صفحة 1
قصائد الماء والرّؤيا
يظلّ الشّاعر الحقيقي حاملاً لمشروع قائم بذاته، يهجس به في سره وعلنه، في صمته وكلامه حتّى يخرجه للنّاس في لحظاتٍ حاسمة، تصف وتبوح، تسرد وتخبر..
جولييت أنطونيوس شاعرة حاملة لمشروع بدأته برحلة بوح في محراب خطيئة الشّعر ضمن ديوانها الأوّل خطيئتي.. فأعلنت أنّ الشّعر لا يعيش في اللّغة.. الشّعر يحيا دائماً في الإحساس، يحيا في الجمال والحياة....
قصائدها النثريّة تكتب نفسها بلغة شفيفة وصور مغامرة وأسئلة مربكة.. أليس الشّعر هو ذلك الكائن اللّا مرئيّ الذي ينجح في مناجاة الرّوح و محاذاة الأعماق ومحاورة الفكر؟
في ديوانها الجديد "اغمض عينيك لترى" تطرح جولييت أنطونيوس مفارقةً عجيبة بين الرّؤية والرّؤيا أو بين البـصر والبصيرة.. وهو ما عبّر عنه سقراط قديماً لرجل وسيم وأنيق، أخذ يتبختر في مشيته ويتباهى بمنظره: تكلّم حتّى أراك.. كذلك تقول الشّاعرة للمخاطب الفردي والجماعي، لا ترني بعينيك، افعل ذلك بقلبك وعقلك، أي بشكل عميق ينفذ إلى التّخوم القصيّة.. فإيضاح الغاية في استعمال "لترى" تتجاوز حاسّة البصر أو المدلول المتعارف عليه ليكتسب أجنحة دلاليّة متنوّعة وفق ثراء التّخييل ومرجعيّات التّفكير.. يمكن أن نقول: لتحبّ، لتعشق، لتفهم، لتعرف، لتفكّر، لتحاور ولتجادل..
حينئذٍ وهذا لافت، تحضر الأنثى في القصائد محاورة للأنت والأنتم، مؤصّلة لتواصلٍ يتجاوز الظّاهر والسطحيّ والمتاح إلى الباطن والجوهر والممتنع.. لذلك نهضت الصّور في الغالب على تقنية التضادّ فحضرت الثنائيّات والتداخلات بين الرّوح والجسد، الحقيقة والوهم، الأرض والسّماء، الحياة والموت والحب والكراهيّة.. كما استدعت الشّاعرة توهّجها الرّوحي وتموّجات وجدانها لتحاور الصّخب الخارجي المرتبط بالوطن ومختلف القضايا التي تعيشها الإنسانيّة.. فالشّاعرة بذلك تنشئ تناغماً بين الذّاتي والموضوعي أو بين الأنا والإنسان وهو ما غاب عن الكثير من دواوين الشّعر العربي الحديث بوقوفه على الرّبوة أو انتصابه في برجه العاجي..
"إنّه ليس زمني
ليس مكاني
ولا سكني
لن أسير على أرصفة الحكايا
لا..
لا أعشق المرايا الصامتة
وصورتها الممتدة إلى ما هو خلفي
أسمع همس الزوايا..
الهمس يخنق أذني..
لن أموت قبل الموت
في كفنٍ ليس كفني.."
صفحة 2
وتعتمد جولييت أنطونيوس على تشكيلٍ إيقاعي متناغم في توزيع الأسطر الشّعريّة من خلال المراوحة خاصّة بين التّكثيف والانتشار والتّماثل الصّوتي بين الحروف والتّراكيب.. ويستجيب الفضاء الشّعري إلى ما يشبه الانفلات من الضّيق إلى الامتداد، من القلق إلى اليقين ومن الواقع إلى الحلم.. تحـضر التّداعيات واللّوحات والرّسومات لتثري المونولوج الداخلي والحركة السّرديّة المتنامية في القصائد.. هيّ اللّغة تحفر في الذّاكرة وتسكن الحلم الإنسانيّ العام فترد حيّة، عاشقة لا لبس أو غريب فيها، تعيش في عصرها، أنثى وعمقاً ودهشة.. تلك هيّ لغة الشّعر التي تحتاجها الأذن و يباركها الفكر.. أن تكون سهلة مستعصية تجري مثل الماء، به كلّ الألوان وفيه كلّ العذوبة...
"كلّ شيء يبدأ..
عندما أغمض عينيّ
لا أغمض عينيّ لأنام!
بل لأحيا.."
ديوان "اغمض عينيك لترى" للشّاعرة جولييت أنطونيوس يحتضن الأنا كما يحتضن الأنت والأفق والمواسم والحياة في نبضها و أشواقها و رهاناتها و أسئلتها.. لا تنشغل الشّاعرة بالرّجل بقدر انشغالها بالإنسان، لا تهيم بالعاشق بقدر ما تضمّخ أنفاسها بالعشق.. لا تهدي انتظاراتها للحرب والعزلة والموت بقدر ما تهبها للسّلام و الحريّة والوطن.. فلبنان هوّ تلك الشّجرة المترامية التي تنشر الظّلال و تحمي شرايين الحياة..
جولييت أنطونيوس في مغامرتها الإبداعيّة الجديدة واعية بالحركة الدّاخليّة لهندسة قصائدها.. تستدعي الماضي لتفكّ شفرات الآتي والمنتظر.. توظّف الإشارة والتّلميح لتكشف أقنعة الحاضر وتستخدم الأصوات المتعدّدة لتكون الرّؤيا واعية ومتبـصّرة بما سيأتي و بما سيكون...
بقلم الكاتب محمّد عيسى المؤدّب
تونس في 15 أكتوبر 2013
صفحة 3
شــيءٌ مــني
لا يَهمُّني ذاك الموعد
لكنّي أترقبُه..
فما من شيءٍ يوقظُ بي
شهيةَ الوقت..
أكثر من الانتظار..
لا شيء يجعلُني أكثرَ نضوجاً
كموعدٍ بعيدٍ عن الرغبة
يتأجّل عند كلِّ بارقة فجرٍ..
ونهاية حلم..
لا يهمّني ذاك الموعد
لكنّني أخشى على الياسمين البريّ
أخافُ ان يستبدله النادلُ
بالأوركيد المستورد..
ففي بلدي..
يتغنّون بالياسمين
وفي الاحتفالات الكبرى
يستوردون الزهورَ الأجنبية
في بلدي يزرعون التفاحَ
ويفضّلون الفاكهةَ الغربية
سأبقى متيقظة
أنتظرُ في حقول الزيتون
صفحة 4
أحرسُ الكرومَ..
من العصافير الجائعة
أخافُ أن يجفّ نبيذُ الكرمة
فلا يشرب المحتفلون نخبي
أخاف..
ألّا اتعطّر بالميرون قبل موعدي
لا يهمّني متى ذاك الموعد
.. لــــــــــكن
سأحتفظ بحقّي في اختيار مكاني
لا أحبّ الأماكن المغلقة..
لا أحبّ انتظارَ الموتى للبنفسج
ويرهقُني نواح الأحياء..
أريد مكانا بعيدا عن الغرباء
في بلدي كَثُر الموت
وكَثُر المشيعون الغرباء..
أريد مكاناً محايداً لا ينتمي للحب
لا ينتمي للحرب..
الحب يولد بلا ماض
لكنّه سرعان ما يسكن فيه
والحرب تولد من قبلة
سُلِّم بها الحبُّ للماضي..
مللتُ هذا التواطؤ المريب
أريده موعداً أنيقاً..
أودّع به شيئا منّي
دون أن يسقط إسمي
من سفر الحياة..
سأتجرّد من كلّ شيء
أخلع جسدي..
أرتدي صمتي
وأعدُّ نفسي لموعد
لا يهمّني..
لــكنّه.. سيأتي
سأتجرّد من كلّ شيء
أخلع جسدي..
أرتدي صمتي
وأعدُّ نفسي لموعد
لا يهمّني..
لــكنّه.. سيأتي
صفحة 5
إبنة الأرض
إنّه ليس زمني
ليس مكاني
ولا سكني
لن أسير
على أرصفة الحكايا
لا..
لا أعشق المرايا
الصامتة ..
وصورتها الممتدة
إلى ما هو خلفي
أسمعُ همس الزوايا ..
الهمسُ يخنق أذني..
لن أموتَ
قبل الموت
في كفنٍ
ليس كفني ..
إنّه ليس زمني!؟!
صفحة 6
أنا ابنة الأرض
الطفلة الحافية
ألهو بأكواز الصنوبر
تمرّغت بحبرها شفتايا
وعلى جذعها..
حفرت حلمي
انسدل اللبان
على أطرافه
لفّه بشغف الرعاية
أنا طفلة الربيع
تعلّمت من النرجس البريِّ
صنع الهدايا
أنا ابنة الثلج..
والرجل الأبيض
ألهب يديّ
أنا ابنة الوادي.
ابنة جبل
لجبينه في السماء تتمة
لا ..
أنا لست من زمني..
غريبة..
عن مدن الغواية
عن حرير العنكبوت
عن بطولة عدّ الضحايا
غريبة..
غريبة عن حضارة
تعيش على البقايا
أنا من زمن
يعشق وطني
من مبسم الشّمس
من حرف البداية
أنا من زمن
يأبى النهاية
صفحة 7
لا تطفئ الأنوار
ريح الوهم غاضبةٌ عاتية
تنقضُّ على الأحلام
لعنةً لذيذة الاشتهاء
يسيلُ لها لعابُ القدر
القدرُ وهمٌ..
والوهم لعنةُ الخلود
مكبّلٌ بجحيم الوجود
واحتمالات العدم
خبيثٌ طعم النشوة
عندما تعقد الريحُ عزمها
على الجنون..
يا لتلك الأنغامِ الموحشة
ألم تكن ذات يومٍ
ضحكةَ أطفال؟
أسطورةَ مطر؟
حفيفَ حياةٍ غضّ
مضغ رحيقَه الشجرُ؟
من أطلق الريح
في حنجرةِ القيثار؟
صفحة 8
وأسقطَ دمعَ القمر
تمهّل ..
أطبق شفتيك على الصمت
وتلذّذ بشهوة الانتظار
شرّع الأبواب طوعا ولا
تطفئ الأنوار
ستعودُ الريحُ فانتظرها ولا
تطفئ الأنوار
تلذّذ بالموت
كما يشتهي الكبار
ولا تطفئ الأنوار
صفحة 9
اغمض عينيك
كلّ شيء يبدأ..
عندما أُغمضُ عيني
لا أُغمض عينيّ لأنام!
بل لأحيا..
حين يتلاشى الضوء
تصبح الأشياء أكثر صفاء
الأمكنة ..
الصور والناس
كلّ شيءٍ أنقى ..
أوضح ..
لا بريق يُبهرني
لا دهشة..
لا بهرج
لا ألوان
الضوء..
قد يُخفي القبح
صفحة 10
خلف الجمال
أغمِضُ عينيّ
لأُعيد ترتيب الأشياء
على بصيص نورٍ آخر
عندما أُغمِض عينيّ
لا شيء يُكبِّلني
لا شيء يخدعني..
في هذه المساحة الصغيرة
أتجرّد ..
إلّا من نبضي
وذلك النور البعيد
من هذه المساحة
يُمكنني
أن أكسرَ قيود المكان
أسافر إلى أقاصي الأرض
وأعود
لا شيء يمنعني
من التحليق عاليا..
هذا البؤبؤ يختزن البحر
يختزل السماء..
عندما أصبح في خلوة
من الضوء
أتحرر..
أختلف..
أنطلق ..
أرتفع..
أصبح كما أريد
كلّ شيء يولد..
في لحظة النور الحقيقي
عندما تغمض عينيك
أَغمضْ عينيك لترى
لتحيا ..
لا .. لتنام