على ما كانت عليه بحكم التحول الحاصل في نظرة القارئ إلى واقعة الهجوم الانتحاري على برجي مركز التجاري في 11 أيلول مثلاً، ومن موقفه من تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية التي تسارعت وتيرة تطورها في الآونة الاخيرة إلى حد أنها باتت أمرا واقعاً، لا يقبل نقاش ما قبلها مثلما لا يسمح بالافتراضات الآيلة إلى النظر في الثورة التكنولوجية من باب الرفض لما صار من ضرورات الحياة العصرية. ولأن المفاعيل الناجمة عن هذا التحول الهائل في عصر اتسم بطفرة علمية وتكنولوجية لها تأثيرات دامغة في المستوى المعرفي والقيمي والأخلاقي سعيت إلى التمثل بعقل نيتشه قدر إمكاناتي لقراءة ظواهر ومستجدات تكاد من فرط الإيمان بها أن تؤله على نحو ما تأله في عصور سابقة آلهة ميتافيزيقيون تم اليوم الاستعاضة عن جانب من وظيفتهم لصالح وظيفة آلة الكومبيوتر والانترنت وكل ما أدى إلى استلاب البشر بميتافيزيقيا جديدة اسمها التكنولوجيا. لهذا ربما أصر بعض الفلاسفة على القول بأن الميتافيزيقيا شرّ، لا بد منه فإذا كانت كذلك فلنجعلها من النوع الذي لا يحبط الهمم بل يحفز على ما دعا إليه نيتشه في بناء عالم يليق بإنسانه الأعلى.
والجدير ذكره أن التبدل شأن جدلي لا يقتصر على ذات القارئ فالكاتب هو أيضا عرضة لمتغيرات وذلك نتيجة تأثره بمكتسبات معرفة لن تقف عند حد قول ما إن تلفظ به حتى صار غيره... بعده وكل ما جعله «يتماسف» (من مسافة) مع منطوق ينطق به لحظة كان يعيش ظروفا وعوامل معارف وخبرات تبدلت فتبدل معها الرأي في هذا الموضوع والموقف من تلك المسألة. إلا أن هذا لا يعني أبدا التنكر لما كتبته ولن أتخلى عن التيمة الجامعة في شذرات لفظتها بروح شخص بقي هو هو نفسه ساخط مع شيء من الروية وساخر مع «رشة» مهادنة وقليل من الدبلوماسية؛ رغم علمي بأن هذا شيء غير محبب ولن يلقى ترحيبا من قبل المتحمسين إلى النقد القاسي والسخرية اللاذعة وكل ما من شأنه تسلية القارئ بلعبة الوخز واللطم والركل وشد الأذنين وكل ما يحاكي رغبتنا إلى الانتقام من آباء زرعوا في رؤوسنا قيم عالمهم ومبادئه الذي لا يتناسب مع قيم عالمنا اليوم.
أكثر ما لفتني عند القارء استقباله الجزء الثاني من الشذرات الجديدة التي وضعتها في كتاب تحت عنوان «خفايا ساطعة... بين ما نريده... وما لاإرادة لنا فيه» بحفاوة باردة لما يثير أصلا اسم نيتشه من استفزاز أثار شهية بعضا ممن التبس عليه مضمون الجزء الثاني مع أنه تتمة لما جاء في الجزء الأول مع فارق نرده بدورنا إلى ما يفرضه السياق الزمني من تحولات في ذات الكاتب كما في الموضوعات نفسها. ومن المفيد الإشارة إلى سبب آخر نعزوه إلى التقدم في العمر فلا تؤاخذني إذا ما بردت حماوة الدم في جسد شخص لا يرغب المهادنة لكنه خلص إلى أن الحياة كلها بحلوها ومرها ليست إلا تسويات متتالية. كتبتها في الجزء الثالث مِنْ: «إضاءات نيتشوية».
نديم نجدي
صفحة 2
المقدمة
ما قبل الكلام... ثمة إنسان نقي ـ خالٍ وصافٍ من أدران التدجينات المُضافة على ما زوده به الورثة وأضافه على إضافاته المتتالية ورثة الورثة من قيم أخلاقية وتقاليد اجتماعية رامت بأقاويلها إلى تهذيبه من براءة أصله لكي ينساق بأعمول فصلهم فيغدو المرء بمؤدى هذه العملية محتجبا خلف مكدسات نهينا عن...، وحثنا على....
فمن دون الدخول في الأسباب والمسببات التي حدت بالبشر إلى بناء أيقوناتهم الدينية والدنيوية ومن دون التبرير المنطقي لما لا منطق لنتائجه تلك التي آلت إلى تشريع معياري لما يجوز... وما لا يجوز فعله في خضم حياتنا التي نعيشها تكتلات غمرتنا بدفء التآلف والتآزر فطمست معها هوية كل فرد يتوق إلى التحرر لكي يكون هو «هو»... بين الـ «هم»... نجد ان حكاية صيرورة الإنسان محملة بعلائق تاريخية أضاع فيها نفسه المتأرجحة بين مفارقات الفبركة الاجتماعية لما يجب أن تكون عليه حال الفرد بين الجماعة من جهة واشتياقات الأفراد لاختراق حجاب الحاجز الاجتماعي بغية الاتساق مع ذواتهم المقعرة من جهة ثانية.
ولأن مشاركة الفرد أفراح الجماعة وأتراحها بمثابة تسوية «لاواعية» لما قد يؤول إليه أمر موافقته على ما لا يتفق معه فيما لو كان بحل من الاعتبارات التربوية لأنسنته سيبقى الصراع بين رغبته ورغبتهم صراعا بين متوجبات إرضاء كيانه الاجتماعي (العام) من ناحية ومستلزمات مصالحة كيانه الفردي (الخاص) من ناحية ثانية.
ذلك أن بين الـ «هو»... والـ «هم» مساحة مليئة بشياطين المفارقات بين ما يستأنس به الفرد وما تبغضه الجماعة...، فبين ما يتوق إليه عرينا الحيواني وما هو عليه زينا الإنساني ثمة ما يؤكد صيرورة خلقنا وخُلقنا إلى ما لا يتثبته أقنوم رباني ولا قانون إنساني فقيم العصور المنصرمة ليست هي نفسها قيما لعصرنا الحالي ولا أخلاق هذا القوم كأخلاق ذاك مثلما قد تجد خير أمة من شر تلك كما أن قبح ما تراه لا يقاس إلا على جمال ما قد رأيته.
السؤال: أما من حيِّز مشترك بين المختلفين بأخلاقهم والمتبدلين بأشواقهم؟
وهنا لا نجزم قطعا بالأشياء المخلوقة فينا وبذاتنا على أنها ثابتة رغم أنف التحولات الظرفية التي نستدل منها وبتمظهراتها على ما تخفيه اللطافة المعلنة من خبث مُضمر...، على ما يخبئه فعل الخير من نوايا ليست خيِّرة لذا فالاستدلال على هذا... من ذاك...ليس تعقبياً، ولا هو بسهولة ربط العلة بالمعلول لأن بين «البينيات» مسافة مليئة بتعقيدات وتشابكات مُلتبسة تُصعِّب علينا أمر تفكيك المعلن عن المُبيت...، صدق ما نقوم به عن كذب ما نعلن عنه...، فالمسألة هذه أدق من أن تختزل في معادلة حسابية لارتباطها بحيثيات لا تُعدَّ ولا تُحصى وذلك لتعدد ومغايرة العوامل التي حدت بكلٍّ منا لأن يكون «هو» غير «الآخر».
ومع ذلك يبقى في أصل النوع الإنساني ثمة ما يروم إلى الظهور بأقنعة تبدو فيها الشفقة ـ العدوانية ــ الأنانية وما إلى هنالك من صفات نكرة في قاموس النعوت الحسنة عند الإنسان السوي كامنة في قاع حضوره الاجتماعي المُريب حيال الآخرين هؤلاء الذين أُقحموا جيلا بعد جيل في لعبة إخفاء ما لا يجب إعلانه عبر إشهار مستلزمات استقامتهم احتراما لمن لا يحترمونه أو حرصا وعطفا على من يستجدون ملكيته.
ولأن كلا منا هو من الآخرين وإزائهم موجود تتداخل النوايا وتتشابك على نحو يغدو فيه التواطؤ لتمرير ما لا يؤمن به أفراد الجماعة عرفا أو تقليداً، قيمته من قيمة تسليم البشر بقدر انسياقهم بمشيئة قوة خفية خلقوها بأنفسهم... لأنفسهم...
لهذاخرج نيتشه بصحبة مصباح عقله النافذ ليضيء عتمة جهل القطعان البشرية السائرة بهدى إيمانها بحقائق ليست حقيقية إذا ما كُشف النقاب عما يخفيه كل منا من شك بغيض وريبة مشؤومة حيال ما نؤمن به ونسير عليه.
وفي هذا السياق توغل نيتشه في نطاق المحرمات ليعري قيمنا من هالة أوهامنا المحروسة بعقول البسطاء أو الضعفاء لا الأقوياء المستأنسين بواقع حال إيمان العامة بدونيتهم التي من شأنها حماية مصلحة السادة كمتفوقين في علمهم على ما لا يعلمه الجهال بأمر مُدعي المعارف العظيمة.
لذا صب نيتشه جام نقده نقضا للمعتقدات الأيديولوجية هذه التي احتمت بفيء ظلها القطعان البشرية الضالة عن أصلها ليعيد الأمور إلى براءة الصيرورة في أسس كل الحكايات الأخلاقية تلك التي أخرجت الإنسان عن طور بساطته وأدخلته في تعقيدات فهمه لما يجب أن يكون عليه اجتماعه مع أبناء جنسه.
وبذلك أضاءت لنا فلسفة نيتشه زوايا كان قد تعشش فيها تاريخ من منسيات «السهل الممتنع» العصي على من حبسوا أنفسهم خلف قضبان المسموحات والممنوعات الدينية والدنيوية مدة كافية لكي يتم تدجين فراستهم وتشذيبها من كل العلائق التي تتعارض مع صورة رسمهم لما يجب أن تكون عليه صفات الإنسان السوي.
من هنا صارت الفلسفة ما بعد افتضاحات نيتشه وهدمه كلاما كبيرا استنتجه هو من صغائر أمورنا الواضحة وضوح جهلنا بكبائرها أو قل عدم درايتنا بخباياها المغطاة بقشور عدم فهمنا لجوهر المسألة الأخلاقية المصنوعة من حيثيات استدل منها عما تأدى عنها من تصنيف الخير عن الشرّ، والنافع عن الضار الخ...
وبهذا طرق نيتشه الفيلسوف باب نيتشه الإنسان ليستخلص بنفسه ـ من نفسه علة التفلسف الميتافيزيقي عند فلاسفة شيدوا صرح فلسفتهم على ما كان قد بناه الأجداد في أرض مغايرة لما نقف عليه نحن المعاصرين بعد أن دشنت فتوحاتنا العلمية حقلا افتراضيا جديدا لفلسفة من نوع آخر.
وما محاولتي هذه لإضاءة ما فات نيتشه إضاءته أو قوله بفوات عصره المنقضي منذ زمن لايشبه زمننا سوى اجتهاد لا أزعم فيه ما لا أقدر على تحمله وما لا أستطيع استكماله في مشواره الفلسفي الغريب والمُدهش بتنوع وتلون موضوعاته الجديرة بحساسيته المفرطة حيال ما يستشعر به هو في الأشياء الراكدة داخل يم معتقداتنا الأيديولوجية.
كما لا أدعي فيما أقوله ارتقاء مكتوبي هذا إلى مستوى إبداع نيتشه لمكتوبه الذي ألهمني إلى استنباش «المطمور» من خلف «المقوول»، وحسبي أنني واحد ممن أجازت له فلسفة نيتشه الدخول إلى فضاءات رحبة لم يجرؤ أحد قبله على مخاطرة ريادتها بالحكمة إياها التي أدركت ما سيؤول إليه فعل تدشينها من استفزاز حث غيري قبلي على كتابة نفسه مكتوبا للآخرين.
من هنا لا أعتبر نفسي متطفلا ولا متطاولا على ما كان يتألم منه ـ به نيتشه حينما خط ألمه في فلسفة غاصت في دفائن نفسه لتنتشل ما هو ساكن في أعماق الغير.
ولأن لكلٍّ أساريره سمحت لنفسي «بالتفقه النيتشوي»، من نور فلسفة لا تعلمك مفاهيمها تمييز الخطأ من الصواب إنما تدخلك في مناخٍ تفوح منه رائحة عفن إيمانك بالذي أنت فيهأكان إيمانا بحقيقة ثابتة أم اعتقادا بصواب مطلق.
وقد تتعارض أو تتفق مع ما قاله نيتشه باعتباره رأيا خاصا لنفس قلقة من حساسية صدقها حيال ما قد تعتبره أنت تشاؤما مبالغا فيه؛ فهو لم يدع يوما بنهائية رأيه ولا بصوابية موقفه من حياتنا التي عكر صفوها فكدرها بمعول نقضه وتقويضه لحقائقنا من خلال افتضاحه وتعريته لهشاشة أفعالنا وأقوالنا التي فبركت ما لا أساس له في أصلنا كأن تعرف مثلا أن ما تغتبط به لا يبعث على الفرح وما تشاهده من الشيء ليس في الشيء نفسه...، وما تؤمن به أكذوبة خلقتها بنفسك لتريح نفسك من داء وجودك الناقص أبداً.
ما قبل الكلام... ثمة إنسان نقي ـ خالٍ وصافٍ من أدران التدجينات المُضافة على ما زوده به الورثة وأضافه على إضافاته المتتالية ورثة الورثة من قيم أخلاقية وتقاليد اجتماعية رامت بأقاويلها إلى تهذيبه من براءة أصله لكي ينساق بأعمول فصلهم فيغدو المرء بمؤدى هذه العملية محتجبا خلف مكدسات نهينا عن...، وحثنا على....
فمن دون الدخول في الأسباب والمسببات التي حدت بالبشر إلى بناء أيقوناتهم الدينية والدنيوية ومن دون التبرير المنطقي لما لا منطق لنتائجه تلك التي آلت إلى تشريع معياري لما يجوز... وما لا يجوز فعله في خضم حياتنا التي نعيشها تكتلات غمرتنا بدفء التآلف والتآزر فطمست معها هوية كل فرد يتوق إلى التحرر لكي يكون هو «هو»... بين الـ «هم»... نجد ان حكاية صيرورة الإنسان محملة بعلائق تاريخية أضاع فيها نفسه المتأرجحة بين مفارقات الفبركة الاجتماعية لما يجب أن تكون عليه حال الفرد بين الجماعة من جهة واشتياقات الأفراد لاختراق حجاب الحاجز الاجتماعي بغية الاتساق مع ذواتهم المقعرة من جهة ثانية.
ولأن مشاركة الفرد أفراح الجماعة وأتراحها بمثابة تسوية «لاواعية» لما قد يؤول إليه أمر موافقته على ما لا يتفق معه فيما لو كان بحل من الاعتبارات التربوية لأنسنته سيبقى الصراع بين رغبته ورغبتهم صراعا بين متوجبات إرضاء كيانه الاجتماعي (العام) من ناحية ومستلزمات مصالحة كيانه الفردي (الخاص) من ناحية ثانية.
ذلك أن بين الـ «هو»... والـ «هم» مساحة مليئة بشياطين المفارقات بين ما يستأنس به الفرد وما تبغضه الجماعة...، فبين ما يتوق إليه عرينا الحيواني وما هو عليه زينا الإنساني ثمة ما يؤكد صيرورة خلقنا وخُلقنا إلى ما لا يتثبته أقنوم رباني ولا قانون إنساني فقيم العصور المنصرمة ليست هي نفسها قيما لعصرنا الحالي ولا أخلاق هذا القوم كأخلاق ذاك مثلما قد تجد خير أمة من شر تلك كما أن قبح ما تراه لا يقاس إلا على جمال ما قد رأيته.
السؤال: أما من حيِّز مشترك بين المختلفين بأخلاقهم والمتبدلين بأشواقهم؟
وهنا لا نجزم قطعا بالأشياء المخلوقة فينا وبذاتنا على أنها ثابتة رغم أنف التحولات الظرفية التي نستدل منها وبتمظهراتها على ما تخفيه اللطافة المعلنة من خبث مُضمر...، على ما يخبئه فعل الخير من نوايا ليست خيِّرة لذا فالاستدلال على هذا... من ذاك...ليس تعقبياً، ولا هو بسهولة ربط العلة بالمعلول لأن بين «البينيات» مسافة مليئة بتعقيدات وتشابكات مُلتبسة تُصعِّب علينا أمر تفكيك المعلن عن المُبيت...، صدق ما نقوم به عن كذب ما نعلن عنه...، فالمسألة هذه أدق من أن تختزل في معادلة حسابية لارتباطها بحيثيات لا تُعدَّ ولا تُحصى وذلك لتعدد ومغايرة العوامل التي حدت بكلٍّ منا لأن يكون «هو» غير «الآخر».
ومع ذلك يبقى في أصل النوع الإنساني ثمة ما يروم إلى الظهور بأقنعة تبدو فيها الشفقة ـ العدوانية ــ الأنانية وما إلى هنالك من صفات نكرة في قاموس النعوت الحسنة عند الإنسان السوي كامنة في قاع حضوره الاجتماعي المُريب حيال الآخرين هؤلاء الذين أُقحموا جيلا بعد جيل في لعبة إخفاء ما لا يجب إعلانه عبر إشهار مستلزمات استقامتهم احتراما لمن لا يحترمونه أو حرصا وعطفا على من يستجدون ملكيته.
ولأن كلا منا هو من الآخرين وإزائهم موجود تتداخل النوايا وتتشابك على نحو يغدو فيه التواطؤ لتمرير ما لا يؤمن به أفراد الجماعة عرفا أو تقليداً، قيمته من قيمة تسليم البشر بقدر انسياقهم بمشيئة قوة خفية خلقوها بأنفسهم... لأنفسهم...
لهذاخرج نيتشه بصحبة مصباح عقله النافذ ليضيء عتمة جهل القطعان البشرية السائرة بهدى إيمانها بحقائق ليست حقيقية إذا ما كُشف النقاب عما يخفيه كل منا من شك بغيض وريبة مشؤومة حيال ما نؤمن به ونسير عليه.
وفي هذا السياق توغل نيتشه في نطاق المحرمات ليعري قيمنا من هالة أوهامنا المحروسة بعقول البسطاء أو الضعفاء لا الأقوياء المستأنسين بواقع حال إيمان العامة بدونيتهم التي من شأنها حماية مصلحة السادة كمتفوقين في علمهم على ما لا يعلمه الجهال بأمر مُدعي المعارف العظيمة.
لذا صب نيتشه جام نقده نقضا للمعتقدات الأيديولوجية هذه التي احتمت بفيء ظلها القطعان البشرية الضالة عن أصلها ليعيد الأمور إلى براءة الصيرورة في أسس كل الحكايات الأخلاقية تلك التي أخرجت الإنسان عن طور بساطته وأدخلته في تعقيدات فهمه لما يجب أن يكون عليه اجتماعه مع أبناء جنسه.
وبذلك أضاءت لنا فلسفة نيتشه زوايا كان قد تعشش فيها تاريخ من منسيات «السهل الممتنع» العصي على من حبسوا أنفسهم خلف قضبان المسموحات والممنوعات الدينية والدنيوية مدة كافية لكي يتم تدجين فراستهم وتشذيبها من كل العلائق التي تتعارض مع صورة رسمهم لما يجب أن تكون عليه صفات الإنسان السوي.
من هنا صارت الفلسفة ما بعد افتضاحات نيتشه وهدمه كلاما كبيرا استنتجه هو من صغائر أمورنا الواضحة وضوح جهلنا بكبائرها أو قل عدم درايتنا بخباياها المغطاة بقشور عدم فهمنا لجوهر المسألة الأخلاقية المصنوعة من حيثيات استدل منها عما تأدى عنها من تصنيف الخير عن الشرّ، والنافع عن الضار الخ...
وبهذا طرق نيتشه الفيلسوف باب نيتشه الإنسان ليستخلص بنفسه ـ من نفسه علة التفلسف الميتافيزيقي عند فلاسفة شيدوا صرح فلسفتهم على ما كان قد بناه الأجداد في أرض مغايرة لما نقف عليه نحن المعاصرين بعد أن دشنت فتوحاتنا العلمية حقلا افتراضيا جديدا لفلسفة من نوع آخر.
وما محاولتي هذه لإضاءة ما فات نيتشه إضاءته أو قوله بفوات عصره المنقضي منذ زمن لايشبه زمننا سوى اجتهاد لا أزعم فيه ما لا أقدر على تحمله وما لا أستطيع استكماله في مشواره الفلسفي الغريب والمُدهش بتنوع وتلون موضوعاته الجديرة بحساسيته المفرطة حيال ما يستشعر به هو في الأشياء الراكدة داخل يم معتقداتنا الأيديولوجية.
كما لا أدعي فيما أقوله ارتقاء مكتوبي هذا إلى مستوى إبداع نيتشه لمكتوبه الذي ألهمني إلى استنباش «المطمور» من خلف «المقوول»، وحسبي أنني واحد ممن أجازت له فلسفة نيتشه الدخول إلى فضاءات رحبة لم يجرؤ أحد قبله على مخاطرة ريادتها بالحكمة إياها التي أدركت ما سيؤول إليه فعل تدشينها من استفزاز حث غيري قبلي على كتابة نفسه مكتوبا للآخرين.
من هنا لا أعتبر نفسي متطفلا ولا متطاولا على ما كان يتألم منه ـ به نيتشه حينما خط ألمه في فلسفة غاصت في دفائن نفسه لتنتشل ما هو ساكن في أعماق الغير.
ولأن لكلٍّ أساريره سمحت لنفسي «بالتفقه النيتشوي»، من نور فلسفة لا تعلمك مفاهيمها تمييز الخطأ من الصواب إنما تدخلك في مناخٍ تفوح منه رائحة عفن إيمانك بالذي أنت فيهأكان إيمانا بحقيقة ثابتة أم اعتقادا بصواب مطلق.
وقد تتعارض أو تتفق مع ما قاله نيتشه باعتباره رأيا خاصا لنفس قلقة من حساسية صدقها حيال ما قد تعتبره أنت تشاؤما مبالغا فيه؛ فهو لم يدع يوما بنهائية رأيه ولا بصوابية موقفه من حياتنا التي عكر صفوها فكدرها بمعول نقضه وتقويضه لحقائقنا من خلال افتضاحه وتعريته لهشاشة أفعالنا وأقوالنا التي فبركت ما لا أساس له في أصلنا كأن تعرف مثلا أن ما تغتبط به لا يبعث على الفرح وما تشاهده من الشيء ليس في الشيء نفسه...، وما تؤمن به أكذوبة خلقتها بنفسك لتريح نفسك من داء وجودك الناقص أبداً.
صفحة 3
«كوجيتو» نيتشه
تريد أن تعرف من أنت فكر أن ثمة من كان حيا يُرزق منذ أكثر من عشرة آلاف سنة ويومين وثمة من سيولد بعد مليون سنة وساعة...
لذة الصيد في الصيد فقط
لذة الصيد ليست في الاستحواذ على لحم وشحم الفريسة إنما هي في الاستئثار بحرية الطريدة فبمصادرة طلاقتها تغتمر الصياد فرحة وغبطة بعد حسد طويل على ما يتقيده وجودنا الإنساني في قفص الاعتبارات الاجتماعية.
لذا فالحيوانات لا تحسدنا لأنها بحل من الروابط الاجتماعية واعتباراتها التي يسيطر فيها الإنسان على نفسه قبل سيطرته على الآخرين والطيور التي تحوم في فضائها الرحب لن تطارد من يقبع في قفص أوهامه. الحرية ليست مطلبا لتلك الكائنات الطليقة فوجودها معيار لها وليس لنا.
فلا يؤاخذنا رجال السياسة إذا ما كانوا مهووسين بصيد الطيور والبشر أيضاً.
الشاعر شاعر بقوة حدسه
لا يُقاس إبداع الشاعر بفصاحة تعبيره عما يشعر به الآخرون هؤلاء العاجزون عن استفراغ أحاسيسهم في قصيدة أو عن استمناء مشاعرهم في ديوان بل يقاس إبداعه بإحساسه المُفرط في استشعار «الآتي» من أحداث المستقبل «بنبوئية» يفتقدها رجال السياسة لا لأن السياسة مشدودة إلى ما تحصل أو ما سيتحصل بل لأن في لغة الشعر ونطاقه رحابة لتقدير ما لن تتوقعه السياسة المنغمسة حتى العظم في «مجريات الآني»... و«على التو»...
لذا قد نفهم ما كان الشاعر «طاغور» بعينه الرائية قد تنبأ بحصوله عندما رأى أن اللاعنف الانفعالي المستند إلى الرموز الدينية سيفرق هو أيضا وسينثر بذور العنف مثلما جرى فعلا على مرأى من عين «المهاتما غاندي» الذي عانى من تقسيم الهند إلى مجموعتين قوميتين (الهند الهندوسية) و(باكستان الإسلامية)؛ حصل هذا بعدما تفلتت نزعته ـ دعوته اللاعنفية من نطاقها كوسيلة لمقاومة الاحتلال البريطاني إلى غاية استجلب منطقها عنفا دمويا كان غير محسوب عند غاندي ومتوقعا عند طاغور.
على هذا أيمكن الاحتكام إلى ما يحدسه الشاعر في السياسة أكثر مما يحسبه السياسي في السياسة؟
الإجابة تبقى معلقة وهي رهن المفارقة بين نجاح السياسي في إقناع الجماهير بإقصاء ونبذ كل من يستبق وعيها العمومي (القطيعي) من جهة وفشل الشاعر في مجاراة الوعي العمومي حينما ينتبه إلى محذورات قبل وقوعها ليغدو وجوده سابقا لأوانه من جهة ثانية. إنما ليس كل الشعراء شعراء فكم عندنا من طاغور؟
تريد أن تعرف من أنت فكر أن ثمة من كان حيا يُرزق منذ أكثر من عشرة آلاف سنة ويومين وثمة من سيولد بعد مليون سنة وساعة...
لذة الصيد في الصيد فقط
لذة الصيد ليست في الاستحواذ على لحم وشحم الفريسة إنما هي في الاستئثار بحرية الطريدة فبمصادرة طلاقتها تغتمر الصياد فرحة وغبطة بعد حسد طويل على ما يتقيده وجودنا الإنساني في قفص الاعتبارات الاجتماعية.
لذا فالحيوانات لا تحسدنا لأنها بحل من الروابط الاجتماعية واعتباراتها التي يسيطر فيها الإنسان على نفسه قبل سيطرته على الآخرين والطيور التي تحوم في فضائها الرحب لن تطارد من يقبع في قفص أوهامه. الحرية ليست مطلبا لتلك الكائنات الطليقة فوجودها معيار لها وليس لنا.
فلا يؤاخذنا رجال السياسة إذا ما كانوا مهووسين بصيد الطيور والبشر أيضاً.
الشاعر شاعر بقوة حدسه
لا يُقاس إبداع الشاعر بفصاحة تعبيره عما يشعر به الآخرون هؤلاء العاجزون عن استفراغ أحاسيسهم في قصيدة أو عن استمناء مشاعرهم في ديوان بل يقاس إبداعه بإحساسه المُفرط في استشعار «الآتي» من أحداث المستقبل «بنبوئية» يفتقدها رجال السياسة لا لأن السياسة مشدودة إلى ما تحصل أو ما سيتحصل بل لأن في لغة الشعر ونطاقه رحابة لتقدير ما لن تتوقعه السياسة المنغمسة حتى العظم في «مجريات الآني»... و«على التو»...
لذا قد نفهم ما كان الشاعر «طاغور» بعينه الرائية قد تنبأ بحصوله عندما رأى أن اللاعنف الانفعالي المستند إلى الرموز الدينية سيفرق هو أيضا وسينثر بذور العنف مثلما جرى فعلا على مرأى من عين «المهاتما غاندي» الذي عانى من تقسيم الهند إلى مجموعتين قوميتين (الهند الهندوسية) و(باكستان الإسلامية)؛ حصل هذا بعدما تفلتت نزعته ـ دعوته اللاعنفية من نطاقها كوسيلة لمقاومة الاحتلال البريطاني إلى غاية استجلب منطقها عنفا دمويا كان غير محسوب عند غاندي ومتوقعا عند طاغور.
على هذا أيمكن الاحتكام إلى ما يحدسه الشاعر في السياسة أكثر مما يحسبه السياسي في السياسة؟
الإجابة تبقى معلقة وهي رهن المفارقة بين نجاح السياسي في إقناع الجماهير بإقصاء ونبذ كل من يستبق وعيها العمومي (القطيعي) من جهة وفشل الشاعر في مجاراة الوعي العمومي حينما ينتبه إلى محذورات قبل وقوعها ليغدو وجوده سابقا لأوانه من جهة ثانية. إنما ليس كل الشعراء شعراء فكم عندنا من طاغور؟
صفحة 4
لعنة فلسفية
الفيلسوف هو من أصيب بلعنة إدراكه لمحدودية إدراكه فاستحال ناطقا باسم عجزنا عن الوصول إلى الحقيقة التامة ليغدو متشائما لا من عجزه ـ نقصانه فحسب إنما من التفاؤل المفرط عند المتيقنين بإيمانهم في ما يعتقدونه حقيقة نهائية. هكذا كان «نيتشه» قبل «سيوران» يتألم من زيف ما يحوق بالإنسانية من معارف وفلسفات ازدادت تكديسا فوق محتجبات حقيقتنا البسيطة؛ فنيتشه كان يروم من هدم الفلسفات القديمة السابقة لا الهدم إنما إظهار ما تم إخفاؤه منذ أن بدأ الإنسان يتفلسف وذلك ليجعلنا نقف أمام أنفسنا عراة من ثياب الطوباويات التي نتماهى فيها مع ما نرغب... ما نريد... ما نتمنى... لا مع ما هو موجود فعلاً.
فالموجود يختفي حينما يستأنس الرائي بتخيله وتصوره لما سيوجد في مستقبل مُرجأ دوماً.
الدعوة إلى... مغطاة بالتوقع!
أتحققت توقعات فلاسفة القرن المنصرم لمجريات أحداث عالم اليوم؟ أم أن ما يجري في عالم اليوم استجاب لتوقعات ـ دعوات ـ نداءات فلاسفة الأمس؟
في هذا السؤال خطأ بنيوي يضمر إنكارا لدور أدعياء الثقافة الأيديولوجية في توجيه صيرورة التاريخ أو قل يحملهم مسؤولية كاملة عن الانحرافات التاريخية السائرة بهدى قدر ما... «مافوق تاريخي»، وفي الحالتين يعتقد السائل أن التاريخ جوهر معافى من مفاعيل الدعوات التاريخانية التي تعكر صفو صيرورته الجارية إلى حيث لا يجب أن نتوقع... لا يجب أن ندعو... لا يجب أن نفسر...
فلنصمت إذاً، حتى يبقى التاريخ بريء في انسيابيته الأبدية وذلك كله كي يرتاح «كارل بوبر» من ضجيج الدعوات التاريخانية لاشتراكية ماركس وإسلام النبي محمد وكل ما من شأنه معاكسة مجرى نظامه الليبرالي الديموقراطي وإنسانيته المنفتحة على احتمالات تطوير القائم وليس تغييره.
الفيلسوف هو من أصيب بلعنة إدراكه لمحدودية إدراكه فاستحال ناطقا باسم عجزنا عن الوصول إلى الحقيقة التامة ليغدو متشائما لا من عجزه ـ نقصانه فحسب إنما من التفاؤل المفرط عند المتيقنين بإيمانهم في ما يعتقدونه حقيقة نهائية. هكذا كان «نيتشه» قبل «سيوران» يتألم من زيف ما يحوق بالإنسانية من معارف وفلسفات ازدادت تكديسا فوق محتجبات حقيقتنا البسيطة؛ فنيتشه كان يروم من هدم الفلسفات القديمة السابقة لا الهدم إنما إظهار ما تم إخفاؤه منذ أن بدأ الإنسان يتفلسف وذلك ليجعلنا نقف أمام أنفسنا عراة من ثياب الطوباويات التي نتماهى فيها مع ما نرغب... ما نريد... ما نتمنى... لا مع ما هو موجود فعلاً.
فالموجود يختفي حينما يستأنس الرائي بتخيله وتصوره لما سيوجد في مستقبل مُرجأ دوماً.
الدعوة إلى... مغطاة بالتوقع!
أتحققت توقعات فلاسفة القرن المنصرم لمجريات أحداث عالم اليوم؟ أم أن ما يجري في عالم اليوم استجاب لتوقعات ـ دعوات ـ نداءات فلاسفة الأمس؟
في هذا السؤال خطأ بنيوي يضمر إنكارا لدور أدعياء الثقافة الأيديولوجية في توجيه صيرورة التاريخ أو قل يحملهم مسؤولية كاملة عن الانحرافات التاريخية السائرة بهدى قدر ما... «مافوق تاريخي»، وفي الحالتين يعتقد السائل أن التاريخ جوهر معافى من مفاعيل الدعوات التاريخانية التي تعكر صفو صيرورته الجارية إلى حيث لا يجب أن نتوقع... لا يجب أن ندعو... لا يجب أن نفسر...
فلنصمت إذاً، حتى يبقى التاريخ بريء في انسيابيته الأبدية وذلك كله كي يرتاح «كارل بوبر» من ضجيج الدعوات التاريخانية لاشتراكية ماركس وإسلام النبي محمد وكل ما من شأنه معاكسة مجرى نظامه الليبرالي الديموقراطي وإنسانيته المنفتحة على احتمالات تطوير القائم وليس تغييره.
صفحة 5
على هامش الاستشراق
ما لم يفهمه الساسة العرب حتى الآن كيف أن الغرب لا يوازن في تعامله الأخلاقي بين وجود العرب ووجود الدولة العبرية ولو توغلوا في مساءلة التاريخ الحضاري للغرب لوجدوا فيه كما من البداهات الغرائبية عما يظنه الغربي عن العرب عما يخاله الغربي عجائبيا أسطوريا خرافيا في الشرق؛ على هذا ليس من السهل اجتثاث ما يتجذر من صور تاريخية عن كائنات لا يمكن أن يتوازن وجودها الحضاري مع حضارة الرجل الأبيض(*) الممتدة إلينا عبر كيانٍ إسرائيلي لا يعتبره الغرب استيطانياً، إنما هو من مزروعاته لا للتكفير عن الذنب اللاأخلاقي الذي اقترفه الغرب بحق من حرقتهم نار «الهولوكوست» فحسب فالاغتسال من دم اليهود تطلب إراقة دماء شعوب لا يتوازن دمها مع دم اليهودي ـ الألماني ـ الإنكليزي ـ الفرنسي إلخ...، ومقتل طفل إسرائيلي هو بمثابة عار في المقابل لا يرف لهم جفن حينما يُقتل عشرات الأطفال الفلسطينيين.
فما يُسمح للإسرائيلي إذاً، يجب ألا يُسمح للعربي لأن ما يقوم به الأول فعل تمديني لبربرية من لا أخلاق في أنظمتهم الاستبدادية بينما مواجهة الثاني لها هو فعل بربري لامنطقي لأنه موجَّه ضد سيادة الرجل الأبيض على من هم دونه مستوى.
كان من الأفضل أن لا يكون نيتشه...
كان نيتشه نبوئياً، حينما اعتبر أن المائة عام المقبلة ستدشن مرحلة جديدة من التفكير «المابعد حداثوي» وستشهد أيضا موت الأيديولوجيات الطوباوية ليحل محلها التذرر والتشتت والتبعثر والاختلاف لكنه لم يكن غيريا على الإطلاق عندما قوض أسباب تعاضد وتآلف وتماسك القطعان البشرية حول «إلههم» المانع الجامع. ففي اللحظة التي اخترقت فيه سهام نقده مقتل آلاف المؤمنين باللَّه الواحد لحظة سدد النار بخبث على طمأنينة عشرات المستأنسين إلى ما هم فيه مرتاحون أي إلى ما يعتقدونه حقيقة مطلقة جعل من هذا العالم سوداوياً، أو قل هو لم يجعل فالسوداوية هبطت عليه من شفافية إحساسه المفرط باللاقيمة في كل ما يعتقده الآخر عظيماً، فأراد ألا يبقى وحده في سواد عتمة المعرفة عل في ذلك قبسا من نور إله جديد لا يضيء عتمة الطريق أمام عيون المصابين بعمى نور اللَّه السابق.
فنيتشه نجح في التمرد على القطعان البشرية ليسوق أمامه ـ خلفه قطيعا من نوع آخر بدأت طلائعه تتكاثر مع كل انتحار أو محاولة انتحار.
ما لم يفهمه الساسة العرب حتى الآن كيف أن الغرب لا يوازن في تعامله الأخلاقي بين وجود العرب ووجود الدولة العبرية ولو توغلوا في مساءلة التاريخ الحضاري للغرب لوجدوا فيه كما من البداهات الغرائبية عما يظنه الغربي عن العرب عما يخاله الغربي عجائبيا أسطوريا خرافيا في الشرق؛ على هذا ليس من السهل اجتثاث ما يتجذر من صور تاريخية عن كائنات لا يمكن أن يتوازن وجودها الحضاري مع حضارة الرجل الأبيض(*) الممتدة إلينا عبر كيانٍ إسرائيلي لا يعتبره الغرب استيطانياً، إنما هو من مزروعاته لا للتكفير عن الذنب اللاأخلاقي الذي اقترفه الغرب بحق من حرقتهم نار «الهولوكوست» فحسب فالاغتسال من دم اليهود تطلب إراقة دماء شعوب لا يتوازن دمها مع دم اليهودي ـ الألماني ـ الإنكليزي ـ الفرنسي إلخ...، ومقتل طفل إسرائيلي هو بمثابة عار في المقابل لا يرف لهم جفن حينما يُقتل عشرات الأطفال الفلسطينيين.
فما يُسمح للإسرائيلي إذاً، يجب ألا يُسمح للعربي لأن ما يقوم به الأول فعل تمديني لبربرية من لا أخلاق في أنظمتهم الاستبدادية بينما مواجهة الثاني لها هو فعل بربري لامنطقي لأنه موجَّه ضد سيادة الرجل الأبيض على من هم دونه مستوى.
كان من الأفضل أن لا يكون نيتشه...
كان نيتشه نبوئياً، حينما اعتبر أن المائة عام المقبلة ستدشن مرحلة جديدة من التفكير «المابعد حداثوي» وستشهد أيضا موت الأيديولوجيات الطوباوية ليحل محلها التذرر والتشتت والتبعثر والاختلاف لكنه لم يكن غيريا على الإطلاق عندما قوض أسباب تعاضد وتآلف وتماسك القطعان البشرية حول «إلههم» المانع الجامع. ففي اللحظة التي اخترقت فيه سهام نقده مقتل آلاف المؤمنين باللَّه الواحد لحظة سدد النار بخبث على طمأنينة عشرات المستأنسين إلى ما هم فيه مرتاحون أي إلى ما يعتقدونه حقيقة مطلقة جعل من هذا العالم سوداوياً، أو قل هو لم يجعل فالسوداوية هبطت عليه من شفافية إحساسه المفرط باللاقيمة في كل ما يعتقده الآخر عظيماً، فأراد ألا يبقى وحده في سواد عتمة المعرفة عل في ذلك قبسا من نور إله جديد لا يضيء عتمة الطريق أمام عيون المصابين بعمى نور اللَّه السابق.
فنيتشه نجح في التمرد على القطعان البشرية ليسوق أمامه ـ خلفه قطيعا من نوع آخر بدأت طلائعه تتكاثر مع كل انتحار أو محاولة انتحار.
صفحة 6
لماذا جن نيتشه؟؟!!!
من يقرأ نيتشه لا يُصاب بالدهشة من قدرة هذا الفيلسوف على تعرية أشيائنا من مغلفاتها الأخلاقية فحسب بل ينتفض من سبات نومه في قعر «قنينة الحياة»، ليستيقظ وحده والناس نيام ليستيقظ على ما يخاله الآخرون يقظة في نومهم المخدر بإله واحد وزوجة واحدة وإيمان مطلق.
فإذا ما كان النوم يريحنا من مشقة التفكير فإن جنون نيتشه كان نتيجة لانعدام نومه ربما نتيجة لأرق وقلق منعاه من أن يغمض له جفن طيلة حياته.
جمعية الرفق بالحيوان لم تشملنا برفقها
من المؤكد أن من بين ضحايا المجازر المريعة لقبائل «التوتسي والهيتوس» في (رواندا) ثمة طفل لا يعلم بأن في حضارة هذا العالم جمعية للرفق بالحيوان وإلّا كان سيُحاط برفق إنسانها المريع في سخطه على قتل الفيلة في أوغندا خوفا من «انقراض النوع».
أكم فقدت الإنسانية من أنواع في الخمسين ألف قتيل فيما لو قدر لواحد من هؤلاء الأطفال أن يتربى على موسيقى بيتهوفن وكتابات نيتشه ورسومات ڤان غوغ؟
صدق إذاً، أن واحدا من بينهم كان سيكون فيلسوفاً، رساما أو موسيقياً، لكنه مات من دون أن يتسنى له الإفصاح عما هو فيه عما تحتاجه إنسانيتنا من فرادة في الأنواع الحيوانية لا الإنسانية. ألا يستأهل منا ذلك بعض الأسف؟
كلب الرئاسة يضفي عليها وقارا حيوانيا؟
حين تهبط طائرة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في حديقة «بيتهم» الأبيض يُخرج كلبه قبل أن يُتحفنا بطلته المُهيبة.
أفي هذا دلالات أبعد مما تمثله مرافقة هذا الكائن من عض لكل من تسول له نفسه الاقتراب من ملكية الراعي لغنماته؟
نعم الدلالة الأسطع في ذلك هي الإضفاء على دبلوماسية الهيئة الرئاسية وقارا حيوانياً، كي لا نصدق كثيرا تهذيب الناطقين باسمه ولا عطف ورحمة سفرائه الميامين؛ ففي هذه المرافقة (مرافقة الكلب) رسالة تتبطن خبثا مضمرا في استخفافها بمشاعر المهانين ـ الجوعانين الكثر لكي يعتبروا بالخضوع إلى قوة سيدهم العصري وفي هذه الحال لو كان باستطاعته (بوش) تدجين نمرٍ لمرافقته في جولاته التلفزيونية لفعل الرئيس ذلك بالتأكيد.
من يقرأ نيتشه لا يُصاب بالدهشة من قدرة هذا الفيلسوف على تعرية أشيائنا من مغلفاتها الأخلاقية فحسب بل ينتفض من سبات نومه في قعر «قنينة الحياة»، ليستيقظ وحده والناس نيام ليستيقظ على ما يخاله الآخرون يقظة في نومهم المخدر بإله واحد وزوجة واحدة وإيمان مطلق.
فإذا ما كان النوم يريحنا من مشقة التفكير فإن جنون نيتشه كان نتيجة لانعدام نومه ربما نتيجة لأرق وقلق منعاه من أن يغمض له جفن طيلة حياته.
جمعية الرفق بالحيوان لم تشملنا برفقها
من المؤكد أن من بين ضحايا المجازر المريعة لقبائل «التوتسي والهيتوس» في (رواندا) ثمة طفل لا يعلم بأن في حضارة هذا العالم جمعية للرفق بالحيوان وإلّا كان سيُحاط برفق إنسانها المريع في سخطه على قتل الفيلة في أوغندا خوفا من «انقراض النوع».
أكم فقدت الإنسانية من أنواع في الخمسين ألف قتيل فيما لو قدر لواحد من هؤلاء الأطفال أن يتربى على موسيقى بيتهوفن وكتابات نيتشه ورسومات ڤان غوغ؟
صدق إذاً، أن واحدا من بينهم كان سيكون فيلسوفاً، رساما أو موسيقياً، لكنه مات من دون أن يتسنى له الإفصاح عما هو فيه عما تحتاجه إنسانيتنا من فرادة في الأنواع الحيوانية لا الإنسانية. ألا يستأهل منا ذلك بعض الأسف؟
كلب الرئاسة يضفي عليها وقارا حيوانيا؟
حين تهبط طائرة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في حديقة «بيتهم» الأبيض يُخرج كلبه قبل أن يُتحفنا بطلته المُهيبة.
أفي هذا دلالات أبعد مما تمثله مرافقة هذا الكائن من عض لكل من تسول له نفسه الاقتراب من ملكية الراعي لغنماته؟
نعم الدلالة الأسطع في ذلك هي الإضفاء على دبلوماسية الهيئة الرئاسية وقارا حيوانياً، كي لا نصدق كثيرا تهذيب الناطقين باسمه ولا عطف ورحمة سفرائه الميامين؛ ففي هذه المرافقة (مرافقة الكلب) رسالة تتبطن خبثا مضمرا في استخفافها بمشاعر المهانين ـ الجوعانين الكثر لكي يعتبروا بالخضوع إلى قوة سيدهم العصري وفي هذه الحال لو كان باستطاعته (بوش) تدجين نمرٍ لمرافقته في جولاته التلفزيونية لفعل الرئيس ذلك بالتأكيد.
صفحة 7
منسيَّة ابن خلدون
حين استرسل ابن خلدون في تحليله لأسباب العمران البشري وفق إلى حدٍّ كبير في التقاط العناصر ـ العوامل الآيلة إلى نهضة الأمم وانحلالها حيث شكلت «العصبية» بنظره محور استجماع الشعوب لقواها الاقتصادية والسياسية مما رتب على انعدامها أو ضمورها تداعيا في القدرة على التحكم بالمرافق الحيوية لبناء الدولة وإدامة عمرها أيا كانت طبيعتها أميرية أم ملكية وتوتاليتارية أم ليبرالية إلخ...
لكن ما لم يقله في حديثه «السوسيوسياسي» أفصحت عنه سيكولوجيا السياسة لدى الفاعلين والمنفعلين على حدٍّ سواء فالناس صنفان: من يمارس السياسة ومن تُمارس عليه السياسة. ليتبين عندها أن للانتصار مفاعيل خطرة على سلوك المنتصر لا لجهة استعلائه في تعامله مع أمور المهزوم فحسب وإنما لعمى استرخائه في الحالة التي يغتبط بها انتشاءً، يمنعه من تقدير قوته وإمكاناته الحقيقية.
لذا غالبا ما يغفو المنتصر باستئناسه في الحالة التي تجعل من انتصاره الراهن هزيمة لاحقة وذلك نتيجة المبالغة في تقدير قوته والمغالاة في تبخيس قوة المهزوم. فباستلاب المنتصر إلى انتصاره تبدأ إرهاصات العد العكسي لنُبوت هزيمة مضمرة خلف بريق المظهر السلطوي ذاك الذي يسيطر على أدائه في النواحي كافة وبالعكس توقظ الهزيمة صاحبها من سبات تقديره الخاطىء لما كان يعيش فيه ولما كان يعتاش عليه من استقرار منضبط بكوابح انتصاره القديم فيعيد النظر بأموره لإعادة ترتيب بيته المتصدع صار من جراء الارتكان إلى ما كان يحيا به من أوهام عظمة لم تشفع لقياصرة اليونان ولا الرومان بالأمس البعيد مثلما لم ترحم الفوهرر الألماني ولا الامبراطور الياباني حينما خاضا حربا عالمية أدت بهما إلى الانكسار ومن ثم الانحسار نفسه الذي ساعد كلا الأمتين بالأمس القريب إلى أن تغدو المانيا واليابان رقما اقتصاديا صعباً، قد يمهد السبيل لأن تعودا رقما سياسيا أصعب.
أما من مذكِّر لأرباب السياسة الأميركية بالأمثولة هذه التي لم يعتبر بها رئيسهم «بوش» في إعلانه المفعم بالاستعلاء والغرور «مطلوب حيا أو ميتاً»؟
لقد غاب عن ابن خلدون أن مؤشر عمر الدولة مرتبط بمستوى تواضعها أيضاً.
المرأة عند نيتشه
تصطدم عبقرية نيتشه واستشرافاته الخلّاقة لما لا يعلمه بني البشر العاديين بانكساره المخزي أمام المرأة المنمذجة ـ المنمطة عنده بصورة حبه المرذول من قبلهن؛ فإذا كان في نسوة نيتشه خطب ما علينا تذكر «كوزيما ـ زوجة فاغنر»، وإلا ما كنا لنفهم غضبه وسخطه على «فاغنر»، وما كان ليحتل قرفه منه الحيز الواسع في نقده لموسيقاه المرفوضة من نيتشه رفضه لحقيقة تفضيلها «فاغنر» عليه.
حين استرسل ابن خلدون في تحليله لأسباب العمران البشري وفق إلى حدٍّ كبير في التقاط العناصر ـ العوامل الآيلة إلى نهضة الأمم وانحلالها حيث شكلت «العصبية» بنظره محور استجماع الشعوب لقواها الاقتصادية والسياسية مما رتب على انعدامها أو ضمورها تداعيا في القدرة على التحكم بالمرافق الحيوية لبناء الدولة وإدامة عمرها أيا كانت طبيعتها أميرية أم ملكية وتوتاليتارية أم ليبرالية إلخ...
لكن ما لم يقله في حديثه «السوسيوسياسي» أفصحت عنه سيكولوجيا السياسة لدى الفاعلين والمنفعلين على حدٍّ سواء فالناس صنفان: من يمارس السياسة ومن تُمارس عليه السياسة. ليتبين عندها أن للانتصار مفاعيل خطرة على سلوك المنتصر لا لجهة استعلائه في تعامله مع أمور المهزوم فحسب وإنما لعمى استرخائه في الحالة التي يغتبط بها انتشاءً، يمنعه من تقدير قوته وإمكاناته الحقيقية.
لذا غالبا ما يغفو المنتصر باستئناسه في الحالة التي تجعل من انتصاره الراهن هزيمة لاحقة وذلك نتيجة المبالغة في تقدير قوته والمغالاة في تبخيس قوة المهزوم. فباستلاب المنتصر إلى انتصاره تبدأ إرهاصات العد العكسي لنُبوت هزيمة مضمرة خلف بريق المظهر السلطوي ذاك الذي يسيطر على أدائه في النواحي كافة وبالعكس توقظ الهزيمة صاحبها من سبات تقديره الخاطىء لما كان يعيش فيه ولما كان يعتاش عليه من استقرار منضبط بكوابح انتصاره القديم فيعيد النظر بأموره لإعادة ترتيب بيته المتصدع صار من جراء الارتكان إلى ما كان يحيا به من أوهام عظمة لم تشفع لقياصرة اليونان ولا الرومان بالأمس البعيد مثلما لم ترحم الفوهرر الألماني ولا الامبراطور الياباني حينما خاضا حربا عالمية أدت بهما إلى الانكسار ومن ثم الانحسار نفسه الذي ساعد كلا الأمتين بالأمس القريب إلى أن تغدو المانيا واليابان رقما اقتصاديا صعباً، قد يمهد السبيل لأن تعودا رقما سياسيا أصعب.
أما من مذكِّر لأرباب السياسة الأميركية بالأمثولة هذه التي لم يعتبر بها رئيسهم «بوش» في إعلانه المفعم بالاستعلاء والغرور «مطلوب حيا أو ميتاً»؟
لقد غاب عن ابن خلدون أن مؤشر عمر الدولة مرتبط بمستوى تواضعها أيضاً.
المرأة عند نيتشه
تصطدم عبقرية نيتشه واستشرافاته الخلّاقة لما لا يعلمه بني البشر العاديين بانكساره المخزي أمام المرأة المنمذجة ـ المنمطة عنده بصورة حبه المرذول من قبلهن؛ فإذا كان في نسوة نيتشه خطب ما علينا تذكر «كوزيما ـ زوجة فاغنر»، وإلا ما كنا لنفهم غضبه وسخطه على «فاغنر»، وما كان ليحتل قرفه منه الحيز الواسع في نقده لموسيقاه المرفوضة من نيتشه رفضه لحقيقة تفضيلها «فاغنر» عليه.
صفحة 8
الذوق مطواع للجيد كما للسيئ
لم أجرؤ إلى الآن على الاعتراف بما لم يعترف به السواد الأعظم من المغنين الكاذبين بالقول: إنني لا أستمتع بلحن ولا بغناء محمد عبد الوهاب ولا أدري ما إذا كان يستمد هذا الموسيقار حصانته النقدية من جُبننا أم من جهلنا المتوارث بتاريخ الموسيقى العربية.
ولعل عدم استئناسي بألحانه يعود إلى ما اعتادت على سماعه أذني من ألحان وأغانٍ مبتذلة أو ربما كان ابتذال موسيقى اليوم نابعا من أرستقراطية موسيقاه المهجنة كانت بـ «نوتات» شرعت الباب أمام مقلدي اليوم لاستكمال استيرادهم الموسيقي المرذول في الأصل. وإذا ما أحسنا الظن فقد نعزو عدم رغبتنا في سماع عبد الوهاب إلى المستوى الذوقي الهابط في إدراكاتنا الحسية التي تسكر بالويسكي السكوتلندية بأكثر من العرق البلدي مع أن عتق الخمرة هو من أصالتها فالعرق لن يغدو «فودكا» ولا «الويسكي» أيضاً، مثلما لن يتحول «القصبجي» إلى «عمرو دياب».
مقتل العقل في لجامه
إن الدعوة إلى اعتماد العقل في النظر إلى معتقداتنا لا يعني تحكيمه بأشياء وإبطاله بأشياء أخرى فهذا محال؛ فللعقل آليته التي قد تذهب بنا إلى ما يخافه حراس العقيدة هؤلاء المنتفعون بوظائفهم العاملة على حماية الهياكل القديمة من تدنيس العقول الحرة.
لذا فإن أساس التخلف هو في وضع حدود للمسموح والممنوع أمام العقل فلا يمكن استعمال نصف عقلنا هنا... مثلما لا يمكن تشريعه في هذا ومنعه في ذاك.
لكي تُبدع عليك أن تكون مفرطا في حب ذاتك
كثيرا ما يحار الناس بشأن الكُتَّاب والفنانين الذين أحجموا عن الزواج وقد نسوا أن الزواج هو تسوية من النوع الذي يتطلب مشاركة تشترط التخلي عن حب الذات المفرط الذي يكنه الشاعر لقصيدته والرسام للوحاته.
لم أجرؤ إلى الآن على الاعتراف بما لم يعترف به السواد الأعظم من المغنين الكاذبين بالقول: إنني لا أستمتع بلحن ولا بغناء محمد عبد الوهاب ولا أدري ما إذا كان يستمد هذا الموسيقار حصانته النقدية من جُبننا أم من جهلنا المتوارث بتاريخ الموسيقى العربية.
ولعل عدم استئناسي بألحانه يعود إلى ما اعتادت على سماعه أذني من ألحان وأغانٍ مبتذلة أو ربما كان ابتذال موسيقى اليوم نابعا من أرستقراطية موسيقاه المهجنة كانت بـ «نوتات» شرعت الباب أمام مقلدي اليوم لاستكمال استيرادهم الموسيقي المرذول في الأصل. وإذا ما أحسنا الظن فقد نعزو عدم رغبتنا في سماع عبد الوهاب إلى المستوى الذوقي الهابط في إدراكاتنا الحسية التي تسكر بالويسكي السكوتلندية بأكثر من العرق البلدي مع أن عتق الخمرة هو من أصالتها فالعرق لن يغدو «فودكا» ولا «الويسكي» أيضاً، مثلما لن يتحول «القصبجي» إلى «عمرو دياب».
مقتل العقل في لجامه
إن الدعوة إلى اعتماد العقل في النظر إلى معتقداتنا لا يعني تحكيمه بأشياء وإبطاله بأشياء أخرى فهذا محال؛ فللعقل آليته التي قد تذهب بنا إلى ما يخافه حراس العقيدة هؤلاء المنتفعون بوظائفهم العاملة على حماية الهياكل القديمة من تدنيس العقول الحرة.
لذا فإن أساس التخلف هو في وضع حدود للمسموح والممنوع أمام العقل فلا يمكن استعمال نصف عقلنا هنا... مثلما لا يمكن تشريعه في هذا ومنعه في ذاك.
لكي تُبدع عليك أن تكون مفرطا في حب ذاتك
كثيرا ما يحار الناس بشأن الكُتَّاب والفنانين الذين أحجموا عن الزواج وقد نسوا أن الزواج هو تسوية من النوع الذي يتطلب مشاركة تشترط التخلي عن حب الذات المفرط الذي يكنه الشاعر لقصيدته والرسام للوحاته.
صفحة 9
لماذا كان وله نابليون بجوزفين ـ عفوا ماري روز
لا يهبط الحب من فضاء الميتافيزيقيات ولا هو منَّة قدر إلهي بل أن سموه وتعاليه هو من تمظهره بقربان التضحية لأمثال «روميو وجولييت»، وقيس وليلى... إلخ وإذا ما تخلصنا من أحجية النعوت الأخلاقية لفعل الإخلاص أو العفة والنزاهة في هذه الشهادات الشواهد لتوصلنا إلى نتيجة مذهلة مفادها: إن الحب ليس سوى تحدٍّ عمن يكون الحبيب أو بالأحرى تتوقد نار الحب من اختلاف الوضعية الاجتماعية للعاشقين وإلّا ما كان لتلتهم ناره نابليون الوله بالأصول الأرستقراطية لجوزفين عفوا لماري روز أكثر من ولهه بشخصها لا بل أن شخصها يمثل كل ما كان يفتقده نابليون في تربيته قبل أن يكتشف وهم البحث عن عظمة ستبقى متعطشة إلى ما كان يفتقده ولن ترتوي بما صار يمتلكه.
عود على ذي بدء
إن المعنى غير العادي (فوق الواقعي) الذي يضفيه البشر العاديون على رموزهم العقائدية والعاطفية حتى يرتبط بالحاجة إلى تلبية شوقهم لما هو فوق إرادتهم إلى ما يعتقدونه أسمى من واقعهم إله الحب مات فعاشت قصة روميو وجولييت وإله التضحية دفن. فاستولد تشي غيفارا رمزا للتفاني والتضحية بالذات؛ لربما من هذه العبر استخلص نيتشه مفهوم صيرورة العودة الأبدية.
هكذا إذاً...
إذا كانت أمجاد التراث تعزز ثقة الشعوب بنفسها إلا أن مخاطرها أفدح إذا ما أسرفت في اعتزازها بما كان عليه الأجداد لأن هذا من شأنه أن يعوق ما يجب أن يكونه الأحفاد.
فالتقدم يستوجب النظر إلى الأمام بأكثر من التحديق «النوستالجي» بالوراء؛ ولعل تفوق أميركا وتفردها بالهيمنة على عالم اليوم يعود إلى أن لاوراء لديها... لا أجداد لأحفادها ولا تراث لعقائدييها.
لا يهبط الحب من فضاء الميتافيزيقيات ولا هو منَّة قدر إلهي بل أن سموه وتعاليه هو من تمظهره بقربان التضحية لأمثال «روميو وجولييت»، وقيس وليلى... إلخ وإذا ما تخلصنا من أحجية النعوت الأخلاقية لفعل الإخلاص أو العفة والنزاهة في هذه الشهادات الشواهد لتوصلنا إلى نتيجة مذهلة مفادها: إن الحب ليس سوى تحدٍّ عمن يكون الحبيب أو بالأحرى تتوقد نار الحب من اختلاف الوضعية الاجتماعية للعاشقين وإلّا ما كان لتلتهم ناره نابليون الوله بالأصول الأرستقراطية لجوزفين عفوا لماري روز أكثر من ولهه بشخصها لا بل أن شخصها يمثل كل ما كان يفتقده نابليون في تربيته قبل أن يكتشف وهم البحث عن عظمة ستبقى متعطشة إلى ما كان يفتقده ولن ترتوي بما صار يمتلكه.
عود على ذي بدء
إن المعنى غير العادي (فوق الواقعي) الذي يضفيه البشر العاديون على رموزهم العقائدية والعاطفية حتى يرتبط بالحاجة إلى تلبية شوقهم لما هو فوق إرادتهم إلى ما يعتقدونه أسمى من واقعهم إله الحب مات فعاشت قصة روميو وجولييت وإله التضحية دفن. فاستولد تشي غيفارا رمزا للتفاني والتضحية بالذات؛ لربما من هذه العبر استخلص نيتشه مفهوم صيرورة العودة الأبدية.
هكذا إذاً...
إذا كانت أمجاد التراث تعزز ثقة الشعوب بنفسها إلا أن مخاطرها أفدح إذا ما أسرفت في اعتزازها بما كان عليه الأجداد لأن هذا من شأنه أن يعوق ما يجب أن يكونه الأحفاد.
فالتقدم يستوجب النظر إلى الأمام بأكثر من التحديق «النوستالجي» بالوراء؛ ولعل تفوق أميركا وتفردها بالهيمنة على عالم اليوم يعود إلى أن لاوراء لديها... لا أجداد لأحفادها ولا تراث لعقائدييها.
صفحة 10
هكذا إذاً!!؟؟
الحزم ضرورة ديالكتيكية أيضا
هل أن الفهم الأيديولوجي هو الذي يحدد الفعل السياسي؟ أم أن الفعل السياسي هو الذي يحدد الفهم الأيديولوجي؟ سؤال إشكالي لم يُجب عليه ماركس إنما تهرب منه بذكاء ديالكتيكي.
تبجيل الغائب
إن قداسة رموز اليوم ليست من ماضيهم وإن كان في العتق شيء من مهابة الديمومة وأصالة الندرة لحاضر فيه من المكتنزات ـ الإنجازات الكثير مما كان يتشوق إليه القدماء ومع هذا لن تغدو مبجلة إلا بعد حين فالتبجيل صفة ملازمة للانقضاء هذا ما عرَّفنا إليه تعبد المسيحيين بمسيحهم والشيوعيين بماركسهم.
أيقونة زمنية
الندرة في الحاضر ليس مما يتوافره الحاضر أيا كان ثمنه إنما من أيقونة ماضٍ، قيمته من قيمة حسرتنا على انقضاء زمن وجودها السابق. كلنا يعيش داخل هذه الدوامة دوامة وجودنا اللاحق ريثما يغدو اللاحق سابقاً.
الحزم ضرورة ديالكتيكية أيضا
هل أن الفهم الأيديولوجي هو الذي يحدد الفعل السياسي؟ أم أن الفعل السياسي هو الذي يحدد الفهم الأيديولوجي؟ سؤال إشكالي لم يُجب عليه ماركس إنما تهرب منه بذكاء ديالكتيكي.
تبجيل الغائب
إن قداسة رموز اليوم ليست من ماضيهم وإن كان في العتق شيء من مهابة الديمومة وأصالة الندرة لحاضر فيه من المكتنزات ـ الإنجازات الكثير مما كان يتشوق إليه القدماء ومع هذا لن تغدو مبجلة إلا بعد حين فالتبجيل صفة ملازمة للانقضاء هذا ما عرَّفنا إليه تعبد المسيحيين بمسيحهم والشيوعيين بماركسهم.
أيقونة زمنية
الندرة في الحاضر ليس مما يتوافره الحاضر أيا كان ثمنه إنما من أيقونة ماضٍ، قيمته من قيمة حسرتنا على انقضاء زمن وجودها السابق. كلنا يعيش داخل هذه الدوامة دوامة وجودنا اللاحق ريثما يغدو اللاحق سابقاً.