eKtab
EN ع
أجنحة القوافي
اقرأ عينة مجانية

أجنحة القوافي

بقلم صلاح ريان

صفحة 1

تقديم

الحمد لله الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم وجعل فوق كل ذي علم عليم ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد العلماء وإمام البلغاء ومرشد الحكماء محمد بن عبد الله .

إن الشعر لغة الشعور ،وترجمان الخواطر والأحلام، ومضمون النص الشعري يطلق العنان للخيال بعيدا عن الجموح الطائش ، والتوليف الخرف الذي يخرج الشعر عن وظيفته الإنسانية إلى مجرد ألفاظ لا تهز الذاكرة، ولا تهز إحساسا أو تحرك عاطفة .

ترعرع الشاعرصلاح ريان في أحضان الريف الفلسطيني في قرية بيت دقو إحدى قرى القدس، حيث جمال الطبيعة وحقول العنب والزيتون والهواء البكر الذي يبعث في النفس الشاعرية والخيال، وشاعرنا لا يحتل ظاهرة فنية في مسيرة الشعر الفلسطيني، ولكنه يرسم خطى ثابتة في عالم الشعر ، فهو يقدم لنا باكورة إنتاجه في ديوانه الأول ( أجنحة القوافي ) .

فالعنوان يوحي للقارئ بنظرة الشاعر وأحلامه التي بثها في قصائده آملا أن تطير الأجنحة بمعانيها فتلقى صدى في نفس المتلقي ، فتهز أعماقه معاني العدل والمساواة والتضحية ، والذود عن الاقصى والمقدسات.

عرفت الشاعر متوقد العزم ، متألق الفكر ، متوثب الروح ، صادق النية في اعتلاء صهوة جواد الشعر ومجاراة الأفذاذ من الشعراء ، فلم يألُ جهدا في استشارة المختصين ومناقشة قضايا الشعر ومضامين اللغه حتى ملك ناصية الشعر .

اتسم ديوان ( أجنحة القوافي ) بمحاكاة الأقدمين في أساليبهم وقوة عباراتهم ، فأزال عن شعره كل ألوان الصباغة البديعية المتكلفة ، فما فتأ مستبدلا البيان بالبديع ، محافظا على عمود الشعر مصيبا حسن المعنى . وجزالة اللفظ واستقامته ، موظفا للصورة الشعرية ، معبرا عن المعاني المرادة بدقة ، متجنبا حوشي الألفاظ .

يصوغ الشاعر حلفا فنيا بين دلالة التركيب والواقع الذي نعيش من خلال لوحات فنية تعكس ما آل إليه حال الأمة من تمزق وضياع ، وهي تمثل أيضا حال الشعب الفلسطيني خلال مسيرة الآلام التي لا زالت تنزف إلى يومنا هذا ، ولم يكن شاعرنا بأسعد حالا من شعبه ، فقد عانى منذ صغره من وحشية الإحتلال الذي سجن أخاه الأكبر وهدم منزل الأسرة ، فانعكست هذه المعاناة في ثنايا الديوان نقدا سياسيا واجتماعيا يثير في القارئ تساؤلات لا جواب لها .

في ديوان ( أجنحة القوافي ) موهبة شعرية تشق طريقها بثبات وتغرس أقدامها بقوة في حدائق الشعر ، وتحلق مع القوافي في عالم الإبداع ، مع قدرة على اقتناص الألفاظ لتوليد المعاني القريبة من البيئة والواقع ، بعيدا عن الغريب والسوقي المبتذل ، فأحسن السبك وجوّد النظم ، فنثر قصائد كحبات لؤلؤ في عقد متناسق .

وقصائد ( ريان ) تتناول موضوعات متنوعة ، فبعضها يغوص في بحر الغزل وبعضها يعزف على قيثارة الوطن ، ومنها ما يعانق الصوفية ومشاربها ، فغزليات ( ريان ) تستغرق معظم قصائده ، فحولها يدندن ، ولها يغني فهو شادي الأفراح ، حامل لواء الغزل في عالم لم يعد يعترف بالغزل العذري .

أما قصائده الوطنية فهي تنبئ عن حس وشعور يكاد يفسر التاريخ ، ويتنبأ بما سيخبر به المستقبل ، وفي صوفياته يتغلغل في أعماق النفس ، ويسبح في أعماق الوجود ،وكل هذه القصائد قامت على الشعر العمودي إلا النذر اليسير فاعتمد على شعر التفعيلة .

وأخيرا فإن نظرة ناقده لقصائد هذا الديوان وألوان طيفها المختلفة لترسم لنا حكما بوسطية الشاعر منهجاً وأُسلوباً ، فقد جمع بين التقليد حينا والتجديد حينا آخر ، اما لغته فهي تناجي الفئات الثقافية المختلفة ، وفيها تماثل مع لغة العصر الذي نعيش .

د. مشهور اسبيتان

صفحة 2

توطئة

اختلف الأدباء في مسالكهم ، وتعددت شعابهم وألوانهم ونكهاتهم ، إلا أنهم يصلون إلى قبلة الثقافه والتعبير عما يختلج في صدورهم وثنيات افكارهم .

كما تفاوتت قدراتهم وطاقاتهم فمنهم من سلك شعب القصة ومنهم من سلك شعب المسرحية والأغنية والرواية والخطبة والشعر ... إلخ من انواع الأدب .

إلا أن لكل شعب قوانينه وضوابطه منها ما هو سهل الولوج ومنها ما كان كثير الضوابط فشق على البعض .

وللشعر شعاب كثيره أرفعها القصيده العموديه لما تتميز به من ضوابط اللحن والقافية والوزن ، لذلك كان الشعر العمودي أرقى أنواع الأدب وأصعبها، وله ألوان كثيره كالفخر والمديح والرثاء والغزل والبث والمناجاة وغيرها .

وربما يرى البعض ريبة في الغزل من ناحية الدين والشرع إلا أنني رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم أثنى على قصيدة كعب بن زهير في مدح الرسول التي بدأها بالغزل وإظهار لوعته لمحبوبته سعاد حيث قال في مطلعها :-

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

هذا مع الأخذ بعين الإعتبار التأدب في الألفاظ والوصف وعدم تجاوز المباح شرعا .

من هذا المنطلق أضع بين يدي القارئ الكريم ديواني الأول ( أجنحة القوافي ) الذي جمعت فيه بين السياسة والفخر والمديح والغزل والحكمة والمناجاة في قالب بتشكيلة بسيطة متمنيا أن تكون فسحة لروح القارئ الكريم تعبر عما يجد في نفسه .

أقدم ديواني هذا هدية إلى كل ذي فضل علي ، راجيا من القارئ الكريم العفو عما غفلت عنه أو عن زلة بغير قصد .

الشاعر صلاح ريان الدقاوي المقدسي

فلسطين

صفحة 3

الاهدء

بكلماتي المتواضعة وبيد ملؤها الخجل أقدم هذا الديوان هدية على مقدار هاديها إلى كل ذي فضل عليّ ، إلى الأهل والأصدقاء ، إلى أطفال فلسطين وشبابها ، إلى الأرض والإنسان ، إلى المقيم والمغترب ، إلى صديقي العزيز وشقيق روحي الفلسطيني الصادق والحر الغيور على أرضه ووطنه وتاريخه ودينه

( خليل أحمد خالد إسماعيل أبو فارس )

من عين كارم والذي كانت طباعة هذا الديوان على نفقته الخاصة ، له جزيل الشكر والإمتنان

وإلي الدكتور مشهور اسبيتان والأستاذ عماد ريان اللذين لم يمنعا علما ولم يدخرا جهدا في تقديم النصح والإرشاد والتدقيق ، فلهما جزيل الشكر والعرفان .

راجيا العفو عما زلت به قدمي او قصر عنه جهدي

أخوكم الشاعر صلاح ريان الدقاوي المقدسي

صفحة 4

شقيق الروح

إلى صديقي وشقيق روحي المغترب خليل أحمد خالد إسماعيل أبو فارس من عين كارم /القدس

أبا فارس رُوَيدَكَ لا تَلُمنِي

وَأَنظِرني تُوافيكَ القوافي

وتُنبِئُكَ الحروفُ بأَنَّ قلبي

يَطيبُ لهُ بِذِكراكَ اعتكافي

وكم لَمْلَمْتُ أَفكارَ الليالي

وَسِرتُ إليكَ يُسعِدُني التِفافي

ولولا يا شقيقَ الروحِ دُنيا

تُباعِدُنا وَأَميالُ الفيافي

لَما خالفتُ روحيَ في مُناها

وُقوفي عندَ بابكَ واصطفافي

فكم عانقتُ أطيافَ الليالي

تُذكِّرُني مُشاكسةَ التَّصافي

وكم يا صاحبي حَدَّثتُ أَهلي

وأَقراني بأَيَّامي العِجافِ

وأَنَّكَ كُنتَ لِي أَهلاً كِراماً

وكنتَ وِقاءَ جَهليَ وانحرافي

فَطِبْ يا طَيِّبَ الأَعراقِ نفساً

عسانا نلتقي بعدَ التَّجافي

فلو كانَ الوصولُ إليكَ سَهلاً

لَسِرتُ إِليكَ مُنتَعِلاً وحافي

صفحة 5

عقد الأصداف

جرت العادة في فلسطين أن تقيم المدارس حفل وداع في آخر كل سنة دراسية لطلبة الثانوية العامة ( الصف الثاني عشر) وفي سنة 2008 كانت ابنتي من خريجي الثانوية العامة ومن المشاركين في الحفل فطلبت مني كلمة شكر ووداع للهيئة التدريسية والمجلس المحلي الذي كان قد اقام بناءً جديدا للمدرسة فكانت هذه القصيدة التي استخدمت في عدة احتفالات مدرسية في فلسطين وخارجها .

أجريتُ في كلِّ البُحورِ سفينتي

وجمعتُ أصدافاً منَ القيعانِ

أمعنتُ فيها ناظِريَّ مُطَوَّلاً

قلَّبتُها في راحَتي بِبَناني

لأَميْزَ أنفَسها وأَجوَدَ ما بها

وأشدَّها عِشقاً لَدى الإنسانِ

وجعلتُها عِقداً تَلألأ في الدُّجى

جعلتُ خيطَ العِقدِ من وجداني

لِتُناسبَ الذوقَ الرفيعَ لديكمُ

فلكم جزيلُ الشكرِ والعِرفانِ

يا هيئَةَ التَّدريسِ ألفُ تحيَّةٍ

وقَّادَةٍ ضاءَت لها أركاني

تترى تشابكَ بعضُها مع بعضِها

هَتَفت بها روحي وكلّ كياني

كخمائِلٍ خفقتْ بِهِنَّ نسائمٌ

فتمايلت من شِدَّةِ الخفقانِ

كجداولٍ تجري بمُنحدراتِها

وتصايَحَت من شِدَّةِ الجَريانِ

كالمَوجِ يَدفعُ بعضَهُ بعضاً إلى

حيثُ الرغائِبُ قُبلَةِ الشُّطآن

لا غُصَّةً بالبَحرِ أو هجراً لهُ

لكنَّ مَرجِعُها إلى الهيجانِ

كحدائقٍ صدَحَتْ بِهنَّ بلابلٌ

وتتطايرت من روعةِ الألحانِ

كالنَّحلِ فوقَ الجُلّنارِ تكاثفت

لِدَوِيِّها وقعٌ على الآذانِ

من فضلكم عِلمي وحُسنُ تَعَلُّمي

من فضلِكم نظمي وحُسنُ بياني

لو عَزَّ شعري عنكمُ لنبذتُهُ

لو عَزَّ إلقائي قطعتُ لِساني

والحاضرينَ أخُصُّكُم بتحيةٍ

في دعمِكُم للعلمِ كُلَّ تفاني

وبناؤكم للصرحِ خيرُ مَثوبةٍ

وبناؤهُ دربٌ من الإتقانِ

ولكلِّ من ظهرت به لمساتهم

أنتم مثالُ الفضلِ والإحسانِ

ولوالدَيَّ تَذلُّلي ورجاوتي

طولَ البقاءِ وقرةَ العينانِ

فلطالما سهروا وفارقَ جفنَهُم

نومٌ لتهنأ دونهم أجفاني

ولطالما خاضوا غِماراً دونها

نفسُ الكريمِ بعزةٍ وتفاني

هذا سلاحي يومَ كلِّ كريهةٍ

وإذا أَمِنتُ وإنْ دَعَتْ أوطاني

الجهلُ صحراءٌ كتابيَ جدولٌ

شتَّانَ بينَ الرَّيِّ والظمآنِ

العلمُ شمسٌ والجهالةُ ظلمةٌ

لَيْسَ البصيرُ خُطاهُ كالعُميانِ

فأنا ومدرستي كنخلةِ مريمٍ

وشهادتي رطباً جنيّاً دانِ

أحببتُ مدرستي وبِتُّ مُفارقاً

لِحَبيبتي فليشهدِ الثقلانِ

عهدٌ عليَّ بأَنْ أظلَّ كمن لهُ

قلبٌ بأضلعِهِ وقلبٌ ثاني

صفحة 6

مولاي

جلالُ الليلِ حرَّكَ بي شُجوني

ونامتْ أَعيُنُ الأَحياءِ دوني

وطافَ السُّهدُ أَرجاءَ الخلايا

وخالفَ بانتباهَتِهِ سُكوني

وغالبني على النومِ اشتياقي

وأغرقَ من ترَدُّدِهِ جُفوني

فقمتُ على ذراعِ الشوقِ أحبو

أُجاهِدُ لا يُساعدُني فُتوني

وناديتُ الطوائِفَ حولَ روحي

لِتَحمِلني إِليكَ فأَبعدوني

تركتُ عوالِقَ الدُّنيا ورائي

وفارقتُ الترابَ وفارقوني

وجئتُ بحُسنِ ظنِّيَ لا أُراعي

قليلَ الصالحاتِ على ظنوني

على مَتنِ الرَّجاءِ حَمَلتُ روحي

فلم تُبقِ الذنوبُ على مُتوني

لسانُ الذلِّ أَعياهُ التباكي

وأَسقَطَ من بلاغَتِهِ فُنوني

وكم ذُلِّي إِليكَ يزيدُ قدري

على شرفٍ وتورقُ بي غُصوني

أتيتُكَ مُثقلاً بالهمِّ كَلاً

على ضُرٍّ وتُثقِلُني دُيوني

وما الإلحاحُ في نَجوايَ إلا

مَخافةَ أَن يُعاجِلَني مَنوني

فيا مولايَ قد طالَ انتحابي

وباتَ البَثُّ شأناً من شُؤوني

فهل يا ربُّ يَشفعُ لي رجائي

كما قالَ الثِّقاةُ وأَرشَدوني

بَنَا العادونَ من مَكرٍ حُصوناً

ومن آيِ الكِتابِ عَلَتْ حُصوني

وكم أَيقظتُ ساكِنَةَ الليالي

بِعَبرَةِ عاشقٍ فتثاقلوني

رأوا أَنِّي تَجاوَزَ بي نِدائِي

وخافوا أن يُخالِطَني جُنوني

ولو ذاقَ العَذولُ لذيذَ بَوحي

لما عابوا عليَّ وعاتبوني

أتيتُ اللهَ أَرجوهُ التَّداني

فهوني يا صعابَ الوصلِ هوني

ومُعتَرِفاً بما قد كانَ مِنِّي

وأَبدَيتُ النَّدامَةَ فاقبَلوني

فهل ترضى وتغفرُ لي ذنوبي

وتبسُطَ ما تقرُّ بهِ عُيوني

فمن لِحوائِجِ الملهوفِ حتى

يقولُ لها إذا ما شاءَ كوني

صفحة 7

سكرة الروح

إِليكَ البَثُّ يَعذُبُ والبُكاءُ

ويُسكِرُني التَّذَلُّلُ والدُّعاءُ

وأنسى ما وراءَ الرُّوحِ حَتَّى

أَراكَ على الفُؤادِ كما تَشاءُ

ويَحلو في مَعِيَّتِكَ اتِّصالي

وتَغمُرُني السَّعادَةُ والرَّجاءُ

فلا كَبَدُ الحَياةِ يُثيرُ شَكِّي

ولَيْسَ يَجيءُ بالرَّيبِ الرَّخاءُ

أتيتُ على سُوَيقِ الحَرفِ أَعدُو

وَجَدتُكَ لَيْسَ يُنصِفُكَ الثناءُ

فلُذتُ بما لَدَيَّ مِنَ القوافي

فغالَبَني على السَّيْرِ الوَراءُ

فيا مَنْ لا يَفِيكَ الثَّغرُ وَصفاً

يَطيرُ إِليْكَ بالصَّمتِ البَهاءُ

ولَيْسَ مُسَبِّحوكَ يَفوكَ شُكراً

ولا بالحَمدِ يَكتَمِلُ الوَفاءُ

فلولا المُرسَلونَ بهِ أَفادُوا

فَتَلبِيَةً لِمَا أَوحَيْتَ جاؤوا

كتبتُ قصيدَتي جَمعاً وَقصراً

مَخافةَ أن يُعاجِلَني انقِضاءُ

فلا الأَعمارُ توهَبُ بالأماني

ولا يُغنِي عن المَوتِ الرَّجاءُ

إذا الأَقدارُ وافَقَها زَمانٌ

فلا يُجدي معَ القَدَرِ اتِّقاءُ

أُمورُكَ قد تَعَهَّدَها المُرَبِّي

على عِلمِ الَّلطيفِ لِمَا يَشاءُ

فلا يَحزُنكَ تَأخيرُ الأَماني

ولا يَعجَلْ بكَ الزَّبَدُ الجُفاءُ

فلا الأَرواحُ قدْ خَلَقَتْ مُناها

ولا الأَسبابُ شِيمَتُها البَقاءُ

إذا لَمْ يَستُرِ الإيمانُ عَيباً

فلَيْسَ بِساتِرِ العَيبِ الكِساءُ

ومَن لَبِسَ النِّفاقَ عَلى المَعاصِي

بَدا عُريانَ يَنقُصُهُ الرِّداءُ

فيا مَن غَرَّهُ الإمهالُ عَقداَ

وأَيقَظَهُ مِنَ العُمرِ انتِهاءُ

فلا الأرضُ الفَسيحَةُ ذاتُ مَأوى

ولا تَأوي مِنَ اللهِ السَّماءُ

ولا كُلُّ الفِجاجِ بها مَلاذٌ

إذا جَاءَ المَليكُ ولا الفَضاءُ

فَمَن حَمَلَتهُ أَجنِحَةُ التَّناجي

بإِشفاقٍ وسَارَ بهِ اكتِفاءُ

على ساقِ العِنايَةِ مِن قريبٍ

ونَادَتهُ القَناعَةُ والإخاءُ

نَجا واجتازَ كَأداءَ البَرايا

ودَلَّ على مُحياه السَّناءُ

ومَن يَرى في قضاءِ اللهِ خَيراً

يَجِد خَيراً يُؤَلِّفُهُ القضاءُ

ومَن يَرجو لِقاءَ اللهِ يَرضى

غَداةَ الحَشرِ يُسعِدَهُ الِّلقاءُ

صفحة 8

يا سيدي

يا ربُّ صلِّ على النبي محمدٍ

وعلى جميع الأنبياءِ سلامُ

سلّمْ على المبعوث فينا رحمةً

حتى تبيدَ وتنتهي الأقلامُ

سَلِّمْ على هذا النبي المصطفى

نور القلوب إذا ادلهمَّ ظلامُ

وعلى ذويهِ الطاهرينَ وآلهِ

والوارثينَ لهديهِ الأَعلامُ

يا ربُّ وارزقني مَحَبَّةَ أحمدٍ

حتى يَفيضَ على الفؤادِ غرامُ

يا لائِميَّ لقد عشقتُ مُحمَّداً

فإذا نسيتكمُ فلستُ أُلامُ

لمَّا تذوَّقتُ المَحَبَّةَ خِلتنيْ

طيراً يُحلِّقُ يعتريهِ هِيامُ

يختالُ بين الطير وهو أَقلُّهُمْ

ويَطيرُ فوقَ النِّسر وهو نَعامُ

إن كنتُ ما عايشتُ عصركَ سيدي

فلعلني ألقاكَ حينَ أنامُ

يا سيدي يا نورَ قلبيَ مُهجتيْ

تهفو إليكَ وتعذبُ الأحلامُ

فاقبل مَحَبَّةَ مَن عَلتهُ ندامةٌ

عما مَضت حُبلى به الأيامُ

صلى عليك الله في آلائهِ

وعلا بذكركَ حيثُ صرتَ ترامُ

ودعا خلائقه لحُبِّكَ كُلَّها

ولديكَ فوقَ العالمينَ مَقامُ

إن كان في موتي لقاؤُكَ إنَّنِي

قد بتُّ أرجو المَوتَ وهوَ حرامُ

سبحانَ من أسرى بأحمدَ ليلةً

ليقومَ في الأخْيارِ فهْوَ إمامُ

وعلا بهِ بينَ النجوم مُعاجزاً

سنناً وهُنَّ على الوجود عِظامُ

ودنا بهِ حتى رآهُ حقيقةً

ورآهُ أُخرى والأُ مورُ جِسامُ

جبريلُ لم يدنو دُنوَكَ في السما

فخطوت إذ منع الأمينَ ضِرامُ

ما زاغ من بصرٍ لديك وما طغى

عند اللقاءِ ولا دهاكَ ظلامُ

وحملتَ خمسَ الساجدين لربهم

لتطيبَ نجوى أو يطيبَ قيامُ

سُبحانَ من نصرَ النبيَّ مُهاجراً

بالعنكبوتِ وما أقامَ حَمامُ

كسرتْ خيوطُ العنكبوتِ سُيوفهم

لمَّا على غارِ النَّبيِّ أقاموا

واللهِ ما أوفاكَ حَقَّكَ مادحٌ

بشراً ولا أوفتْ لك الأقلامُ

صفحة 9

قطعة من ذلكم

هذه القصيدة كانت موجهة الى قمة عربية دعت الي التطبيع مع اسرائيل

يا ليت شعري كم سئمتُ هجاءهم

( قومي) وقبليَ فاخرَ الشعراءُ

ألفوا بطولاتٍ تجيشُ لذكرها

نفسُ الأديبِ فأزهرَ الإثراءُ

ذكروا انتصارات الولاةِ وعزَّهم

حتى انتشى في القافيات غناءُ

نسبوا إلى الأيامِ ألفَ وقيعةٍ

فبدا لهم في الحالكاتِ ضياءُ

يا حسرتي ضنّت عليّ مواقفٌ

للنصر كي يُذكي القصيدَ ثناءُ

لا يفخرُ الشعراءُ دون مفاخرٍ

فإذا خلت فالقافياتُ هجاءُ

كيف الفخارُ الحرُّ حيثُ كبيركم

خلفَ الخباءِ يَلفُّهُ الإغراءُ

والطهرُ دنّسهُ الأميرُ فأُسقطت

فينا الفضيلةُ فالمسيرُ وراءُ

تلك النياشينُ التي ازدحمت على

صدر الرذيلة ما بهنَّ حياءُ

تلك السيوفُ المغمداتُ جبانةٌ

ما عانقتها راحةٌ حمراءُ

ما أبصرت يوماً ولا سمعت ولا

لمعت ولا ارتجفت لها الأعداءُ

لا خيرَ في سيفٍ يلازمُ غمدهُ

طول الحياة ولا يراهُ ضياءُ

تلك المطايا الراسياتُ حزينةٌ

ما أبحرت ما ضمهنَّ فضاءُ

تلك الرؤوس المتخماتُ ذليلةٌ

وحقيرةٌ وخسيسةٌ جوفاءُ

المسجدُ الأقصى تدنس طهره

ومن المناهج غابت الإسراءُ

ما بالكم موتى ولَيْسَ يَهزُّكم

أنّ اليهودَ إلى النساءِ أساؤوا

شقّ اليهود جيوبَ كلِّ نسائِكم

يا قادة التطبيع يا عملاءُ

عارٌ على العرب الأُباةِ وجودكم

والعارُ أنتم أيها الرُؤساءُ

أنتم أذلُّ العالمين وليتكم

متُّم بصيحةِ مُنزلٍ نجلاءُ

تلك العيون الحادقاتُ كفيفةٌ

الليلُ فيها والنهارُ سواءُ

أسفي على التيجانِ كيف تذللت

للعاهرات ولفهنّ رجاءُ

أسفي نياشين الصدورِ تساقطت

حبلى بعار هزيمةٍ نكراءُ

فاضت قياداتُ الجيوشِ دعارةً

وخيانةً ونخاسةً جرباءُ

من باع مسرى المصطفى بزجاجةٍ

فيها المحرمُ والحلالُ سواءُ

من منكم أنتفضت حشاشةُ قلبهِ

من سلَّ سيفاً أيها الجبناءُ

من للتي صاحت يهبُّ مُلبياً

من باع فلذة كبدها الخنساءُ

من خاضَ حرباً ذائداً عن أرضهِ

من صان عِرضاً من علاهُ نداءُ

من يكتبُ التاريخَ من يسمو به

شرفُ الجدودِ وهِمّةُ غرّاءُ

صلى عليك الله يا علم الهدى

هذا زمانٌ حاكميه غثاءُ

أنا ما نظتُ قصيدتي في حبكم

أو كي يتوِّجني بها الشعراءُ

بل رغمَ أنفِ مخاوفي فاضت به

أحلامُ شعبٍ يعتريهِ فناءُ

أنا قطعةٌ من ذلكم لكنني

أنا شاعرٌ ما غرّني الإطراءُ

لا ينفعُ الدمعُ الغزير مُضيَّعاً

لن يستردَّ بلادهُ البَكَّاءُ

قد بدلوا الألفاظَ في أفواهنا

فالراءُ في لفظ العروبةِ طاءُ

والقافُ في التطبيقِ أصبحَ عينها

واللامُ في لفظ الجلالةِ باءُ

والدالُ في لفظ العدالةِ ميمها

والياءُ في لفظ الدعايةِ راءُ

ضيّعتُ بستاني ومعولَ والدي

وتبدلت في عرفنا الأشياءُ

والله لو قابيلُ زارَ زمانكم

لعلاهُ بشرٌ ما علاهُ عناءُ

لو أنَّ من تبت يداهُ رآكمُ

لاستبشرت أوداجهُ الخطّاءُ

هل ضاعَ منّا العزُّ أمةَ أحمدَ

هل كلُّ قادات الجيوش نساءُ ؟

قوموا على الثاراتِ ويحَ ابيكمُ

لَيْسَ النفورُ مع القعودِ سواءُ

فالنصرُ آتٍ لا محالةَ من يعش

يرقى شوامخَ شادها الشهداءُ

في كل حالٍ نحنُ أفضلُ أُمةٍ

مهما هوت لن تُعدمَ الشرفاءُ

صفحة 10

تب الملوك

تَبَّ الملوكُ وفي الملوكِ تَبابُ

لو تابَ شيطانُ الهوى ما تابوا

تَبَّتْ أيادي الحاكمينَ بأُمتي

ووجوههم شاهتْ , أُولئكَ عابوا

خسئوا إذا عزَّ الرجالُ وأُركسوا

وتخاذلوا عند اللقاءِ وخابوا

لا خيرَ فيهم يُرتجى لكريهةٍ

شبُّوا على عَيشِ الهوانِ وشابوا

لم يبلغوا سبباً ليفخرَ شاعرٌ

وهجاؤهم ضجَّتْ به الأسبابُ

سقطوا لما دونَ الحضيضِ مَهانةً

للذُّلِّ فيهم أَبحُرٌ وعُبابُ

وتخاصموا وتفرقوا وتباعدوا

وتأولوا في هديهم وارتابوا

حضروا على نقر الدفوفِ تهافتاً

وتباطؤوا عند النداءِ وغابوا

وإذا تمايلت الحسانُ تطاولوا

وتصاغروا يوم النفير وذابوا

ناموا عن الحقِّ السَّليبِ وأُترفوا

والمسلمونَ من الأنام .. غِضابُ

القدسُ تبكي والحجازُ ذليلةٌ

والشامُ تنزفُ والعراقُ مُصابُ

وبمصرَ أحزابٌ تنوشُ ببعضها

وتقسَّمَ السودانُ فهو خرابُ

ماعادَ نهرُ النيلِ يعشقُ مِصرَهُ

وبكى سنابلهُ الحسانَ ترابُ

والمغربُ العربيُّ ضاعَ لِسانُهُ

والأمنياتُ الزاهراتُ سرابُ

والقدسُ داميةُ الجراحِ سبيةٌ

وعلى عفافِ المسلماتِ خضابُ

والمسجدُ الأقصى تدنَّسَ طُهرهُ

وعلى الحرائرِ كم تُشقُّ ثيابُ

كم مسلمٍ رغمَ المكارهِ مُدلجٌ

للقدسِ توصدُ دونهُ الأبوابُ

ماعادَ في دربِ الحجيجِ ضوامرٌ

وخلتْ من المُهجِ السُّجودِ رِحابُ

وبكتْ على الشَّرفِ الرَّفيعِ مآذنٌ

وبكتْ على الفتحِ المُبينِ قِبابُ

تَلِدُ الأجنَّةُ والمَشيبُ يَحُفُّها

ما في الحياةِ طفولةٌ وشبابُ

كم سائلٍ جَفَّ السُّؤالُ بحلقهِ

ما عندهم للسائلينَ جوابُ

هم قومُ لوطٍ بل أشدُّ ضلالةً

لم تنجلي في إثرهم أنسابُ

وأشدُّ كفراً من ثمودَ بربِّهم

وتعددتْ في عصرنا الأربابُ

يا قومُ هل تُحيي قصيدةُ شاعرٍ

هِمَمَ الرقودِ وهل يُرَدُّ سِلابُ

يا قومُ ما في الحاكمينَ رجولةٌ

تُرجى ولا في الميتينَ نِصابُ