المقدمة
هذا هو الجزء الثاني من ندوة الثلاثاء الأسبوعية في دار عطا عبدالوهاب بعمان والمستمرة حتى الآن
ففي الفترة من 18/1/2011 حتى 21/6/2011 بلغ عدد هذه الجلسات الثقافية ثلاثة وعشرين جلسة بضمنها أربع جلسات مفتوحة يتحدث فيها الأعضاء عما أثير في جلسات سابقة·
وفيما يلي بعض الدراسات التي قدمت في الندوة فنوقشت من قبل الحاضرين وهي بقلم:
حديث عن:
السينما·· في العراق··
من: دار الشفاء، تموز 1906
إلى: فيلم غير صالح للعرض عام 2005
يوسف العاني
31/5/2011
يعتبر التأريخ الرسمي المتداول·· والذي أجمع عليه المعنيون بتأريخ السينما هو 28 كانون الأول 1895·· فقد قام (الأخوان لومير) في هذا اليوم بتقديم أول العروض للأفلام المتحركة التي أنتجاها·· في صالة وبحضور جمهورٍ واسع بباريس·· وكان (الأخوان لومير) قد ابتكرا قبل ذلك جهازاً سمياه: بـ (السينما توغراف) وسجلاه لدى الدوائر الرسمية المعنية·· ومن خصائص هذا الجهاز أنه يستعمل في عمليات ثلاث: هي التصوير والطبع ثم العرض·
وفي مطلع العام التالي (1896) عُرضت أول أفلام السينما توغراف في مدينة الإسكندرية بمصر، وهناك من يذكر أن أول عرض للصور المتحركة في مدينة القاهرة تم في يوم 28 تشرين الثاني من عام 1896··
وفي عام 1912 عُرضت بعض الأفلام التي صورت في مصر، وفي عام 1918 نجحت المحاولات لإنتاج أفلام بطول ثلاثين إلى أربعين دقيقة··
وفي عام 1927 قامت الممثلة عزيزة أمير بتأسيس أول شركة سينمائية لتنتج أول فيلم روائي عربي وهو ليلى بإخراج تم في مرحلتين قام به وداد عرفي وإستيفان روستي· ثم بدأ الإنتاج السينمائي يضاعف جهودهُ لتكون في مصر بعد ذلك صناعةً سينمائيةً واسعة وهامة في سياق السينما العالمية·
أما في العراق·· فقد نشرت الصحف إعلاناً عن عرض أول فيلم سينمائي ليلة الأحد 26 تموز 1909 في دار الشفاء الواقع في الجانب الغربي -الكرخ- من بغداد·· دون أن يعرف أحد من الذي جاء بهذه الأفلام أو الألعاب كما وُصفت آنذاك من قبل الذين شاهدوها·
ويبدو أن هذا الفن الوافد قد راق لبعض تجار ذلك الزمان فقرروا اختيار مكان عام يرتاده الأهالي وسط بستان بموجب تذاكر·· وقد وُفق هؤلاء إلى تشييد أول دار للعرض في عام (1911) وسط ذلك البستان الملاصق للعبخانة وتقع هذه المنطقة في منتصف شارع الرشيد ببغداد وجاء في صدى بابل الجريدة البغدادية الصادرة في أيلول عام 1911:
يبتدئ أول تمثيل في السينما توغراف في يوم الثلاثاء منذ الساعة الواحدة والنصف في البستان الملاصق للعبخانة وهذا التمثيل الأولي يكون بالأشكال اللطيفة التهذيبية المبهجة الآتية:
1- صيد الفهد
2- الرجل الصناعي
3- بحر هائج
4- التفتيش على اللؤلؤة السوداء
5- سباق مناطيد - (بالونات)
6- طيور مفترسة في أوكارها
7- خطوط حية (متحركة)
8- تشييع جنازة ادوارد السابع -ملك إنكلترا- وهو مشهد نفيس!
كان هذا أول إعلان ينشر في الصحافة العراقية عن عروض سينمائية تقدم في دار للعرض وبموجب تذاكر وفيه إشارةً لعناوين الأفلام المعروضة··
ويضيف الإعلان أيضاً:
وفي كل جمعة مساءً -يتغيرُ -بروغرام - هذه المشاهد بغيرها·· ويحدد الإعلان رسم الدخول في الصفوف الأخيرة بـ (8 غروش صاغ) (وهي الأماكن الأجمل) كما تقول الجريدة، أما الصفوف الأمامية فرسم الدخول إليها هو: (4 غروش)·
وتصف الصحف حفل العرض الأول الذي جرى يوم الثلاثاء الخامس من أيلول 1911:
- كان ذاك المكان الفسيح مضاءً بمصابيح من نور الكهرباء، بين أبيض اللون وأحمره وأصفره وأزرقه على الجدران، وفي رؤوس الأشجار، ومزداناً بالذوات الشرفاء والأنام الضخام من بعض موظفي الحكومة ووجهاء المدينة ما ينيف على مائتي شخص·· والموسيقى العسكرية تعزف بألذ الألحان والعودِ والسينكمان يترنمان بأطيب الأنغام·· إلخ···
لقد كان لهذا الحدث غير الاعتيادي أصداءً واسعةً في الأوساط الاجتماعية والثقافية وظهرت عنه مقالات وتعليقات وكلها تحث القومَ على الحضور إلى ذلك المحل ليجدوا فيه ما يلذ لهم ويطيب معاً·· ولا سيما -كما تقول الصحيفة- إذ يرون الفرق بين هذه المشاهد اللطيفة الأدبية وبين المشاهد الألعابية والرقص والخلاعة والقهاوي!
إن ذلك المكان -البستان- الذي عُرضت فيه تلك الأفلام القصيرة الثمانية هو نفسه سمي بعد ذلك بـ سينما بلوكي نسبة إلى تاجر مستورد للمكائن، كان معروفاً في العراق، وبذلك تكون سينما بلوكي هي أول دار عرض تفتتح في بغداد عام 1191·
وتكاثرت هذه العروض خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وتعددت دور العرض مثل سينما عيسائي التي أدارها التاجر المعروف بالاسم نفسه·· وسينما أولمبيا وسنترال سينما والسينما العراقي·· والسينما الوطني··
ومع تكاثر العروض·· وإقبال الناس عليها ظهرت هناك روح المنافسة في كسب المشاهدين وتنوع وسائلها فسينما الوطني مثلاً·· تعلن عام 1927 عن عرض أربعة أفلام في وقت واحد·· بينهما كان هذان الفيلمان:
1- مناظر الحفلة الربيعية للجيش العراقي
2- تدشين طيارة مدينة بغداد
أما (سنترال سينما) فقد أعلنت عن تخفيض أسعار الدخول إليها ليتمكن الجميع من الاستفادة من الرواية الجميلة والمفيدة··
إن هذا القرار لم يأت عبثاً، بل أن أسباباً موضوعية عامة أوجبت إصداره، وكان للصحافة دور في أن تشير إلى الواقع الذي يحيط بممارسة العمل في مجال العروض السينمائية فقد أشارت جريدة العراق في مقال افتتاحي لها تقول فيه:
لقد حظيت بغداد بجملة سينمات تتناسب في رقيها وانتظامها مع ما يجب أن تكون عليه عاصمة العراق، إلا أن هذه السينمات في السابق كانت تربح أرباحاً طائلة، لكن التدني الاقتصادي في البلاد جعلها في كساد نظير المرافق الأخرى وصار أصحابها يعانون الأمَّرين بسبب هذا الكساد·· ولو وقف الأمر بهم عند هذا الحد لهان الأمر، لكنهم يتكلفون نفقاتٍ ورسوماً باهضة جداً تُثقل كاهلهم وتجعلهم يئنون تحتها، فإن البلدية تستوفي من كل سينما رسماً شهرياً قدره (100) مائة ربيّة وهي تدفع فوق ذلك طوابع على تذاكر الدخول، ثم يستوفي منها الكمرك رسما عن الفيلم الرقوق بالوزن وهذه تكاليف عالية جداً·· حيث أن هذه الرسوم الكمركية تساوي أحياناً قيمة الفيلم أو تزيد عليها··
وتسجل الجريدة وجهة نظرها في السينما أو العروض السينمائية موافقةً بحماس كبير قائلة: إن هذه النفقات الطائلة والتكاليف الكثيرة فتت في عضد أصحاب السينمات وتصيبهم بخسائر كبيرة ولا تشجعهم على صناعتها·· والسينما من الصناعات التي يجب أن تعاضد وتشجع لأنها صناعات وطنية، هذا فضلاً عن لزومها لثقافة البلد وتهذيبه وتعليمه، وهي أحسن معاهد يختلفُ إليها في ساعات الفراغ من الليل، وتكافح مكافحة شديدة بيوت الفساد ودورَ اللهو المزري والخلاعة·· فعلى الحكومة والسينما تحمل هذه الفوائد·· أن تعمل جهدَها لتعاضدها وتنشطَها وتبدي التسهيلات اللازمة لها حتى تعيش وترقى وتتقدم
كان هذا الحديث في العشرينات من القرن الماضي· ودور السينما تحاول أن يتسِّع بها أصحابها وأن تتجاوز حدود بغداد شيئاً فشيئا· وتتنوع إلى حد ما مصادر الأفلام التي يستوردها أصحابها·· لتنشأ لدى البعض فكرة الإنتاج السينمائي·· ولكن كيف··؟
في بداية عام 1931 حاول بعض الشباب خلق حركة تمثيلية سينمائية -كما ذكرت جريدة الحاصد- فعرضوا المشروع على الممثل السينمائي النشيط آنذاك جوسوانون لكن هذا الشاب·· وكان لتوه عائداً إلى العراق·· فكان رده·· -كما نشرت الحاصد أيضاً-:
عدت وفي أعماق روحي رسالة الفن السينمائي أريد أن أنشرها في هذه الربوع·· تكلمت وخطبت وناديت·· ولكن على غير حدودي·· وكثيراً ما نحبت وبكيت فردد الصدى نواحي وبكائي
ثم يخاطبهم قائلاً:
إنني أرى أن مشروعكم يا إخوتي في الوطنية وزملائي في مذهبي الفني يتوقف على:
1- نوفر المادة الأولية
2- نوفر المادة الفنية
3- الحماية الحكومية
4- المؤازرة من الأمة
ويجب أن لا ننسى التضحية فهي أساس النجاح··
ويؤكد الموثق والباحث المرحوم أحمد فياض المفرّجي·· إن جوسوانون هو اسم مستعار لمعلم في مدرسة العوينة الابتدائية في الثلاثينات·· وقد استطاع السفر إلى أوربا ليتعرف على بعض العاملين في السينما والمشاركة معهم في تمثيل أدوار الكومبارس تحت الاسم المستعار نفسه·
بعد المحاولة الذاتية من لفيف من الشباب الهاوي لفن وصناعة السينما جرت محاولات أخرى لم يكتب لها النجاح·· منها محاولة شركة فوكس لإنتاج فيلم يمثل الحياة الاجتماعية في العراق تُستعرض به الآثار التاريخية·· وقد تمت مفاتحة الفنان حقي الشبلي وقد صرح الشبلي أن الغرض من هذا الفيلم هو بث الدعاية للعراق·· ويشمل كل ما يرفع رأس العراقيين·· وإن ممثلي هذا الفيلم لم يكونوا من أعضاء فرقته فقط·· وكان ذلك سنة 1934 أي قبل سفره إلى باريس لدراسة المسرح··
وفي عام 1938 أقدم التاجر المعروف حافظ القاضي على محاولة لإنتاج فيلم سينمائي·· ونشرت جريدة العالم العربي أن السيد مصطفى القاضي (وهو شقيق حافظ) قد سافر بطيارة إلى إنكلترا لجلب الأجهزة واللوازم تمهيداً لإنتاج الفيلم··
إن كل هذه المحاولات وغيرها·· والمحاولات في تأسيس شركات لهذا الغرض قد أُجهضت قبل أن يوفق أصحابها إلى تصوير اللقطات الأولى لأفلامهم··
ففي عام 1943 تأسست شركة أفلام بغداد المحدودة برأسمال قدره 15 ألف سهماً طرحت منها للاكتتاب (12.600) وكان سعر السهم الواحد ديناراً واحداً··
وفي أواسط الأربعينات تأسست عدة شركات أيضاً منها شركة الكواكب لإنتاج الأفلام السينمائية التجارية وشركة بغداد السينمائية، وشركة الرافدين السينمائية·· ولم توفق كلها في إنتاج أي فيلم بسبب جهلهم بصناعة السينما ومتطلباتها·· التي لا بد من توفرها أولاً ووسائل ديمومتها واستمرارية إنتاجها··
في عام 1946·· تأسست شركة أفلام الرشيد وهي شركة عراقية مصرية بل هي في الأصل مصرية أرادت أن تجمع عناصر من بلدان عربية يمكن لها أن تكون عناصر فيلم أطلق عليه ابن الشرق شارك فيه من العراق عادل عبدالوهاب وكان يدرس في القاهرة وهو شاب وسيم يحلم أن يكون نجماً سينمائياً·· وقارئ المنولوجات الفنان عزيز علي·· وحضيري أبو عزيز·· وكان بتقديري تجربة فاشلة لم تحقق لأحلام هواة السينما من العراقيين شيئاً·· لتأتي بعد هذه التجربة تجربة أخرى هي فيلم القاهرة - بغداد إنتاج شركة سينما الحمراء العراقية وشركة اتحاد الفنانين المصرية كتب القصة يوسف جوهر وحقي الشبلي، وأخرجه أحمد بدرخان ومثّل فيه من العراق حقي الشبلي وإبراهيم جلال وعفيفة إسكندر وفخري الزبيدي وغيرهم·
هذان الفيلمان هما تجربة لخوض عملية الإنتاج السينمائي من جهة والممارسة في حدود وجود الفنان العراقي فيها لاكتساب المعرفة العملية الأرحب والأغنى· وكانت البداية الحقيقية للإنتاج السينمائي في العراق هي تأسيس أستوديو بغداد·· والبداية بإنتاج فيلم عليا وعصام ليكون الإنتاج الأول في السينما العراقية·· من شركة عراقية وفنانين عراقيين·· مع خبرة متطورة من الفنان الفرنسي أندريه شوتان ومدير التصوير الفرنسي: جاك لامار·· ومعهم كاتب القصة والسيناريو والحوار: أنور شاؤول
التمثيل: إبراهيم جلال - عزيمة توفيق - سليمة مراد - جعفر السوري - عبدالله العزاوي··
ليعرض في 12 آذار 1949 في سينما روكسي·· وأن يصبح هذا اليوم عيد ميلاد السينما العراقية!
لقد صار وجود أستوديو بغداد السينمائي بإمكاناته التقنية ومجمع سينما روكسي بدارين سينما روكسي وريكس صارا عاملين لشركة سينمائية لا بد لها من مواصلة إنتاجها لسد حاجة الأستوديو على تواصل العمل بعد عليا وعصام··
الجانب الثاني أن أستوديو بغداد صار بإمكانه معونة أي محاولة إنتاجية سينمائية أخرى·· وإمكاناتُه كانت على مستوى تقني جيد··
من هذا الواقع الجديد شرعت شركة أستوديو بغداد بالتهيؤ لفيلم جديد ثان هو ليلى في العراق
وتحركت بعض الشركات والتجمعات السينمائية الصغيرة رغم قدراتها الفنية والتقنية الضعيفة لوضع أقدامها في ساحة الإنتاج لتحقيق رغباتها·· بل أحلامها في أن يكونوا نجوماً سينمائيين ومخرجين·· ما دام بإمكانهم الحصول على مبالغ من المال من هنا وهناك حتى وأن اضطر بعضهم إلى بيع بيته·· فالفيلم الذي سينتجه وبتقديره سيجني بأموال مضاعفة كما حصل لفيلم فتنة وحسن الذي عرض في 22 حزيران 1955 كما أن آخرين غامروا فنجحوا في خطواتهم الأولى·· لكن تكرار تلك الخطوات باءت بفشل ذريع·· فكانت أفلامه هزيلة وساذجة·· مثل ندم وأدبته الحياة وغيرهما··
غير أن أفلاماً أخرى بدأت بها مجموعة من حاملي التجربة السينمائية المتواضعة ممن شاركوا في علياء وعصام ومن متابعي الأفلام المصرية التي تستقطب الجماهير·· فراحوا يقلدونها ليقدموا على سبيل المثال وردة إخراج يحيى فائق·· وتصوير كريم مجيد·· وحوار صفاء مصطفى·· وفيلم ارحموني وهكذا· ظلت المحاولات تمتص مظاهر تلك الأفلام المصرية سواء بمواضيعها المأساوية تارة أو المضحكة تارة أخرى··
الأمر الذي لم يقنع بعض المثقفين من الشباب والعاملين من أجل تقديم أفلام تتميز عن هذا السيل من تقليد بائس وسطحي وأن يكون الإنتاج السينمائي يسير جنباً لجنب مع ما يقدمه العراق آنذاك في مجال الأدب والشعر والفن التشكيلي والمسرح والموسيقى وهكذا بدأ هذا الجمع المثقف بتقديم من المسؤول إخراج عبدالجبار ولي·· محاولة من خلال النص الذي كتبه ادمون صبري وبالرغم من أن المنحى كان مشابهاً للأفلام المصرية الشائعة·· لكن ارتفع فناً وتقنية عن الأفلام التي سبقته ليمهد السبيل إلى التجربة الثانية والرائدة في العمل السينمائي العراقي الذي استوحى من الواقعية الجديدة في الغالب·· عمق القدرة وبساطة الطرح الفني وتأثيره العميق·· ليقدم فيلم سعيد أفندي في كانون الأول 1957.· وكان عرضه أشبه بحلم أسطوري في مجال صيغة واقعية ارتفعت بمستواها شكلاً ومضموناً·
بعد سعيد أفندي·· وظروف العمل فيه·· وتخطي صعابه·· ظلت التجربة هدفاً لمن يريد أن يؤكد وجوده الفني العالي·· وهكذا ظل الاقتراب منه -من سعيد أفندي- معيار نجاح أكده النقاد وأشاروا إليه··
وتأسست مصلحة السينما والمسرح عام 1960·· فكان عوناً آخر بعد أستوديو بغداد للإنتاج السينمائي للقطاع الخاص·· ومصدر إنتاج سينمائي في مجال الفيلم الوثائقي أولاً·· ثم لتدخل ميدان الفيلم الروائي لسنوات طويلة·· ومنها نستطيع أن نلخص مسيرة الإنتاج السينمائي من خلال مَنْ عمل فيه في القطاع العام والخاص بهذا الجهد المتواضع:
لقد بلغت الأفلام الروائية العراقية التي أنتجت منذ فيلم ابن الشرق عام 1946 مائة فيلم··
وأنتجت الأفلام على الشكل التالي:
1- القطاع الخاص 48 فيلماً.
2- القطاع العام دائرة السينما والمسرح وكان اسمها حين أسست عام 1960-مصلحة السينما والمسرح- أنتجت 41 فيلماً.
3- شركة بابل للإنتاج السينمائي والتلفزيوني ثمانية أفلام.
4- دائرة التوجيه السياسي في وزارة الدفاع فيلمان من بين المائة فيلم وهناك (5) خمسة أفلام مشتركة مع أقطار عربية:
ثلاثة مع مصر:
ابن الشرق - 1946
القاهرة بغداد - 1947
بابل حبيبتي - 1988
اثنان مع لبنان:
الغرفة رقم 7 - 1966
ووداعاً يا لبنان - 1968
الإخراج:
أخرج الأفلام العراقية ثلاثة وخمسون مخرجاً وعلى الشكل التالي:
1- مخرج أجنبي واحد·· هو الفرنسي آندريه شوتان - فيلم علياء وعصام وشارك فيه مساعدون عراقيون.
2- ثمانية مخرجون عرب، هم:
إبراهيم حلمي - ابن الشرق
أحمد بدر خان - القاهرة بغداد
أحمد كامل مرسي - ليلى في العراق
فؤاد التهامي - التجربة
توفيق صالح - الأيام الطويلة
صلاح أبو سيف - القادسية
إبراهيم عبدالجليل - فائق يتزوج
محمد منير فنري - العاشق
3- (44) أربعة وأربعون مخرجاً عراقياً أولهم (حيدر العمر) الذي أخرج أول فيلم عراقي (فتنة وحسن)··
ويعتبر المخرج محمد شكري جميل المخرج رقم 1 في السينما العراقية كماً ونوعاً حيث أخرج عشرة أفلام عراقية كانت من بينها أفضل إنتاجات السينما العراقية على مدى تاريخها الذي امتد أكثر من نصف قرن··
يليه المخرج الراحل صاحب حداد و عبدالهادي الراوي بخمسة أفلام لكل منهما··
ويأتي في المركز الثالث كل من جعفر علي وفيصل الياسري·· ومخرج آخر اسمه (برهان جاسم) بأربعة أفلام·· لكل منهم·· علماً بأن الأخير هو صاحب أسوأ الأفلام فنياً في تاريخ الإنتاج السينمائي العراقي··
ومن بين الـ (44) مخرجاً هناك مخرجة واحدة هي خيرية المنصور التي قدمت فيلمين كوميديين·· مئة بالمئة وستة على ستة··
التصوير
أدار تصوير الأفلام العراقية (32) اثنان وثلاثون مدير تصوير توزعوا على الشكل التالي:
1- أربعة مصورين أجانب هم: الفرنسي جاك لامار، والهندي دفيجا، والإيطالي برونوسالفي، والبريطاني جاك هالديارد.
2- ستة مصورين مصريين هم: وحيد فريد، عبدالحليم نصر، أوهان مصطفى إمام، إبراهيم عادل، طارق التلمساني·
3- (22) اثنان وعشرون مدير تصوير عراقي بدءً من ويليام سايمون الذي صور فتنة وحسن··
وإذا كان المخرج العراقي محمد شكري جميل هو المخرج الأول كماً ونوعاً -كما ذكرنا- فقد أدار (نهاد علي) تصوير (18) ثمانية عشر فيلماً عراقياً بدءً بـ مشروع زواج - 1962 وانتهاءً بـ نرجس عروس كردستان - 1991.
ويليه في المركز الثاني (حاتم حسين) الذي أدار (11) أحد عشر فيلماً بدءً بـ بيوت في ذلك الزمان - 1977 وانتهاءً بـ الملك غازي - 1993.· فيما يمثل المركز الثالث (شكيب رشيد) و (عبداللطيف صالح) بسبعة أفلام لكل منهما·
المواضيع التي تناولتها الأفلام العراقية:
بالرغم من قلة الإنتاج السينمائي في العراق قياساً إلى تأريخها إلا أنها تناولت مواضيع مختلفة وقدمت نوعيات سينمائية متعددة من الدراما الاجتماعية إلى الكوميديا··· والفيلم السياسي والحربي والأفلام الغنائية وقد توزعت المواضيع كما يلي:
1- دراما اجتماعية 42 فيلما
2- أفلام سياسية 15 فيلما
3- أفلام كوميدية 14 فيلما
4- أفلام عن قادسية صدام 12 فيلما
5- أفلام غنائية استعراضية 8 أفلام
6- أفلام تاريخية 5 أفلام
7- أفلام بوليسية 3 أفلام
الأعمال الأدبية العراقية التي استعانت بها بعض الأفلام العراقية:
1- رواية العطش لعبدالرزاق المطلبي (الضامئون) 1972·
2- رواية (خمس أصوات) لغائب طعمة فرمان التي تحولت إلى (المنعطف) 1975·
3- النهر والرماد - لمحمد شاكر سبع التي تحولت إلى (النهر) 1978·
4- القمر والأسوار رواية عبدالرحمن مجيد الربيعي التي تحولت إلى (الأسوار) 1979·
5- الأيام الطويلة - لعبد الأمير معلة حولت فيلماً بنفس الاسم 1980·
ختاماً ومع العرض الذي اختصرته كثيراً·· وأطلت في بعض النقاط فيه قليلاً·· ومع تأملٍ لظروف الإنتاج السينمائي في العراق والإمكانات فيه ومن التأثر الذي ترك أثره عبر ما سبق البداية في الإنتاج أو رافقه لزمن وما زال·· أمكنني أن أشير إلى عدد من أفلام اعتبرها متميزة عن غيرها وجديدةً بأن تحسب لها قيمة فنية بنسب تتفاوت هنا وهناك لكنها لا تسقط في الرداءة أبداً:
1- عليا وعصام 1949
2- من المسؤول 1957
3- سعيد أفندي 1957
4- عروس الفرات 1958
5- قطار ساعة 7 1962
6- إنعيمة 1962
7- أبو هيلة 1962
8- نبوخذ نصر 1962
9- الحارس 1967
10- الجابي 1968
11- الظامئون 1972
12- المنعطف 1975
13- الراس 1977
14- بيوت في ذلك الزقاق 1977
15- النهر 1978
16- التجربة 1978
17- يوم آخر 1979
18- الأسوار 1979
19- القناص 1980
20- المسألة الكبرى 1983
21- حب في بغداد 1987
22- الحدود الملتهبة 1987
23- الفارس والجبل 1987
24- شيء من القوة 1988
25- بابل حبيبتي 1988
26- البيت 1988
27- ستة على ستة 1988
28- عرس عراقي 1988
29- حب ودراجة 1989
30- اللعبة 1989
31- في ليلة سفر 1990
32- السيد المدير 1991
33- الملك غازي 1993
34- غير صالح للعرض 2005
مهرجان المسرح العربي··
عام 2011
يوسف العاني
المسرح ليس ابن اليوم·· إنه يغوص في التاريخ بكل قِدمه·· ويسير مع الحياة والزمن·· عبر العصور ويكون له موقع ومكانة في كل بلد باختلاف شكلِه وهدفه وطبيعة عطائه·· إنه ظاهرة اختلفت من زمن لزمن ومن بلد وآخر·· كما أشرت· لكن الجمع لهذا المسرح المختلفِ والمتباينِ لم يكن له مرجع يتسم ويتجمع فيه إلا في مدينة براغ في جيكو سلوفاكيا عام 1948 حين التقى عدد من مسرحيي العالم ليكوِّنوا هيئة تقارب بين مسارح العالم بالقدر الذي تستطيع·· حيث تفتح لهم أفق التلاقي بينهم من جهة وأن يكون هناك يوم واحد من كل عام يقدم المسرحيون فيه أفضل عروضهم وأنضج تجاربهم·· فكان ذاك اليوم هو 27 آذار من ربيع كل عام فالمسرح كما قالوا·· ربيع الحياة·· وأطلقوا على الهيئة المعهد العالمي للمسرح لينشأ بعد هذا للمعهد في كل بلد مشارك فيه مركز يرتبط فيه ويسمى باسم ذاك البلد·· وأن يكون المعهد العالمي للمسرح مرتبطاً باليونسكو·· بباريس·
لسنا في معرض الحديث عن المعهد·· ومراكزه·· بل عن الهيئة العربية للمسرح·· فقد صار هناك تجمع آخر يضم مجموعة من المراكز المسرحية حسب موقعها الجغرافي أو اقتراب طبيعة مسرحها كالدول الأسكندنافية مثلاً ومسرح أمريكا اللاتينية وغيرها··
في عام 1979·· كنا عدداً من المسرحيين العرب في باريس باجتماع للمراكز العالمية·· تبادلنا الرأي في أن يكون للمسرح الناطق بالعربية تجمع واحد لمراكزها·· لكنه وبعد سنوات وبتحريض لهذا الهدف والقصد·· وبتأثير من بعض المسرحيين في تونس وغيرها من الدارسين والمتأثرين بالمسرح الفرنسي·· صار هذا المشروع مركزاً لمسرح البحر الأبيض المتوسط في عام 2005 وفي مؤتمر -الحوار في المسرح العربي- بالشارقة بالإمارات العربية·· وضعنا اللبنةَ الأولى لأن تكون هناك هيئة عربية للمسرح·· تبناها بحماس - صاحب السمو·· الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي·· لتنشأ الهيئة العربية للمسرح اعتباراً من 28 تشرين الأول عام 2007·· وأن يكون مقرها الرئيس في القاهرة·· ومقر الأمانة العامة في مدينة الشارقة·· وأن تكون منظمة غير حكومية·· تُعنى بشؤون المسرح العربي وأن يكون اليوم العاشر من كانون الثاني كل عام يوم المسرح العربي·· وأن تكون هناك رسالة يتقدم بها أحد المسرحيين العرب المعروفين بثقافته وخبرته وتجربته الطويلة·· تتناول برؤية عميقة عن واقع المسرح على صعيد الأقطار العربية كلها بما أعطت وبما يجب عليها أن تعطي وأن تسمى·· رسالة المسرح العربي
وفي مهرجان المسرح العربي الذي عقد في بيروت في 10-15/1/عام 2011·· تم اختياري لكتابة الرسالة وتقديمها في المهرجان·· لتكون رسالة المسرح العربي لعام 2011·
رسالة المسرح العربي
لعام 2011
يوسف العاني
ما أحلى وأبهى·· وما أعمق وأنبل وأزهى·· حين يجمعنا المسرح موحدين به·· منتمين إليه·· من أكثر من موقع عربي··
أرى اليوم أمامي لبنان بمسرحه والخليج بمسارحه ومصر بمسرحها العريق والعراق بإصرار مسرحييها على العطاء وسوريا بتواصل عطائها ومسرح الأردن بنشاطه، أرى فضاءات المغرب العربي المتعددة لأعود إلى مَشرقه·· أراه كلَه موحداً تحت شعار مبارك: المسرح العربي··
ولكن وأرجو ألا يَستفزكم تساؤلي: هل لدينا حقاً مسرح عربي؟
لا تفكروا بالرد على هذا التساؤل الآن·· فتُتعبوا أنفسَكم منذ سطورِ رسالتي الأولى·· أو ترددوا بصوت هامس أو عالٍ وبعجالة نعم·· أو لا··!
فأنا ما جئت لأقدم رسالة الهيئة العربية للمسرح حسب··
بل لأعيش أيام فرح معكم وبكم·· نتبادل الهموم المرة ممزوجةً بحلاوةِ هذا الفرح·· وتظلُ عيونُنا وقلوبُنا متطلعة إلى الأمل·· فنحن كما قال سعد الله ونوس·· محكومين به··
اليوم 01/1/2011· وأنا بينكم أباً أو أخاً وزميلاً لن أعيدَ ما تضمنتهُ الرسائلُ التي قُرأت في يوم المسرح العربي في الأعوام الثلاثة الماضية ولا سيما ما يتعلق -بما يجبُ علينا أن نعملَه جميعاً- لأنني أؤيد ما ورد فيها جملة وتفصيلاً·· وقد أضيف إليها توصياتٍ أخرى·
في صغري كنت أحلُم بالوحدة العربية·· أهتفُ لها وأسيرُ في مظاهراتِها الصاخبة معتقداً أن صُراخي وصُراخ أخواني سيفتح أمامي حدودَ البلادِ العربية كِلها أتنقل فيها وكأنني أتنقل من بيت إلى بيت آخر لجاري أو شقيقي··
وكبرنا ودخلنا مراكزَ الشرطةِ والمعتقلاتْ أكثرَ من مرة وصار مسرحُنا منذ بداياته يشكل جريمة يعاقب عليها القانون لأنه مسرحُ معارض، ودرست القانونَ ومارست المحاماة زمناً ولم أجدْ مبرراً لما أُتُخذ أو يتخذ ضدنا· وجاءت أنباء من البلدان العربية الشقيقة أن هناك مسرحيين مثلَنا·· لكننا لم نكن ندري ماذا حل أو يحلُ بهم·· وبعد زمن قصير اكتشفت أن الوحدةَ التي هتفت لها·· والمسرح الذي بدأنا به صدقاً وإخلاصاً وشرفاً·· لن يكتملَ أو ينموَ ويقوى أثراً وفرحاً وضوءً في النفس إلا بالتعارفِ الحقيقي لكل منا ومسرحِ كلٍ منا·· وصارت السياسة التي تُعنى بالإنسان في كل مكان جوهر مسرحي·
لقد أقمنا المؤتمراتِ والمهرجاناتِ وصار من حسن حظي أو سوئه -لا أدري- أنني حضرت وشاركت فيها منذ عام 1957 حتى بلغت 68 مؤتمراً ومهرجاناً للمسرح·
ونحن في كل مرة نبحث عن مسرح يكون جسراً ثقافياً واحداً وإن اختلفت جغرافيةُ المكان الذي يصبُ فيه من كل بلد عربي·
كنا نُصدرُ القرارات عسى أن نخطوَ خطوة ليكون لنا تأكيد على مسرح عربي متقارب له جذوره وبُعده الأصيل·· سيما وهناك محاولات جادة ومخلصة في أكثر من بلد عربي، لكنها ظلت في نفس الخطوة التي انطلقت منها·· كما ظلت قراراتنا في إدراج المسئولين متكدسة مع آلاف الأوراق والسطور الملتوية الأخرى: دون أن ينفذَ لها بصيصُ ضوء أو نسمةُ ريح لتتحول إلى فعل جاد مخلص··
وتتجدد العروض المسرحية بمهرجاناتها في أكثر من بلد فلا نجدُ جديداً إلا في العدد لا بالعدة حيث يكون الهدف إرضاءً للفوق بأن الكم قد زاد وأن النوع قد تراجع أو ظل مقلداً أو قريباً من مدارسَ مسرحية تعلمناها أو استنسخناها وجئنا بها وما استطعنا إلا بالقليل والنادر لأن نلائمها مع مسرحنا الذي نريد···
عام 1973 تمت لنا محاولة جريئة في بغداد لأن نقدم مسرحية بونتولا وتابعه ماتي لبرتولد برشت: تبنى إخراجها المرحوم إبراهيم جلال لتقدم بعنوان البيك والسائق دون تبديل أو تعديل في النص·· وعرضناها في بغداد ثم في دمشق والقاهرة والاسكندرية·
بعد عرض المسرحية بدمشق جاءنا مدير فرقة فايمار الألمانية وهو أحد مريدي مسرح برتولد برشت·· ومن الذين اشتركوا في مهرجان دمشق نفسه·· جاء مهنئاً بنجاح العرض·· ثم قال:
- لقد شاهدت اليوم مسرحية عربية·· أعني ليست ألمانية بكل ما شهدت بلا تقيد أو استنساخ لما نقدمه نحن·· مع ذلك كان برتولد برشت موجوداً:
قلت له: لقد استضفنا برشت فصار ضمن مسرحنا
قال: هذا صحيح··
هذه المحاولة ومحاولاتُ عديدةُ أخرى وفي أكثر من بلد عربي - إذا ما استبعدنا واستثنينا المسرح الطارئ على الفهم الحقيقي لفن وثقافة المسرح - أكدت وما زالت تؤكد أن ما نقدمه في مسارحنا ليس عالة على مسارح الغرب أو الشرق بل هي بمصافها بوعي وبقدراتٍ ما عادت في غفلةٍ من الزمن الحضاري لكن الكثيرَ من مسرحيينا ما زال يتوجس أن يُثبت حضوره وإبداعه الأصيل النابع من عمق وأصالة عطائه··
إننا ورغم ما أشرت إليه علينا أن نعيد النظر في تجاربنا نحو الإيجاب والسلب·· وأن نؤكد على أهمية تعاون وتبادل الخبرة في البلد العربي الواحد أولاً: بين المسرحيين المبدعين أنفسهم لا أن تقف كلُ مجموعة ضد أخرى من أجل إلغاء عطاء الآخر وحتى المبدع فيه! بل إن يكون في منافسةٍ شريفةٍ نحو الأفضل·
الاستفادة من الرعيل الأول بما اغنوا وبما أبدعوا·· وأن نتبنى الشباب بصدقِ حماستهم المثقفة·· بما يقدمون من محاولات إبداعية مطورة لما كان·· وألا نقف موقف المتعالي على الكفاءات الجديدة·· فهي مفتاحُ المسرح الآتي··
لا بد أن نكون أمناء في اختيار ما نعرض في كل مهرجان عربي أو دولي··
أن تكون هناك تجربة جديدة مضافةً إلى تجارب أخرى لنتوحد فيها ونسير معها في درب المسرح الذي نريد··
لقد صار العالم صغيراً لكن الأمل الذي كان يحكم فنان المسرح قد اتسع واتسع حتى صار حلماً·· يحكم الشباب والشيوخ·
فأنا وعمري المسرحي الآن قد بلغ السابعة والستين بسنواته الطويلة وتجاربه الكثيرة والتي تنوعت وتغيرت وتناقضت وتألفت·· جعلتني محكوماً بالحلم بعد أن اجتزت مرحلة الأمل وصار عليّ أن أنقل حلمي إلى كل المسرحيين العرب·· وإلى الهيئة العربية للمسرح بالذات لتعمل أو تحاول أن تعمل وأقول: تحاول أكثر من مرة لإزالة السدود والحدود·· وأكرر تحاولُ لكي يتحقق المسرح العربي الواحد: مدرسةً وفناً وفكراً·· دون عزلة عن مسارح العالم بل بتميزٍ جدير به وأصالةٍ عريقة فيه بعد أن نتواصل بيننا ونصل إلى أفضل ما يقدمه أشقاؤنا في هذا البلد أو ذاك·· إننا نتبادل الرأي ونكتشف الرؤى سواء ما كان جديداً منها أو التي ما زالت تبحث عن السبل الخلاقة للمسرح الآتي لنا وأن تظل الصراحةُ في الطرح أساساً صادقين مع أنفسنا أولاً·· كي نصل -مهما طال الزمن- على سمات وملامح وجذورٍ في الشكل والمضمون ليكون مسرحنا بعد هذا مصدراً مسرحياً جديداً لا على صعيد مسارحنا وحدها·· بل على صعيد المسرح العالمي كله·
حلمنا الذي نريده أن يتحقق حاجةٌ نعيش مرارةَ فقدانها·· ألا يُسأل فنانُنا إلى أين أنت ذاهب ما دام حاملاً رسالته النبيلة الشريفة يجوب بها خشبة المسرح العربي الواحد، فهي هويته وجواز سفره·
لنرفع هذا الشعار المخلص بثقة وإصرار ونخرج به من لقائنا هذا في يوم المسرح العربي ونحاول ونحاول ونحاول تحقيقه على مختلف السبل والمستويات·· واعلموا أيها الأصدقاء·· إن هذا الحلم ليس ابنَ اليوم·· بل هو حلم عدد كثير من مسرحيينا الأوفياء الباسلين الذين فارقونا وغادرونا إلى الأبد·· وهناك من ينتظر·· وأنا أولهم··
فعاليات المهرجان
استضافت الهيئة العربية للمسرح في بيروت أكثر من 250 فناناً وفنانة ليتوزعوا على خمسة فنادق ويقدموا العروض المسرحية في خمسة مسارح·· في بيروت وطرابلس··
بلغت المسرحيات التي قدمت 15 مسرحية·· وكان كل بلد قد اختار مسرحية واحدة من أعماله المسرحية المتميزة بتقديره·· عدا البلد المضيف لبنان فقد شارك في خمسة عروض، وهذا عرف مسرحي يتخذ في معظم المهرجان·· إضافة إلى سوريا حيث قدمت عرضين مسرحيين·· ربما لأنها البلد المضيف في عام 2012 بدمشــق··
وكان تسلسل العروض كما يلي:
الاثنين 10/1/2011 -1- مسرحية حقائب قدمتها تونس بعد حفل الافتتاح الذي جرى في قاعة اليونسكو·· والتي تملك مسرحاً يسع لأكثر من ألف مشاهد مجهزاً بالإمكانات التقنية الحديثة·
الثلاثاء 11/1/2011 - 2- مسرحية فيفا لاديفا لبنان على مسرح بابل مع مسرحية راجعين لسوريا على مسرح المدينة·· ومسرحية الاطار لليبيا على مسرح بيروت·· ومع هذه العروض الثلاثة قدمت الإمارات مسرحية السلوقي على مسرح الرابطة الثقافية في مدينة طرابلس·
الأربعاء 12/1/2011 - 3- مسرحية عجايب لمصر في مسرح بابل، ومسرحية كامب العراق في مسرح المدينة ومسرحية طائر الصدى المفقود السودان، وفي طرابلس قدمت مسرحية الكهف في الأردن·
الخميس 13/1/2011 - 4- مسرحية مساحات أخرى لبنان، على مسرح بابل، مسرحية حمار الليل المغرب، مسرح المدينة، ومسرحية الكهف الأردن، وأعيدت مسرحية حقائب التونسية في طرابلس·
الجمعة 14/1/2011- 5- مسرحية تتانيا الكويت، في مسرح بابل، مسرحية سيليكون سوريا، مسرح المدينة، ومسرحية ينعاد عليك إنتاج مشترك بين لبنان وتونس في مسرح بيروت·· وأعيدت المسرحية العراقية كامب في طرابلس·
السبت 15/1/2011م 6- قدمت مسرحية ألف وردة ووردة وهي مسرحية جميلة جداً·· للأطفال· في مسرح دوار الشمس في لبنان، ومسرحية مدينة المرايا لبنان أيضاً، وهي تجربة للرائد المسرحي روجيه عساف· يختتم المهرجان بتقديم موسيقي - كورال الحيفاء، وتعقبه مسرحية الختام السلوقي من الإمارات·· البلد الذي تولى تهيئة المهرجان كله بالتعاون مع فرع الهيئة العربية للمسرح في لبنان··
لم أستطع مشاهدة المسرحيات كلها·· ومن حسن الحظ أنني سبق وشاهدت بعضاً منها في مهرجانات سابقة كمسرحية الكهف الأردنية·· لكنني شاهدت مسرحية كامب العراقية ثانية رغم مشاهدتي لها في عمان·· فقد كانت وجه المسرح العراقي الذي أنا منه وفيه·
لقد لفت نظري·· أن بعض العروض المسرحية لم تكن بمستوى يؤهلها لتقدم في مهرجان·· المفروض فيه أو في من يختار العرض أن يراعي القيمة الفنية والفكرية وما أضافه مسرح ذاك البلد من جديد لمسرحها الذي نعرفه في مناسبات كثيرة·· وأذكر على سبيل المثال·· مسرحية عجايب المصرية التي كانت تحمل أضعف عناصر العرض المسرحي والتي تجاوزها العصر·· واتكأت على ترديد شعارات ساذجة·· تركت الملل عند المشاهدين·· وقد قلت للمخرج وجهة نظري صراحة وأمام الكثيرين··
كانت هناك مسرحيات تبدأ بمستوى عال شكلاً ومضموناً لكنها تكرر صيغة العرض نفسه فتقع في مطب إضعاف ما قدمته ولا تقدم الجديد·· فما أسقطها هي الأخرى في حالة من الذهل المحل وكانت المسرحية التونسية انموذجاً لهذه الحالة·
أما المسرحية السودانية والسورية راجعين والليبية الإطار والكويتية نتانيا فلم تكن جديدة بعرضها في مهرجان المفروض في عروضه الاختيار الدقيق في الشكل والمضمون·· وظلت مسرحية كامب العراقية أفضل العروض كلها·· ومعها مسرحية سيليكون لسوريا·· والمسرحية اللبنانية - التونسية ينعاد عليك ومسرحية السلوقي الإمارات، أعمالاً تستأهل المكانة التي أشغلتها في المهرجان·· إضافة إلى تجربة روجيه عساف من لبنان مدينة المرايا
وفاتني أن أذكر تكريم الرائد المسرحي اللبناني انطوان ملتقى وشريكة عمره ومسرحه لطيفة ملتقى في حفل الافتتاح والذي جاء تثميناً لرحلتهما الطويلة على صعيد المسرح اللبناني··· والمسرح العربي في أصالته وإبداعه المتألق··
الندوة الفكرية
مع العروض المسرحية·· والتي بلغت كما قلنا 15 عرضاً مسرحياً أقيمت الندوة الفكرية منذ يوم الثلاثاء 11/1/2011 وحتى نهاية المهرجان في 15/1/2011· والتي تعقد صباح كل يوم·· لكن الندوة لم تكن في موضوع واحد·· بل أنها تناولت عدة مواضيع تنصب كلها في شأن المسرح تنظيراً وتطبيقاً··
في 11/1/2011 1- الموضوع الأول - تجربة المسرح العربي بين النخبوية والجماهيرية وهو موضوع ليس جديداً·· حيث تمت مناقشته في أكثر من مؤتمر ومهرجان·· لكنه لم يأخذ مكانته في التطبيق ضمن حالة واحدة بل سار في الصيغتين حسب التوجه الذي يطرحه المخرج أو العرض نفسه بمضمونه وشكله· الموضوع الثاني·· وتضمن أربعة تجارب مسرحية·· هي:
في 12/1/2011 2- تجربة في المسرح والموسيقى - الإيقاع·· تجارب للفنان انتصار عبدالفتاح -من مصر- و قد تحدث بإيجاز عن هذه التجربة التي تتلاءم بين الإيقاع الموسيقي·· وتعبير الجسد عند الممثل·· مستلهماً ذاك الإيقاع من الإيقاع الشعبي·· ثم قدم نموذجاً مسجلاً تسجيلاً سينمائياً لأربع مسرحيات أخرجها وألف إيقاعها الموسيقي، مختاراً مشاهد منها كانت في غاية الجمال والتأثير·· على المشاهد والمستمع معاً·
في 13/1/2011 3- تجربة في الأداء التمثيلي تطوير عمل الممثل أثناء التدريب·· وقدمها المخرج العراقي جواد الأسدي·· قدم الأسدي·· الدكتور سامي عبدالحميد·· عبر بدايته ممثلاً في فرقة المسرح الفني الحديث·· ثم في دراسته ببلغاريا وتجاربه الانتقائية·· ليتولى جواد·· شرح التأثير الأساسي في عبر تجربته في مدرسته الأولى·· فرقة المسرح الفني الحديث وانعكاس تجربة الفرقة والمشرفين عليها·· عليه·· ثم تحدث عن تجاربه الأخرى·· وكذلك تحدث عدد من الذين عملوا معه بشيء من المحبة والاعتزاز لما أغناهم به من عمق الرؤية·· واجتياز المصاعب من أجل الأبدع والأفضل·
في 14/1/2011 4- تجربة الكتابة العربية المغايرة التي تأخذ التراث إلى الحاضر في تجربة الكاتب التونسي - عزالدين المدني·
في 15/1/2011 5- تجربة في الخصوصية والهوية·· مشروع الفنان روجيه عساف حيث قام بشرح فكرة مشروعه والتي لم تكن بالنسبة لنا ذات مفهوم جديد إلا حين تتحول إلى التطبيق الذي قدمه روجيه عساف·· في مسرحيته - مدينة المرايا·· ممثلاً ومخرجاً·· وأحياناً معلقاً وبذلك أعاد إلينا تجربة الـ لاترنا ماجيكا التي نشأت في جيكوسلوفاكيا·· في بداية الستينات·· وتوقفت عند حدود بدايتها··
بإيجار أقول أن المهرجان قد حول اللقاء بين المسرحيين العرب إلى كشفِ واقع المسرح اليوم عند الكثير منهم·· بما قدموا من عروض وما عكسوا من آراء·· تستأهل العودة إليها·· متابعة وتطويراً.
25/1/2011
تجارب مسرحية في الزمن الصعب··!
يوسف العاني
(1)
ما من شك في أن مسرحنا العراقي عبر تاريخه الطويل كان مسرح مواجهة لم توقفه الصعاب أو المتاعب من أن يغذ السير ويتجاوز العقبات ليُحقق هدفه المنشود فكراً ومضموناً وفناً لا ينعزل عن الجماهير أو يتنكر لها· وفي هذا الجزء سوف نتذكر بعضاً من تجارب مسرحنا هذا·· متعرفين على المرونة الإبداعية التي كان يتوسل بها في ظروف صعبة وفي أكثر من زمان ومكان·
كانت الفرق المسرحية تذهب إلى أماكن تجمع الناس بأشكال مختلفة· فقد كانت فرقة المسرح الحديث على سبيل المثال تذهب في أوائل الخمسينيات إلى النوادي الاجتماعية تقدم عروضاً مسرحية قبل أن يقوم النادي بواجبه الترفيهي الذي اعتاد عليه رواده يومياً·· لقد دخلت الفرقة نادي المحامين ونادي المصارف ونادي السكك الحديد· وكانت توفر جواً من عناصر الجذب أولاً ثم تخلق الجو المسرحي بأكمله ثانياً، بوسائل بسيطة مؤكدة على المضامين التي تريد تقديمها عبر أعضاء الفرقة وعدد غير قليل من الهواة المنتمين إلى تلك النوادي وحين ينتهي العرض ويعود للنادي جوه يتحول الحديث إلى ندوة مسرحية تتناول أحداث المسرحية وفكرتها وشخصياتها وبذلك يتحقق الهدف المطلوب من العرض المسرحي·
لقد اتسع نطاق انتشار العروض المسرحية في تلك الظروف الصعبة وأعني بـالصعبة عدم توفر المكان المناسب والإمكانات المطلوبة·· وفي كثير من الأحايين عدم توفر إجازة المسرحية أو إجازة العرض المسرحي أقول اتسع نطاق انتشار العروض فشمل التجمعات الجماهيرية في مناسبات وطنية أو حتى في الاحتفالات الشعبية وفي السفرات والرحلات حيث يتحلق الناس ويتم العرض ببساطة وصدق وجو رائق تطرح من خلاله الكثير من القيم الوطنية والقومية والكشف عن الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد آنذاك· مع هذا الوجه هناك وجوه أخرى فالعروض المسرحية كانت تقام في السجون وفي المعتقلات وكانت مراحل وخطوات اكتمال العروض تأخذ وقتاً وجهداً كبيرين حتى يتم تلافي الصعاب لإتمام العرض المسرحي·
وأذكر على سبيل المثال عرضاً مسرحياً تم في معتقل أبو غريب بعد انتفاضة تشرين عام 1952 فقد استطعنا رغم كل الظروف الصعبة أن نقدم داخل المعتقل مسرحيتين الأولى مسمار جحا والثانية مسرحية ماكو شغل
فعلى ضوء الفوانيس وبستارة هي أغطية الموقوفين· وعباءة واحدة منا واللحية الطبيعية لممثل دور جحا وكنت أنا الذي مثلت الدور·· فبعد أسبوعين من عدم حلاقتي لذقني كان هناك مكياج طبيعي·· وكان جحا شخصية مقنعة بعد أن صارت عمامته شرشفاً لفراش أحد المعتقلين أيضاً·· أما مسرحية ماكو شغل فقد شارك فيها عدد من الهواة·· وقدمت داخل حلقة حددنا فيها أماكن الخروج والدخول لا غير، ونجح العرض المسرحي حتى صار حالة يتحدث عنها الجميع حتى تدخل المسؤولون عن المعتقل ونقلوا بعضاً منا إلى أماكن أخرى وأطلقوا سراح البعض الآخر حلاً لمشكلة لم تخطر ببالهم في مشكلة المسرح.
20/10/1990
(2)
في فيينا عام 1958 شاهدت أوبرا ناباكو لفيردي·· كان شتاء بارداً نحرص فيه أن ننتقي الأعمال المسرحية الكبيرة لكي ندفع المبلغ الذي يتناسب ومكانتها ويتلاءم أيضاً مع حرماننا من الكثير من متطلبات الحياة اليومية من أجل هذه المشاهدة القيمة!!
مشاهدتي لأوبرا نابوكي أعطتني درساً لن أنساه ما حييت· وكان سبباً في البحث عن دوري كفنان مسرحي عربي عليه مسؤولية كبيرة لا بد وان يؤديها وهو بعيد عن وطنه وفي ظرف عسير من الاغتراب!
المسألة بإيجاز علمتني كيف حول الصهاينة هذه الأوبرا التي تناولت شخصية نبوخذ نصر ليتخذوا منها منطلقاً في الدعوة لاستدرار عطف المشاهدين على حقوق اليهود في فلسطين!!
في فترات الاستراحة كان المدرسون يجمعون الطلبة ليشرحوا لم أبعاد القضية التي مستها المسرحية أو قدمت جانباً منها وكانوا يكيفون المسألة برمتها ضد العرب ويجعلون من الحركة الصهيونية حركة إنسانية جديرة بالمحبة!
أثارني هذا الحدث وحاولت مع جمع من الطلبة العراقيين والأشقاء العرب الذين كانوا يدرسون هناك أن نفعل شيئاً· وبعد أن فشلنا مع بعض المسؤولين العرب هناك، وأعني السفارات العربية التي لم يكن همها سوى التفرج· قررنا الاعتماد على أنفسنا وبذل الجهد لتقديم عمل مسرحي ندعو إليه المثقفين النمساويين والصحفيين فضلاً عن كل العراقيين والطلبة العرب وأن نوفر جانباً إعلامياً يؤكد وجهنا الحضاري على أقل تقدير وأعني أن الطلبة يستطيعون أن يقدموا مسرحاً رغم إمكاناتهم البسيطة وظروفهم الصعبة - كما أشرت·
اتفقنا جميعاً على تقديم مسرحيتي فلوس الدوة وماكو شغل ·· لكونهما مسرحيتين قصيرتين يمكن توفير كوادر لهما من الطلبة· مع شرح يقدم بالألمانية لظروف واقعنا العربي الرسمي -آنذاك- والحالة المرة التي يعيشها شعبنا مع قدراته التي خنقها الاستعمار وأذنابه··
لم تكن المسرحيتان معي· نسخة من ماكو شغل كانت لدى الطلبة في لندن، استطعنا الحصول عليها، فلوس الدوة،- أعدت كتابتها من الذاكرة- وجعلنا اللهجة في المسرحيتين بسيطة لكي تكون في متناول أشقائنا العرب فقد شاركنا طلبة من سوريا ومصر واليمن· وأعددنا خلاصة لكل مسرحية توزع على الحاضرين من النمساويين·
لم يكن بإمكاننا استئجار مسرح من المسارح المعروفة أو حتى من مسارح الهواة فأجورها باهظة· بعد بحث طويل وشاق وجدنا بالقرب من المقهى التي نلتقي بها باستمرار شفارتز شبانير وجدنا قاعة لا مسرح فيه ولا ستارة ولا إنارة··!
دخلت ووقفت وسطها، وحولي مجموعة الشباب كان من بينهم فيصل الياسري وقالوا بالحرف الواحد: هذا الموجود!
آنذاك تذكرت مسرحية كنت قد شاهدتها قبل أشهر في مدينة لايبزك بألمانيا الديموقراطية هي مسرحة القبرة لجان أنوي· قدمت بأدوات بسيطة وبلا ستارة وبملابس الممثلين أنفسهم على أساس أن العرض هو بروفة مسرحية· وكان مثل هذا الأسلوب في ذلك الوقت فريداً وغريباً·
قلت: سنقدم المسرحيتين لا نحتاج إلا لجرائد عربية وبعض الملابس نكيفها حسب مظهر الشخصيات· فكان ذلك هو المدخل إلى المظهر أولاً· وإعطاء الجو المطلوب ثانياً وبالقدر الممكن· مع عدم عزل المشاهد عن حقيقة ما نقدمه لهم· أي أن كل ما يجري كان تمثيلاً·
وقدمنا المسرحيتين وأعجب النمساويون بالعرض الذي اتسم بالبساطة والعفوية وكتبت بعض الصحف عنها· وتركنا أثراً إعلامياً متواضعاً لكنه كان في تقديرنا تجربة ذات قيمة كبيرة خففت عنا جسامة مسؤوليتنا تجاه شعبنا وأمتنا في ذلك الوقت.
3/11/1990
(3)
في بداية تأسيس فرقة المسرح الحديث عام 1952 وجدت نفسها، لمدة من الزمن مشلولة غير قادرة على تقديم أي عمل مسرحي، لسببين الأول عدم توفر المال اللازم للإنتاج المسرحي الذي تحلم به، الثاني عدم وجود مسرح تقدم مسرحياتها عليه·· فقاعة الشعب فيصل سابقا ليس من السهولة دخولها بل أن التفكير بها ضرب من المحال آنذاك··!
كان على الفرقة أن تخرج من كل هذه الأطر·· وأن تجد منفذاً يسهل عليها الإجراءات اللازمة لإقامة عرض مسرحي فالفرق المسرحية آنذاك كانت خاضعة لقانون رسوم الملاهي وترتبط بوزارة الشؤون الاجتماعية شأنها شأن أي ملهى آخر··! وبعد أن تجاز المسرحية لا بد من إجازة إقامة حفلة! وهذا يتطلب -كما أشرت إجراءات معقدة- وكان أمامنا حل يسهل علينا جزءاً من هذا الخناق· أن نأتي عبر الجمعيات الاجتماعية المعروفة آنذاك ومن خلالها نستطيع أ ن ننفذ بنشاطنا المسرحي، وكانت جمعية النداء الاجتماعي واحدة من الجمعيات التي رحبت بتبني أعمالنا المسرحية -وكان مقر الجمعية في الأعظمية- قرب المقبرة الملكية - وعلى ضفة نهر دجلة·
المطلوب أن نقيم مسرحاً في ساحة مقر الجمعية الواسع·· أن نقيمه وفق احتياجاتنا وإمكاناتنا·· وكان آنذاك مجموعة من شباب يكاد الحماس عنده يتحدى كل الصعاب ويتخطى كل الحواجز·· فقررنا أن نبني هذا المسرح أن نتعاون على بنائه وأن يتم العمل متواصلاً ليلاً ونهاراً·· وفق قياسات أعاننا على ضبطها وتثبيتها على الورق بعض أصدقاء الفرقة·· وبدأنا العمل·· وعشنا فرحاً لا يعادله فرح، فالطين والطابوق والأهازيج التي كنا نبتكرها والأغاني التي كنا نرددها والمقاطع التي نحفظها من مسرحيات عديدة كانت السبيل إلى خلق جو الفرح ذاك وكان يحدونا هدف كبير أن نقيم هذا المسرح من دون منة أو عون من أية جهة أخرى غير الذين أحبوا المسرح وآمنوا به رسالة إنسانية عميقة··
أقمنا المسرح واستعنا بإنارة متواضعة وستارة لا تصمد أمام هبات الريح·· وقدمنا مشاهد من مسرحية عطيل ومسرحية رأس الشليلة وانتقلنا بعد ذلك إلى ضفة النهر مباشرة لنقيم مسرحاً ثانياً وبالحماس نفسه وحرارته ومع نسمات دجلة العذاب·· ومائه البارد الذي نزيل به بقايا الطين والتراب·· قدمنا مقاطع من مسرحية الطبيب رغماً عنه والمثري النبيل وعودة المهذب وماكو شغل وكان إصرارنا ذلك يقف أمامه إصرار السلطة كي توقف ثمرات ذلك الحماس· لكننا لم نتعب ولم نيأس وكانت المجموعة المسرحية لفرقة المسرح الحديث·
إبراهيم جلال يوسف العاني يعقوب الأمين، سامي عبدالحميد، مجيد العزاوي، عبدالرحمن بهجت، حميد قاسم، هاشم الطبقجه لي، شكري العقيدي، محمد القيسي، عادل الشيخلي، محمود الخضيري، عدنان راسم، راسم القيسي·· وآخرون، كانت أقوى من كل تلك الضغوط المعاكسة حتى صارت تلك المحاولات المخلصة أساساً لمسرح حديث يحمل في أعماقه جذور الإخلاص الواعي والإصرار الذي لا يقف عند حد!
2/11/1990
(4)
في موسم عام 1979 اختار المخرج محسن العزاوي مسرحية مجالس التراث تأليف قاسم محمد والتي سبق للأستاذ قاسم أن أخرجها للفرقة القومية· وكان اختيار محسن لها تحسساً في أهمية مضمونها في ذلك الظرف وشكل المسرحية التي يستطيع المخرج فيها أن يوجد رؤية جديدة فيها وتعميقاً للفكرة وخلق جو طريف يتلاءم مع الشكل والمضمون·
كان مكان العرض في المغرب وتونس وكذا نأمل أن نقدم في بغداد لنتعرف على صدى ورد فعل العرض هذا قبل أن ينقل العرض إلى هذين البلدين الشقيقين اللذين يحملان تجارب مسرحية منوعة ومتباينة لا سيما في المجال المسرح التراثي·
لم تخدمنا الظروف وسافرنا ونحن نفكر -والمخرج يحمل الهم الأول- في أن نتدرب هناك·· بمدينة الرباط على مسرح محمد الخامس·· ووصلنا·· وفوجئنا بأن المسرح مشغول بعرض مسرحي فرنسي ولا يمكننا تسلم المسرح إلا صباح يوم العرض!! ولم يكن بالإمكان أكثر مما كان·· حضرنا لتقديم العرض المسرحي من دون أن نخطو خطوة واحدة على المسرح!! كان المخرج محسن العزاوي بحالة لا يحسد عليها·· لكننا حين اجتمعنا حوله وتعهدنا على أن يقدم كل منا أفضل ما عنده ارتاح قليلاً·· لكن الديكور الذي لم يتم كان وفق الصيغة التي تدربنا عليها ببغداد كان أمامنا مثل الطلسم حاولنا أن نألفه· ثم قررنا جميعاً أن يراقب كل منا الآخر إن أخطأ يصحح الممثل الثاني هذا الخطأ أو يتجاوزه وأن نتحمل جميعاً مسؤوليات نقل الأثاث وتبديلها بلعبة مسرحية يمكن التغلب على الصنعة فيها حتى لا تكون مفتعلة·· وبدأ العرض ونحن نرقب أماكن الإنارة لنكون في دائرتها واضحين! فصار العرض حركة دايناميكية متأججة·· اكتسب سمة متميزة من دون أن نقع في زلل أو خطأ يمس مضمون المسرحية أو فكرتها أو الجو الحميم الذي تحمله والصيغة الإخراجية المرسومة لها·· ونجح العرض نجاحاً فذا كانت المجموعة برمتها هي البطلة··
وانتقلنا بعد العرض الأول إلى مراكش ثم إلى وجدة وفي كل مسرح كنا نقف نستمع إلى ملاحظات المخرج العامة التي تكون الخطة·· نستوعبها ونتبادل وجهات النظر من أجل تطبيقها·· في مراكش المسرح علبة ايطالية تستوعب آلاف المشاهدين·· ثم انتقلنا إلى تونس في قرطاج ثم المانستير والقيروان·· والفضاءات المسرحية كما نسميها تتباين وتختلف وليس أمامنا الوقت الكافي لتكييف حركتنا أو تطبيق خطة جديدة·· كنا نستوعب المتطلبات الإخراجية ونعتمد على الألفة الجماعية في العرض ليظل الإبداع هو الوسيلة التي تسد الثغرات وتحولها إلى حالة من حالات التألق الذي استطعنا أن نسجل من خلاله نجاحات لمسرحنا العراقي في ظروف صعبة وعسيرة.
19/11/1990
(5)
هذه تجربة أخرى·· الصعاب أو الصعوبات فيها ذات شكل آخر· مكانها في القطر الجزائري الشقيق، مسرحنا العراقي كان له موقع ضمن الأسبوع الثقافي العراقي الذي انعقد في أيار عام 1975·· والمسرحية كانت مسرحية بغداد الأزل بين الجد والهزل تأليف وإخراج قاسم محمد وتقديم فرقة المسرح الفني الحديث·· وكانت المسرحية قد اختيرت لأنها كانت أفضل مسرحية في ذلك الموسم ضمن اختيارات المركز العراقي للمسرح·
وصلنا مدينة الجزائر يوم 01/5· وكنا نحسب حساب توفر استراحة ليوم أو يومين ونقدم المسرحية في مدينة الجزائر· بعد أن نهيء الديكور وكل متطلبات العرض وأن نجري البروفة المناسبة التي تتلاءم مع المسرح بمساحاته وبالديكور الذي سيكون متلائماً أيضاً مع هذا المسرح·
قيل لنا·· عليكم أن تسافروا اليوم ومن المطار مباشرة إلى مدينة عنابة وتعرضوا المسرحية غدا في مسرحها· كان هذا أول إحراج لنا ونحن ما زلنا في أزمة التعب والإنهاك من السفر· رضينا مجبرين وسافرنا إلى عنابة فأضفنا تعباً على تعب لكننا روضنا أنفسنا على أن نقبل بالأمر الواقع وأن نبدأ ببناء الديكور حتى الصباح·· والفنان المرحوم كاظم حيدر مصمم الديكور تعهد بذلك··
حين وصلنا عنابة أخبرنا أن الديكور لم يشحن في الطائرة لأنها لا تسعه!! والديكور سيأتي غداً وقد يتأخر حتى الساعة الثانية عشرة! سكتنا ولكن إصراراً في نفوسنا وفي المقدمة المخرج قاسم محمد أن نعرض في الوقت المناسب مهما تطلب الأمر·· ومن المطار حتى المسرح·· حين وصل الديكور بدأ العمل متواصلاً كان الفريق بإشراف كاظم حيدر ثم أنجز قبل فتح الستارة بخمس دقائق·· صعدنا إلى المسرح ولا ندري تكوينات الديكور إلا من خلال نظرة ألقيناها عليه وقال لنا المخرج تصرفوا وفق تصوركم من دون إحراج واعلموا أن هذه التجربة جديدة لكم في ظرف صعب ونحن جديرون بتخطيه·· وبدأ العرض وكان مع العرض إحساس بأهمية أن نتجاوز ما يعسر علينا خطوة خطوة حتى انتهى العرض بنجاح فذ كانت مسؤولية كل منا فيه مسؤولية مضاعفة·
عدنا للجزائر وكان أمامنا شرط آخر·· ألا ندق مسماراً في المسرح وألا نقص خشبة وألا نصبغ جداراً··!! بدقائق سريعة قرر كاظم حيدر أن يصنع ديكوراً معلقاً من دون أن يضطر إلى الوقوع بواحد من الممنوعات! وتم العرض والممثلون يدخلون ويخرجون وهم ينظرون إلى أعلى ليعرفوا الأبواب والشبابيك والمداخل وكان عرضاً طريفاً تحولت حتى الأخطاء فيه إلى لعب مسرحية تلاءمت وروح المسرحية·
وفي سيدي بالعباس المدينة البعيدة عن وهران كان علينا أن نعرض هناك ثم نعود إلى وهران وليس العكس··! وهناك ذهبنا ووصلنا متعبين وأنجزنا الديكور وبلا بروفة أيضاً ولكن بمسؤولية كبيرة اجتزنا المحنة وحولنا كل تلك المتاعب إلى ممارسة مبدعة وتحقق النجاح المطلوب لمسرحنا العراقي.
26/11/1990
(6)
لفترة طويلة من الزمن ظل مسرحيو مصر الشقيقة يظنون أن المسرح المصري لا يضاهيه مسرح عربي آخر، وأن المسرح العراقي يقف في نهاية المطاف الإبداعي للمسرح العربي·· وسبب هذا الظن يعود بعض منه على المسرحيين العراقيين أنفسهم وبكلمة أدق على المسؤولين الرسميين الذي أوجدوا للمسرح العراقي عزلة طويلة الأمد عن الظهور أو التواجد في المحافل المسرحية العربية وفي مقدمة هذه المسارح المسرح المصري··
كانت هناك بعض الكتابات النقدية التي تشير إلى لمعات في المسرح العراقي يكتبها عدد من النقاد والمسرحيين الذين يحضرون إلى العراق فيشاهدون عروضاً مسرحية للفرقة القومية أو الفرق الأهلية الأخرى لكن تلك الآراء تظل محصورة بين قلة من المثقفين لا تترك ذلك الأثر الذي يتكون ويتبلور نتيجة التماس المباشر والمشاهدة العريضة للعروض المسرحية التي تقدم في ذلك البلد الشقيق·
وأقيم الأسبوع الثقافي العراقي في القاهرة عام 1974 واختيرت مسرحية البيك والسائق وهي مسرحية -بونتولا وتابعه ماتي- التي قدمتها الفرقة القومية عام 1973 وكنت أنا وقاسم محمد ومحسن العزاوي ضيوف الفرقة وأخرجها الأستاذ إبراهيم جلال وحازت الصدى الواسع عند عرضها في بغداد·· اختيرت هذه المسرحية لتقدم في القاهرة·· كنت إضافة إلى مشاركتي في المسرحية عضواً في الهيئة العليا لتنظيم المهرجان وكان الأستاذ المرحوم طه ياسين العلي مدير العلاقات العام في وزارة الثقافة والأعلام - رئيس اللجنة·· سافرنا إلى القاهرة لتهيئة متطلبات الأسبوع هناك·· وكانت فترة عصيبة من فترات حكم السادات، والمسرحيات الممنوعة لا حصر لها، ولم نكن ندري موقع برتولد برشت في تصور المسؤولين·· وحين تم الاجتماع الأول تساءل وكيل الوزارة عن المسرحية التي ستقدمها·· قلت: إنها مسرحية بونتولا وتابعه ولم يتركني أكمل، بل أكمل هو قائلاً: وتابعه قفة!
قلت: لا تلك مسرحية على جناح التبريزي وتابعه قفة لا لفريد فرج·· هذه المسرحية معرفة عن المسرح الألماني··
ظل السيد وكيل الوزارة يضحك لينتقل إلى موضوع ثان·· وينسى المسرحية·
حل يوم عرض المسرحية في مسرح حديقة الأزيكية، وكان من حق المسرح أن يبيع التذاكر إيراداً له·· وبالمصادفة مررنا أنا وإبراهيم جلال من مكان شباك التذاكر·· فسمعنا المسؤول عن البيع يرد على كل مشاهد ليقطع تذكرة·· إن التذاكر نافذة! وأن المسرح مملوء·· وحين دققنا الأمر أدركنا أن هذا المسؤول لا يرغب في فسح المجال لمشاهدة المسرحية، ثم علمنا أن هذه المسرحية ممنوعة أصلاً بل أن برشت كله ممنوع·· فالمسرحية تشير إلى الاشتراكية وفيها طرح كان يثير حفيظة السادات وبطانته·
اتصلنا بالسفارة العراقية ورحنا نتصل بكل أصدقائنا من الفنانين ليحضروا ويحضروا معهم من يريدون ووقف المستشار الصحفي في باب المسرح يستقبل القادمين دون حاجة إلى قطع تذكرة دخول·· وتسلم إبراهيم جلال مفاتيح الألواج وتقاطر الناس وامتلأ المسرح وجلس المئات في ممراته وعرضت المسرحية عرضاً فريداً يحمل روح التحدي للمواقف العدائية والمتخلفة تجاه حقيقة المسرح العراقي وظلت المسرحية حتى اليوم مضرب المثل في مصر والعالم العربي.
3/12/1990
(7)
حين قدمنا مسرحية ليلة بغدادية مع الملا عبود الكرخي الذي تولى إعدادها والإشراف على إخراجها الأستاذ سامي عبدالحميد، تركت هذه المسرحية أثراً يحمل نكهة الشعبية العراقية ولأقل البغدادية الأصيلة مع التناول المبتكر لقضايا عديدة من تاريخ شعبنا العراقي· سياسياً واجتماعياً وفكرياً·· وكانت من البساطة والسهولة -كما يبدو- ما يمكن أن يوضع في إطار الأعمال الصعبة! التي تحتاج إلى جهود عدة كي تصل بعد ذلك إلى تلك البساطة والتي اسمها: البساطة الصعبة!
المهم أن تناول شخصية الملا عبود الكرخي في عام 1982 جعلنا نربط بين الوقائع السياسية المطروحة في المسرحية والظرف الذي نعيش فيه ربطاً لا تجد فيه المباشرة القسرية بقدر ما كان الابتكار فيه حالة إبداعية متجددة·
كنت أفكر بهذه المسرحية طوال الفترة التي قدمتها فرقتنا -المسرح الفني الحديث- على مسرح بغداد·· وإمكانية تبنيها لتقدم في أي مكان آخر·· وقدر لي السفر لحضور اجتماعات اللجنة التنفيذية للمسرح العالمي في باريس بوصفي عضواً فيها عام 1984·· وكانت مسرحية الكرخي هاجساً في خاطري: أن أقدمها -وحدي- لوناً من ألوان المونودراما وكان النص صعباً·· وبعد انتهاء مهمتي هناك وحضوري مهرجان نانسي·· عدت لباريس وقررت بالاتفاق مع المركز الثقافي العراقي تقديم المسرحية في قاعة المدرسة العراقية ودعوة عدد من الأشقاء العرب والأصدقاء الفرنسيين·· ولم أكن حتى تلك الساعة قد وضعت صيغة تقديم المسرحية!!
التقيت الفنان الشاب محمد سيف وكان يدرس المسرح بباريس·· وبالفنان عدنان شلاش وقد خرج من المستشفى معافى··· تمثلت الأمر بوجود هذين العنصرين محمد يمكن أن يكون راوية ويمكن أن يؤدي بعض شخصيات المسرحية·· وعدنان يمكن أن يغني بعض مقاطع من المسرحية بصوته الشجي وقد يدخل في حوارات هنا وهناك فلم أكن أريد أن أحركه لأن آثار مرضه ما زالت بادية عليه·· ورحت أعد النص بهذا التصور·· وأجرينا التدريبات وحولنا العرض المسرحي لقاء عائلياً بإنارة بسيطة وبعرض تتخلله مداخلات من المشاهدين·· وتم العرض بنكهة خاصة وكان الملا عبود الكرخي مسرحياً قد ولد بين المجموعة كلها·· الذين قدموا العرض والذين شاهدوه!
عام 1985 كلفت بتقديم العرض في المركز الثقافي العراقي بلندن وكنت عائداً من تونس·· حملت النص المسرحي معي·· وكنت أعلم أن الفنانة أحلام عرب وهي ممثلة جيدة موجودة في لندن·· حسبت حسابها وقررت أن تشترك معي في العرض·· وهذا يتطلب صيغة غير تلك التي قدمت بها المسرحية في باريس·· علمت قبل سفري أن أحلام عادت إلى بغداد· وصلت لندن··! مصادفة التقيت بسيدة عراقية تعمل في القسم العربي بإذاعة لندن وكانت تعمل في تلفزيون بغداد: سلوى الجراح صوتها جميل ويمكن أن تكون شخصية عراقية تؤدي أغنية المجرشة وتمثل شخصيات أخرى·· وافقت بحماس·· ووافق أيضاً الصديق الدكتور سعدي الحديثي المشاركة معنا·· والدكتور سعدي طاقة كبيرة تولى أمر الغناء بصوته المؤثر الجميل·· وتولى التعليق على بعض الأحداث·· ثم قمت أنا بتحويل العمل ابتداء إلى محاضرة عن المسرح العراقي وكيف قدمت مسرحية الملا عبود الكرخي ببغداد وحديث عن شخصية الملا عبود الكرخي·· وخلال المحاضرة وحين أضع السدارة على رأسي تتحول المحاضرة إلى مسرحية فنبدأ بالتمثيل نحن الثلاثة·· وحين أخلع السدارة أعود إلى المحاضرة والكل يستمع حتى الذين يمثلون معي·· وهكذا تحولت المسرحية إلى محاضرية أي أنها محاضرة ومسرحية في آن واحد·· استطعنا أن نكسبها حالة مبتكرة لكنها طريفة وممتعة في آن واحد.
10/12/1990
(8)
حين كنا طلاباً في معهد الفنون الجميلة، فرع التمثيل·· في أوائل الخمسينات· كان طموحنا الحار يدفعنا إلى أن نغير صيغة العروض المسرحية بمضامين المسرحيات التي يقدمها فرع التمثيل في المعهد بين حين وآخر، وأن نخرج هذه المسرحيات من إطارها الجماهيري الضيق جداً إلى نطاق أكثر سعة ورحابة وأن نفتح الأبواب إلى الجمهور الواسع ليلتقي بهذا المسرح المتناغم مع روح الشباب من جهة ومع إدراك أهمية هذا المسرح من جهة أخرى· فكان علينا أول الأمر البحث عن نصوص مسرحية نقترب بها من الناس، وحين أقول نقترب من الناس لا أعني أن نخاطبهم بصيغ متدنية بعيدة عن المشاركة الفكرية والضرب على وتر مداعبة العواطف والإضحاك فحسب وإنما العكس هو الأصح أن نخوض من خلال مضامين المسرحيات في صلب قضايا الناس ومشاكلهم الاجتماعية والفكرية والسياسية، وكان علينا في مثل هذا التصور البحث عن النصوص·· المترجمة والمؤلفة·· عربياً وعراقياً·· أو المقتبسة عن قصص أو نصوص مسرحية أخرى نكيفيها وفق إمكاناتنا وإدراكنا لهدف النص الذي نريد تقديمه· وهكذا كان النشاط دائباً في مجال هذا البحث النشيط وفق التصور المطلوب·
من المسرحيات التي ذاع صيتها آنذاك مسرحية مسمار جحا التي كتبها الأستاذ علي أحمد باكثير وكانت المسرحيات المطبوعة نادرة الوجود·· فكان إصدار هذه المسرحية بكتاب حالة من حالات الكسب المفرح·
كانت المسرحية طويلة جداً وكان فيها خط درامي يتشعب في تفاصيل تدخل في سياق ا لكوميديا والابتعاد عن الفكرة التي استهوتنا ووجدنا فيها هدفاً سياسياً يتلاءم وظروف العراق في ذلك الوقت·· المسمار الذي اتخذ ذريعة في ملاحقة الناس، وكنا نستهدف به اتفاقية النفط سيئة الصيت· ورحنا نكيف النص ونختصره حتى حولنا المسرحية إلى فصلين فقط·
في ذلك الوقت لم تكن لدينا الإمكانات المادية التي نستطيع توظيفها في صناعة الديكور ومتطلبات المسرح الأخرى·· كان سيد الموقف مخرج المسرحية الأستاذ إبراهيم جلال·· ومعه خلية نحل كل فرد منها يقوم بأكثر من عمل ويتحمل أكثر من مسؤولية·· المرحوم الفنان الكبير جواد سليم جاء بتخطيط لديكور المسرحية·· تصور جميل وحالة من حالات إبداع جواد! ظل إبراهيم جلال يتألم في داخله·· فجأة وقف كالأسد الهصور وصاح قوموا ثم قال: هاتوا ما عندنا من جنفاص وهاتوا الأصباغ المتوفرة وسوف يخلطها جواد·· وبدأ العمل·· وشيئاً فشيئاً وجدنا الاكتفاء الذاتي الذي رفعنا شعاره قد صنع لنا ديكورا جميلاً وظهرت مسرحية مسمار جحا
24/12/1990
(9)
التجربة المسرحية التي أتحدث عنها ليست تجربة خاصة أو حالة مسرحية ··· وإنما هي تجربة عامة تشمل كل الأعمال المسرحية التي تقدم على مسرحنا ··· منذ سنوات·· وبالدقة أقول منذ أن استشرى المسرح الهابط والرديء في ساحة المسرحية بحجة ما يريده الجمهور، وقياساً على النسبة العددية العالية للجمهور الذي نشأ وترعرع ثم تربى في سياق نوع محدد من العروض التي تقدم على خشبة المسرح والكثير الكثير منها لا يمتلك مقومات المسرح الحقيقية لا فكراً ولا ثقافة ولا متعة طبيعية يمتلكها المسرح على مختلف أنماطه وفروعه·
هذه التجربة تسري في سياق النوع الثاني من الأعمال المسرحية، الأعمال التي يحرص أصحابها والقائمون بها لا على أن يوفروا النسبة العالية من القيم المسرحية المطلوبة والجدية في توفير متطلبات هذه القيم حتى في الأعمال الهازلة ما نسميها بالمسرح الكوميدي وهو مسرح يحترم نفسه كثيراً ويتطلب الجدية ليكون جاداً فعلاً في عطائه (الكوميدي) المطلوب!
ليس لي المجال في تعداد أعمال كثيرة أعنيها في إشارتي هذه فهي فعلاً كثيرة بعضها ما قدمته الفرقة القومية والبعض الآخر ما قدمته الفرق الأهلية المثابرة بل والمجاهدة في مجال الثبات على أسس المسرح الذي يحترم نفسه أقول ذلك مرة ثانية·
وفيما تقدمه كلية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة·· ومنتدى الشباب وغيره·
هذه الأعمال المسرحية تظل·· وفي أفضل الظروف الصعبة فهي تعاني الخدر تارة والتردد تارة أخرى في أن تقدم العرض المسرحي في فراغ جماهيري·· إن جاز هذا التعبير·· إنها تفكر أو يفكر أصحابها وفنانوها بعيداً عن (الدبق) أو السلوك ··· الذي يجذب الجمهور على حساب القيمة المسرحية الكريمة·· تظل صعوبات نقف أمامها من خلال الروح الإنتاجية نفسها والتي كثيراً ما تحسب حساب (المردود) المادي من هذه المسرحية أو تلك·· حتى أن حماس تلك الروح له ضعيفاً أو خابياً··
إن المتابع للأعمال المسرحية الجيدة التي أشرنا إليها أردنا أم لم نرد تعيش ظروفها الصعبة ابتداء وحتى يوم العرض بل خلال العروض المسرحية أيضاً·· عكس الأعمال الأخرى التي تظل مدللة توفر لها الظروف المناسبة وتعيش الراحة وبحبوحة وجودها··
الذي أثارني إلى الحديث عن هذه التجربة الصعبة والتي دعوتها بـ(العامة) لا الخاصة·· إحساسي بالوفاء للكثير من الأعمال التي لم ترد في سياقات حديثي عن عدد قليل فهو ما قرأته في الجمهورية يوم السبت 15/12/1990 من خلال الاستفتاء الذي قامت به الصفحة عن أفضل الأعمال المسرحية التي شاهدها عدد من الناس خلال عام 1990.· الذي ألمني وألم الكثير من العاملين في المسرح تلك الردود والأجوبة من البعض والتي تدل بجلاء على عدم الجدية في موقفهم من المسرح جملة وتفصيلا وكأن المسرح ليس واجهة ثقافية مهمة تعنيهم مثلما تعنيهم فروع الثقافة الأخرى·
أكثرية الأجوبة تشير إلى الإهمال الواضح في موقف بعض مثقفينا وبينهم من يقصد في موقفه المسؤولية الثقافية·· وأقول··! المسؤولية·· سواء أكانت تلك المسؤولية رسمية أم غير رسمية·· إذ ليس من المعقول إطلاقاً أن يقول بعضهم (لم أشاهد مسرحية هذا العام على الإطلاق!) وأنا أؤكد أن هناك مسرحيات مهمة جديرة بالمشاهدة والمتابعة والتبني من المثقفين لها ليساهموا بدورهم في الدعوة إلى مشاهدتها!
أو من يكون جوابه·· عن أفضل مسرحية شاهدتها:
(لا يوجد ما يستحق المشاهدة!).
16/12/1990
14/1/1991
تجربتي مع الثقافة والترجمة
نقاط تحول
أمجد حسين
في البدء، لا بد من الاعتذار عن رجوعي المتكرر لكلمة أنا في حديثي اليوم، بيد أن عذري قائم على أساس ألا مجال لفصل الذات عن العام في سياق كهذا·
أنا من عائلة بغدادية متوسطة الحال اقتصادياً، أو منتمية إلى الطبقة الوسطى، غير أن السمة التي عرفت بها هي أنها عائلة قرِّيئة (خصوصاً قبل اجتياح التلفاز ووسائل الاتصال الأخرى)· فكانت دارنا مليئة بالكتب المتنوعة التي لم يكن سيل تدفقها لينقطع، بما في ذلك المجلات الأسبوعية والشهرية مثل (الرسالة)، (الأديب)، (روز اليوسف)، (مسامرات الجيب)، (النفير) وغيرها، حتى صارت أشبه بمكتبة عامة يستعير منها الأقارب والجيران·
وفي هذا الجو شرعت منذ سن مبكرة بقراءة الروايات المشهورة يومذاك (أربعينات القرن العشرين) مثل (الأميرة فوستا)، (باردليان)، (الفرسان الثلاثة)، (بائعة الخبز)، فضلاً عن (آرسين لوبين) ومثيلاتها·
ثمة سمة عائلية أخرى: كان الفكر العلماني هو السائد، فمع أن والديَّ ملتزمين بالفرائض الدينية العامة، إلا أنهما لم يمارسا ضغطاً على أبنائهما باتجاه الالتزام الديني المفرط· صحيح أن الوالدة كانت تصحبنا أحياناً لزيارة ضريح الإمام موسى الكاظم، حيث كنا نقلد ما كان يفعله الكبار داخل الحضرة إلا أن متعتنا (ونحن صغار) كانت في التوجه بعد الزيارة إلى سوق الكاظمية لتناول كبابها الشهي·
فضلاً عن هوسنا بالقراءة، كان لنا ولع بالموسيقى عن طريق الراديو والغرامفون، بل أن أحد إخوتي، وكان موظفاً في مديرية السكك الحديد، استعان بمدرس سويسري الجنسية (كان أستاذاً في معهد الفنون الجميلة) ليعلمه عزف الموسيقى الكلاسيكية على آلة الكمان· فكان المدرس يأتي إلى دارنا مرة في الأسبوع لذلك الغرض لقاء أجر كان يقضم جزءاً لا يستهان به من راتب أخي· كما أن ولع أفراد العائلة بالموسيقى أدى إلى نشوء تكتلات متنافسة: الوالد يناصر المقام العراقي، وكتلة تتحالف مع أم كلثوم وعبدالوهاب، وأخرى تجد مثلها الأعلى في أسمهان وفريد الأطرش، ثم ائتلف الجميع تحت راية (فيروز) دون التخلي عن الولاءات الأولى·
لعل الموقع الجغرافي للسكن كان ذا تأثير أيضاً· فمن الكرادة الشرقية إلى العيواضية (العلوازية) إلى الأعظمية ثم الشالجية (دور الضباط، أي كبار موظفي مديرية السكك)· ففي العيواضية كنا نتطلع إلى دور كبار السياسيين على ضفة دجلة ونحظى برؤية الملك غازي متجولاً بسيارته المكشوفة (دون أن تلاحقه الشائعات بأنه كان يفعل ذلك تبختراً أمام أعين صبايا الحي!)· وفي الأعظمية (طيلة عقد الأربعينات) حلت عائلة العقيد كامل شبيب في دار مجاورة لنا فتوثقت علاقة العائلتين حتى إن عائلته نقلت إلى دارنا (قبيل تنفيذ حكم الإعدام به) الكثير مما يخصه (مثل سيفه ونياشينه وبدلاته العسكرية) خوفاً من مصادرة السلطات لها خصوصاً وأن جارنا الآخر كان مديراً للشرطة هو عطا عجاج·
نأتي الآن إلى نقطة التحول الفكري الأولى في حياتي: كنت طالباً في الصف الثالث المتوسط (التاسع حسب التسميات الأخرى) في ثانوية الأعظمية· كنت أصغر الطلاب سناً، وربما أكثرهم طاعةً وأدباً· كان م· الجبوري مدرساً لمادة الدين· وذات يوم كان يشرح الآية القرآنية: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً وآنذاك تحرك في داخلي فضول لاستيعاب المدلول المطلوب، فرفعت إصبعي، فتساءل الأستاذ: شكو؟
قلت: بس هذا حرام، أستاذ
- شنو؟!
- حرام·· لأن هناك في الأساس نية لإنزال الهلاك بالقرية، فكانت الوسيلة هي نشر الفسق الذي مارسه أمراؤها المعينون لهذا الغرض·· إذن، ما ذنب أهل القرية الذي برر تدميرها عن بكرة أبيها؟
لن أنسى، رغم مرور ما يزيد عن ستين عاماً، ردة فعل المدرس·
فقد تجمعت قسائم وجهه وصار فكاه يصطكان عصباً، ثم جاء صوته فحيحاً: إطلعْ·· كافر·· زنديق·· إطلع بره! وكانت تلك المرة الوحيدة التي طردت فيها من قاعة تدريس طيلة حياتي· وحينما غادرت الصف مذهولاً طفقت دموعي تسيل، ثم بدأت مشاعري، شيئاً فشيئاً، تتحول من الألم والمذلة إلى الغضب الإيجابي، واتخذت مع نفسي قراراً مفاده: إسمع يا أمجد: إذا كان أستاذك المتخصص لم يفلح، فعليك أنت، وحدك، أن تبحث عن الحقيقة حتى تقتنع وهذا ما شرعت بتطبيقه على امتداد حياتي·
بعد إنهائي التعليم الثانوي (الفرع الأدبي، الأقرب إلى اهتمامي والأرحب مساحة في نظري يومذاك) بمعدل عال يؤهلني للدخول إلى كليات (الحقوق) و(التجارة) و(الآداب) فضلت (دار المعلمين العالية) لسببين: سمعتها الثقافية الواسعة (في الأدب على وجه الخصوص)، ووجود عدد كبير من الأساتذة البريطانيين في قسم اللغة الانكليزية فيها، وهو القسم الذي كان يجتذبني أكثر من غيره·
في (الدار) انهمرت الثقافة (الأدبية في البدء، والعامة لاحقاً) من روافد متعددة:
1- اختصاص (اللغة الانكليزية وآدابها) الذي فتح لي أبواب الجنة الأدبية الانكليزية (والأمريكية) بلغتها الأصلية.
2- أن هذا الفتح جاء على يد ناطقين أصليين للغة الانكليزية لم يبخلوا على طلبتها في التمرين اليومي لممارسة هذه اللغة حديثاً وكتابةً ولا في تفتيح عقولنا (أو في الأقل عقول الراغبين) على ثقافات وأفكار وممارسات كانت بالنسبة إلينا أرضاً بكراً وأحياناً أرضاً حراماً.
3- الجو الثقافي التقدمي اللبرالي (اليساري، كما كان ينعت يومذاك) في صفوف غالبية طلبة (الدار) وبعض من أساتذتها· فمن الشعراء الذين عاصرتهم لميعة عباس عمارة، عبدالرزاق عبدالواحد، سعدي يوسف، كاظم نعمة التميمي، محمود عبدالوهاب، وعشرات غيرهم· ومع أن بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي كانوا قد تخرجوا قبل التحاقي بالكلية، إلا أن عبق أشعارهم كان لا يزال يملؤها·
في سنتي الأولى، بل في الأيام الأولى منها، حدث ما ذكرني بمدرس مادة الدين في ثانوية الأعظمية· كانت ثم مادة مفروضة على طلبة جميع الأقسام (الأدبية والعلمية) هي مادة (التأريخ الإسلامي)· وكانت توقعاتنا منه سلبية على أساس أننا درسنا التأريخ الإسلامي بكل تفاصيله على امتداد سنوات التعليم الابتدائي والمتوسط والإعدادي· أما كان ذلك كافياً؟ بيد أن المفاجأة تمثلت في حقيقة أن أستاذ المادة (الدكتور محمد الهاشمي) الذي أطل علينا في أولى المحاضرات كان يحمل في داخله (السلبيات) عينها حين استهلها بقوله: اعلم أنكم غير مرتاحين لفرض هذه المادة عليكم· لكنني لن أعيد سرد التأريخ الذي تعرفون فتأخذكم سنة من النوم أثناء محاضراتي! لا· ستكون طريقتي كالآتي: سوف أطرح عليكم نقاطاً تأريخية مثيرة للجدل، فيختار كل ثلاثة أو أربعة منكم نقطة، يراجعون المصادر بشأنها، ثم يخرجون باستنتاجات على هيئة تقرير يتلى أمام طلبة الصف وتجري مناقشته
وأتذكر من حزمة المسائل الخلافية التي طرحها علينا ما يلي:
1- هل كانت للفتوحات الإسلامية (في مجرى التطبيق العملي) أغراض اقتصادية نفعية فضلاً عن أغراضها الدينية المعلنة؟
2- هل المسلمون الفاتحون هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فما هي مسوغات حرقها؟ بداوة الغزاة وأميتهم، أم تطيرهم من الفكر غير الإسلامي؟
3- الوحي: هل أن الآيات القرآنية أنزلت على محمد بالصورة التي توارثناها؟ أم (كما يرى بعض المستشرقين) أن الوحي لم يكن سوى نتاج مجموعة عوامل أخرى، منها إن محمداً كان بطبيعته ميالاً إلى العزلة في الصحراء، وإن الثقافة الوحيدة المعروفة في مجتمعه يومذاك كانت ثقافة قصص التوراة والإنجيل (التي حفل بها القرآن في ما بعد) حيث كان لليهود وجود مكثف خصوصاً في الطائف ويثرب (علاوة على تأثره بالثقافة اليهودية/ المسيحية المنتشرة في بلاد الشام حينما كان يحل فيها لأغراض تجارية)، فكانت نتيجة هذين العاملين أن محمداً، مع هبوب الريح وانبعاث أصوات من رمل الصحراء المستثار، كان (يتراءى) له أنه كان يسمع (آيات)، فينطقها، ثم يمليها على (كتبة الوحي)؟
أذكر شيئاً آخر، كان المستر زبدي (رئيس قسم اللغة الانكيلزية يومذاك) يدرّسنا مادة (تأريخ الأدب الانكليزي) في السنة الأولى· وحينما تطرق حديثه لتعريف سمات جورج برنادر شو قال إنه كان مؤمناً بالاشتراكية الفابية (Fabian Socialis)· لكن المستر زبدي أقدم على إتيان حركة مسرحية حينما ذكر كلمةالاشتراكية (وكان ذلك في العام 1949-1950)، إذ توجه إلى باب الصف، ففتحه ثم مدّ رأسه خارجاً ليتأكد من خلو الممر من (المتنصّتين)، ثم أغلقه· إذن، الاشتراكية من المحذورات إن لم تكن من المحرمات· لماذا؟! الجواب يستدعي فهم الاشتراكية ومبررات عدّها من (التابوات) يومذاك·
كان مرسم الكلية من ينابيع الثقافة، خصوصاً إذا علمتم أن مسؤول المرسم كان جواد سليم، ومنه (ومن الرسامين الآخرين) نهلنا الشيء الكثير عن مدارس الرسم (الأكاديمية، الكلاسيكية، الانطباعية، السريالية، التجريدية، التكعيبية، الواقعية··· الخ)·
كما حظينا بالتعلم على أيدي قامات أكاديمية - ثقافية كبيرة، منهم جبرا إبراهيم جبرا، ناصر الحاني، صفاء خلوصي، نوري جعفر، عبدالعزيز البسام، عبدالكريم الدجيلي·
في قسم اللغة الانكليزية (وهو القسم الأنشط في الكلية) شكلنا فريقاً تحت اسم (جماعة الموسيقى Music Group)· اتفقنا مع (المجلس الثقافي البريطاني British) Council على تنفيذ برنامج أسبوعي يأتي بموجبه أحد موظفيه (المستر إيلاند) كل عصر ثلاثاء مصطحباً جهاز غرامفون كهربائياً ليسمعنا قطعة موسيقية كلاسيكية (سمفونية، كونتشيرتو، افتتاحية، أوبرا··· الخ)· بعد أن يقدم نبذة عن القطعة ومؤلفها· وكان عميد الكلية الدكتور عبدالحميد كاظم، المثقف المتنور والحداثي، قد وافق على تخصيص غرفة استراحة الطالبات لهذه الفعالية التي لم تجتذب طلبة القسم فقط بل صار يحضرها طلبة من أقسام أخرى ومن خلفيات ثقافية أكثر تواضعاً·
وهنا يجدر ألا أغبن أهمية الأنشطة الثقافية التي أبدع فيها طلبة الأقسام الأخرى من خلال (اللجنة الثقافية) التي كان يرأسها الدكتور شريف عسيران، مثل المسابقات الشعرية والمسرحيات (كانت الممثلة زينب - واسمها فخرية عبدالكريم - طالبة، وعبدالواحد طه موظفاً في الكلية) والمحاضرات (باهر فائق وفرقة المقام العراقي، مثلاً)، واغتنام كل الفرص لبث الثقافة الجديدة (كتحويل مناسبة المولد النبوي إلى احتفالية ضمت لأول مرة - علاوة على محاضرة مختصرة للدكتور مصطفى جواد - أغاني ودبكات وزغاريد··· الخ)·
وأخيراً، لا بد من التنويه إلى الأثر الكبير الذي تركه في توجهاتنا الثقافية قرب الكلية الجغرافي من (معهد الفنون الجميلة) - وبوجه خاص - من (المعهد الثقافي البريطاني British Institute) بمكتبته العامرة وفعالياته المسرحية والموسيقية والفنون التشكيلية·
بعد تخرجي في العام 1953 (بمرتبة الشرف) عينت مدرساً في متوسطة المسيب (70كم جنوبي بغداد آنذاك)· وفي المسيب التقيت مدرساً للغة العربية صار له شأن كبير في عالم الثقافة (والشعر خاصة) لا على مستوى العراق فحسب، بل في أرجاء العالم العربي وما وراء حدوده: مظفر النواب، حيث تشاركنا السكنى في دار واحدة وحب الطبيعة والثقافة بكل تنويعاتها· وفي تلك الفترة كان اهتمام مظفر بالرسم (خصوصاً في ريف المسيب) أكثر من اهتمامه بنظم الشعر، علاوة على ولعه بالغناء والموسيقى عموماً· ومن هنا نمت العلاقة الروحية بيننا إلى أن فصل من الوظيفة لرفضه التوقيع على ما سميت (البراءة من الشيوعية)· أما نظمه الشعر بالعامية فلم أسمع منه على امتداد عام كامل من التساكن سوى بيت واحد يخاطب الأثرياء:
صيح لك يبزي قهر، يبزي ظلم
يا اللي بنيتو قصور أحلى من اللقم
وحينما حاججته مداعباً: ألا تتمنى أن يكون لك قصر أحلى من اللقم؟ أجابني: بلى، ولكن ليس على حساب سكنة الصرائف
في أوائل العام 1955 نقلت إلى بغداد، وخلال العامين 1956 و1957 شرعت أنشر عموداً (هو في الحقيقة أطول من عمود ولكن أقصر من مقالة) كل أسبوع في جريدة (البلاد) التي كان يديرها آنذاك ابنا روفائيل بطي (بديع وكمال) تحت عنوان (ينابيع الأحرف الزرقاء) أتناول فيه قضايا، أو خواطر، فكرية وثقافية واجتماعية (لا سياسية)· والظاهر ان تلك الكتابات استرعت اهتمام بعض المثقفين، حتى جاءني ذات يوم (وكنت آنذاك مدرساً في ثانوية الأعظمية) أحد مدرسي اللغة الانكليزية (غانم حمدون) ليقول لي إن ثمة عدداً من المثقفين يودون التعرف عليّ· وكان ما كان، إذ تعرفت على (ثم صادقت) مجموعة تملك ثقافة موسوعية هائلة، منهم: علي الشوك، غانم حمدون، نوري السعدي، جميل لويس، بديع عمر نظمي··· وصرنا نلتقي مرةً كل شهر في دار أحدهم بالتناوب حيث نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ونناقش قضايا فكرية (في معظمها غير سياسية)· وبفضل تلك اللقاءات تعزز حافزي لمزيد من القراءة والتثقيف·
نعود إلى (ينابيع الأحرف الزرقاء) التي جفت (أو طمرت) في وقت ما من العام 1957، ففي ذلك دلالة سياسية· والخلاصة هي: حدث ذات يوم أن أوشكت سيارة (جيب) عسكرية أن تصطدم بسيارتي صدمة قاتلة لولا انحرافي بها بأعجوبة· وحينما أوقفت سيارتي وتوجهت إلى الجندي سائق (الجيب) لمعاتبته على قيادته الخرقاء، لم ينبس السائق بحرف· غير أن الضابط الجالس إلى جواره فتح فوهة فمه وأطلق عليّ بكل احتقار: إنقلع عدة مرات! طبعاً، لم يكن من الحكمة أن أرد على الضابط الوقح، فعدت إلى سيارتي مثقلاًَ بالإهانة، وتوجهت إلى وزارة الدفاع· سألت حرس البوابة عن الضابط المناوب (الخفر) في آمرية موقع بغداد، فأشاروا إليه جالساً في الحديقة الأمامية الكائنة وراء البوابة، سلمت عليه وعرفته بنفسي· شكوت له ما جرى، فكان متعاطفاً وحاول تهدئتي ونسيان ما حدث· شكرته وخرجت دون أن تهدأ مشاعري، وفي تلك الليلة كتبت خاطرة بعنوان (بلادي في الحلم) عبرت فيها عن تراكمات سلبية كان معظم المتسببين فيها من ذوي البزات الخاكية· في الخاطرة خاطبت هؤلاء (دون تحديد ملامحهم): أرض العراق أرضنا وستبقى كذلك، دجلة والفرات ماؤنا، وهواء العراق هواؤنا·· وإذا كنتم اليوم قادرين على حرماننا، فأنتم غير قادرين على منعنا من أن نحلم ببلادنا على النحو الذي نتوق إليه·
في موعد (ينابيع الأحرف الزرقاء) نشرت (بلادي في الحلم) ضمن الفقرات الأخرى· وفي الأسبوع التالي ذهبت إلى مكتب جريدة (البلاد) لتسليم المادة التالية فإذا بأحد أبناء روفائيل بطي يفاجئني بخبر مفاده أن وزير الداخلية (سامي فتاح) استدعى ولدي بطي إلى مكتبه في الوزارة، (حيث نشر على طاولته صفحة (الأحرف الزرقاء) مسوِّراً (بلادي في الحلم) بخط أحمر ليطلب منهما تزويده بالاسم الحقيقي لأمجد حسين على أساس أن مضمون (بلادي في الحم) مغلف أشبه بالشيخ محشي، على حد تعبيره في حين أن هدفه كان التحريض ضد النظام· وبعد شيء من الدفاع عن مقصدي وكثير من الاعتذار للوزير استجابا لطلب الوزير بمعني من الكتابة في جريدتهما· ومن المعروف يومذاك أن روفائيل بطي وأبناءه، وبالتالي جريدتهم، كانوا موضع رعاية الدكتور فاضل الجمالي، ما يفسر التساهل النسبي الذي أبداه وزير الداخلية إزاء صانع الشيخ محشي!
في أواخر العام 1957 حصلت على بعثة من وزارة المعارف لنيل شهادة الماجستير في اختصاص (اللغويات/ اللسانيات التطبيقية Applied Linguistics) من جامعة فرجينيا (في شارلوتسفيل القريبة من العاصمة واشنطن)· وصلتها في شباط 1958· وبعد انقضاء أول فصل دراسي لي فيها قابلت في واشنطن الدكتور ناصر الحاني (الملحق الثقافي يومذاك والأستاذ السابق في دار المعلمين العالية) راجياً منه نقلي إلى جامعة أرقى· فطرح سؤالاً عن السبب، فأشرت إلى درجاتي العالية في أول فصل دراسي لي في (فرجينيا) ما يجعلها (في نظري آنذاك) لا تشكل تحدياً كافياً لي· نظر إليّ الدكتور ناصر وقال بلهجته العبوس المعهودة: يعني تريد جامعة تكسّر راسك؟ قلت: نعم وفعلاً حصل لي على قبول في جامعة (ستانفورد) في كاليفورنيا· نزل عليّ الخبر نزول الصاعقة المصحوبة بمطر على أرض جدباء: مزيج من الفرح والخشية، كان اسم (ستانفورد) يتلألأ في سماء الجامعات الأمريكية، مكانةً وعمقاً وصعوبةً·
شكلت (ستانفورد) نقطة تحول باتجاه الانطلاق نحو آفاق ثقافية، وبالتالي فكرية، أرحب· صعوبة الدراسة فيها ناشئة عن حرص إدارتها على ديمومة مستواها العالي· من ذلك أن السنة الأكاديمية مقسمة إلى ثلاثة فصول (Quarter System) لا على أساس فصلين (Semester System)، أي أن على الطالب أن يدرس في ظرف ثمانية أشهر ما يزيد بنسبة 50% عما يدرسه طالب في جامعة أخرى ضمن المدة عينها· ليس هذا فحسب· كانت نوعية الأساتذة مذهلة، والنشاطات الثقافية راقية وحاشدة، إضافة إلى قربها من سان فرانسيسكو، عاصمة الثقافة على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة حيث سيل المعارض والمسرحيات والحفلات الموسيقية ومحاضرات الشخصيات القادمة من جميع أرجاء المعمورة لا ينقطع· وبالنسبة إليّ كانت تلك جنتي على الأرض، مع أنها -مع الأسف- لم تكن كذلك لبعض العراقيين·
أذكر لكم هذه القصة الطريفة: ذات يوم قرأت في الصحف أن معرضاً يضم كماً كبيراً من لوحات (فان غوخ) جمعت من متاحف العالم سيقام في سان فرانسيسكو، فهاتفت صديقاً عراقياً جامعياً يقيم في سان فرانسيسكو نفسها، وأخبرته باعتزامي القدوم بسيارتي والمرور على شقته ليصحبني إلى المعرض· فكان جوابه: دروح عمي·· آني وفان غوخ كجا مرحبه؟ روح إنت اتفرج ومن تخلّص تعال عندي: أبو عايدة (ناصر الحاني) دز لي بطل عرق وأم عماد دتطبخ باجة للعشاء!)· الشخص نفسه كان قد أمضى ست سنوات في ستانفورد للحصول على الدكتوراه في اختصاص التربية، لكنه أخفق مرتين في اجتياز (الامتحان الشامل) الذي يسبق كتابة الرسالة (الأطروحة)· وعشية المحاولة الثالثة بذلت جهدي لإقناعه بالتحضير الوافي قبل مقابلة لجنة (الشامل الشفهي)· وحينما خرج سألته عن مجريات الامتحان، فكان جوابه: يا معوّد، ذوله شادّين عداوه ويايه·· تصور واحد منهم يسألني: إنت من بلد نفطي، إشرح العلاقة ما بين النفط والتربية أكو هيجي سؤال خبيث؟! إشجاب النفط على التربية؟ أكيد هذا الأستاذ يهودي!؟
وكان تعليقي المشحون غضباً: إبن الأودام··· لولا نفط العراق هل كان بالإمكان ابتعاثك إلى ستانفورد للدراسة؟