eKtab
EN ع
أفضل القصص القصيرة الأمريكية في القرن العشرين
اقرأ عينة مجانية

أفضل القصص القصيرة الأمريكية في القرن العشرين

بقلم جون أبدايك

صفحة 1
يوماً ما في حلب
 
فلاديمير نابوكوف 1944
 
عزيزي ف·
 
من بين أشياء أخرى سأكتبها، أود أن أخبرك أنني أصبحت أخيراً هنا في هذه البلاد التي تغرب فيها الشمس كثيراً· كان من بين أول الأشخاص الذين قابلتهم العجوز الطيب جليب الكسندروفيتش، رأيته يعبر شارع كولومبوس باتجاه المقهى الصغير على الزاوية والذي لن يزوره أحد منا مرة أخرى· يبدو لي بأنه يعتقد أنك بطريقة ما قد خنت أدبنا الوطني· أعطاني عنوانك وهو يهز رأسه الرمادي استهجاناً وكأنك لا تستحق حتى متعة أن تسمع مني·
 
لدي قصة لك لتكتبها، مما يذكرني بالأيام التي كتبنا فيها أول أشعارنا الحماسية، حينما كانت جميع الأشياء حولنا، الوردة، النافذة المضاءة، بركة الماء 000 تنادينا لنكتب لها الأشعار، نعم هذا هو العالم الأفضل نلعب ثم نموت·كانت الأرواح الطنانة للأفعال المستخدمة في اللغة الروسية تعطي معنى لحركات الأشجار أو للجرائد المهملة التي تتطاير وتختلط ثم تهدأ لتعود وتختلط مرة أخرى وتظل تتلاطم بلا نهاية على الحواجز التي تعصف بها الرياح· ولكنني الآن لست بصدد الشعر، لقد أتيت إليك مثل تلك السيدة المتدفقة العواطف في تشيكوف والتي كانت متلهفة لكي تصفها·
 
لقد تزوجت بعد شهر من مغادرتك فرنسا وبضعة أسابيع قبل اجتياح باريس من قبل الألمان اللطيفين ورغم أن باستطاعتي أن أبعث لك وثائق تثبت زواجي إلا أنني متأكد الآن أن زوجتي لم تكن موجودة أبداً ويمكنك أن تطلع على اسمها من أي مصدر آخر ولكن هذا الأمر ليس مهماً إن اسمها وهم معين يمكنني أن أستعيض عن ذكره في الشرح عنها بالتجرد ذاته الذي أشرح فيه شخصية في قصة (إحدى قصصك على وجه الدقة)·
 
كان حب من أول لمسة أكثر منه من أول نظرة فقد قابلتها عدة مرات في السابق دون أن أشعر بأية عواطف تجاهها ولكن في إحدى الليالي حصل أمر غريب بينما كنت معها في منزلها· أمر قالته جعلني أقع على الأرض ضاحكاً وأقبلها برقة على شعرها· وطبعاً نحن نعرف جميعاً تلك الهبَّة العمياء التي يمكن أن يسببها العثور على دمية صغيرة في أرضية منزل مهجور فالجندي المتورط في المعركة لا يسمع شيئاً· الأمر بالنسبة له لا يعدو أن يكون امتداداً وجدانياً بلا صوت ولا حدود لما كان يعتبره في حياته إشعاع ضوء يلمع في ظلمته الداخلية، وللحقيقة أن السبب الذي يجعلنا نفكر بالموت ضمن مفاهيم سماوية هو تلك السماء الزرقاء التي تظلل باريس ليلاً بالأقواس المضيئة على بولفار اكسلمانز والضجيج المتواصل لتلك المناطق المعزولة في الألب والتي تعتبر رمزاً مناسبًا ودائم الوجود لهذا الانفجار الصامت الضخم·
 
ولكن ليس باستطاعتي أن أميزها فهي ستبقى غامضة مثل قصيدتي الأولى تلك القصيدة التي جعلت منها أضحوكة كبرى في كتابك الشهير ليترا تورناي زاييسكي عندما أريد أن أتخيلها، ينجذب فكري نحو تلك الوحمة البنية الصغيرة على ساعدها الناعم الأملس و أركز عليها تماماً كما يركز كاتب على نقطة أو فاصلة في جملة صعبة القراءة· ربما كنت أستطيع تخيل وجهها اليوم فقد كانت قد وضعت كثيراً من المكياج· أحاول أن أتخيل تلك الشفتين الشفافتين الناعمتين ولكني أفشل و أفشل رغم أني ما أزال أشعر بلمستها المراوغة بين الفينه والأخرى تدب في صلب إحساساتي العمياء وفي أحلامي العبقة بالتنهدات، عندما كنا نمسك ببعضنا البعض بدون تعقل وبحرقة قلب ضبابية بحيث لا أعود أتمكن من رؤية لون عينيها بسبب ذلك البريق المنبعث من دموعها التي تطفح حتى تغرق حدقات العيون·
صفحة 2
كانت أصغر مني سنًا، ليس بصغر نتالي ذات الكتفين الجميلتين العاريتين وحلقتي الأذن الطويلتين و صديقة بوشكين الأسمر، و لكنها تعطي هامشاً كافياً لذلك النوع من الرومانطيقية المستعادة التي تجد لذتها في تقليد مصيري عبقري فذ حتى لا يعود المرء بعدها يستطيع تقليد شعره· كانت تحب شعري ولو أنها بقيت كشبح بالنسبة لي· أعتقد أن حبها لشعري كان بسبب ذلك الغموض الذي فيه، كأن تحفر حفرة في قناعك و ترى وجهاً غريباً غير مرغوب فيه·
 
وكما تعلم، كنت أخطط منذ مدة لهذه السفرة المحظوظة، لقد وصفت لي عمَّا لها كان يعيش هنا، تعلم ركوب الخيل في الكلية الجنوبية وانتهى به الأمر إلى الزواج من امرأة أمريكية ثرية أنجب منها ابنة ولدت صماء أخبرتني أنها فقدت عنوانه منذ مدة طويلة و لكنها عثرت عليه بأعجوبة قبل بضعة أيام، كتبنا له رسالة مؤثرة ولكننا لم نتلق أي رد· الأمر لا يهم لأني تسلمت للتو شهادة خطية من أجل قراءة القسم من البروفيسور لومنشكو في شيكاغو· ولكن الغزو الألماني بدء قبل أن ننهي تحضير الأوراق الضرورية· لقد توقعت أننا لو بقينا في باريس فربما يقوم أحد مواطنيّ الأعزاء بالإشارة إلى المقاطع الحزبية المتعددة في إحدى كتاباتي التي كنت أناقش فيها أن ألمانيا مع سجلها الأسود كان لا بد لها أن تبقى و إلى الأبد مسخرة العالم·
 
بعد ذلك بدأنا شهر عسلنا المشؤوم محطمين و مهزوزين إثر هذه الهجرة الاضطرارية الغامضة المصير، نلاحق قطارات بدون مواعيد، ونذهب إلى اتجاهات مجهولة داخل مدن مبتذلة· ندمن على الإرهاق الجسدي، قمنا بالهرب وكنا كلما ابتعدنا أكثر يتبين لنا بوضوح أن ما كان يدفعنا للهرب لم يكن حمقاً بل كان الحمق رمزه فقط، كان شيئاً رهيباً لا يمكن إدراكه بالحس·كان كتلة من الرعب القديم الذي لا زمن له و لا وجه عاد ليسكننا منذ القدم إلى هنا وإلى هذا الفراغ الأخضر في الحديقة المركزية·
 
أما هي فقد تحملت الأمر بجذل و غبطة إلا أنها بدأت تتنهد بطريقة تثير الشفقة كانت تقول الكلب، .....الكلب·· لقد تركناه وراءنا ولا أستطيع أن أنسى منظر هذا الكلب المسكين صعقت من صدق حزنها إلا أننا لم نكن نملك كلباً على الإطلاق قالت أنا اعرف ذلك و لكني أحاول أن أتخيل أننا اشترينا كلباً مثل هذا، تخيله الآن و هو يحوم حول أبواب مغلقة لم نكن حتى قد تحدثنا في السابق عن شراء كلب·
 
لا أود أن أنسى أيضاً ذكر مشهد عائلة من اللاجئين (امرأتان و طفل) كانوا يعبرون الشارع بعدما مات والدهم أو ربما جدهم على الطريق· كانت الغيوم السوداء و الملونة تزرع السماء بشكل فوضوي وأشعة الشمس تبرز بقبح خلف التلة المغطاة بالأشجار كان الرجل الميت ممدداً على ظهره في ظل شجرة مغبرة جرداء· حاولت النسوة أن تحفر له قبرا ًعلى جانب الطريق بأيديهن وبعصاة كنّ يحملنها ولكن التربة كانت قاسية، عندما يئسن من الأمر، جلسن جنباً إلى جنب بين شجر الخشخاش الذابل بعيدين عن الجثة قليلاً و لكن الصبي استمر بالحفر إلى أن اصطدم بحجر مبسط و عندها نسي الهدف من حفرياته و جثم على ركبتيه حتى برزت عظام رقبته و هو يرقب في أسفل الحجر فريقاً من النمل، الآلاف منها تدب وتتوزع هاربة إلى أماكن آمنة· أماكن مثل نمارد واود ودروم وفار وباس-بيرينيه· وحيث توقفنا نحن أيضاً في بو·
صفحة 3
كانت الحياة في أسبانيا صعبة للغاية، قررنا الانتقال إلى نيس بالقطار في الطريق توقف القطار بنا في مكان يدعى فيوجيري لمدة عشرة دقائق· نزلت لأشتري بعض الطعام وعندما عدت بعد دقيقتين كان القطار قد غادر، و عندما أبديت احتجاجي لدى المسؤول العجوز في المحطة رد علي بجلافة أنني على كل حال ما كان من المفروض أن أخرج من القطار·
 
في عالم أفضل من هذا، ربما كنت استطعت الاتصال بزوجتي و تحديد مكانها فقد ظلت النقود والتذاكر في جيبي، وجربت كابوس الاتصال الهاتفي فلم أفلح لذلك قمت بإرسال ثلاث برقيات ثم ركبت القطار المحلي ليلاً إلى مونبيليير لعلمي أن القطار الذي يقل زوجتي لن يصل إلى أبعد منها·
 
لم أجدها هناك ولم يبق أمامي سوى خيارين أحدهما أن أواصل الطريق إلى مرسيليا التي تجاوزني قطارها منذ لحظات و الآخر أن أعود إلى فوجيريس، ولا أذكر الآن ما هو المنطق الذي جعلني اتبع الخيار الأول·
 
فيما عدا إرسال بعض المعلومات الخاطئة لم تساعدني الشرطة في شيء؛ بل على العكس نهرني أحدهم بسبب كثرة إزعاجي ، وتنطح آخر يشكك في شهادة زواجي لأنها كانت مختومة على الجانب الخطأ، أما الثالث وهو بدين ذو عيون بنية فقد استغل الوضع لإبلاغي أنه يكتب الشعر في أوقات فراغه· سألت بعض معارفي من الروس المقيمين في نيس و سمعت من بعضهم ممن صدف وكانوا من اليهود قصصاً عن أقارب أُحرِقوا في القطارات فوجدت أن إخبارهم عن محنتي أصبح أمراً غير واقعي أمام مثل هذه الأحداث الجسام، لذلك جلست على شاطئ البحر في ذلك المقهى المزدحم اسمع حولي قصصاً وأحاديث عن المآسي والمذابح التي تدور حولنا وعن الجنة الرمادية خلف المحيط وعن نزوات الحكام الظالمين·
 
بعد أسبوع من وصولي ناداني رجل كسول رث الثياب و اصطحبني معه إلى شارع تنبعث منه روائح كريهة ثم أدخلني إلى منزل مطلي باللون الأسود كتب على بابه كلمة بالكاد تقرؤها، لكثرة ما علق بها من القذارة· فهمت منها أنها فندق وهناك أبلغني أنه عثر على زوجتي ومن ثم أحضرت لي فتاة غريبة تماماً عني ولكن السيد هولمز أصر عليها لبعض الوقت لكي تعترف أنها زوجتي بينما وقف قوادها ذو العضلات المفتولة صامتاً بجانبي· كان يصغي فقط عاقداً ذراعيه المكشوفتين على صدره البارز·
 
وأخيرا ًبعد أن نجحت في التخلص من هؤلاء الناس عدت أدراجي إلى الحي الذي كنت فيه· شاهدت طابوراً من الناس يقفون أمام مدخل محل لبيع الأطعمة وهناك في أخر الطابور عثرت على زوجتي كانت تحاول أن تقف على أطراف أصابعها لكي ترى ما الذي يباع في ذلك المحل وأظن أن أول كلمة قالتها لي كانت أتمنى أن يكون بين ما يبيعونه بعض ألبرتقال· كانت قصتها مهزوزة ولكنها سخيفه تماماً قالت أنها عادت إلى فويجيري وذهبت مباشرة إلى الشرطة بدلاً من السؤال عني في المحطة حيث كنت قد تركت لها رسالة، من ثم دعاها بعض اللاجئين للذهاب معهم وهناك قضت الليل في مكان لبيع الدراجات لا توجد فيه دراجات· كان هناك ثلاث نساء عجائز ينمن على الأرضية في صف واحد مثل ألواح خشب وفي اليوم التالي أدركت أنها لا تملك نقوداً كافية للسفر إلى نيس لذلك استدانت بعض النقود من إحدى هذه الألواح إلا أنها ركبت القطار الخطأ الذي أوصلها إلى بلدة لا تتذكر اسمها· وصلت إلى نيس منذ يومين وعثرت على بعض الأصدقاء في الكنيسة الروسية الذين أخبروها بدورهم أنني موجود في الجوار أبحث عنها وأنني لابد أن أظهر قريباً·
صفحة 4
وفي وقت متأخر بينما كنت جالساً معها على طرف الكرسي الوحيدة الموجودة في الحجرة ممسكاً بها من خصرها الرقيق انقلبت ابتسامتها الباهتة فجأة وبدأت ترتجف وهي تضع يدها على كتفي وتحدق بي كما لو أنني كنت انعكاساً في بركة ماء تشاهده للمرة الأولى·
 
لقد كذبت عليك يا عزيزي قالت لي لقد بقيت عدة ليالٍ في مونبيليير مع رجل شهواني قابلته في القطار كان بائعاً جوالاً يبيع مطريّاً للشعر· لم أكن أريد ذلك ولكن هذا ما حصل· قضيت تلك الليلة وبعدها العديد من الليالي أحاول أن أخرجها من رأسي قطعة قطعة ولكنني لم أستطع فعل ذلك· كنت أعيش في وهم غريب من أنني يجب أولاً أن أعرف كل التفاصيل وأن أعيد تركيب كل دقيقة مرت، ومن ثم أقرر إذا ما كنت أستطيع تحمل الأمر أم لا· ولكن حدود الرغبة في المعرفة كانت صعبة الإدراك ولم أستطع أن أصل إلى الحد الأقرب الذي يمكن أن أتخيل فيه نفسي راضياً لأن القاسم المشترك بين جميع أجزاء المعرفة كان بلا حدود تماماً كما هو الرقم الكسري بين الأجزاء نفسها في المرة الأولى كانت تعبة جداً لتقول شيئاً وفي اليوم الذي تلاه لم تتعهد بشيء لأنها كانت واثقة أنني هجرتها· كانت تبدو مدركة أن مثل هذه التفسيرات يجب أن تكون على شكل جائزة تعزية لي بدلاً من هذا الهراء والألم الذي تمثله· استمر هذا الأمر إلى مالا نهاية·كانت تنهار من حين لآخر ثم تعود لتجيب على أسئلتي الشفهية بهمس متقطع الأنفاس، ترد أحياناً بابتسامة مثيرة للشفقة في محاولة للتملص من تعليقاتي التي لا علاقة لها بالموضوع وأنا أصك على أسناني طوال الوقت حتى كاد فكي ينفجر من الألم ولكن هذا الألم كان مقبولاً أكثر بكثير من ذلك الألم الصامت الناتج عن تحملي المتواضع لما قامت به·
 
وسجل هنا *** أننا بين الفترة التي تخللت هذا التحقيق كنا نحاول انتزاع بعض الأوراق من تلك السلطات المترددة من أجل استخدامها في إصدار أوراق قانونية أخرى تساعدنا على إيجاد موطئ قدم في مكان آخر نستطيع فيه تقديمها والحصول على أوراق أخرى تساعد على امتلاك وسائل نكشف من خلالها كيف ولماذا حدث ما حدث· كنت أستطيع أن أتخيل هذا المشهد المتكرر ولكني فشلت في ربط ظلال زواياه الحادة البشعة مع وضع زوجتي التي كانت أطرافها تذوب وترتجف في رحى قبضتي الغاضبة·
 
هنالك لم يتبقّ لنا شيء نفعله سوى تعذيب بعضنا البعض وانتظار الساعات للوقوف أمام مكاتب تعبئة النماذج والتشاور مع الأصدقاء الذين سبق وخاضوا تجربة تقديم طلبات التأشيرات وتوسلوا إلى السكرتيرات وعبؤوا المزيد من النماذج إلى أن انتهى الأمر بأن أصبح رجلها الشهواني المتجول منغمساً في مزيج رهيب من مسؤولين غاضبين وأكوام عفنة من السجلات المهملة وروائح الحبر الليلكي والرشوات التي تمرر ضمن الأوراق الملطخة بالحبر والذباب الضخم الذي يوخز بأقدامه الخفيفة الباردة رقابنا المعرقة والصور الغوغائية الحديثة بنسخها الست والعيون الصبورة المتألمة للمراجعين المتوسلين الذين ولدوا في ستلوتسك أو ستارودب أو بوبرسيك وأخيراً لا آخراً الابتسامة المأساوية للرجل الأصلع الذي يضع نظارات على عينيه وقد أخبروه للتو أنهم لم يتمكنوا من العثور على جواز سفره·
صفحة 5
إني أعترف أنني وفي إحدى الأمسيات، وبعد انتهاء يوم بغيض، غصت في مقعد حجري أبكي وألعن هذا العالم المخادع الذي يتقاذف فيه المسؤولون والشرطة ملايين البشر بين أيديهم القذرة المجرمة· لاحظت أنها تبكي معي فأخبرتها أن الأمر كان يمكن أن يكون أهون بكثير لو لم تفعل الذي فعلته، أجابتني بعنف جعلني أعتقد للوهلة أنها جدية: سوف تظنني مجنونة ولكنني أقسم أنني لم افعلها وربما أني أعيش أكثر من حياة في حياة واحدة، ربما أردت أن أمتحنك فقط أو ربما يكون هذا المقعد حلماً أو إننا موجودون في ساراتوف أو فوق إحـدى النجــوم !!
 
قد يصبح مملاً لو إنني أسهبت في شرح المراحل المختلفة التي اضطررت للمرور بها قبل أن أتقبل أخيراً التفسير الأول لتأخرها لم أتكلم معها وأصبح الأمر بيننا شبه اتفاق حل وسط كانت تومض أحياناً وتذوي أحياناً أخرى ثم تبرز بفكرة سخيفة تظن أنني أقدرها مثل حبات كرز أو ثلاث سجائر ثمينة أو ما شابهها·كانت تعاملني بعذوبة صامتة كما تعامل الممرضة الحنونة مريضها العنيد المتماثل للشفاء· انقطعت عن زيارة معظم أصدقائنا المشتركين لأنهم ملوا من الحديث عن جوازات السفر وأدارو ظهرهم لنا بطريقة غير ودية، كتبت بعض الأشعار واحتسيت كل ما وقعت عليه يداي من النبيذ، ضممتها في إحدى الأيام إلى صدري المتأوه و ذهبنا لقضاء أسبوع على الشاطئ الضيق في كابول· قد تجد غرابة لو قلت لك أنني صرت كلما ازدادت علاقتنا سعادة شعرت بحزن خفي ينتابني ولكنني بقيت أعزي نفسي أن هذا الأمر هو تعبير غريزي عن السعادة الحقيقية·
 
في نفس الوقت، وقع شيء قلب نمط مصيرنا و خرجت أخيراً من أحد هذه المكاتب الحارة المظلمة بتأشيرتي خروج حملتهما ويداي ترتجفان· كانت تعبق منها رائحة أمريكا· هرعت إلى مرسيليا وقطعت تذكرتي سفر على الباخرة التالية وعندما عدت إلى المنزل صعدت الدرج لأجد أمامي وردة موضوعة في الآنية التي على الطاولة، وردة جميلة، ما تزال فقاعات الهواء ملتصقة بساقها ** بحثت في المنزل فلم أعثر على الثوبين الاحتياطيين اللذين كانت تحبهما، حتى مشطها ومعطفها اختفيا ** وقبعتها الليلكيه أيضاً· لم تكن هناك أية ملاحظة على المخدة ولا حتى أي أثر في الغرفة يرشدني إلى أين ذهبت فقط تلك الوردة التي يسميها الشعراء الفرنسيون علاقة
 
ذهبت لزيارة عائلة فيرتيننكوف علهم يخبروني شيئاً وعائلة هيلمانز الذي رفضوا أن يدلوا بأي شيء وعائلة الاغواني الذين لم يكونوا واثقين هل يخبروني أم لا وأخيراً جاءت تلك المرأة العجوز*** هل تذكر آنا فلاديميروفنا التي تظهر لك في أحرج الأوقات 00 هي مثلها 000 اصطحبتني إلى الحديقة بعد أن حملت عصاها وانتزعت جسمها الثقيل من كرسيها الضخم وهناك أبلغتني أنها وبصفتها أكبر مني سناً تستطيع أن تقول لي أنني وغد غبي !
 
وما عليك يا عزيزي ف إلا أن تتخيل المشهد، تلك الحديقة المغطاة بالحصى الصغيرة والتي تنتشر فيها الجرار العربية الزرقاء وشجرة السرو اليتيمة وتلك الشرفة المتصدعة حيث كان والد العجوز يستلقي مرخياً لحافه على ركبتيه عندما تقاعد من حاكمية نوفكورود ليقضي عدة أمسيات في نيس، السماء الخضراء الباهتة، رائحة الفانيلا التي تفح وسط هذا الظلام الدامس قرقعة الصراصير التي تغني بأنماط شعرية راقية وأخيراً آنافلاديميروفنا بخديها المتدليين وهي تمطرني بعبارات التوبيخ تماماً كما توبخ أم ابنها·
 
في الأسابيع التي تلت يا عزيزي ف كانت زوجتي كلما قامت بزيارة لتلك العائلات الثلاثة أو الأربعة التي نعرفها، تملأ آذانهم المتفتحة بقصص عجيبة غريبة أذكر منها أنها عاشت حبا ًعاصفاً مع شاب فرنسي أسكنها في منزل ذي أبراج وقدم لها اسماً لامعاً وأنها توسلت إلي كي أطلقها ولكني رفضت وأعلنت لها أنني أفضل أن أقتلها وأقتل نفسي على أن أرحل إلى نيويورك بدونها وأنها قالت لي حينذاك أن والدها قد تصرف بشهامة في موقف مماثل وأنني أجبتها أنني لا أعير أي اهتمام لوالدها هذا·
صفحة 6
كان هناك قصص أخرى عجيبة من هذا النوع ولكنها كانت محبوكة بطريقة فنية رائعة جعلت تلك المرأة العجوز تجبرني أن أقسم أنني لن ألاحق هذين العاشقين بمسدسي اللئيم قالت لي إنهما ذهبا إلى قصر لوزيير· ولكنني لما بحثت في الأمر وجدت أنها لم تعرف حتى هذا الرجل ولكن أحدهم أطلعها على صورته·
 
وبينما كنت في طريقي للمغادرة ظهرت آنافلاديميرووفنا فجأة وكانت قد أخذت بعض الراحة قبل ذاك ومدت إليَّ أصابعها السمينة لكي أقبلها وأخذت تضرب الحصى بعصاها ثم قالت لي بصوت أجش عميق، شيء واحد لن أغفره لك، ذلك الكلب المسكين الذي كان بحوزتها، لماذا قمت بدق عنقه بيديك قبل أن تغادرا باريس ؟!!
 
حتى لو تحول رجلها الشهواني إلى بائع متجول أو أن هذا التحول كان معكوساً أو هذا أو ذاك لم يحصل إلا أن هذا الشاب الروسي الذي كان يتودد إليها قبل الزواج لم يعد ضرورياً أبداً أما هي فقد اختفت·كانت هذه هي النهاية لابد أنني كنت أحمق لأقحم نفسي في كابوس البحث عنها أو انتظارها مرة أخرى·
 
في اليوم الرابع من رحلتي البحرية الطويلة، التقيت على سطح السفينة طبيباً عجوزاً لطيفاً كنت أحياناً ألعب معه الشطرنج في باريس وسألني إذا ما كانت زوجتي تنزعج من سفر البحر وأجبته أنني مسافر لوحدي دهش لأنه حين سألها عن حالها قبل يومين أخبرته أنني سأنضم إليها للسفر بعد أن أحضر الأمتعة والتذاكر·
 
هذه هي على ما أظن القطعة الرئيسية في القصة كلها فقد تأكدت منذ هذه اللحظة أنها لم تكن موجودة أبداً، وسوف أخبرك شيئاً آخر عندما وصلت انطلقت مسرعاً أشبع فضولاً تولد لدي، ذهبت إلي العنوان الذي أعطتني إياه مرة وتبين أنه فجوة مجهولة بين بنايتين بحثت عن اسم عمها في الدليل فلم أعثر عليه أبداً·عندها قمت بإجراء بعض التحقيقات وأخبرني جيكو الذي يعرف تقريباً كل شيء أن الرجل و زوجته كانا موجودين و لكنهما انتقلا للعيش في سان فرانسيسكو بعد وفاة ابنتهما الصماء·
 
عندما أحاول أن أرسم بتصوري ما حدث في الماضي أرى تلك العلاقة الرومانسية و قد لفها واد سحيق في ضباب كثيف لم تكن حياتي حقيقية قبل الآن و لكني أقدر أنها ستصبح كذلك منذ الآن وصاعداً· ربما غداً و ربما بعد غد·····
 
أما أنت أيها الإنسان السعيد الفاني وعائلتك المحبة (كيف حال اينيس والتوأم) وعملك المتشعب (كيف تسير أمور الاشنة) إني لا أتوقع منك أن تفسر لي هذا الحظ العاثر ضمن تعابير إنسانية ولكن يمكنك أن توضح لي الأمور بطريقتك الفنية·
 
إلا أن المحزن في الأمر كله···· لعنة الله على فنك··· أنني حزين من الداخل فما تزال هي تروح و تغدو في رأسي كلما علقت شباك الصيد لتجف على الأحجار الساخنة وكلما سبح ضوء الشمس إلى جانب مركب الصيد في البحيرة· هناك في مكان ما قمت بارتكاب خطأ قاتل· هناك بقايا أسماك محطمة باهته تظهر بين الفينة و الأخرى بين الشباك البنية ربما ينتهي الأمر في حلب إذا لم أنتبه له· احفظ عني يا عزيزي ف سوف تورط نفسك في أمر لا يحتمل إذا استخدمت هذه الكلمات عنواناً لقصتك·
صفحة 7
عيد ميلاد مضاعف
 
بقلم ويللا كاشر 1929
 
حتى في المدن الأميركية التي تكاد تشبه بعضها البعض، ويبدو الناس فيها كأنهم يعيشون حياة متشابهة ويحملون أفكاراً متشابهة ويكافحون للحصول على أشياء متشابهة، يبقى هناك أفراد يعيشون خارج الزمن وكأنهم بقايا من ماض مهلهل النسيج، تجيش في نفوسهم مشاعر القلق من مستقبل مجهول·
 
عصر يوم معتم من شهر تشرين الثاني، وبينما كان القاضي هامرسلي خارجاً من مبنى محكمة غراي ستون في مدينة بيتسبورغ، صادف في وجهه أحد هؤلاء الرجال الذين لا تعرف في أي موقع تضعهم، أو ربما تشعر بالحرج من مواجهتهم لأنه لا يريدون أن يسيروا في الطريق التي يجب أن يسيروا بها·
 
رأى القاضي الرجل يشد الخطوة إلى الخارج، وجهه في وجه الريح، يحمل قبعته الناعمة بيده ورأسه مدفوع إلى الأمام، يجد السير بخطى خفيفة سريعة كأنه عازم على الوصول إلى هدف خاص به، كان يمكن للقاضي أن يتفادى الاحتكاك به لو استدار من الباب الجانبي ولكن هذا الأمر لم يكن من طباعه ومبادئه·
 
صباح الخير··· ألبرت غمغم القاضي كأنه يشعر في قرارة نفسه بالحرج من هذا اللقاء بينما رفع الرجل الآخر قبعته مطلقاً ابتسامة تعكس سروراً واضحاً وشعوراً بالفخر، مبرزاً رأساً جذاباً صغيراً ناعماً ومحدد المعالم كأنه واحد من هذه الرؤوس المنحوتة في قطعة فخمة من الخشب الثمين على يد نحات بارع، كان وجهه الحليق الأسمر بلون القهوة الساخنة أما عيونه فكانت تضج بالدفء والحيوية، لم يكن ألبرت في عمر الشباب ولكن ملامحه كانت تنم عن سرعة حركته، وحتى موقفه أمام القاضي العابس والواقف أمامه بجمود، كان يفيض بالاحترام والإعجاب·
 
وحين سأله القاضي عن صحته وصحة عمه أجاب سريعاً عمي ألبرت يحافظ على نفسه جيداً بالنسبة لعمره ولكنه ضعيف قليلاً ولا يمكنه تحمل أي نوع من الضغط، إلا أنه يبقى في وضع سليم طالما هو قادر على المحافظة على روتين حياته··· سوف يحتفل بعيد ميلاده الثمانين يوم الأول من كانون الأول أما أنا فسأكون في الخامسة والخمسين في نفس اليوم كما تعلم فقد سموني ألبرت على اسمه لأني ولدت يوم ميلاده الخامس والعشرين
 
همهم القاضي ملتفتاً يمنه ويسرة وكأن هذه الملاحظة لم تناسب ذوقه ولكنه أبدى إعجابه بها وأجاب بحماس سريع: سوف تكون هذه مناسبة بحق ! أحب أن أتذكرها بطريقة ما، هل هناك شيء مميز ضحك ألبرت انجلهارت الشاب، كما كانوا يدعونه، ضحكة واثقة كأنه يعتذر عن شيء أظن أن هناك شيئاً يرغب فيه أيها القاضي هامرسلي، لقد كنت أفكر أن أجيء إليك لأطلب منك معروفاً، فأنا سوف أقوم بإعداد عشاء للعم ألبرت بمناسبة عيد ميلاده وأنت تعلم كم هو يحب النبيذ الجيد ولكن مع وجود المسكرات غير الشرعية هذه الأيام من الصعب أن تعثر على نبيذ جيد أليس كذلك ؟
 
بالتأكيد بالتأكيد أجابه القاضي بسرعة ثم نظر إليه لأول مرة نظرة حادة وتابع قائلاً: إياك أن تحضر له شيئاً من هذه المهربات، سأجد له شيئاً في مخزني، أرجو أن تحضر معك غداً كيساً أو حقيبة، سأوافيك بعد الساعة الثامنة وسأكون مسروراً لمساعدتك يا ألبرت، إن من دواعي غبطتي وسروري أن يساعد الأصدقاء القدامى بعضهم بعضاً فتح انجلهارت الباب الثقيل بسرعة لكي يسمح للقاضي بالمرور (شكرايا ألبرت) قالها القاضي وانصرف خارجاً·
صفحة 8
كانت سيارة القاضي بانتظاره، وفي طريق عودته من سكويرل هيل أخذ يفكر بعائلة انجلهارت وكان مغتاظاً بعض الشيء فرغم طباعه التي تبدو صارمة إلا أنه كان رجلاً حنوناً يخبئ في داخله مشاعر عميقة، كان شديد الوفاء لأصدقائه القدامى وللعائلات التي كان يعرفها سابقاً، لم يكن يثمن كثيراً صفات النجاح في هذه الأيام ولكنه مع ذلك كان يتمنى النجاح لأصدقائه ويغتاظ عندما يجدهم عكس ذلك، فقد اغتاظ من ألبرت لأنه كان يعلن بفخر واعتزاز أنه أصبح اليوم في الخامسة والخمسين من العمر إذ أنه بدا وكأنه لا يملك شيئاً آخر ليفخر به، كان ألبرت آخر الأحياء من أولاد انجلهارت وجميعهم لم يكن لديهم شيء يفخرون به فقد فارقوا الحياة في وضع أسوأ مما دخلوها كانوا يملكون مصنعاً عامراً للزجاج في أعلى النهر وثروة مريحة ومنزلاً أنيقاً يقع قرب المنتزه في اليجني إضافة إلى مركز رفيع في المجتمع··· ولكن ذلك كله انتهى إلى غير رجعة·
 
كان أوغست انجلهارت رجلاً قوياً يفيض حيوية على الرغم من رأسه الضخم، وكان صديقاً للقاضي هامرسلي وواحداً من أول زبائنه، ولكن أولاده الخمسة باعوا المصنع بعد وفاته وأضاعوا الأموال في مشاريع فردية حمقاء خسروا على أثرها منزلهم الكبير وقد أصبحوا جميعاً اليوم في عداد الأموات ما عدا ألبرت، لقد كان الأجدر بهم أن يكونوا اليوم أحياء يملكون عقارات ومصانع وعائلات ولكنهم بالتأكيد كانت لديهم تلك المسحة الألمانية الشاذة، ومع أن أوغست كان يملك تلك المسحة أيضاً إلا أن ذلك لم يمنعه من الوصول إلى ما كان عليه، ربما كان هناك خطأ في تربيتهم فقد كان أوغست فخوراً بأولاده الأنيقين، ومغروراً بهم لدرجة الإفراط في التساهل معهم، كانوا دائماً يلعبون الكثير من التنس ويحتسون نبيذ الراين الفاخر إلى آخر المطاف من الموسيقى والسخافات الأخرى، إضافة إلى كثرة السفر إلى نيويورك مثل ألبرت هذا ! إنك لو سألت أحدهم ماذا فعل ألبرت الشاب بثروته التي ورثها فسيجيبك ضاحكاً: لقد أنفقها على طريق سكة حديد بنسلفانيا
 
لم يكن القاضي هامرسلي ليرى أن ألبرت يمكنه أن يقوم برأسه فقد كان يعمل في وظيفة متواضعة في مكتب قسيس المقاطعة، وكان يعتمد تماماً على هذه الوظيفة ولا يملك شيئاً آخر سوى منزل صغير رث في الجهة الجنوبية حيث يعيش هو وعمه، كانت المقاطعة تعتني به من أجل أبيه المتوفى والذي كان ضابطاً لامعاً خلال الحرب الأهلية ثم أصبح مواطناً محبوباً قدم الكثير من أجل رفع البطالة عن العمال في المنطقة، ولكن القاضي هامرسلي، كان كلما ورد اسم ألبرت خلال حديثه مع القاضي ميريمان يقول بمرارة لولا أن أصدقاء أبيه ظلوا يتأملون منه شيئاً لما استطاع هذا الفتى أن يعيش، ولعل هذا القول يعتبر ثاني أسوأ قول يمكن أن يقال عن رجل ما من بعد تهمة قلة الشرف·
 
يقع منزل القاضي همرسلي في سكويرل هيل وسط حديقة تعج بأشجار البلوط القديمة وكان يعيش وحيداً مع ابنته الأرملة مارغريت بارمنتر وكان لمارغريت ارتباطات اجتماعية كثيرة ولكنها كانت تحرص دائماً أن تتناول العشاء مع أبيها في المنزل ولعل هذا كان أقصى ما يتطلبه المجتمع من أي علاقات عائلية، كان منزل القاضي مريحاً ومجهزاً تجهيزاً جيداً ولكن على الطراز القديم وخاصة تلك المكتبة التي كان القاضي يعيش فيها تقريباً حين لا يكون في المحكمة أو في السرير·
 
هذه الليلة، عندما نزل القاضي لتناول العشاء، كانت مسز بارمنتر جالسة على المائدة ترتدي ثيابها استعداداً لحفلة ساهرة في الخارج، كانت طويلة وأنيقة، ناعمة وخفيفة الحركة ولكن وجهها كان مثل وجه أبيها يحمل ملامح صارمة وحنونة في نفس الوقت، إلا أنها لم تكن مثله جامدة الطباع، تلك الطباع التي تجعل عضلات وجهه تتقلص بشكل احتجاج عفوي على أي شيء مخالف للأصول أو لآلية الحياة، كانت تتقبل العثرات والحوادث بهدوء، إن لم يكن بلا مبالاة·
صفحة 9
بينما كان الخادم الأسود يشد كرسي القاضي لكي يجلس، نظر هذا إلى ابنته من طرف عينه قائلاً: لقد رأيت بعد ظهر اليوم ابن المرحوم اوغست انجلهارت قالها بصوت غاضب ومتحدٍ·
 
عندما كانت مارغريت صغيرة كانت معتادة على تقبل تحدي أبيها والدفاع بحرارة عن الشخص الذي سبب له الإحباط أو أثار غيظه ولكن مع تقدمها في العمر أصبحت مدركة أكثر لهذا الشعور في داخلها وخاصة عندما يأتي الناس بتصرفات تكون دون توقعاتها، كما أنها أدركت الآن أنه عندما يهاجم والدها بعنف شخصاً ما فإن هذا يعني أنه محبط منه أو أنه يشعر بالأسف له، إذ أنه لم يكن يتكلم أبداً بهذا الشكل عن الأشخاص الذي لا يكن لهم أي شعور، لذلك أجابته بهدوء حقاً إنني لم أره منذ سنوات، ربما منذ الحرب، كيف أصبح شكله يا ترى ؟ رثاً
 
أجاب القاضي: ليس رثاً كما كان يمكن أن يكون ولكن هذا الشخص قد يصل حد العوز يوماً ما، ردت مارغريت متنهدة تنهيدة خفيفة:أخشى ذلك ولكني أعتقد أنه يملك من الشجاعة ما يكفي لمواجهة هذا الأمر هز القاضي كتفيه استهجاناً وقال: إنه قادم إلى هنا غداً عند المساء ليأخذ غرضاً لعمه
 
أجابت مسز بارمنتر: إذن سوف تتاح لي الفرصة لرؤيته شخصياً، لا شك أنه يبدو الآن أكبر مما كان عليه ورغم ذلك لا أستطيع أن أتخيله كبيراً في العمر أو مستقراً في حياته
 
قال القاضي: أوصي أن لا تطلبي منه البقاء، لا أحب أن أراه يتسكع حولنا، سوف يأخذ الغرض الذي جاء يطلبه وينصرف، لقد بلغت به الجرأة أن يخبرني أنه سيصبح في عمر الخامسة والخمسين في يوم الأول من كانون الأول وأنه سيقيم حفلة عيد ميلاد لعمه ألبرت وهنا سعل القاضي سعلة مؤدبة بدون أن يتم ابتسامته التي حاول رسمها على شفتيه، إلا أن شفتيه كانتا تنضحان بالسخرية وظهر في عينيه تهكم خبيث·
 
(هل من المعقول أن يكون قد بلغ هذا العمر ؟) حدقت مسز بارمنتر ثم تابعت أعتقد ذلك لأننا عندما كنا معاً لدى مسز سيتريت في روما، كنت أنا في الخامسة عشرة وكان هو حسب ظني في الثلاثين سعل القاضي مرة أخرى وقال: كان من الأفضل له أن يكون في هومستيد هنا رفعت مسز بارمنتر نظرها إلى أبيها، كان هذا المكان يبدو سوقياً بالنسبة له ثم قالت: آه··· لا أعرف ولا أظن أنهم بحاجة إليه في هومستيد في حين أنه كان مفيداً جداً لمسز سيريت في روما رد القاضي: ولماذا كانت ترغب به حولها ؟ معظم الرجال في عائلتها على درجة جيدة من التحصيل والمكانة
 
للحقيقة كانت ترغب دائماً أن يكون هناك تلك الفراشات التي تحتاجها لكي تحوم حول حفلات المنزل كان هو خفيفاً في حين أن آل سيتريت وآل دنت كانوا جميعاً من ذوي الوزن الثقيل، لقد أمضى هناك وقتاً ممتعاً وعلى كل حال فإنه يتكلم الإيطالية جيداً وها قد ساعده ذلك الآن ! أليس كذلك ؟ لا بد أنك سوف تطلب مساعدته إذا احتجت إلى مترجم في المحكمة قالت مسز بارمنتر· رد القاضي: ليس كثيراً في الغالب، إنه يحصل على بعض الدولارات القليلة، عمل خفيف لشخص كان له مثل ذاك الأب