eKtab
EN ع
أجراس الخوف
اقرأ عينة مجانية

أجراس الخوف

بقلم هشام مشبال

صفحة 1

خريف

الآن وقد جاوز عامه الخمسين بأيام معدودة، يتذكر الأستاذ نجيب وهو يتأمل وجهه في المرآة ذات الإطار الخشبـي العتيق المعقود بقطع نحاسية منقوشة، كل تفاصيل حياته الماضية. للتو فقط لاحظ أنها تتشابه تقريبا، لا يفرقها سوى بعض التجاعيد التي رسمت خطوطا رقيقة وانعطافات باهتة على جبينه وقسمات وجهه المستدير ذي الملامح الدقيقة. بيد أن تلك الطراوة التي أخذ الزمن يمحوها تدريجيا ماتزال آثارها تلمع مع كل ابتسامة أو لحظة انشراح. لقد أدرك نجيب جيدا وهو يخلع بذلته الأنيقة بتأن بعد يوم مرهق، أن الإنسان معرض في كل لحظة للتغيرات المزاجية والجسدية. وأنه مهما حاول أن يقاوم الترهل أو يخفي آثار الكآبة، فإن التعب الذي يبدو عميقا خلف العينين، وكذلك حبات الشيب المتناثرة التي تغزو صفحة الشعر الأسود الفاحم بسرعة مذهلة، والخوف الدائم من العلل المختلفة، وغير ذلك مما يصيب الإنسان في لحظات فارقة من العمر، يكشف خصوصية الطبيعة البشرية.

وكعادته دوما في هذه الساعة المتأخرة من الليل، أصر أن يفتح عينيه بقوة كي لا يستسلم للنوم، وكأنه وقع تحت تأثير المخدر ويقاوم من أجل الحفاظ على شعوره بالوعي. لقد صار يأمل أن يستسلم للنوم من دون أن يخوض تلك الدقائق المملة في انتظاره؛ فالتفكير فيه بالنسبة إليه يعني قضاء الليل يقظا وقلقا. ولعله يريد من الكتب التي يستغرق معظم أوقاته في قراءتها أن تلتقطه من اليقظة لتقذف به إلى السكينة المطلقة من دون أن يشعر بذلك العبور المرهق. وكان يتمنى دوما حين يتأمل حياته الخاصة وأفكاره الخلاقة أن يكون الكتاب آخر ما يلمسه في الليل وأول ما يراه في الصباح. وهو يدرك بحكم اهتماماته الثقافية أن النوم المبكر يمثل ركيزة أساس من ركائز الصحة النفسية والسلام الروحي. ولكن التفكير فيه أو الإعداد له أمر لم يكن يطيقه على الدوام. لقد رسخت لديه فكرة أن النوم ليس سوى محطة ثابتة ومنعزلة وتافهة في الزمن، يسلب الذات الإنسانية النور الذي تمنحه لها الحياة وتمدها بأسباب البقاء.

كان يستلقي على السرير وقد انبعث من الأباجورة الصغيرة المثبتة إلى جانبه ضوء باهت رقيق. وكثيرا ما تنملت أصابعه وهو يرزح تحت ثقل الكتاب الذي يضعه باستمرار على صدره ليرافقه في رحلة الليل. ولكن هذه الليلة، ورغم كل التعب، لم يأت النوم أبدا.

صفحة 2

خارج المنزل كانت السماء ممطرة والشوارع حالكة تماما بعدما انفصلت أسلاك الكهرباء بفعل الرياح القوية التي لم تهدأ منذ صباح هذا اليوم. وقد استدعت الأمطار الطرية المتساقطة في وعي نجيب حنينا قديما إلى اللعب في الوحل، والتبلل مع الصبية والرقص معهم تحت ظلال الأوراق الباردة لشجرة التوت الكبيرة التي تغطي حديقة البيت. حاول أن يفتح النافذة الصغيرة ذات الشباك الحديدي متوازي الخطوط ليتأمل مشهد الحديقة وهي تغتسل بعد شهور قائظة، ولكن حلكة الليل، والخوف من نزلة برد أصبح أكثر استعدادا لها بفعل الزمن، حالتا دون ذلك. وقد أيقن كذلك أن زمن الانطلاق والمغامرة ليس هو الزمن الآن، وأن البدن أضحى أكثر قابلية للعلل.

في هذه الليلة الممطرة من بداية فصل الخريف راودته فكرة تصفية الحساب؛ بل ألحت عليه مثلما يلح الطفل على التقاط شيء يبدو في عينيه كنزا. محاسبة من، وكيف، ولماذا الآن بالذات؟ تساءل في سره وهو يتأمل الصفحة الأولى من كتاب "تاريخ بغداد". مضى وقت ومازال يعيد قراءة الأسطر الأولى.. عقله كله في واد آخر مبهم وجارف.

بعد ساعات أسدل عينيه تاركا الكتاب فوق صدره، فامتدت أنامل فاطمة إليه وتناولته في هدوء ثم أطفأت نور الغرفة وهي تقول في نفسها ممتعضة:

- قلت لك يانجيب إن الكتاب والسرير لا يجتمعان فلماذا كل هذا العناد؟

مع آذان الفجر حرك يده اليمنى في كل اتجاه باحثا عن الكتاب فاصطدمت بأنف فاطمة. قالت له وهي تغالب النعاس الشديد:

- ألا يحلو لك هذا إلا مع بزوغ الفجر.. كم أنت غريب؟

بيد أنه أجابها بسخرية فيها لطف:

- أنا أبحث عن الكتاب يافاطمة.. أين ذهب خيالك؟

أجابته وهي تستدير إلى الجهة الأخرى بامتعاض:

- نم يانجيب.. نم.. ربنا يخلصني من هذه الكتب، ومن هذا السرير الذي لا ينفع.

صفحة 3

استيقظ كعادته في السادسة صباحا، ذهنه يعج بالأسئلة والقلق العذب المستمر. أزاح ستارة النافذة الضيقة وفتح الشيش قليلا ثم أطل بعينين كئيبتين على الحديقة البليلة وقد اغتسلت بالأمطار فانبعثت إلى أنفه رائحة التراب الندي الطري في هذا الصباح المفعم برياح التأمل. وقد تماثل هذا المشهد مع شريط الصور التي تملأ ذاكرته الفتية، واستدعت صباه حيث كان يقف وحيدا عند النافذة بعدما يعتلي كرسيا ليودع أباه الذي يذهب إلى العمل وقد أحاط ذراعيه بمحفظة جلدية ثقيلة مملوءة بالكتب والكراسات. كان يمضي صباح كل يوم في البكاء على أبيه الذي يخرج من المنزل وهو يقبله بقوة ويشير إليه بأنامله الطويلة ويخطو خطواته البطيئة، ليظل بعدها وحيدا خلف القضبان ينظر إلى ظهر أبيه وهو يبتعد رويدا رويدا ويختفي خلف أسوار البيت.

أسدل الستارة ثانية ثم فتح باب الغرفة فوجد الكلب الصغير "طروشكي" يلتف حول نفسه ويتمرغ في الأرض كما يفعل الحصان. "لا شك أنه اسيقظ قبلي، أو ربما تأخرتُ قليلا كي لا أواجه بمفردي ذلك الصمت الرهيب الذي يحوم في البيت كل صباح" هكذا تمتم في نفسه بأصوات متقطعة وهو يمرر يده فوق ظهر الكلب الصغير ببطء.

توضأ وصلى ركعتين ثم أعد كأس شاي أسود بلا سكر وتوجه إلى غرفة المكتب ليذوب كعادته في نشوة الكتب. تبعه الكلب والتف حول ساقه في شكل نصف دائري. ظل نجيب يقلب الصفحات وكأنه يتمثل أسرارها بعمق، ولكنه في الحقيقة لم يلتقط شيئا. رسخ لديه جيدا أن روحه تحلق بعيدا في عالم متشابك مبهم مرتبك.

انتشل خيالَه السقفُ الأبيض ذو الشروخ والشقوق الرقيقة التي انتشرت بكثرة وراحت تزحف كأنها ثعابين في صحراء قاحلة. التقط الظرف الأبيض وأخرج الورقة الموقعة من المجلس البلدي بأختام مختلفة الألوان كتب أعلاها:

- قرار هدم المنزل رقم..

لم يكمل نجيب قراءة الجملة. ظل يتساءل حائرا في ذلك الصباح المفعم برياح الخوف. وبعد لحظات تأمل، كان الطفل الصغير محمود يتسلق ساقيه الطويلتين وهو يبتسم. هلت الفرحة من جديد في قلب نجيب وهو يرفع ابنه بيديه ويتأمل في عينيه المدورتين الناعمتين كل جمال الدنيا. ظل يقبله ويشم رائحته الخاصة.. كانت مزيجا من الحنين والحب وهواجس الذات التي غمرها الخوف واللايقين. دقت الساعة السابعة دقاتها الرهيبة فاستيقظت فاطمة تحمل بين يديها "تاريخ بغداد". وضعته فوق الطاولة وتمنت من أعماقها لو أنها تملك القدرة لتخفيه من الوجود، لكنها استسلمت لهواجس الخوف الذي بدد غيرتها الطبيعية الأنثوية، ثم ذهبت بعد ذلك لتوقظ صغيرتها دعاء:

- هيا يادعاء حان وقت المدرسة.. هيا عزيزتي..

صفحة 4

ارتدى نجيب بذلته والتقط حقيبته ثم ركب سيارته متوجها نحو الجامعة. في الطريق الطويلة التي يقطعها كل يوم استدعى شريط الذكريات خياله وتأملاته اللامتناهية. كان ينظر في مرآة السيارة ويتأمل حبات الشيب المنتشرة في شعره ويأمل لو أن منغصات الدنيا تتلاشى في هذا القلب الهش الذي لم يعد يحتمل. فقد أصبح على يقين تام بأن الأمزجة مختلفة والطبائع أيضا مختلفة ولا تقاس حياة الشخص بمعايير إنسانية واحدة. لكن، بالنسبة إليه فإن جوهر حياته يتلخص في العزلة والعلم.. العطاء الجاد والشعور المستمر بالفكر المتجدد الخلاق بعيدا عن صخب المجتمع وثرثرة الناس وضوضاء المقاهي.

أفاق فجأة من شروده على صفير شاحنة تريد أن تتجاوز سيارته البطيئة. انحرف قليلا إلى اليمين وهو يتأمل الجبال الحزينة وقد غطت قمَمَها الغيومُ المنتشرة في أطراف السماء، ومع ذلك كان قرصٌ صغيرٌ من الشمس ما يزال يظهر في الأفق ويصنع ألوانا صافية من قوس قزح الساحر.

دخل نجيب إلى مكتبه ثم ألقى التحية لكن لا أحد يرد.

كانت منى حينئذ واقفة تطل من النافذة على فسحة شاسعة تملؤها برك ماء متناثرة. ظلت تتأمل الراعي العجوز الذي يقود قطيع الغنم خلف أسوار الجامعة كأنها صنم.

كانت حينئذ كعادتها دوما بعيدة وشاردة..

رأت لبنى عاطف أول مرة في الممر الطويل الذي يفصل بين إدارة الكلية وقاعات الدرس. كان يقف وحيدا تحت جدار مملوء بالمجلات الحائطية التي كتبت عليها شعارات مختلفة؛ بعضها يتضامن مع فلسطين ولبنانوالعراق وأفغانستان، وبعضها الآخر ضد الفقر والتهميش والبطالة.. وفي الجانب الأيمن صورة لميت التف حول عنقه ثعبان كبير وتحته نار متوقدة، وقد كتب أعلاها بخط سميك: عقاب تارك الصلاة. كان عاطف يقرأ الشعارات ولكن تفكيره في عالم آخر. وعندما انتبه في لحظة إلى أنه يقرأ شعارات سياسية انزاح جانبا وكأن نحلة لدغته في رقبته. تذكر للتو نصيحة أبيه له بأن يبتعد عن السياسة وألا ينخرط في أي حزب أو جماعة أو حركة. لبنى أيضا كانت تقرأ موضوعات عن العقاب والثواب ولكنها لاحظت كثرة الأخطاء النحوية والتعبيرية، فالتقطت قلما من حقيبتها وصححت بعضها. لكن طالبا طويل القامة منتفخ الملامح صاح في وجهها:

- ما شأنك أنت بهذه المجلة؟

فقالت له بهدوء:

- ومن أعطاك الحق أنت كي تكلمني؟

لكنه انفجر غاضبا:

- مثيلاتك لا يحق لهن الدخول إلى هذه الكلية.. أشكال غريبة تأتينا لا ندري من أين..

صفحة 5

ثم اقترب منها أكثر محاولا أن يجذبها بيديه الخشبيتين ويبعدها عن ركن المجلة الحائطية، لكن عاطف شعر بأن الموقف سيحتد فحاول التدخل وإنهاء الخلاف. وما أن لمس كتفه حتى شعر بلكمة قوية انهالت على وجهه فسقط على الأرض مفزوعا. أما لبنى التي هالها المشهد التفتت إلى الجهة اليسرى من الممر وانسحبت إلى خارج الكلية وهي تفكر في الشاب النحيل ذي الشعر الأملس المسبسب الذي حاول أن يدافع عنها.

أسلمت نفسها للطريق الطويلة التي تفصل بين الكلية والحي الجامعي حيث أمضت سنوات تعليمها في غرفتها الباردة ذات الجدران المهترئة. ربما تعودت المشي الطويل الذي يمكنها من إفراغ كم الغضب الذي يجتاحها بين حين وآخر، وربما الدراهم القليلة التي بحوزتها نفذت وينبغي الصبر حتى يرزقها الله من حيث لا تحتسب كعادتها دائما وقت الحاجة. ظلت تتبع الطريق الطويلة وكان عقلها حينئذ يتراوح بين تأمل حذائها المشقق والبارد وبين وجه الشاب الشاحب ذي الملامح الدقيقة التي لم تتعرفها إلا في هذا اليوم المشؤوم.

حارت في تفسير حالتي التوتر الشديد والانفعال الحاد اللذين يبدوان على ملامحها؛ هل بداعي ما حصل للشاب النحيل، أم بسبب كلام ذلك الأبله ولسانه الطويل؟.. وعندما تستقر على رأي ما، تصمت طويلا وتخلص إلى أن السبب هو شعورها الدائم بأن ما تخفيه أيامها المقبلة يحول حياتها إلى خوف مستمر.. بيد أن كل هذا مجردُ عبث أفكارٍ توقدها هذه الشمس العارية. حاولت لبنى أن ترفع عينيها إلى السماء لكن الأشعة المجنونة غشت عينيها. أرادت أن تغطي قرص الشمس بدفتر تاريخ التقطته من حقيبتها ولكنها شعرت بإنهاك شديد لم تستطع على إثره أن ترفع يدها. لقد رسخ لديها أن الاستمرار في المشي طويلا تحت هذه الأشعة كل يوم سيعرضها إلى ضربة شمس حادة وهي لا تحتمل. جف جسدها من الماء والدم واستحال إلى قطعة خشب يابسة. وخلال تلك الدقائق الحزينة كانت بعض السيارات تمضي بجانبها وتبطئ سرعتها. تطل من نوافذها رؤوس متشابهة تردد كلاما بذيئا وتصطنع ضحكات صدئة وتبعث من عيونها الوقحة نظرات استفزاز. أوهمت لبنى نفسها أن سبب قلقها هو هذه النظرات التافهة، ولكن الشيء الذي حزَّ في نفسها واقتلع منها نسيم الحرية وطعم الفرحة أن الآلام تأتي دفعة واحدة، وأن الحياة السعيدة التي سعت إلى تحقيقها طوال عمرها الفتي ستظل مجرد أمنية تحول ذاتها الصغيرة التائهة إلى ظل منكسر.

وما بين الشعور بالخوف واليأس والحلم الباهت مضت لبنى في طريقها المفعم بالشوك تجادل أعماق أفكارها. هي دوما تحسب خطواتها جيدا وتفكر بما تخفيه الأيام المقبلة، ولكنها أحيانا تستسلم لذلك اليأس القديم النابع من أقاصي تاريخها. تتذكر أباها قليل الحيلة الذي جمع كل آفات الدنيا، وأخاها الذي جلب العار للعائلة حين اكتشفه صبيان القرية في كل مخابئها يمارس الرذائل. تشعر بضيق شديد حين تسترجع شريط الذكريات المر، ولكن حنقها يشتد أكثر حين يطالعها وجه أمها المتعب.. تراها واقفة أمام باب الدار لحظة السفر تحمل آنية مملوءة بالحلوى الطحينية والرغيف. تمدها إليها وتحضنها بكل جوارحها الحزينة وتقول: ربنا معك ياابنتي في كل لحظة وخطوة.. ثم تدخل يدها في حزام التف حول خصرها وتخرج ورقة نقدية مهترئة من فئة مائتي درهم وتقدمها لها.. تقول وقد غلبتها الدموع، لو كان بيدي.. ولكن لبنى تقاطعها وتقبل يدها وجبينها ثم تلتفت إلى الطريق كي لا تواجه حزن أمها وهي مكسورة الجناح. تركب الحافلة القديمة المهترئة.. وجوه بائسة متصلبة ومتجعدة الملامح لا قطرة دم فيها ولا حياة.. تطل لبنى من النافذة المتسخة على صفحة البحر الشاسع الممتد أمامها.. صورة أمها تلازمها.. ينقبض قلبها.. يخفق.. تقسم أن تعوضها كل عذاب السنوات الماضية.. لن ينهرك أبـي ولن تسمعي كلام أهل القرية الذي يسم القلب كل ثانية.. تلتفت ثانية إلى الطريق.. تشعر وكأن الشمس تحترق في أحشائها.. يبدو الحي الجامعي أمامها مثل سجن أبدي.. غرفتها زنزانة عارية لا دفء فيها ولا ألفة.. ومع ذلك فهي تحمد الله أنها تملك مسكنا يحميها من الخوف. تفتح باب الحجرة فتخنقها رائحة السجائر النتنة. تلقي التحية على مليكة بنغمة مصطنعة تفاديا لشرها:

- أهلا مليكة..

ترد عليها وكأنها ستدخل معركة:

- قلت لك أيتها البلهاء اسمي ميري، ألا تعرفين..؟

تطرق لبنى قليلا وتردد في نفسها:

- كان ينبغي أن يسموك عنزة.. أيتها النعجة الوقحة.

صفحة 6

ثم تبتسم قليلا وهي تضع حقيبتها على السرير فتشتعل مليكة غضبا وهي تتعقب ابتسامتها الغامضة. تحاول لبنى أن تفتح نافذة الغرفة كي يدخل الهواء النقي ليبدد الدخان الكثيف الذي ابتلع الغرفة، لكن مليكة تقف منفجرة وتتقوس قليلا إلى الوراء واضعة يدها اليسرى على خصرها وتصيح:

- أمامك حلان، إما أن تنكمشي في جلدك أو ابتعدي عني تماما.. لقد تعبت منك أيتها المعقدة المملة.

ولكن لبنى لا تستطيع الرد، تقول في نفسها إذا كانت هي كلبة تنبح فلا ينبغي أن أكون مثلها.

يذكر نجيب جيدا أول يوم رأى فيه منى. كان ذلك قبل شهر تقريبا، حين التحقت بالكلية. في صباح ذلك اليوم استدعاه السيد عميد الكلية لمشاورته في أمر ما. جلس إلى مكتب العميد تحيط به هالة من الوقار والاحترام. هو يعي جيدا كيف يتعامل مع الناس، ما ينبغي قوله وما لا ينبغي، ليس في كلامه المقتصد زيادة أو نقصان. ينبغي أن يزن المرء أفكاره قبل أن يتكلم؛ بل ينبغي أن يحافظ على موقعه الثابت في النقطة التي تتوسط كفتي الميزان. هكذا يفكر نجيب في حياته على الدوام.. كل شيء بنظام وترتيب وحكمة.

قال العميد بكثير من الرجاء:

- أنت تعرف ياأستاذ نجيب أن الأستاذ القاسمي أحيل إلى التقاعد..

ولكن نجيب قاطعه بهدوء:

- عفوا سعادة العميد.. لقد استجاب لإغراء المغادرة الطوعية.. وأظن أنه لم يبلغ سن التقاعد بعد.. أليس كذلك؟

- نعم.. نعم.. المهم أن مقعده في المكتب الذي كان يجمعكما شاغر الآن.. والمشروع الذي بدأناه مع الجامعة الإسبانية قبل شهور ربما يتوقف.. فأنت تعرف أنه الوحيد المتخصص في مجاله والممسك بتفاصيل الأمور.

ساد المكتب صمت قصير. لكن نجيب سأل بعفوية:

- وما الحل ياسيادة العميد؟

أجابه وهو يرسم دوائر متعرجة على ورقة فوق مكتبه:

صفحة 7

- الحقيقة أن الأستاذة منى الرشيدي التي ستنضم إلى كليتنا هذا الصباح ستحل محله، وأرجو منك أن تساعدها في الشهور الأولى بخصوص المشروع وطبيعة العمل..

ظل نجيب صامتا يفكر في وجود امرأة إلى جانبه ربما تكون ثرثارة في مكتب صغير لشهور طويلة.. شعر بالضجر والتقزز ولكنه انتبه بسرعة إلى أن صمته ربما يفسر خطأ، فقال:

- ليست هناك مشكلة.. بكل فرح..

ولكنه في الحقيقة شعر بنوع من الارتياح.. ثم تمتم وهو يضع خطا ساخرا على شفتيه ويرفع حاجبيه:

- ربما تكون هذه المرأة أفضل من حسن القاسمي الثقيل والأبله.. مضت سنوات طويلة لم أجن معه فيها سوى الثرثرة والملل ورائحة عرقه التي تشبه الكافور..

يذكر نجيب جيدا لقاءه الأول بمنى. لم تكن تتكلم كثيرا. تسأل أسئلة موجزة وعملية. تنجز بهدوء وإتقان كل مهامها ولا تؤجلها. اعتادت كما قالت له فيما بعد أن تكون حاسمة ومنظمة.

في ذلك اللقاء الأول جلست منى إلى مكتبها وقد علت خديها نقطتان حمراوان، ثم راحت تتفحص أوراقا متراكمة فوق المكتب.. ساد صمت قصير وهادئ الفضاء العليل في تلك اللحظات، بينما انسحب نجيب إلى أعماقه شاكرا الله أنها ليست امرأة ثرثارة كما يبدو.. إن فراسته في الحكم على الناس لا تخطئ أبدا. فقد علمته السنوات أن يكتشف خبايا النفس من النظرة الأولى.

جميلة وهادئة. متوسطة الطول لا يعاني جسدها أي زيادة أو ترهل. عيناها تميلان نحو الشرود المتواصل.. وبين لحظة وأخرى تتنهد فجأة كأن أشباحا تطاردها في الأعماق. مضت شهر وصمتها يزداد.. حتى تحية الصباح التي يلقيها نجيب لا ترد عليها في أحيان كثيرة وكأنها لا تسمع قط صوته الذي يخرج من حلقه باردا كالثلج.

وذات مساء رفع نجيب عينيه إلى منى بينما كانت هي بعيدة.. شاردة كعادتها. التفتت إليه وكان قد مضى على جلوسه إلى مكتبه دقائق طويلة. انتفضت فجأة وكادت تصرخ. لكنها شبكت يديها ووضعتهما على صدرها وهي تقول بتوتر:

- أستاذ نجيب.. مساء الخير.. متى دخلت المكتب؟

- قبل ربع ساعة تقريبا.. ألقيت التحية لكنك لم..

- آسفة جدا.. والله لم أنتبه إلى وجودك إلا في هذه اللحظة..

عاد الصمت ثانية بينما تردد نجيب في الكلام.. ثم سرعان ما قال:

- فيم تفكرين؟

لكن شعورا حادا بالارتباك سيطر عليه في تلك اللحظات.. جف ريقه وتصلبت أطرافه وصعد الدم إلى أذنيه جارفا معه توازنه، ثم راح يوبخ ذاته:

- ماذا فعلت؟ لماذا تتدخل في خصوصيات الآخرين ولا تريد أن يتدخل أحدٌ في حياتك الخاصة.. ما الذي دفعك إلى أن تسأل هذه الأسئلة التافهة؟..

ظل يجلد ذاته منساقا وراء طبيعته العنيدة. بينما قالت منى وقد رسمت ابتسامة كبيرة على شفتيها:

- في الشرود..

أما خارج المكتب فكانت الكلية حينئذ تقفل أبوابها.

فتح عاطف باب الفيلا الخارجي بحذر شديد ثم تسلل إلى غرفته عبر الدهليز الذي يؤدي إلى المطبخ وغرفة الخدم. حاول أن يخفي آثار اللكمة البادية على وجهه لكنه لم يفلح. فبعد دقائق كانت والدته تقف فوق رأسه مكشرة الملامح.. حادة النبرات. تتطلع إليه بعينين منهمكتين في الحيرة والعتاب الخفي. ظلت تسأله بعنف عما حدث؛ كيف ومن ومتى ولماذا؟ بينما انسحب هو إلى دائرة الخوف التي رسمت حياته منذ الصغر فلزم الصمت. لكنها صاحت بقوة ورفعت يدها إلى أعلى وهي تقسم بالله ألا تغادر غرفته حتى تعرف. ظل يراوغ في الإجابات محاولا في الآن نفسه إخفاء آثار اللكمة، لكن أنيسة حاصرته حتى اضطر إلى الكذب الذي لا يعرفه. تمتم وكانت أنفاسه حينئذ تتقطع:

- السياسة ممنوعة.. والاختلاط بالبنات ممنوع.. لم أعد طفلا.. ينبغي أن تدركي ذلك.

انتابه في تلك اللحظات شعور غريب، فهو يعي جيدا كمَّ العلل التي تأكل قلبه؛ لقد استطاع أن يجادل في الوقت المناسب ولم ينهزم أمام هشاشة الصوت النابع من الأعماق. ولكن أنيسة قالت وهي تلطم وجهها وقد أصابها الهياج:

- عندما يأتي أبوك..

صفحة 8

ولم تكمل تحذيرها، إذ على التو نطق عاطف:

- لقد ركبت الحافلة مع بعض الأصدقاء فحدث شجار بيني وبين أحد الركاب.. اصطدمت به وقلت له آسف.. فلم تعجبه الكلمة.

حولت أنيسة وجهها إلى الجهة الأخرى وخرجت من الغرفة وهي تردد:

- ولماذا لا تركب سيارتك يافقري.. هل هي حرام؟ سوف نرى ياعاطف..

ولكنه في هذه المرة ابتسم ابتسامة خفيفة لأنه عرف كيف يكذب ويخرج من الحساب من دون خسائر، وإن حز في قلبه أمران اثنان؛ أنه لم يقم برد الفعل والدفاع عن نفسه، ومن جهة ثانية صورته في خيال تلك الفتاة التي حاول أن يدافع عنها وهو غير مؤهل لذلك. إذن، ما بين نظرة عاطف لنفسه ونظرة الآخرين إليه ظل يجادل أفكاره وإن رسخ لديه بحق أن طريقا جديدة ستأخذه إلى دنيا جديدة لا خوف فيها ولا حساب.

سرح بفكره وهو يتطلع إلى غرفته التي يراها هذه المرة بعين مختلفة. شدَّ خياله الفتي الموقف الذي حصل له هذا الصباح. تذكر تلك الفتاة الهادئة وهي تحتضن كتبا متراكمة وحقيبة مربعة وأحيانا ترفع يدها إلى رأسها لتجمع الظفائر الطويلة التي انسدلت على عينيها. تذكر كلماتها القوية ونظرتها الحادة.. وتذكر أيضا اللكمة التي تلقاها فشعر بالحرج أو بالفتور قليلا. انهال على دماغه المتصدع كمٌّ من الوساوس التي لا تنتهي أبدا.

أما خارج غرفته فثمة نقاش حاد يدور بين أنيسة وكمال. تقول له:

- لقد أفسدت الولد بانشغالك الدائم عنه وعدم اهتمامك به.. الولد سيضيع منا إلى الأبد.

يجيبها وقد احمر وجهه وجحظت عيناه من فرط الغضب الذي لا يعرف كيف يسيطر عليه أحيانا:

- أنتِ التي ضيعتِ كل شيء.. ليس الولد فقط.. تذكري أنك سافرت شهرا كاملا إلى فرنسا وتركتيه مع المربية وعمره لا يتجاوز سنة.. أوقفت الرضاعة قبل الأوان خوفا على ثدييك من الترهل.. تذكري أيضا أنك كنت ترفضين الإنجاب دوما وتقولين هذه الرشاقة ينبغي الحفاظ عليها والأولاد يأكلون العمر.. وها أنت..

ثم صمت قليلا وحول وجهه ناحية النافذة وزفر بهدوء وكان ثمة سحاب من الضجر يحوم في أرجاء البيت ساعتها؛ ضجر قديم عالق بالنفوس الضائعة يقذف بها ويبدد سكونها ويعمق حيرتها. بينما انفجرت أنيسة مدوية:

- أنت ماذا.. هيا أكمل أيها الرجل.. رجل.. هههه؟.. آه.. والله لولا أني أراعي ابنك عاطف لذكرتك بتاريخك الهزيل.. الآن فقط تمتلك الشجاعة كي تسخر من جسدي.. لقد كبرت.. ترهلت بطني وتهدل صدري وانتشرت التجاعيد في وجهي..

تجهم وجهها.. وانتشر الدم في أطراف ملامحها الحادة وأردفت بصوت مجروح:

- هيا قلها، كن شجاعا وقل ما يعذبك..

وبعد صمت، ظل صدى الصراخ يتكرر فيه بتتابع، قالت أنيسة وهي تخفي آلامها العميقة:

- بالطبع ينبغي أن تلاحظ ما يحدث لجسدي بعد كل هذه السنين.. أنت تقارن بين زوجتك وبين بنات العشرين اللواتي خربن دماغك أيها التافه..

ولكن كمال الذي أيقن أنه فتح على نفسه أبواب جهنم انسحب من المعركة كعادته. أخذ حماما ساخنا شعر خلاله أن روحه تنطلق.. دعك جسده جيدا كي يحقق نشوة الارتخاء وقال في نفسه بصوت ذاب مع شلال الماء المنزلق على جسده:

- لن يمحو هذا الغضب سوى أن أنتفض من جديد..

غير أنه سرعان ما تساءل:

- ولكن ألم تنتفض روحي من قبل، فأين المفر؟ سنوات طويلة قضيتها في الصداع والحساب.. وهذا البيت البارد الذي تتردد فيه الأصوات..

خرج صوته من بين قطرات الماء بصعوبة.. متحشرجا وباردا لكن دفعة واحدة:

- من أين سيأتي الفرج ياكمال؟

وأخذ يلوم نفسه هذه المرة مقتنعا بصدق آلامه:

صفحة 9

- أنت السبب.. تتزوج أنيسة وأنت تعرف أنها لم تحبك ولن.. بل أحبت مصطفى زميلك الذي لم تفرقكما سنوات العمر ولا مشكلات الحياة، بقدر ما فرقكما الطمع، بل طمعك أنت وليس هو.. فلولا فقره لكانت أنيسة الآن بين أحضانه.. ولكانت قررت الإنجاب من الشهر الأول لا أن تداوم أقراص الحمل خمس سنوات متتالية..

انسحب من شلال الماء الساخن وانحشر في سريره الواسع ثم أدار وجهه إلى الجهة اليسرى فواجهته صورة زفافه باللونين الأبيض والأسود المعلقة على الحائط، وتمنى في تلك اللحظات لو يرجع به الزمن إلى الوراء ليعيد ترتيب أوراق حياته. أيقن تماما أن حياته انحصرت بين التفاهة والضحك المزيف وبين المشاجرات الدائمة والنكد المتواصل. تأمل صورته جيدا فشعر أن هذه السنوات التي مضت لا تقاس بالشيب الذي انتشر في رأسه أو بالتجاعيد التي قسمت أسارير وجهه الممتلئ، وإنما تقاس باللحظات التي يشعر خلالها الإنسان بالسعادة. بينما في حالته هو، تقاس حياته بلحظات القلق والحزن. فعلا، لم يتذكر كمال من حياته المضطربة سوى الليالي التي خرج فيها من منزله في منتصف الليل حقنا للمصائب التي قد تحدث إذا ما واصل طريق الجدال العقيم. تسللت إلى أعماقه الكلمات البذيئة التي لم تنقطع أبدا، واستدعت ذاكرته بصفاء مشهد الأواني التي تكسرت فوق رأسه مرات عديدة.. والأحذية التي طالما انهالت عليه.. تذكر كل ذلك وهو يحاول أن ينهض من سريره ليتأمل وجهه في المرآة.. لكن أنيسة التي كانت ملتهبة ساعتها أطفأت نور الغرفة فبدد الظلام كل الهواجس التي تطارده، واستسلم كعادته للنوم بعد أن قرر ألا يغرق في بحر الويسكي هذه الليلة.

أما عاطف فقد صنع لنفسه عالما فريدا يحقق له نشوته الخاصة. ضغط على زر أباجورة أمامه ثم أطفأ المصباح المتدلي من السقف فانبعث لون أحمر في الغرفة. بعدها التقط أسطوانة لعبد الحليم حافظ وأخذ يتأمل تفاصيل حياته العليلة على أنغام أغنية "حبيبتي من تكون". حاول أن يطرد من ذهنه كل الهواجس التي لا يستطيع التخلص منها بسبب طبيعته المتحكمة فيه لكنه لم يفلح كعادته. هزمه شيطانه من جديد فقرر الاستسلام لعلته، أي علة؟ هكذا تساءل في نفسه منقبضا تتقاذفه الأفكار، ثم واصل:

- لماذا أنا هكذا؟

ومثل كل مرة.. ظل صامتا يفكر في تفاصيل مبهمة لا يستطيع فهمها.

فتح عاطف عينيه على دنيا حزينة صنعت شخصيته. عاش طفولته وحيدا وخائفا على الدوام.. كان يتجنب باستمرار دوائر الأصدقاء في المدرسة أو الحي.. يمضي معظم أوقاته في غرفته يطل من الشرفة البعيدة على العالم البارد. يقرأ القصص الرومانسية ويتلذذ بالنهايات السعيدة والحزينة على السواء. كان حبه للأدب ثورة ذاتية عميقة على تفاهة حياة والديه وطعم بيته الجاف من جهة، وعلى ذلك الخواء الذي يسكن النفوس من جهة ثانية.. لكنه تمرد خفي ظل حبيس الأفكار الداخلية فقط.

يتذكر بين حين وآخر صورا حميمة يملأ بها خياله الفاتر، لكن خوفا أبديا عميقا يسري في تفاصيله الشاحبة ويحمله على التوقف، والاكتفاء بلحظته الراهنة التي هي مزيج من الرفض والمراوغات.

لكنه هذه المرة إنسان جديد ممتلئ بالحنين المبهم. ابتسم في خياله الرقيق وهو يتذكر وجه لبنى التي لم يعرف اسمها بعد. تذكر رسم عينيها وتفاصيلها الهادئة. استبد به شعور غامض لم يعرفه من قبل. انتقل إلى دنيا جديدة ساحرة ومبهمة في آن..

هي نفسها الصورة التي سحرت كيانه تتكرر باستمرار..

كأنها وردة نبتت في الصحراء فجأة لكنها بحاجة لمن يرويها.. هو المنقذ أم يكفيه التأمل ونسج الاستعارات؟

كانت هادئة تماما ساعتها وهي تخطو كالريح الخريفية في تلال المتوسط.. جميلة وواثقة.. وكانت أيضا كالشمس حين استدارت مخلفة وراءها خيوط الغروب.

مضت ثلاثة أيام غابت فيها منى عن الكلية. وحده نجيب جالس إلى مكتبه يضع يده تحت ذقنه ثم يمددها حين يشعر بالإعياء. يلتقط قلما ويحاول أن يكتب ولكنه يتأكد أن ذاته مشدودة إلى الفراغ وأنه يستحيل عليه في خضم هذه الحيرة التي تلف كيانه أن ينتج فكرة خلاقة من الأفكار التي يدعو إليها مرارا. وبين حين وآخر يرفع عينيه إلى مكتب منى الفارغ، فينقبض قلبه وترتجف أطرافه. ويظل يتساءل في سره:

- أين منى؟ هل ضاقت بهذا المكتب الجاف وتتعقب أية فرصة تحثها على الهروب؟ لم أعد أعرف شيئا.. ارتبكت الأوراق واختلطت الأفكار.. حقيقة لا أعرف شيئا..

وبعد صمت قصير جاء الحل:

- ربما عزيز هو الذي يعرف.

صفحة 10

لم يكن عزيز أستاذا بشعبة التاريخ فحسب، بل أحد أعمدة الكلية منذ نشأتها. صحيح أنه لم ينشر بحثا واحدا في حياته ولم يشارك بمقال أو رأي، ولم يكن له أي تصور في حياته العلمية. وعلى الرغم من ذلك كان يمسك بزمام الأمور نظرا لعلاقته القوية برؤساء الجامعة المتعاقبين وبالسلطة وبالحزب النافذ. هو أيضا زعيم ثلة الأساتذة غير الباحثين بالكلية؛ يعرف أخبار كل الموظفين وأخبار الطلبة ويسهم في إقامة الندوات والأنشطة ويحسن التنظيم ونسج شبكة العلاقات، بل يعرف الإيتيكيت ويلتزم بقواعد التواصل. عيبه الكبير إلى جانب الكسل والضعف العلمي حب استطلاعه ومعرفته أخبار الزملاء والطلبة على السواء.

كرر نجيب هذه الفكرة في نفسه:

- فعلا عزيز هو الذي يعرف.

ولكن كيف سيسأله؟ هو ذكي ويفهم الإشارات جيدا.. ذكاؤه بهذه الأمور حجب عن عينيه حب المعرفة العلمية وجعلها تحتل الرتبة الأخيرة.

ذهب نجيب إلى مكتب عزيز فوجده فارغا. وقدر أنه ربما يعثر عليه في الإدارة. وفعلا، بعد لحظات صغيرة كان يتأمله وهو جالس في مكتب إحدى الموظفات وعلى وجهه آثار ضحكات متتالية صنعت خطا على خديه الحمراوين. وقف نجيب فتوقفت الضحكات وساد المكتبَ في تلك اللحظات صمتٌ ميت. رحب عزيز بنجيب ثم خرجا معا في جولة صغيرة في ساحة الكلية.

يفكر نجيب في سؤال لا يكشف غرضه الحقيقي، ويفكر عزيز في زيارة نجيب المفاجئة. وهو الذي يدرك جيدا مدى امتعاض نجيب منه لأنه يشكل نقيضا له ولصورة الأستاذ الجليل. بدأ نجيب يتحدث عن الجو الثقافي الميت الذي يعانيه قسم التاريخ، ولكن عزيز قاطعه معتبرا أن الكلية بجميع أقسامها تعاني ركودا ثقافيا وليس قسم التاريخ وحده. قال عزيز إن السبب هو عميد الكلية الذي لا يعطي أهمية للندوات والمؤتمرات العلمية ولا يعنى فقط سوى بعطوره وبذله الملونة. ولكن نجيب يقول في سره، كفى ياعزيز، فبعد لحظات ستذهب إلى مكتبه وتمدحه وربما على حسابـي أنا. بيد أنه قال بصوت بدا عليه الارتباك:

- أنت تعرف ياعزيز أنه منذ غادر الأستاذ حسن القاسمي المكتب الذي جمعنا بدأت أشعر بقليل من الملل.. فقد تعودت وجوده إلى جانبـي رغم كل الخلافات بيننا.. أما الأستاذة..

وأخذ يفكر في اسمها متعمدا نسيانه:

- آه.. الأستاذة منى.. فأنا في الحقيقة لا أعرف طباعها ومزاجها.. هي لا تتحدث أبدا ولا تشاركنا همومنا الثقافية.. تظل صامتة طوال الوقت.. أتعرف، مضت ثلاثة أيام وهي غائبة وأنت تعرف ارتباطنا بالإسبان والأوراق المتراكمة فوق مكاتبنا.

التفت عزيز إلى نجيب وعلى وجهه سمات الحيرة:

- ما الذي يجعل نجيب الهادئ يثور ويتكلم وحده.. ألهذه الدرجة استفزه غياب منى؟

وعندما حدس أن صمته سيقلق نجيبا قال بنوع من السذاجة:

- أنت تعرف ياأستاذ نجيب مزاج النساء.. يحضرن يوما ويغبن شهرا.. علينا بالصبر. أتدري؟ منذ أن عينت بالكلية لم أتغيب إلا يوما واحدا كنت أدفن فيه أبـي رحمة الله عليه.

ولكن نجيب تمتم في أعماقه:

- حضورك أيضا من دون أية منفعة.. متى يأتي اليوم الذي.. أستغفر الله العظيم.