eKtab
EN ع
إدارة الصراع في المؤسسات التربوية
اقرأ عينة مجانية

إدارة الصراع في المؤسسات التربوية

بقلم د. ليلى عبد الحليم قطيشات

صفحة 1

الفصـــــل الأول

أهمية الكفايات المهنية

مـقـدمــة

تعيش المجتمعات الانسانية اليوم تسارعا في التطور والتقدم في شتى المجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها، مما أثر في أساليبنا من حيث : التفكير، والعمل، والأداء، والإدارة، فمن يريد أن ينافس وينجح في عالم اليوم، يجب أن يركز على إدارة المعرفة، وأن يمارس قيادة تسعى لخلق البنية التنظيمية الاجتماعية التي ترتكز على تنمية الرأسمال البشري .

فالعنصر البشري اليوم يعد من أهم الموارد وأثمنها " الإنسان أغلى ما نملك، وإنه الثروة الأساسية " (وزارة التربية والتعليم، 1988 :4) خاصة إذا كان هذا الإنسان مزودا بالعلم والمعرفة والإيمان والخلق والطموحات، ومؤهلا تأهيلا قويما، ينمي قدراته ويبرز إمكاناته، ويطلق طاقاته وإبداعاته، مما جعل تقدم الأمم وتطورها يرتبط ارتباطا عضويا بمقدار ما تمتلكه من ثروة بشرية ؛ لأنها البنية الأساسية التي تعطي للمجتمع القوة والتماسك والعمل المنتج الخلاق . وبما أن النظام التربوي هو المسؤول عن إعداد العنصر البشري إعدادا متكاملا ومتوازنا من جميع جوانب شخصيته، وبوساطته تتم تنمية الكوادر والطاقات البشرية لتكون قادرة على تطوير المجتمع وتقدمه، لذا فإن تطور مجتمعات اليوم ونماءها يتوقف على درجة فاعلية النظام التربوي فيها، فهو الركيزة الأساسية للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في تنفيذ نشاطاتها، وهو الذي يزود قطاعات المجتمع التنموية المتعددة بالموارد البشرية المدربة والمؤهلة القادرة على استثمار ما لدى تلك المجتمعات من موارد وإمكانات متنوعة " وإدراكا من الدول للدور الرئيس الذي تلعبه المنظمات التربوية في إكساب الفرد المهارات اللازمة للتعايش بالمجتمعات المعاصرة القائمة على المعلومات والمعرفة، فإن إعادة النظر بالهياكل التعليمية القائمة سيكون حاجة ملحة " (Carnoy, 1999: 4)، إن التطورات والتغيرات المتسارعة التي يعيشها عالمنا اليوم والتي تنعكس على النظام التربوي في جميع عملياته، لا يستطيع الإداري التربوي أن يتجاهلها، بل عليه أن يتفاعل معها، كما أنه ملزم بخلق بيئة صالحة لهذا التطور ليكون أقدر على مواجهة التحديات والصراعات التي تفرضها عليه هذه التطورات، مما يستدعي اتخاذ الخطوات المناسبة لتطوير فاعلية العاملين في النظام التربوي وتكيّفهم مع المتطلبات المتجددة والتحديات التي تواجههم، من خلال تطوير وتحسين قدراتهم وكفاياتهم، للتعامل الفاعل مع مستجدات العصر وتقنياته، فالإنسان الفعال في عالم الغد، هو الإنسان متعدد المهارات، متنوع الكفايات " فهذا التحول يفرض على التربية أن تبدأ بإنتاج عمالة من نوع متطور لخوض غمار سوق جديدة ذات طبيعة تنافسية بين من يملكون مهارة الاتصال والتسويق والحوسبة، ومن لا يملكون " (عويدات، 1999 : 63) .

وبما أن مدير المدرسة يقع في قمة الهيكل التنظيمي للمدرسة، فإنه يتحمل العبء الأكبر في قيادة الأفراد، والجماعات، وتنسيق جهودها، وتوجيهها، في عمليات التخطيط والتوجيه والتنسيق والتنفيذ والتقويم باعتباره قائدا تربويا تناط به مهام حيوية . إذ تقع على عاتقه مسؤولية قيادة التنمية المهنية للعاملين في المدرسة، وإطلاق طاقاتهم وقدراتهم نحو الإبداع والتطوير، واتخاذ الخطوات اللازمة لتطوير البرامج التعليمية بصفة خاصة والعمل التربوي بصفة عامة، وله دور فاعل في تحسين العملية التعليمية . وحتى ينجح مدير المدرسة في أداء المهام المكلف بها بدقة وإتقان، فإنه يحتاج إلى إكساب مجموعة من الكفايات الفنية التي تمكنه من ممارسة دوره القيادي التربوي، ومجموعة من الكفايات الإنسانية التي تمكنه من التعامل بنجاح مع الهيئة التعليمية والإدارية بالمدرسة، ومجموعة من الكفايات الإدارية التي تمكنه من تخطيط العمل وتوجيه وترتيب الأولويات واستشراف المستقبل (أحمد،1997)، إذ أن نجاح المدرسة في تحقيق أهدافها ورسالتها مرتبط بالكيفية التي يدير بها المدرسة، وبالأسلوب القيادي الذي يمارسه، وبالكفايات المهنية التي يمتلكها، كما أن نجاح وفاعلية مدير المدرسة تنطلق من بعد عمق خلفيته المعرفية وكفاياته المهنية، فالسلوك الإنساني الفاعل ثمرة الكفاية، كما استنتج مرسي (1985) أنه بمقدار ما يتمتع به المدير من صحة نفسية وجسمية وخبرة واعية بالإضافة إلى إعداد مهني ومعرفي بمقدار ما ينعكس ذلك إيجابيا على عمل المدير القيادي في المدرسة .

وذكر كنعان (1995، 318) " أن معظم علماء الإدارة يقسّمون الكفايات اللازمة لنجاح القادة الإداريين إلى : الكفايات الفنية، والكفايات الإنسانية، والكفايات الإدراكية "، كما أشار الهواري (1996) إلى أن إدارة المدرسة عملية تتطلب كفايات فكرية / معرفية، وكفايات إنسانية، بالإضافة إلى الكفايات الفنية، أما نبراوي (1993) فقد ذكر أهم الكفايات التي يجب أن تتوافر لدى مدير المدرسة وهي : كفايات التخطيط، وكفايات التنظيم، وكفايات الاتصال، وكفايات العلاقات العامة، وكفايات إدارة الموارد المالية، وكفايات إدارة شؤون الأفراد، وقدرته على معالجة المشكلات، وقدرته على التغيير والتجديد والابتكار، وأكد السلمي(1984) على ضرورة توافر عدد من الكفايات الفنية، والفكرية، والإنسانية للمدير حتى يتمكن من ممارسة مهامه القيادية بفاعلية ونجاح، كما جاء في (الطويل، 1999 : 30) أن الدراسة التي قام بها جريفث(Griffiths) أثبتت أن " ما يميز المسؤول والقائد التربوي الناجح يكمن في مدى قدرته على توظيف قدراته وكفاياته الإدراكية، والإنسانية، والفنية نحو العمل البنّاء، ومواجهة المشكلات والعقبات التي قد تعترض طريق تقدمه نحو تحقيق أهداف المدرسة والمجتمع المحلي وتنفيذ السياسات التعليمية المنبثقة من فلسفة الدولة وأهدافها " في الفصول اللاحقة تفصيل لمضمون هذه الكفايات، بهدف تبيان علاقتها وأهميتها لمدير المدرسة .

صفحة 2

1. الكفايات الإدراكية ( ذهنية / تصورية)

تتعلق هذه الكفايات بمدى كفاءة المدير وقدرته على رؤية مدرسته كنظام، وفهمه للترابط بين أجزائه ونشاطاته، وإدراك أثر العلاقات والتغيرات في أي جزء من أجزائه على المدرسة ككل، وكذلك قدرة مدير المدرسة على إدراك شمولية العملية التربوية، وفهم علاقات العاملين بالمدرسة، وعلاقة المدرسة بالمجتمع المحلي، كما أشار أحمد (1997) أن من أبرز الكفايات العقلية للمدير تمتعه بفلسفة واضحة وعميقة، وصحة عقلية جيدة وسعة الاطلاع، وفهم حاجات المجتمع ومتطلباته، وذكر المقابلة وشديفات (1992) ضرورة امتلاك مدير المدرسة تصورا ذهنيا وعقليا للأمور المحيطة بالمدرسة والمتغيرات الداخلية والخارجية وأثرها على العمل المدرسي، فضلا عن تمتعه بمهارات عقلية أخرى كالذكاء والإبداع والتصرف السليم في حل المشكلات التي تواجه المدرسة، وأن يكون ذا تفكير مرن ومستقل وعلمي قائم على التحليل المنطقي والاستنتاج السليم، بالإضافة إلى تمتعه بروح الدعابة والمرح والتي تعد جانبا هاما من جوانب الذكاء .

إذن فاعتماد مدير المدرسة أثناء أدائه لمهامه وواجباته على الكفايات الإدراكية التي يمتلكها، ينعكس إيجابيا على سلوك مرؤوسيه ويطبع تصرفاتهم بطابع يتميز بالإبداع والابتكار، كما تخلق منهم مجموعة متعاونة متناغمة، مما يؤدي إلى تحقيق أهداف المدرسة بفاعلية .

2. الكفايات الإنسانية

تشير الكفايات الإنسانية إلى قدرة مدير المدرسة على التفاعل الإيجابي مع مرؤوسيه، وتنسيق جهودهم، وخلق روح التعاون والعمل الجماعي بينهم، ويتطلب ذلك استعداد المدير لفهم الآخرين، وتقبل آرائهم وميولهم واتجاهاتهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أفكارهم ومشكلاتهم، وإشباع حاجاتهم، وإشراكهم في عمليات اتخاذ القرار لما لذلك من أثر على روحهم المعنوية، وشعورهم بالأمن والطمأنينة، وإطلاق طاقاتهم وإبداعاتهم . وأشار حجي (2000) إلى جانب هام في الكفايات الإنسانية وهو جانب العلاقات الإنسانية سواء كانت فردية أم جماعية، إذ ينفق مدير المدرسة ما يعادل (90%) من وقته في العمل مع الناس وهذا يتطلب من المدير امتلاك كفايات إنسانية تساعده على التفاعل الإيجابي مع الآخرين، كما يتطلب من المدير مزيدا من الثقة بالنفس والنضج الانفعالي لتقبل النقد وتوجيهه بطريقة تساعد على التطوير والبناء . وذكر عابدين (2001) أن من أبرز الكفايات الإنسانية للقائد التربوي هي قدرته على الاتصال والتواصل الفاعلين مع الآخرين، وقدرته على مجابهة الأوضاع التي تتطلب الضغط والإرهاق النفسي والجسدي، لأن العمل في مجال الإدارة يفرز الكثير من المتاعب والضغوطات والصراعات مما ينعكس على صحة الفرد وتكيفه مع المحيط، وأضاف مرعي وبلقيس (1992) أن سمة الديمقراطية في القائد التربوي هي من أبرز الكفايات الإنسانية للمدير إذ أن وجود المناخ الديمقراطي في المدرسة يساعد على النمو المهني للعاملين، في بيئة تساعد على الراحة والطمأنينة، ويشيع جوا من الثقة المتبادلة والتجاوب مما يسهل حل المشكلات والصراعات بين المدير والعاملين الأمر الذي يسهم إسهاماً فاعلاً في تفعيل دور مدير المدرسة كقائد تربوي في المدرسة .

3. الكفايات الفنية

ينظر إلى الكفايات الفنية على أنها المعرفة العلمية المتخصصة، وما يرتبط بها من حقائق ومفاهيم وأسس متوافرة لدى مدير المدرسة، تمكنه من القيام بمهامه ومسؤولياته، ومن تحويل الأفكار النظرية إلى ممارسات عملية، ومن فهم النظام التعليمي وقوانينه وتشريعاته، فالكفايات الفنية ترتبط بمهام مدير المدرسة ومسؤولياته ، سواء أكانت مسؤوليات إدارية، أم تربوية، أم إشرافية، وذلك بما يساعده على الوفاء بمتطلبات عمله للوصول إلى الهدف المنشود(العمايره، 2002) .

والكفايات الفنية تتعلق بالأساليب والطرائق التي يستخدمها مدير المدرسة في ممارسته عمله والقيام بمسؤولياته، ومعالجته للمواقف التي يصادفها بأسلوب تربوي، وتتطلب الكفايات الفنية توافر قدر ضروري من المعلومات والأصول العلمية والفنية التي يتطلبها العمل الإداري، وهكذا ترتبط الكفايات الفنية بالجانب العملي في الإدارة . ويمكن الحصول على الكفايات الفنية بالدراسة، والتعلم، والتدريب، والخبرة (عابدين، 2001)، ومن أهم الخصائص المميزة للكفايات الفنية كما أشار إليها العمايره (2002) .

1. أنها أكثر تحديدا من الكفايات الأخرى، بحيث يمكن التحقق من توافرها لدى مديري المدارس بسهولة من خلال أدائهم لأعمالهم .

2. أنها تتميز بالمعرفة الفنية العالية والمقدرة على التحليل وعلى تبسيط الإجراءات المتبعة في استخدام الأدوات والوسائل الفنية اللازمة لإنجاز العمل.

3. أنها أسهل في اكتسابها وتنميتها من المهارات الأخرى .

وقد اتفق الباحثون أمثال العمايره (2002) وعابدين (2001) والمقابلة وشديفات (1992) على أهمية الكفايات الفنية لمدير المدرسة، لمساعدته على القيام بمهامه ومسؤولياته في مجالات شتى منها : ما يتعلق بتحسين المنهاج وتطويره، والإسهام في تحديد أهدافه ومحتوياته والتسهيلات اللازمة لتنفيذه وتوجيهه الوجهة الصحيحة، ومن هذه المجالات أيضا ما يتعلق بشؤون الطلبة، كتوفير سجلات وخدمات إرشادية وصحية لهم، وتوفير البيئة التي تحفزهم نحو الإنجاز والإبداع والابتكار، ومنها ما يتعلق بالعاملين ونموهم المهني، والإشراف الفني عليهم .

وإدراكا من وزارة التربية والتعليم لأهمية مدير المدرسة بوصفه أحد العناصر الفاعلة في العملية التربوية، وبأنه القائد للتغيير الحقيقي في الميدان التربوي، بما يوفره من بيئات تعليمية ـ تعلمية مساندة تساعده على إحداث التطوير المنشود، ولتفعيل دوره وتجديده وتجويده بما ينسجم مع متطلبات العصر ومستجداته وتحدياته، فقد أولت وزارة التربية والتعليم تنمية قدرات وكفايات مدير المدرسة وتجويد نوعيتها اهتماما خاصا وذلك بإتاحة فرص النمو المهني للمدير من خلال تنظيم برامج نوعية للتدريب، وإعادة التدريب، وبناء على ذلك، وضعت خطة لتنمية مديري المدارس وتدريبهم بهدف إكسابهم الكفايات المهنية اللازمة ؛ كي يكونوا قادرين على الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية والتقنية، ومواجهة المشكلات والتحديات التي تعترض طريقهم بكفاءة وفاعلية (وزارة التربية والتعليم، 2000) . كما جاءت خطة التطوير التربوي التي انبثقت عن المؤتمر الوطني الثاني للتطوير التربوي الذي انعقد في المركـز الثقافـي الملكـي في عمــان في الفتـرة مــن 6ـ7 /12/1999، لتؤكد على ضرورة تنمية قدرات وكفايات مديري المدارس ؛ لتتناغم مع متطلبات العصر ومستجداته ولأداء الدور التطويري المتوقع منهم (مؤتمن، 2003 :12) .

صفحة 3

يتضح مما سبق أن الأهمية النسبية للكفايات تكمن في أنها تساعد على تحسين أداء مديري المدارس وتجعل من قراراتهم أكثر واقعية وقابلة للنجاح، مما يتطلب أن تتوافر لدى هذا المدير كفايات مهنية تشكل إطارا مرجعيا ومنطلقا لازما ؛ لإنجاح تفاعله مع المهام والأدوار التي يقوم بها، إذ أن فاعلية المدرسة وتميزها يتوقف على مدى امتلاك مديرها لكفايات مهنية تنعكس على تجويد أدائه، فالكفايات المهنية تصل بمدير المدرسة إلى درجة الاحتراف المهني في مجال عمله " إن إلمام مدير المدرسة بقواعد تربوية وتطورات تقنية على صعيد الأداء التعليمي واستراتيجيات التعلم سيجعل منه مديرا قادرا على التوجيه والإرشاد والتقويم للفريق العامل معه إضافة إلى الطلبة "

(Dunne & Deliso, 2001: 4) .

هذا ويواجه المدير أثناء قيامه بواجباته وأدواره العديد من المشكلات والصراعات التي قد تكون ناجمة عن نقص في المعلومات، أو قصور في التخطيط، أونقص في الموارد البشرية أو المادية، أو بسبب اختلاف الأدوار والتوقعات، إذ يقر الفكر الإداري المعاصر أن المدرسة نظام اجتماعي، يتفاعل العاملون فيه بعضهم مع بعض بصفة دائمة، لتحقيق الأهداف التنظيمية، غير أن هذا التفاعل قد يؤدي إلى اتفاق العاملين في بعض المواقف، وتعارضهم واختلافهم في البعض الآخر، وغالبا ما يؤدي هذا التعارض والاختلاف إلى حدوث الصراع الذي " يعد من المشكلات السلوكية الرئيسة التي يواجهها المديرون في عملهم اليومي، ذلك لأن المنظمات بطبيعتها تخلق مواقف حاملة للصراعات، فحينما يكون هناك تفاعل، فإن ظاهرة الصراع حتمية " (اللوزي، 1999 : 74 )، وتفرض التطورات الحديثة للمنظمات التعليمية على مدير المدرسة أخذ تأثيرات الصراع في الحسبان، فلكي ينجح المدير في تحقيق أهداف المدرسة، عليه أن يحقق التفاعل الداخلي للمدرسة، وأن يحفز العاملين على المبادرة والابتكار، وتحقيق التكامل والتعاون الفعال، وذلك عن طريق تشجيع الصراع البناء، والقضاء على أسباب الصراع الضار أو الهدام في المدرسة(مصطفى، 2000 : 425ـ 438) . كما أن مدير المدرسة في هذا العصر يقوم بمهام متنوعة ذات أهمية كبيرة، لتطوير العمل التربوي، وتنمية جوانبه المختلفة، ومن هذه المهام إدارة وحل الصراعات التي قد تنشأ بين أفراد المجتمع المدرسي( الحديدي، 1998 : 5 ) .

وتعد ظاهرة الصراع في المنظمات الحديثة من الظواهر السلوكية المهمة، والمعقدة وشديدة التشابك والتي لا يمكن للمدير كقائد إداري إهمالها، فالتعامل معها وإدارتها جزء لايتجزأ من عمله الإداري، كما أن الصراعات من أهم معوقات العمل لدى المديرين، فإذا لم يتم اختيار الاستراتيجية المناسبة لإدارتها، فإنها تستهلك جهد الإدارة ووقتها في مواجهتها، بدلا من استثمار هذا الجهد والوقت في أنشطة منتجة، وتشتت جهود العاملين بعيدا عن مسار تحقيق الأهداف وتثبط المعنويات والعزائم، وتضعف روح الفريق بين العاملين (مصطفى، 2000 : 445)، ويشير التقرير الذي أصدرته الجمعية الأمريكية للإدارة ( American Management Association ) إلى أنه منذ أكثر من عشرين سنة كان المديرون ونوابهم، يقضون حوالي (25% ) من أوقاتهم في معالجة النزاعات ضمن المنظمات (Lippitt, 1982: 66)، أما بالنسبة إلى الإدارات في المؤسسات التربوية، فنجد أن هذه النسبة كانت مختلفة تماما وتصل إلى (50%) من أوقات الإداريين فيها (Lippitt , 1982 : 67) .

ومع تزايد أعداد الطلبة والعاملين في المدارس، وتزايد اختلافات البيئة الاجتماعية، والثقافية بينهما، فلابد من الافتراض بأن تلك النسب قد ازدادت في يومنا هذا، بازدياد الفروق الفردية والاختلافات في البيئة الواحدة، مما أدى إلى زيادة في سوء الفهم بين الأفراد وضعف كفاءة الاتصال بينهم، وهذا يفرض الحاجة إلى توافر قيادة إدارية مهنية واعية قادرة على مواجهة الصراعات، والقيام بالمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها على أكمل وجه وبأفضل الأساليب .

كما أن وجود قدر معتدل من الصراع في أي مؤسسة، يحقق لها أعلى مستوى من الفعالية، إذا تمت إدارته بطريقة جيدة (شحادة، 1992 : 2)، وينظر علماء العصر الحديث المهتمين بظاهرة الصراع إلى الصراع على أنه مؤشر إيجابي وباعث على ارتفاع مستوى الأداء، إلى الحد الذي ينتج عنه حل إبداعي للمشكلات التي تواجهها، إضافة إلى أن وجود قدر معتدل من الصراع في أي منظمة يمكن أن يساعدها في تحقيق الأهداف التنظيمية بدرجة عالية من الكفاءة، وزيادة القدرة على التطوير والابتكار، وأن القليل من الصراع أو عدم وجوده، يؤدي إلى الركود والجمود والملل والروتين، مما يؤدي إلى تدني الانتاجية، بينما تركه بدون مراقبة بحيـث يزيـد عـن القـدر المعقـول، يؤدي إلى نتائج سلبيـة مثــل؛ التوتــر، والقلق، وانعــدام الثقــة والتعاون بين العاملين، ممــا يـؤدي إلى انخفـاض كفـاءة وفاعليــة المؤسســة (Kreitner& Kinicki , 1992 : 376-377 ) . وعلى مديري المدارس استثمار الصراع لحفز الطاقات والامكانات الإبداعية لدى العاملين لتحسين مستوى أدائهم، فالصراع يساعد على تحقيق العديد من المميزات للمدرسة منها على سبيل المثال ؛ ترشيد القرارات، وزيادة القدرة على التطوير والابتكار، شريطة أن يحسن مدير المدرسة اختيار الاستراتيجية المناسبة لإدارة هذا الصراع (زايد، 1995 : 550)، ومما يجب إدراكه من قبل مدير المدرسة أن يعمل على توفير المناخ التنظيمي الذي يقود أفراد المجتمع المدرسي إلى الإبداع والابتكار في ممارساتهم، ويمكن تحقيق هذا المناخ من خلال قدرة المدير على حل المشكلات، وإدارة الصراع وتوظيفه إيجابيا، كي يتحول إلى تنافس مثمر، وإلى إنجازات إبداعية (Nesmith , 1999) .

وانطلاقا من حقيقة أن الصراع حتمي في حياة أي منظمة، فلا بد إذا من التعامل معه بشكل يتم توظيفه لخدمة وتطوير المدرسة، إذ تلعب ممارسة إدارة المنظمة دورها في تحجيم حدة الصراع وتكييفه لخدمة المنظمة مما يعزز قدرتها الإيجابية على إدارة الصراع وتوجيهه إيجابيا لتحقيق أهداف المنظمة . وتشير نتائج الدراسة التي أجراها كل من كروش ويتون (Crouch & Yetton, 1987) إلى أن المدير الذي يستطيع إدارة الصراع بدرجة عالية من الكفاءة يمكن أن يجمع العاملين معا وأن يدفعهم لتحقيق أفضل أداء تنظيمي ممكن، أما المدير الذي يفتقر إلى مثل هذه القدرات والكفايات فيمكن أن يكبد المنظمة تكاليف مرتفعة نتيجة الجوانب السلبية المترتبة على عدم كفاءة إدارة الصراع .

صفحة 4

وفي ضوء التباين الفكري بشأن الصراع فقد تعددت استراتيجيات إدارته، فحينما اتجهت النظريات التقليدية إلى اعتماد القوة أو السلطة في إدارة الصراع لحسمه والقضاء عليه على اعتبار أنه ضار بالمنظمة، نجد أن النظريات الحديثة قد طورت استراتيجيات مختلفة تماما للمنطلقات التقليدية على اعتبار أن الصراع حقيقة قائمة لامفر منها، وأنه ظاهرة إيجابية يمكن إدارتها وتوجيهها بما يحقق كفاءة وفاعلية المنظمة، ولا زالت الدراسات النظرية والميدانية تلعب دورا مهما في إيجاد العديد من الاستراتيجيات الكفيلة بمعالجة الصراع، فاستراتيجيات إدارة الصراع عبارة عن طرق التعامل مع المواقف التي يواجه فيها المدير حالة عدم اتفاق أو معارضة من شخص آخر أو مجموعة أشخاص، ولإدارة هذا الصراع استراتيجيات متعددة، ولعل من أقدم الاستراتيجيات المقترحة لإدارة الصراع هي الاستراتيجيات التي اقترحها كل من بليك وموتون (Blake & Mouton, 1970) إذ اقترح الكاتبان خمس استراتيجيات لإدارة الصراع هي : استراتيجية المنافسة والتي تتميز باهتمام قليل بالأفراد وعال بالإنتاج، واستراتيجية التجنب والتي تتميز باهتمام قليل بالأفراد والإنتاج، واستراتيجية المجاملة والتي تتميز باهتمام عال بالأفراد واهتمام قليل بالإنتاج، واستراتيجية التسوية والتي تتميز باهتمام معتدل بالأفراد والانتاج، واستراتيجية التعاون والتي تتميز باهتمام عال بالأفراد والإنتاج . أما أجارول (Agarwal, 1992) فقد حدد ثلاث استراتيجيات ممكنة لإدارة الصراع هي : تحسين العلاقات الإنسانية وتطويرها في التعامل بين الأفراد داخل المنظمة، إيجاد قيادة إدارية ذات كفاية وناجحة في معالجة الصراع، إعادة تصميم الهيكل التنظيمي للمنظمة . كما أشار الشماع والحمود (2000:312) أن هودج وأنتوني (Hodge & Anthony) توصلا إلى أربع استراتيجيات لإدارة الصراع هي: استخدام القوة أو السلطة، والتجنب أو الانسحاب، والتوفيق، والمجابهة . كما اقترح باكر(Baker, 1988) ثلاث استراتيجيات لإدارة الصراع تعكس كلا من وجهتي نظر المدخل الكلاسيكي والمدخل الوظيفي للصراع، وهذه الاستراتيجيات هي : استراتيجية التعاون، واستراتيجية التنافس، واستراتيجية التجنب .

إن هذا التعدد والتنوع في استراتيجيات إدارة الصراع يحتم على مديري ومديرات المدارس اكتساب القدرات والكفايات اللازمة لتشخيص الصراع، واختيار الاستراتيجية الأمثل للتعامل معه، لاسيما إذا عرفنا أن كثيرا من المشكلات التي يواجهها مديرو المدارس في العمل هي في حقيقتها أوضاع صراع، لأنها تأتي من خلال التفاعل بين الأفراد في بيئة العمل، وعادة ما يكون للمديرين استراتيجياتهم الخاصة لمواجهة هذه الصراعات، والتي تتأثر بلا شك بقدرات وكفايات مدير المدرسة .

ومما لاشك فيه، أنه كلما زاد حجم المدرسة التي يديرها المدير، زادت أهمية دوره في التعامل مع الصراعات، حيث تتنوع مؤهلات ومهارات العاملين فيها، وتتباين ثقافاتهم واتجاهاتهم وقيمهم، وتختلف آراؤهم وإدراكاتهم، وبالتالي يتمايز سلوكهم، الأمر الذي يؤدي إلى التنافر وعدم الانسجام، مما يتطلب امتلاك مدير المدرسة الثانوية للعديد من الكفايات المهنية لمساعدته على اختيار الاستراتيجية المناسبة لإدارة هذه الصراعات " ومدير المدرسة بهذه الأهمية لابد له من قدرات وكفايات معينة تمكنه من مواجهة كثير من الصراعات والمشكلات المدرسية ببصيرة نافذة، وإدراك واع، وقدرة على ابتكار الحلول المناسبة، ولكي يستطيع مدير المدرسة ـ بوصفه قائدا تربويا يواجه تحديات وصراعات متنوعة ـ تأدية دوره بكفاءة واقتدار، فإنه يجب أن يزود بكل ما يجعل منه قائدا تربويا مواكبا لكل تقدم وتطور" (الحديدي، 1998 : 8)، وما لم يمتلك مدير المدرسة القدرات والكفايات المهنية اللازمة " فإنه على الأرجح سيظل يحتفظ بأسلوبه الاعتيادي الذي غالبا ما يجلب له الضرر، حيث تفيد القراءات المتخصصة في كيفية التعامل مع الصراع في زيادة الوعي بالعوامل التي تتسبب في تكوين مواقف الصراع " (فيفرودنلاب، 1993 : 217) .

وتعد مهارة إدارة الصراع من المهارات التي يتوجب على مدير المدرسة أن يجيدها، حيث أنها مفيدة في إدارة شؤون العاملين وفي تعامل مدير المدرسة بالمجتمع المحلي للمدرسة (السعيدي، 1998 : 17)، كما أن " تنمية الكفايات المهنية المتصلة بإدارة الصراع لدى المديرين والعاملين، يحقق للمنظمة النجاح ويضمن لها الحصول على التغيير البناء، وتنمية العمل بروح الفريق لدى العاملين " ( اللوزي، 1999 : 97 ) . وأشــار (العمايرة، 1999 : 223) إلى أن عملية إدارة الصراع تعتبر من أهم كفايات مدير المدرسة . وتأخذ هذه الكفاية أهمية خاصة في المدارس الثانوية، لأنها تضم عددا كبيرا من المعلمين والمعلمات ذوي تخصصات واتجاهات وثقافات مختلفة، كما أن طلبة هذه المرحلة من المراهقين الذين يحتاجون إلى رعاية وتعامل من نوع خاص ( نبراي، 1993 : 85 ـ 86 ).

ويعد امتلاك مدير المدرسة لكفايات مهنية تتعلق بإدارة الصراع من القضايا الملحة لفاعلية المدرسة، فقد أشارت عدة دراسات إلى أهمية التدريب لإكساب أفراد المجتمع المدرسي كفايات مهنية تنعكس على فاعلية إدارتهم للصراعات المدرسية، كدراسة أبوت (Abbott, 1994) التي أظهرت أن مديري المدارس يؤيدون أن هناك ضرورة لأن يكملوا فترة تدريبية جامعية على إدارة الصراع قبل أن يمنحوا الرخصة الإدارية . في حين بينت دراسة الوفلن(Oloughlin,1993) أن 75% من المجموعة التجريبية قد بدلوا سلوكهم في إدارة الصراع بعد خضوعهم للبرنامج التدريبي . ودراسة جونسون(Johnson, 1991) التي بينت أن تدريب المعلمين على إدارة الصراع عزز فاعلية إدارة الصراع لديهم.

ويعتمد مدى استفادة المديرين من الصراعات التي تحدث في المنظمات التي يديرونها على عاملين أساسيين ومترابطين هما :

1. درجة عمق فهم المدير للسلوك الإنساني على اعتبار أن الصراع ظاهرة سلوكية، وبالتالي فإن التعامل معها يتطلب معرفة جيدة بطبيعة السلوك الإنساني بشكل عام .

2. مدى توافر الكفايات والمهارات السلوكية لدى المدير وقدرته على توظيف تلك الكفايات والمهارات لإدارة الصراع، وتوجيهه توجيها سليما لخدمة المنظمة وزيادة فعاليتها (الشخص، 1994 : 59) .

وتأسيسا على ما سبق فإن إدارة المدارس عملية ليست بالأمر اليسير، وتواجهها الكثير من الصراعات التي تتطلب مديرا مؤهلا تأهيلا قويما للتعامل معها، والعمل على التغلب عليها بطرق عملية وإنسانية وأخلاقية، وحتى يستطيع مدير المدرسة التغلب على هذه الصراعات، والقيام بدوره القيادي فإنه " يجب أن يمتلك كثيرا من الكفايات المهنية التي من بينها : كفايات القيادة بأساليبها الديمقراطية التربوية، وكفايات تطوير المناهج وتحسينها، وكفايات الاندماج بالمجتمع المحلي، وكفايات اتخاذ القرار وتنفيذه، وكفايات التقويم الذاتي، وكفايات التفويض" (أحمد، 2000 : 197) .

كل هذا يستدعي أن تكون الإدارات التربوية قادرة على اختيار القادة التربويين في المدارس ممن تتوفر فيهم القدرات والكفايات المهنية التي تساعدهم على التعامل مع أنماط الصراع المختلفة، واستثمارها لصالح العملية التربوية بشكل عام، وتحقيق أهداف المدرسة بشكل خاص، فالتغاضي عن الصراع في المؤسسات التربوية سيكون مكلفا جدا للعملية التعليمية وعائقا رئيسا في طريق تحقيق المدرسة للأهداف المنتظرة منها، لأن " تجاهل الصراع في المدرسة قد يؤدي إلى تدمير علاقات العمل بين الأفراد، مما ينعكس سلبا على فاعلية العاملين والمدرسة على حد سواء، وفي هذا إهدار للوقت، وضياع للجهد والمال، وتوقف فرص التطوير والتغيير والتقدم والنماء الذي تحتاجه المدارس المختلفة " (الخضور، 1996: 5 - 6) .

مما سبق تتضح الأهمية البالغة للكفايات المهنية لمدير المدرسة في القرن الحادي والعشرين لقيادة مدرسته بوعي وإدراك كاملين، مستخدما كل الإمكانات المادية والبشرية والتقنية المتاحة، ومساعدته على اختيار الاستراتيجية المناسبة لإدارة الصراعات بحكمة واقتدار لما للإدارة الفاعلة للصراع من تأثير في تحسين الأداء التنظيمي للعاملين، وعاملا مساعدا للمدرسة على النمو والتجدد والابتكار، والقدرة على التكيف مع التغيير والتطوير التربوي المنشود، إذ أن " محاولة تجنب الصراع وغض الطرف عنه قد يؤدي إلى الفوضى داخل المدرسة " (ميلر، 2003)، فالتدخل في الصراع لزيادة فاعلية المنظمة بعد تشخيصه، والتعرف إلى مقداره، ومصادره، ومراحله، ومستويات حدوثه، وتوظيف الاستراتيجيات المناسبة لإدارته بصورة تكفل التخفيف من حدة الصراع غير الوظيفي الذي يقود إلى الاختلال الوظيفي، والعمل على تقوية الصراع الوظيفي، والمحافظة على قدر معتدل منه لزيادة فاعلية المنظمات (Rahim,2001:75)، تتطلب معارف ومعلومات علمية ومهنية دقيقة، وكفايات أدائية في شخصية مدير المدرسة وتوظيفها بما يكفل تحقيق الأهداف .

من هنا جاءت أهمية هذا الدراسة للتعرف على درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن، ودرجة استخدامهم لاستراتيجيات إدارة الصراع والعلاقة بينهما، ووضع نتائج هذا الدراسة بين يدي متخذي القرار في المؤسسات التربوية، لمساعدتهم على تنمية قيادات تربوية قادرة على إدارة النظم التربوية بكفاءة واقتدار، وتحقيق الأهداف المنشودة بفاعلية من خلال عملية إصلاح تربوي متكاملة لجميع مدخلات هذه النظم، لتحقيق مخرجات تربوية متوافقة مع متطلبات الاقتصاد المعرفي .

صفحة 5

الكفايات المهنية وعلاقتها بإدارة الصراع

شهدت الإدارة المدرسية في الآونة الاخيرة تغييرات كبيرة أدت إلى تطور دور مدير المدرسة، وقد أدى هذا التطور في دور مدير المدرسة إلى تطور في متطلبات هذا الدور (الكفايات، والمهارات)، كما يعتبر الدور القيادي والإشرافي من الأدوار الأساسية لمدير المدرسة الفعّال الذي يجب أن يعطى الأهمية القصوى من قبل مديري المدارس لما يتطلبه من قدرات وكفايات قيادية، وفنية، ومعرفية، وأدائية، وإنسانية تجعل المدير قادرا على التأثير في سلوك العاملين معه، وقادرا على قيادة التغيير، والتجديد، والابتكار، والتعاون مع العاملين في المدرسة بفاعلية، وتجعله قادرا على إدارة الصراعات بحكمة واقتدار، كما تعتمد على قدرات مدير المدرسة وكفاياته جودة ونوعية المخرجات التربوية . وحتى يؤدي مدير المدرسة دوره بكفاءة وفاعلية " لابد أن يتمتع بقدر كاف من الكفايات الإدارية، والفنية، والإنسانية، فالمرؤوسون لا يرتاحون للعمل تحت قيادة تنقصها الكفاية، فالكفاية تثير الإعجاب والثقة بالرئيس " (ميلر , 2003) .

كما أن سرّ نجاح مدير المدرسة يكمن في مدى كفايته في ابتكار الأفكار وفي الإحساس بالمشكلات والتفنن بالحلول والتوصل إلى الآراء والمقترحات، لأن ذلك ضروري لمساعدته على النجاح، وفي القدرة على التعامل بنجاح مع المتغيرات الحالية والمنتظرة داخل المدرسة وخارجها، " إن نجاح وفاعلية القائد والمسؤول الإداري التربوي تنطلق من بعد عمق خلفيته المعرفية وكفاياته المهنية وتقديره وفهمه لطبيعة المشكلات والصراعات في النظام الذي يتولى مسؤولية قيادته وإدارته " (الطويل، 1999 : 356) . وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها وزارة التربية والتعليم لتطوير الإدارة المدرسية على صعيد التدريب والتأهيل والتنمية المهنية المستدامة إلاّ أن المخرجات لم تكن في مستوى الطموح، " بالرغم من الاهتمام المتزايد من قبل وزارة التربية والتعليم بتطوير الإدارة المدرسية، خلال العقدين الماضيين، ما تزال الإدارات المدرسية مثقلة بالعديد من المشكلات مما أدى إلى تقليص قدرة هذه الإدارات على الأداء الفعال " (الرشدان، والهمشري، 2002 : 268)، كما أشار(المحبوب، 2000) إلى أنه حينما تصبح المدرسة بدون قيادة فاعلة فإنها تواجه العديد من المشكلات ليس على مستوى تحقيق الأهداف فحسب بل على مستوى العلاقات الإنسانية داخل المدرسة وخارجها .

ويعد الصراع من أكثر المشكلات شيوعا وانتشارا في هذا العصر، إذ أننا نتقابل مع الصراع كل يوم، وبكل طريقة، لذلك حظي موضوع إدارة الصراع باهتمام واسع النطاق تجلى بتناوله من قبل العديد من الباحثين بوصفه أحد أنواع التفاعلات الاجتماعية التي يمارسها الفرد بشكل علني أو ضمني، وحظي كذلك باهتمام المديرين باعتبار أنه يتطلب قدرات وكفايات للتعامل معه واختيار الاستراتيجية المناسبة لإدارته، إذ يمكن للصراعات أن تتصاعد وتزيد حدتها عندما لا يعرف المديرون كيف يستجيبون بشكل إبداعي أو إيجابي للنزاع . ومما يعزز ذلك ما جاء في الأدب التربوي، " لا تخلو أي مؤسسة تربوية من صراع ظاهر أو خفي بين العاملين فيها وسبب هذا الصراع يعود إلى تعدد المواقف وتباين الآراء في البيئة المدرسية نتيجة للفروق الفردية بين الأفراد بقدراتهم وبنيتهم المعرفية والفكرية وتطلعاتهم واهتماماتهم، ومع أن تباين المواقف واختلاف الآراء ظاهرة صحية تدعم المدرسة بمزيد من المعلومات والأفكار وغالبا ما تقود إلى الإبداع والابتكار إلا أن ذلك يتوقف على الكفايات والقدرات التي يتمتع بها مدير المدرسة حتى لا تتحول الاختلافات والتباينات إلى عوامل للهدم بدلا من أن تكون أدوات للبناء "(احمد2001 : 47).

إضافة المعلومات الواردة في الصفحات

وعلى الرغم من أهمية دور مدير المدرسة في إدارة الصراعات التي تحدث في المدرسة بحيث يصبح صراعا هادفا وفعالا، يؤدي إلى تفجير الطاقات والمواهب الفردية والجماعية الكامنة، إلا أن بعض المديرين يتجنبون مواجهة الصراعات، والبعض الآخر يميل للقضاء على الصراع والتخلص منه مما ينعكس سلبا على كفاءة وفاعلية المدرسة، كما جاء في الأدب التربوي أن عدم وجود الجو النفسي المريح داخل المنظمة من الأسباب المؤدية إلى ضعف الاتصال بين الأفراد والجماعات، وتطور سوء الفهم وفقدان التعاون في العمل الجماعي فتحدث الصراعات التي قد تنتج عنها عواقب وخيمة تؤثر على سير العمل ومخرجاته (Cook & Hunsaker, 2001: 382)، كما أثبتت دراسة (زكريان، 1994) أن للسلوك القيادي لمدير المدرسة دورا في زيادة حدة الصراعات المدرسية، فالمدير التسلطي يحاول أن يبقي وضع المدرسة مفككا ويولد الصراعات بين المعلمين حتى يضمن استمرار ثقة المعلمين له وخدمتهم لأغراضه الشخصية، بينما الأسلوب القيادي المهتم بالعلاقات يقوم بحل الصراع ، كما أن الشللية والتحيز في المعاملة تؤدي إلى إحساس المعلم بالمعاملة غير العادلة فيصبح لديه توتر وعداء تجاه المتحيز والمتحيز له، مما يؤدي إلى نشوء الصراع .

لقد دفعت الملاحظات سابقة الذكر المؤلفة إلى إجراء دراسة ميدانية للتعرف إلى طبيعة العلاقة بين درجة توافر كفايات مديري ومديرات المدارس واستراتيجيات إدراتهم للصراع .

هـدف الـدراسـة وأسئلتهـا :

هدف هذا الدراسة إلى تعرّف درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن،ودرجة استخدامهم لاستراتيجيات إدارة الصراع،والعلاقة بينهما،وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة الفرعية الآتية :

1. ما درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن من وجهة نظرالمعلمين والمديرين أنفسهم ؟

2. ما درجة استخدام مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن لاستراتيجيات إدارة الصراع من وجهة نظر المعلمين والمديرين أنفسهم ؟

3. هل هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن ودرجة استخدامهم لاستراتيجيات إدارة الصراع من وجهة نظر المعلمين والمديرين أنفسهم ؟

4. هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية العامة في الأردن تعزى لجنس المدير ومؤهله وخبرته من وجهة نظر المديرين ؟

5. هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية في درجة استخدام مديري ومديرات المدارس الثانوية لاستراتيجيات إدارة الصراع تعزى لجنس المدير ومؤهله وخبرته من وجهة نظر المديرين ؟

صفحة 6

أهـمـيـة الدراسة

تنبع أهمية هذا الدراسة مما يأتي :

1. يعتبر هذا الدراسة ـ في حدود علم المؤلفةـ الأول من نوعه في هذا المجال. فقد تناول حتى الآن العلاقة بين الكفايات بشكل عام أو الكفايات المهنية بشكل خاص وموضوع الصراع، وهو بذلك سوف يضيف إلى المعرفة مصدرا يمكن الإفادة منه في زيادة كفاءة وفاعلية المؤسسات التربوية .

2. مساعدة متخذي القرار في وزارة التربية والتعليم في الكشف عن درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري ومديرات المدارس الثانوية وبالتالي تصميم البرامج التدريبية اللازمة لتنمية وتطوير المديرين في ضوء كفاياتهم المهنية .

3. قد يسهم هذا الدراسة في تزويد مديري المدارس الثانوية بالتغذية الراجعة عن جوانب القوة والضعف في كفاياتهم وإدارتهم للصراع وبالتالي تعزيز جوانب القوة وتلافي جوانب الضعف مما يسهم في تحسين ممارساتهم .

4. يؤمل أن تساعد نتائج هذا الدراسة صانعي القرار في وزارة التربية والتعليم في التعرف إلى العلاقة بين درجة توافر الكفايات المهنية لدى مديري المدارس الثانوية ودرجة استخدامهم لاستراتيجيات إدارة الصراعات، وبالتالي تجسيد ذلك في برامج التأهيل والتدريب في أثناء الخدمة لإكساب مديري المدارس الثانوية كفايات مهنية تمكّنهم من استثمار الصراع لزيادة كفاءة وفاعلية المدرسة .

5. يمكن أن يشكل هذا الدراسة دافعا جديدا للباحثين للقيام بدراسات أخرى تسهم بشكل فاعل في النهوض بالمؤسسات التربوية في الألفية الثالثة .

6. يؤمل أن يخرج الدراسة بنتائج تستأنس بها وزارة التربية والتعليم في التخطيط لانتقاء القادة التربويين على أسس نظرية وعلمية مدروسة .

تعـريـف المصطـلحـات

اشتملت الدراسة على عدد من المصطلحات التي لابد من تعريفها وتحديدها وفقا للسياق التي استعملت فيه في هذا الدراسة .

الكفايـات المهنيـة :

عرف كوبر(Cooper&Wilford,1973:7) الكفاية بأنها : مجموعة الاتجاهات وأشكال المهارات وأنواع السلوك التي من شأنها أن تيسر النمو العقلي والاجتماعي والعاطفي والجسمي للأطفال . كما عرفت كاي (Kay, 1976: 4) الكفاية بأنها الأهداف السلوكية المحددة تحديدا دقيقا والتي تصف كل المعارف والمهارات والاتجاهات التي تعكس الوظائف المختلفة التي على الفرد أن يكون قادرا على أدائها .

ويمكن تعريف المصطلح إجرائيا بأنه :

درجة امتلاك مدير المدرسة الثانوية للمعارف والمهارات والاتجاهات لكي يؤدي عمله بدرجة عالية من الإتقان، على أن تنعكس هذه المعلومات، والمهارات، والاتجاهات على فعل سلوكي قابل للملاحظة، قيس بمجموع الدرجات التي حصل عليها المدير على أداة الكفايات المهنية التي قامت المؤلفة بتطويرها واستخدامها في هذا الدراسة ، والتي حددت خمسة مجالات للكفايات المهنية هي : كفايات الإدارة الديمقراطية، وكفايات إدارة شؤون الطلبة، وكفايات إدارة العاملين والشؤون المالية، وكفايات تحسين المنهاج المدرسي وتطويره، وكفايات علاقة المدرسة بالمجتمع المحلي، وكفايات التقويم والمتابعة، وبدلالة هذه الأداة يصنف المديرون وفق درجة امتلاكهم لهذه الكفايات إلى ثلاثة مستويات هي : كفايات متوافرة بدرجة عالية، وكفايات متوافرة بدرجة متوسطة، وكفايات متوافرة بدرجة متدنية .

صفحة 7

إستراتيجيات إدارة الصراع

هي الأساليب السلوكية التي يستخدمها المدير للتعامل مع مواقف الصراع للإبقاء على الصراع إلى الحد المرغوب فيه، والمنبثقة عن بعدين يحددان توجه سلوك المدير أثناء إدارته للصراع هما : بعد الاهتمام بالذات، وبعد الاهتمام بالآخرين، أو الإثنين معا (Rahim, 2001) .

ويمكن تعريف المصطلح إجرائيا بأنه :

الأساليب السلوكية التي يستخدمها مدير المدرسة الثانوية للتعامل مع المواقف التي يواجه فيها حالة عدم اتفاق أو معارضة من أحد أفراد المجتمع المدرسي، كما تعكسها أداة الصراع التي قامت المؤلفة بتطويرها والتي تشير إلى درجة استخدام المدير لاستراتيجيات إدارة الصراع التي تعكس سلوكه المتجه نحو الاهتمام بنفسه، أو نحو الاهتمام بالمعلمين، أو الإثنين معا عند إدارته للصراعات التي تحدث بينه وبين معلميه للإبقاء على الصراع ضمن المستوى المرغوب فيه . وقد اعتمدت الاستراتيجيات الخمس الآتية لإدارة الصراع :

استراتيجية التعاون

جاءت فقرات هذه الاستراتيجية لتعكس درجة اتباع مديري / مديرات المدارس الثانوية لاستراتيجية التعاون في إدارتهم للصراعات التي تحدث في مدارسهم، وتعبر هذه الاستراتيجية عن اهتمام كبير بالذات وبالآخرين، وأن النجاح ما هو إلا عمل جماعي أكثر منه عمل فردي، إذ يقوم المدير من خلال هذه الاستراتيجية وبالتعاون مع العاملين بدراسة أسباب الصراع، وتحديدها، وتبادل المعلومات وبحث الاختلافات بينهما، ومعرفة المصالح المشتركة لهما والتركيز عليها للوصول إلى حل فعال ومقبول لدى الطرفين، بغض النظر عن فكرة من هو المخطئ ومن كان على صواب، واستراتيجية التعاون مرتبطة بحل المشكلات والتي قد تؤدي إلى حلول خلاقة، إذ لايوجد افتراض في هذه الاستراتيجية بأن أحد الأطراف سوف يخسر نتيجة مكسب الآخر، وإنما يكون الافتراض أن التعاون على حل الصراع يمكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل للأطراف المختلفة، وأن التركيز ينصب في هذه الاستراتيجية على الأهداف والمصالح المشتركة مع التأكيد على فهم وجهات نظر الآخرين ومحاولة استيعاب العديد من المواقف المتباينة بهدف التوصل إلى حلول مناسبة للجميع (Rahim, 2001) .

استراتيجية المنافسة

تعكس فقرات هذه الاستراتيجية درجة استخدام مدير/ مديرة المدرسة الثانوية في الأردن لسلطته ونفوذه وقوة مركزه في إدارة الصراعات، وتعبر استراتيجية المنافسة عن اهتمام كبير بالذات وقليل بالآخرين، إذ يهتم المدير بتلبية حاجاته الذاتية ولو على حساب حاجات الآخرين واهتماماتهم، كما أن المدير في استخدامه لهذه الاستراتيجية لا يبحث عن مسببات الصراع ومصادره، بقدر ما يركز على إنهاء الصراع آخذا في الاعتبار مصالح الإدارة بالدرجة الأولى، وإجبار الآخرين على قبول الحل الذي يعتبره مناسبا، وتخلق هذه الاستراتيجية موقفا به طرف رابح وآخر خاسر أجبر على الخضوع لسلطة أقوى، ولذلك فإن هذه الاستراتيجية لا تحل الصراع على الأغلب، وإنما تجعله كامنا قد يعود مرة أخرى بصورة أشد خطورة (مصطفــى ، 2000: 249) .

استراتيجية التوفيق

تعكس فقرات هذه الاستراتيجية درجة سعي مدير / مديرة المدرسة الثانوية في إدارته للصراعات إلى التوصل إلى حل وسط للنزاع، وتعبر استراتيجية التوفيق عن اهتمام متوسط بالذات وبالآخرين، إذ تتضمن هذه الاستراتيجية مبدأ الأخذ والعطاء للوصول إلى حل وسط، فالمدير يتنازل عن بعض اهتماماته ويتنازل الطرف الآخر عن بعض اهتماماته من أجل الوصول إلى حل وسط يحقق الرضا الجزئي للجميع بحيث لا يكون هناك طرف رابح وآخر خاسر(Rahim,2001) .

استراتيجية التجنب

تعكس فقرات هذه الاستراتيجية درجة الانسحاب وعدم الاكتراث أو تجاهل مديري المدارس الثانوية للصراعات التي تحدث في مدارسهم، إما للتهرب من تحمل المسؤولية بشأنها أو الهروب من الصراع على أمل أن هذا التجاهل يمكن أن يسهم في حل الصراع، أو تأجيل المواجهة إلى ظرف آخر موات، أو حتى تهدأ الأمور، أو لإحساس المدير بأن أطراف الصراع قادرة على حل المشكلة القائمة بينها، وبما أن المدير مستخدم هذه الاستراتيجية لا يهتم بتشخيص الصراع لمعرفة أسبابه ومصادره فإنه من المحتمل أن يستمر الصراع أو يسير نحو الأسوأ (زايد، 1995 : 533) .

استراتيجية الاسترضاء

تعبر استراتيجية الاسترضاء عن اهتمام منخفض وقليل بالذات واهتمام كبير بالآخرين، وتعكس فقرات هذه الاستراتيجية عن سعي مدير/ مديرة المدرسة الثانوية لاسترضاء الآخرين من خلال تحقيق حاجاتهم ولو على حساب حاجاته واهتماماته للإبقاء على العلاقات الجيدة بينه وبينهم، فالمدير يهتم بإرضاء الطرف الآخر والإذعان لمتطلباته على حساب تحقيقه لاهتماماته الذاتية في محاولته لحل مشكلة الصراع (مصطفى، 2000 : 450) .

صفحة 8

الفصــل الثانـي

الأدب النظـري والدراسـات السـابقـة

يشتمل هذا الفصل على جزئين : يحتوي الأول منه على الأدب النظري المتعلق بمتغيرات الدراسة، أما القسم الثاني فيتناول الدراسات السابقة والأبحاث ذات الصلة بموضوع الدراسة والتي جرت في البيئة الأردنية والعربية والأجنبية مرتبة وفق تقادمها الزمني .

أولا : الأدب النظـري

لقد تزايد الإحساس العالمي بدور التربية، إذ احتلت أهمية قصوى في الخطط التنموية الشاملة الاقتصادية منها والاجتماعية، وتزايد معه الشعور بالحاجة الماسة إلى ايجاد الكوادر البشرية المدربة القادرة على التعامل مع التقنية الحديثة، ومواكبة المستجدات والتطورات على كافة الصعد المحلية والإقليمية والعالمية، ومواجهة التحديات المرافقة لها، فعلى درجة كفاءة الإداريين والتزامهم الخلقي ووضوح رؤيتهم وتكاملها يتوقف تقدم المجتمعات المعاصرة وتطورها . كما يتطلب النجاح في هذا العصر ـ عصر العولمة والمعلوماتية وعالمية المعرفة والتطور المتسارع في مختلف وسائط الاتصال وتقنياته ـ قادة مدارس ومؤسسات تربوية يمتازون بخصائص نوعية تختلف جوهريا عما كان متوقعا من القادة خلال عقد السبعينات مثلا.

ولقد أصبح توافر الكادر الإداري التربوي والإدارة المدرسية الواعية متمثلة في مدير المدرسة كقائد تربوي يتحمل المسؤولية عن سير العملية التربوية في مدرسته وحسن توجيهها، وتجويد مخرجاتها، يعد من أبعاد التطوير التربوي الهامة، ومن التحديات التي تواجه تطوير التعليم وتحديثه في الوقت الحاضر، لذلك اتجهت أنظار العالم نحو الكفايات وضرورتها للقائمين على العملية التعليمية بهدف تحسين أدائهم، وزيادة كفاءة وفاعلية العملية التربوية .

1 - الكـفايـات المهنية

ارتبط التوجه العالمي نحو الكفايات التربوية بحركة كبرى في مجال إعداد المعلمين وتدريبهم، وقد سميت هذه الحركة بحركة التربية القائمة على الكفايات، والتي تعد من الاتجاهات الحديثة التي جاءت كاستجابة لضغوط متشابكة سياسية، واجتماعية، وتعليمية، وتقنية لتحسين نظام إعداد المعلمين من النواحي المهنية لما له من أثر على تجويد التعليم .

وقد بدأت حركة تربية المعلمين على أساس الكفايات في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام(1968) ثم تطورت بشكل كبير حتى أصبحت من أبرز ملامح التربية المعاصرة وأكثرها شيوعا في برامج إعداد المعلمين في الولايات المتحدة الأمريكية (قيس، 1976 : 2)، ولم تنشأ حركة التربية القائمة على الكفايات من فراغ، بل ارتبطت بعدة حركات ثقافية أخرى، وهي لم تنشأ كذلك نتيجة عامل واحد، بل نشأت نتيجة لعدة عوامل من أهمها :

1. اعتماد الكفاية بدلا من المعرفة : إذ طرأت تطورات كبيرة على برامج إعداد المعلمين في السنوات الأخيرة، كان من أبرزها اعتماد مبدأ الكفاية أو الأداء كإطار مرجعي لهذه البرامج بدلا من المعرفة النظرية (مرعي، 1983 : 147) .

2. حركة المساءلة : إعتقد هيوستن (Houston ,1974,56) أن حركة التربية القائمة على الكفايات هي جزء من الحركة الثقافية في المجتمع الأمريكي، التي أكدت على مبدأ المسؤولية والحاجة إلى تحديد المواصفات، إذ أشارت هذه الحركة إلى أحد المبادئ الأساسية في مجال الإصلاح الذي يتطلبه التعليم وهو مبدأ المساءلة.

3. حركة منح الشهادات القائمة على الكفايات: إن التربية القائمة على الكفايات ترتبط ارتباطا عضويا بحركة منح الشهادات القائمة على الكفايات , وإن مفهوم الواحدة منها يكمل مفهوم الأخرى , فكلتاهما تؤكدان على الأداء والتطبيق أكثر من المعرفة، وإن معيار التقويم هو ما يستطيع الفرد عمله لا ما يعرفه أو يعتقده أو يشعر به، وذلك لأن ما يستطيع عمله يعكس مايعرفه ويعتقده ويشعر به (مرعي،1983: 149).

4. تطور التكنولوجيا التربوية : أورد الشمري (1996) أن ستانلي(Stanley) اعتقد أن التطور التكنولوجي التربوي الذي أمد التعليم والتعلم بمصادر وطرق جديدة، كان من العوامل التي طورت حركة التربية القائمة على الكفايات، فالتكنولوجيا التربوية لا تقترن بالآلات أو الأدوات، إنما هي تطبيق العلم على العمل، وترجع جذور التكنولوجيا التربوية إلى الأبحاث التي أجريت على الإشراط الإجرائي، وانعكاسات تلك الأبحاث على المدارس ممثلة بما يسمى منها بالتعليم المبرمج .

5. " كما ساهم في بلورة هذه الحركة تنامي النظرة الاقتصادية إلى التعليم " (نشوان، 1985 :34) .

6. التدريب الموجه نحو العمل : إن التدريب الموجه نحو العمل هو من أبرز الاتجاهات التجديدية الملفتة للنظر في مجال إعداد الأفراد وتدريبهم في أثناء الخدمة خلال العقدين الأخيرين، حيث اتجه التدريب نحو المهام المهنية للأفراد، وإلى متطلبات تلك المهام من كفايات، وما يتصل بها من حاجات تدريبية لهؤلاء الأفراد(مرعي، 1983: 158)

وذكر هيوستن(Houston, 1974 : 56) أن كلا من التربية القائمة على الكفايات والتربية القائمة على الأداء ترجع إلى الحركة نفسها في أمريكا , وأن كلتا الحركتين تتعديان المعرفة إلى الأداء والعمل . وأن أهم ميزتين للتربية على أساس الكفايات تتمثلان في التحديد الدقيق للأهداف، وتحديد المسؤولية، وأنها تدور حول المتعلم نفسه، إذ تؤكد على تعدد طرق تعلمه، من تعلم بالمجابهة، والمراسلة، والتعلم بوسائط الإعلام والاتصال، مع الحرص الشديد على تنمية مهارات التعلم الذاتي

(Howsam &Houston,1972:34) .

كما أشار(حجي، 2000 : 355) أن الإعداد المبني على الكفايات يبنى على ثلاثة محكات رئيسة هي :

1. المحك المعرفي : وفيه يتم تقدير الجوانب المعرفية للمتعلم .

2. محك الأداء : ويعني تقويم نواحي السلوك المتصل بالعمل أو الوظيفة التي يعد لها المتعلم .

3. محك المخرج أو المنتج : يهتم بتقويم قدرة المتعلم على القيام بالعمل .

ويمتاز الإعداد المبني على الكفايات باستخدام أسلوب تفريد التعليم إذ لا يوجد جدول زمني معلن يتقيد فيه جميع المتدربين، فلكل منهم جدوله الخاص به بناء على خبراته السابقة ويراعى في إعدادهم تكامل الجانب النظري مع التطبيقي، إذ يطبق عمليا ما جرى تعلمه نظريا في ظروف مشابهة لظروف الموقف التعليمي (الكيلاني، 1998) .

صفحة 9

2 مـفهـوم الكفـايـات :

تزخر أدبيات الإدارة التربوية بالعديد من تعريفات الكفايات وقد وصف كامبل (Campbell, 1970) الكفايات بأنها ليست موهبة ولكنها قدرة يستطيع الفرد تنميتها بحيث تشتمل على :

1. القدرة على تنظيم الوقت والإفادة منه إلى أقصى درجة .

2. التركيز على النتائج والأهداف التي تم تحقيقها وليس على تفاصيل العمل وإجراءاته .

3. الإفادة من الطاقة البشرية التي توجد في المدرسة إلى أقصى حد ممكن مع تنمية مواطن القوة في تلك الموارد .

4. القدرة على تحديد أولويات العمل والتركيز على تلك الأعمال التي تسهم في تحقيق الأهداف بفاعلية وكفاءة .

5. القدرة على اتخاذ القرارات السليمة والناجحة .

وعرف هاوسام وهيوستن (Howsam & Houston, 1972: 3) الكفاية بأنها: القدرة على عمل شيء أو إحداث نتاج معين .

كما عرّف دريك وميلر(Drake & Miller, 1982) بأن الكفاية تعني القدرة على أداء المهارات المعينة التي تتعلق بوظيفة محددة .

أما مرعي(1983: 139) فقد عرف الكفاية بأنها المقدرة على شيء ما بكفاءة وفعالية، وبمستوى معين من الأداء .

كما عرف ويب ونورتون(Webb & Norton, 1987) الكفاية بأنها القدرة على إنجاز عمل ما بحد مُرض من الأداء، ولكي يكون الإنسان ذا كفاية يجب أن يمتلك مهارات كافية لتقابل أغراضا محددة ويكون لديه القدرة المساوية لمتطلبات الوظيفة .

وذكرأحمد(1997) أن روس(Ross) عرف الكفاية على أنها المعرفة والمهارات والقيم، ومنهج التفكير المطلوب، لتنفيذ نشاط مهم لإنجاح حياة الفرد الشخصية والمهنية، والقدرة على المواجهة والإحاطة لمستويات الإتقان الحالي .

وأشار مرعي (1983) إلى أن ماكدونالد (McDonald) رأى أن الكفاية تتشكل من مكونين رئيسين هما : المكون المعرفي (Cognitive) والمكون السلوكي (Behavioral) أما المكون المعرفي فيتألف من مجموع الإدراكات والمفاهيم والاجتهادات والقرارات المكتسبة التي تتصل بالكفاية، أما المكون السلوكي فيتألف من مجموع الأعمال الملاحظة، ويعتبر إتقان هذين المكونين وتوظيفهما أساسا لإنتاج القائد الكفء .

كما أشار التكريتي وبطرس (1996) إلى أن صاحب الكفاية يجب أن تتوافر فيه العناصر الآتية:

1. المؤهل العلمي الذي يحصل عليه الفرد في تخصص واحد أو أكثر .

2. الخبرة العلمية والعملية الناتجة عن ممارسة فنية تطبيقية بحيث تكفي للحصول على هذه الخبرة , وتعني الكفاية الاستغناء عن الغير، وتقيس الكفاية الجانبين الكمي والكيفي معا وتوافر الكفاية ما يفي المهمة حقها في الأداء من امتلاك المعرفة الضرورية والمهارات والاتجاهات اللازمة لبلوغ مستوى مقبول في الأداء .

وعبر( عابدين : 2001 : 95 ) عن رأيه في الكفايات بالآتي :

1. أن الكفاية هي القدرة على أداء العمل .

2. أن الكفاية ليست قدرة على المعرفة، أو مهارة ما، أو اتجاها ما، بل إنها قدرة مركبة تتضمن المعارف، والمهارات، والاتجاهات، ولذلك فهناك كفايات معرفية، وكفايات أدائية، وأخرى انفعالية .

3. أن الكفاية ترتبط بالقدرة على أداء المهمات المرتبطة بإدارة المدرسة ورسالتها ومهام العاملين فيها، وعلاقتها بالمجتمع الخارجي .

يلاحظ أنه بالرغم من اختلاف التعريفات السابقة إلا أنها تحوي خصائص مشتركة أهمها أن الكفايات عبارة عن أدوات معرفية، وأدائية، وانفعالية إذا امتلكها الفرد وأحسن توظيفها فإنها تصل بأداء هذا الفرد إلى مستوى الكفاءة والفاعلية على المستوى الشخصي والمهني .

صفحة 10

3 أسس تحديد الكفايات ومصادر اشتقاقها

يلجأ الدارسون إلى العديد من الأسس لتحديد الكفاية قبل صياغتها وهذه الأسس هي :

1. الأساس الفلسفي : ويتم في ضوئه وضع المنطلقات التي تتناسب مع قيم المجتمع وفلسفته ومن خلال هذه المنطلقات تتحدد النتاجات المرغوبة للعملية التربوية (جامل، 1998) .

2. أساس الممارسة : يقوم على مفهوم الكفاية التي يمكن تحديدها من خلال التحديد الدقيق لما يفعله العاملون أثناء ممارستهم لعملهم لأن الموظف الكفء تظهر مقدرته من خلال أدائه (هلال، 2000) .

3. الأساس الواقعي : أي العودة إلى البرامج المحلية والمقررات الموجودة، وإشراك العاملين في التنظيم، فضلا عن وجود وسائل وأدوات يتم استخدامها في تحديد الكفاية وهي أدوات البحث العلمي ومنها الملاحظة والاستبانة والمقابلة والتنبؤ والاحتمال في تحليل الأدوار والمهام (جامل، 1998) .

أما مصادر اشتقاق الكفايات فهي :

1. تحليل المقررات وترجمتها إلى كفايات : وهو من أكثر الأساليب استخداما ويتم فيه إعادة تشكيل المقررات الجارية وتحويلها إلى عبارات تقوم على الكفاية، وتعني ترجمة المحتوى وتحويل المحتوى المقرر والتدرج من الأهداف العامة إلى الأهداف الخاصة مرورا بالكفايات(جامل،1998).

2. تحديد الاحتياجات : ويتم ذلك في ضوء طبيعة الميدان، وما يراه المختصون والقائمون على التخطيط من متطلبات إعداد الفرد الذي سيعمل في الميدان وتشتق الكفايات حسب هذه الطبيعة، ويعد هذا الأسلوب من أكثر الأساليب قبولا لاشتقاق الكفايات (هلال، 2000) .

3. قوائم تصنيف الكفايات : ويعتمد هذا المصدر على القوائم الجاهزة المتضمنة عددا كبيرا من الكفايات مما يفسح المجال أمام إمكانية الاختيار من بينها بما يتفق واحتياجات البرنامج، بالاعتماد على استراتيجية واضحة ومحددة يتم وفقها اختيار الكفايات التي تشتق من منطلقات البرنامج وأهدافه (جامل، 1998) .

4. المدخلات المهنية : حيث يتم الاستعانة بالعاملين في المهنة في عملية اشتقاق الكفايات وتحديدها وتضمينها في البرامج التدريبية من خلال استطلاع آراء المنتفعين من برامج الإعداد بوساطة أساليب المقابلة الشخصية والاستبانة واستطلاع الرأي (جامل، 1998)