صفحة 1
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،،،
فإن أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة قد لفتت أنظار المسلمين منذ نطق بها النبي فأخذ منها الصحابة ما تعلق بهم وبعصرهم الذي عاشوه ورووا ما سمعوه للأجيال التالية:
ليأخذ منها كل جيل ما أخبر به النبي .
وليكونوا على حذر من أمرهم.
وليكون فيما أخبر به النبي دليل نبوة يزيدهم إيماناً، وقد أفرد علماء الحديث لهذه الأحاديث أبواباً في كتبهم وأفردها في التأليف عدد من المؤلفين، منهم: نعيم بن حماد في كتاب: الفتن، وابن كثير في كتاب: النهاية في الفتن والملاحم. ومن المعاصرين: الشيخ حمود التويجري في كتابه: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة. وصدرت مؤلفات تحاول الوقوف على هذه الأحاديث واستخلاص رؤية معاصرة لواقعنا وللمستقبل.
وقد كنت كتبت منذ سنوات بحثاً نشر في مجلة البيان في العددين 32 و 33 اللذين صدرا في عام 1411 هـ/ 1990م وقد لقي هذا البحث شيئاً من الاهتمام، ووضع في بعض المواقع في (الإنترنت) ورأيت أن من المهم الرجوع إلى هذا البحث ومراجعته وإضافة ما تحسن إضافته إليه، وتقديمه إلى الناس لعل فيه ما يضيف إلى ما قدمه الباحثون الآخرون، ولعله يكون شمعة تسهم في كسر حدة الظلام الذي يخيّم على أمتنا.
إن من مجالات البحث في زماننا ما عرف بالدراسات المستقبلية، وهي دراسات تستشرف المستقبل لرسم الخطط له، حتى لا يقع الناس في مفاجآت غير محسوبة، وإن بين أيدي المسلمين من وثائق الوحي ما يعينهم على رؤية المستقبل والاستعداد له، ليكونوا على بينة من أمرهم.
صفحة 2
إننا نتحدث عن أحاديث صحيحة منها ما ورد في الصحيحين، ومنها ما ورد في كتب الحديث الأخرى:
فما لنا نعرض عنها؟
وما لنا لا نفيد منها وهي كنز من المعلومات؟
أهو العجز أم ماذا هو؟
وما أعجب أمر من جاءته بينة من ربه فعمي عنها!
وما أعجب أمر من جاءته رسالة من نبيه فلم يكلف نفسه عناء فضها!
لقد كان النبي يتحدث عن الفتن والملاحم ويكثر الحديث عنها، وكان الصحابة رضي الله عنهم، يحسنون الإصغاء، ويحسنون الفهم.
ومن فهم علم، ومن أعرض ندم.
وأحاديث الفتن والملاحم امتد مداها منذ عهد النبي حتى قيام الساعة، فكل مسلم معني بها، ولكل مسلم فيها نصيب.
ولكن المطلوب وضع ضوابط للفهم، والمطلوب أن ينهض من أوتي فهماً ليقدم للناس ما يفتح الله عليه مما يكون خيراً وبركة على المسلمين، ليستنيروا في مسيرة حياتهم بالتوجيهات النبوية.
وليس أمر هذه الأحاديث خاصاً بأفراد بل هو شأن الأمة، وشأن الحركات الإسلامية التي عليها أن تستهدي في مسيرتها بالرؤية النبوية لواقعها. وأرجو أن يجد القارئ في هذا الكتاب شيئاً من الفائدة، وحافزاً للاطلاع على أحاديث الفتن ومحاولة الإفادة منها.
وأخيراً لابد من التنبيه إلى مصطلحات ثلاثة ترد في هذه الأحاديث: الفتن والملاحم وأشراط الساعة. وقد يستخدم بعض أهل العلم أحد هذه المصطلحات ويريد المعنى الخاص بهذا المصطلح أو المعنى العام الدال عليها جميعاً. وقد ورد مثل هذا الاستعمال العام في عدد من كتب الحديث النبوي.
صفحة 3
ففي صحيح البخاري بشرح ابن حجر (فتح الباري) ورد في الجزء الثالث عشر “كتاب الفتن” وجعل البخاري هذا الكتاب في ثمانية وعشرين باباً، لكل باب منها عنوان، وكثير من العناوين مستمد من أحاديث الرسول وقد أورد البخاري بعض ما سيكون – أو كان بالقياس إلى عصرنا نحن – من أحداث بين المسلمين، وهو الغالب على الأبواب، ولكنه ذكر إلى جانب ذلك الدجال يأجوج ومأجوج.
وجاء الحديث عن أحاديث الفتن في صحيح مسلم بشرح النووي في الجزء الثاني عشر تحت عنوان “كتاب الفتن وأشراط الساعة” ابتدأه بأحاديث كثيرة غير مبوبة، ثم أورد أبواباً لابن صياد والدجال والجساسة، وفضل العبادة في الهرج، وباب قرب الساعة، وباب ما بين النفختين. ونلاحظ أن أحاديث ما بين النفختين قد جاءت في سياق أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
وقد استخدم محمد فؤاد عبد الباقي مصطلح الإمام مسلم في كتاب “اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان” وأورد الأحاديث في سبعة وعشرين باباً، مما اتفق عليه البخاري ومسلم.
فأما الفتن: فهي جمع فتنة، ومن معانيها: الاختبار، مما يبتلى به الإنسان في نفسه وماله لتنكشف حقيقة دينه، ومنها قوله تعالى:(ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ) [الأنبياء: 35].
ومن معانيها: ما يكون بين المسلمين من اختلاف الآراء
الذي يصل إلى حد الاقتتال، وبهذين المعنيين وردت أحاديث عن النبي .
وأما الملاحم فجمع ملحمة، وهي المعركة، وقد جاءت أحاديث كثيرة تبين ما سيكون بين المسلمين وغيرهم من المعارك حتى قيام الساعة، وبعض هذه الملاحم وقع قبل عصرنا ومنها ما سيقع من بعد.
وأما أشراط الساعة فهي علامات تدل على قرب وقوعها، لابد أن تحدث قبل قيامها، والفتن والملاحم من هذه الأشراط.
وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ) [القمر: 1].
صفحة 4
وقد وردت عن رسول الله أحاديث كثيرة تربط أموراً بالساعة بصيغ متعددة منها:
- لا تقوم الساعة حتى...
- إن من أشراط الساعة...
- إن بين يدي الساعة...
- ستكون أو سيكون...
وكأنما هذه العلامات أو الأشراط محطات بارزة في مسيرة الحياة على الأرض، تؤذن بقرب قيام الساعة، وما سيصحبه من انقلاب كوني.
وقد جعلت هذا الكتاب في فصلين : الأول: نظرات في أحاديث الفتن ، والثاني: الفقه المطلوب لأحاديث الفتن.
وأرجو أن أُتبع هذا الكتاب بدراسات مفصلة في أحاديث الفتن بعد جمع ما أستطيع جمعه وتصنيفه تمهيداً لدراسته.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنني أخذت بعض الأحاديث من مصادرها، وأخذت بعضها من مصادر ثانوية كصحيح الجامع ولعل الله تعالى يوفقني إلى جمع الأحاديث من مصادرها وتصنيفها ودراستها، وعلى الله الاتكال.
وها نحن نصدر الكتاب في طبعة جديدة صادرة عن دار المأمون وحدها بعد أن صدر في الطبعة الأولى مشتركا مع دار الأعلام ، ومن فضل الله تعالى علينا أن فتح لنا باب النشر الإليكتروني ، هذا النشر الذي يتجاوز الحدود ، ويخترق الحواجز ، ويخرج الكتب من البلد الذي تنشر فيه ، ومن جدران دور النشر ومستودعاتها لتكون ميسرة لكل من يملك جهازا ذكيا بسعر مقبول في متناول طلاب المعرفة ، فلله الحمد والمنة على نعمه.
د. مأمون فريز جرار
عمان 1432هجرية/ 2012 ميلادية