eKtab
EN ع
أحبك ولكن
اقرأ عينة مجانية

أحبك ولكن

بقلم أنس نعيم اشتيوي

صفحة 1
المقـدمــة
 
هي:
 
أحبكَ بكل الكلمات التي تبحر اشتياقاً رسائل بين أرواح عاشقين هما أنتَ وأنا،
 
أحبكَ في تلعثم لساني واضطراب سؤالي عن مراسيم استقبالكَ كل يوم وأنا التي أتحضر لك زائرةً دائمةً في عالمك،
 
أحبكَ في التاريخ أسطورة حاضرة في الذاكرة إحساساً دائماً بك يستعصي على النسيان،
 
أحبكَ في دروس اللغات لغزاً يلهم الشعراء فنون الشعر ويسميك عنوان قصيدتي وكل بحورها والخاتمة،
 
أحبكَ يا سكون النفس وهدوء الروح واطمئنان القلب، أحبكَ وأنت الفردوس من الأرض والملاك من البشر،
 
أحبكَ في توازن شخصك رجلان؛ رجل يحبني فهو عاشق متيم بي وآخر صامت تحسبه فاقد الشعور ولكنه كل الشعور،
 
ولكن:
 
أصبحتُ أخاف الشعور والحلم وكل الأشياء الجميلة، ما يعني كل ذلك وأنت لم تعد موجوداً كما عرفتك إلَّا في ذاكرتي حلماً مع الفجر وذكرى أسرقها من الماضي مع صوتك أو عطرك أو حضور جسدك، قد نسيتني في غيابك وفي حضورك فأبدعت النسيان وأصبحتُ أنا أكره كلمتك الجديدة الدائمة "أنا وأنا وأنا"، فيا صاحب الأنا أحبكَ ولكن شمعة قلبي أوشكت أن تنطفئ وكل ما تفعله أنك تبقى تلعن الظلام، وقد خنتني مع كل انعطاف في شعورك ومع كل انقلاب في سلوكك ومع كل تحول في فهمك إياي.
 
هو:
 
أحبكِ في كل النجمات حكاية عنوانها أنتِ تبدأ مع الغروب وتروي للشروق أنكِ في القلب،
 
أحبكِ يا صباحي ويا مسائي وأنت تهمسين في أذن الشوق بأنك أكبر مما تروي حكايات العشق عنك،
 
أحبكِ مع الموج صوتاً يأتي من الأعماق مع نبض البحر يجعلك أحلى روايات السلام،
 
أحبكِ في إهداءاتي تواقيعَ تذكرني بأنكِ هدية من الله لي، فأحمده وأضحك على هداياهم يا أغلى هداياي،
 
أحبكِ مع الأسرار سرَّاً أخبِّئُه عن نفسي في أعماق القلب ثم أفضح سري فتطير نفسي بهذا السرِّ فرحاً في كل مرة،
 
ولكن:
 
أنتِ ما عدتِ تدركين نبض قلبي وما عدتِ تكترثين بي فأصبحتِ كجمود الماء الراكد يلوثه أي شيء ويعكر صفوه أقل الحركات، تنقصه الروح وتعيش كائناته في سكون الموت تحسبه السكينة وما هو إلا زمن ضائع من عمرنا له نفس لون وطعم ورائحة الخراب؛ الجدال نفسه "أنتَ وأنا وأنا وأنت"، أحبكِ يا أنتِ ولكن إهمالكِ لي وعدم اكتراثكِ بي قد أعيى كل الشعور تجاهكِ وأدمى كل إحساسي بكِ وأفقدني ثقتي بنفسي وبكِ وبكل الأشياء.
 
***
صفحة 2
اللوحـة الأولى
 
هي:
 
ويرفض كبريائي سيدي أن تعترف أمامك أنوثتي بحبك، فنحن معشر حرائر النساء نستمتع بشغف الرجال بنا بتعلقهم فينا بعشقهم لنا، نستمتع بأن نكون سيدات وملكات وأميرات للرجال ولا نرضى بأشباههم، نستمتع بلحظات الأُنس والقرب ولحظات الدلال والحب، نستمتع بالأوقات يعيشها رجالنا بنا ولنا ومن أجلنا، لكننا نبقى نخاف مما بعد ذلك، نخاف الخيانة والهجران، نخاف الفراق والرحيل والنسيان، نخاف أن نصبح مجرد أشياءٍ يعلقها الرجل على حائطه أو يضيفها ذات الرجل لمجموعة أشيائه الأخرى، ينقلها من زاوية لأخرى يزين بها بيته وحياته ونخاف أن نصبح ضيفات على سفرة عشائه؛ لنعيش على طريقته ونلبس على طريقته وننام ونأكل ونتحدث ونضع الماكياج حتى على طريقته.
 
ونحن دائماَ يا سيدي نصلي لله أياً كانت دياناتنا ومراحل عمرنا بأن نعيش قصة الحب الأبدي حتى وإن أصبحنا جداتٍ لا نجيد من دنيانا إلَّا الدعاء لله وتقبيل الأحفاد والحفيدات؛ فنحن وقتها نبقى نحتاج الحب بل نصبح نعيش بالحب ونقتات على الحب.
 
أرأيت سيدي لمَ أنَّ كبريائي يرفض بأن تعترف أنوثتي بحبك وعشقك والتعلق بك، وهل علمت مولاي أنني أفكر ألف مرة قبل أن أتسلل بخيالي في عتمة الليل وسكون الخلائق لملاقاتك بعد ألف اعترافٍ حقيقي منك بحبي وبعد ألف شهادةٍ مصدقةٍ من عيونك بالتعلق بي؟
 
سيدي لا تغضب مني فغضبك يقتلني كما كان صمتك يخنقني فيما مضى، لكنكم أنتم معشر الرجال على قوتكم قد يسهل عليكم أن تنسوا حبكم وأن تتناسوا عشقكم ووعودكم وأن تغادروا لحقولٍ جديدةٍ خضراءَ يانعة، بعد أن تفتقر حقولنا وتجف مياهنا وبعضكم قد يغادر حتى قبل ذلك.
 
سيدي أنت برجولتك وفي أحسن حالاتك؛ قد تصبح كأبطال حكاية ألف ليلة وليلة، بعد أن تزينك الأنثى شهرزاد في كذبات حكاياتها وتبقي النوايا حبيسة النفوس غير معلنة وتخبِّئ حزن صوتها تحت رداء فرحة الناس بالعيد، وأنا! أنا يا سيدي شهرزاد ألف ليلة وليلة التي تخشى أن تكون ليلتها المقبلة هي ليلتها الأخيرة في لحظة قد تعجز فيها عن إرضاء رغباتك، ذات الليلة التي قد يعلن الهلال أنها ليلة العيد فيفرح الجميع ويعلن شهرياركم بفخر نبأ على الملأ وينطق بسهولة عبارته الشهيرة: "أيها السياف أخرج سيفك وقم بعملك" فآلم أنا ويموت كل ما هو جميل داخلي. أمَّا هو فيشعر ببقايا رجولته وقد يبحث من جديد في حربه مع ذاته عن انتقام آخر من سليلات حواء.
صفحة 3
وفي اليوم التالي؛ يوم فرحة العيد حيث تشرق الشمس على استحياء إثر الجريمة التي وقعت، يستيقظ هو صباحاً ضاحكاً متناسياً ويبدأ بالبحث عني كأنَّ شيئاً لم يكن فلا يجدني ويجد تحت وسادته وصيتي؛ وصية شهرزاد أن "اعتنِ بنفسك مولاي" فتتحطم تلك البقايا المهزومة منه على صخرة متاهات عنفوانه الزائف، فيكون خنجراً -وبدون قصد مني- إيلامه أشد إيلاماً من خنجر الخيانة، ليموت مرة بسبب خيانتها وألف مرة بسبب ضعفه وضياعه عن نفسه وعني.
 
هو:
 
شهرزاد؛ عفواً ولكن دعيني في هذه الليلة أقصُّ على مسامعك إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، أقصها وأنا أدللك وأطعمك بيدي كما كنت تفعلين في كل الليالي الماضية؛ أطعمك الفاكهة التي ترغبين وأسقيك العصير الذي تحبين.
 
تعالي؛ اقتربي؛ اجلسي هنا واطمئني؛ ليلنا طويل جداً فاسمعيني بقلبك؛ اسمعي قصة العاشق وحكاية الحب كيف أنه يحيي القلوب وينبت الورود في الصحراء وعلى سفوح الجبال وأثناء تساقط ثلوج شباط، يكسو القلوب بالفرحة ويملأ النفوس بالسعادة دونما شرط أو ميعاد.
 
فقد بلغني أيتها الملكة السعيدة ذات الرأي الرشيد أنَّ ملكاً يعيش في هذا الزمان؛ ملكاً قد ملَّ ملكه وعاف جاهه وما عاد يرى في كل سلطانه راحة للبال ولا هدوءاً للنفس وما عاد يترقب إلَّا رحمة من ربه وميتة سريعة يصطبر على سكراتها، ولولا أن حرَّم الله قتل النفس لقتل نفسه ألف مرة في كل امرأة أباح سفك دمها، معتذراً إلى أرواحهنَّ عن قبح فعله وبؤس حاله وسوء عمله وضعف رأيه وزوال حكمه وهوانه على نفسه وعلى الناس، مبرراً لهنَّ في أنَّ الخيانة التي عاشها تستحق الانتقام من كل امرأة بل من كل شيء مؤنث؛ وأنَّ هذه الخيانة كانت خنجراً قد طعن رجولته وسكيناً قد قتلت مروءته ووأدت سمو نفسه، ليصبح أشدُّ الرجال قوةً وعزماً جسداً ضعيفاً ينتشر فيه المرض كانتشار الإشاعة ساعة الحرب في بيئة الخوف والفقر والجهل.
 
عاش ذلك المسمى شهريار في ذلك زمناً طويلاً يبحث عن شفاء زائف في الانتقام من سليلات حوى فهنَّ كما كان يراهنَّ داء الدهر وفتنة الرجال، إلَّا أنه جاءني أيتها الملكة من أخباره أن أحواله تغيرت فيروي الرواة ويتحدث المتحدثون عن حكايته الفريدة وأنه في آخر أيامه كأن سحراً طيباً أصابه فتغيرت حاله وعادت الحياة تعنيه بأدق تفاصيلها، فالعطور والبخور تملأ أرجاء قصره وغادره الهمُّ ورحلت الكراهية من نفسه وسكنت الطمأنينة فكره وملأ الحب قلبه، فما عاد يذكر من ماضيه إلَّا دعاء أمه "أن حماك الله بني" ولا يحس به قومه إلَّا وهو يردد أشعار المحبين ويدندن ألحان العاشقين ويقسم على نفسه صباح كل نهار ومساء كل ليل لامرأة بأنه لن يتزوج من النساء غيرها ولن يحب من النساء سواها.
صفحة 4
نعم سحرته شهرزاد؛ سحره نقاء سريرتها وخجل أنوثتها وعذوبة نفسها، فمعها يعيش صفاء روحه وشباب حبه، يستمر ذلك حباً أبدياً وإن اكتسى رأسه ببياض الثلج وغادرتها ملامح ضحكتها لترتسم سنوات العمر الطويلة على تعابير وجهها.
 
هي:
 
مولاي شهريار! ماذا كنت تقول؟ سامحني فقد غفوت على أريكتك فأنا متعبةٌ جداً، فلم أنم منذ ألف ليلة وأردت أن أنام في المكان الوحيد في القصر الذي لا أخاف فيه بطش سيافك، لكنني سمعتك في لحظات يقظتي من غفوتي تهيم بي عشقاً وما ألفت ذلك منك أيها الملك، إذاً هي الصبابة والوجد ما منعك من النوم على أريكتك المخملية طوال الألف ليلة الماضية وأنا أسرد كل تلك الحكايات! هذه خيانة لأدبي سيدي إذ لم تكن حكاياتي هي ما أحيا ليلك وأنار ظلمته وأوقف يد السياف عن الدم.
 
سيدي ما عرفت من الرجال غير أهل بيتي، لكنني وأنا صاحبة صندوق الحكايا سمعت عن الرجال وعرفت من أحوالهم وأمجادهم الكثير، إلَّا أنني لم أألف منهم من لا ينام ألف ليلة ليجلس في حضرة البشر، أكل هذا من أجلي؟ أتحبني؟ أتحب امرأةً روت لك الحكايات لتطيل لحظات عمرها وتحاول عبثاً تأخير قدرها؟ أتعشق امرأة جعلتك وجهاً آخر للموت؟ وعلقتك على صدرها تعويذة تحمي عنقها من بطش السياف عندما تراه في كل أرجاء القصر يصقل سيفه ويبتسم وفي ابتسامته لون الدم ورائحة الموت، أتحب واحدة من آلاف رعاياك وأنت الملك؛ أنت الملك وأنا؛ أنا مجرد شهرزاد؟ وهل نهاية هذا الحب يا سيدي هو رفع من مقامي إلى مقامك أم تواضع من مقامك إلى مقامي؟
 
مولاي؛ أحترم حبك بل كنت دائماً أتمناه كما تتمنى كل النساء من الرجال الذين يسكنون القلوب وأدعو الله أن يمنحني إياك ذلك الدعاء الذي تدعو به نساء الأرض جميعهنَّ ليُمنحن رجالهن، لكنَّ هناك فرقاً كبيراً بين أن أبادلك الحب وأنت ملك تأمر وتطاع؛ وأمر الملك ووجوب طاعته بعيدة عن القلب وأسراره، والحب سرٌ من أسرار القلب وأمره خارج عن سلطان ملكك، وبين أن أحبك لأنَّك أنت وحدك الرجل الوحيد الذي لديه القدرة على أن يضع بين يدي مهري الذي أشاء.
صفحة 5
سيدي كل ملكك هذا ليس كافياً ليشبع غروري وهذا اعتراف أقدمه بين يديك بأنني امرأةٌ متعاليةٌ مغرورة، مولاي لأجلس أنا وإياك في نفس المقام وحتى نمارس جميع طقوس الحب عليك أن تقنعني بمهرٍ كبير جداً لم أجده يوماً في قصرك أو جيشك أو كل ملكك، مهري يا سيدي هو كوخ بسيط في إحدى القرى البعيدة عن سلطان ملكك، فيه طاولة طعامٍ ومقعدان خشبيان وحصيرة صغيرة وعريشة عنب معلَّقٌ فيها أرجوحة وشجرة بلوط كبيرة يتسع جذعها لحفر اسمك واسمي داخل قلبٍ واحد، مهري هو أن تتنازل عن جميع ملكك وأن ترمي من على رأسك تاج الحكم، وأن تعرٍّي أكتافك من رداء السلطان وأن تغادر قصرك وأن تمارس الزراعة أو الصيد أو ما تشاء من أعمال الرجال، أنتظرك أنا كل مساء على باب كوخنا فرحة بعودتك لي، ألقف منك معولك أو صنارتك وأغراضك الأخرى وأشعر بخشونة يدك تعبث بشعري وأنت تباركني، شعري الذي اعتنيت به لك وحدك فأنت يا سيدي وقتها ملكي ومليكي وسلطاني وكل شيء في دنياي وأنا كل دنياك وكل ملكك.
 
ذلك مهري؛ إن استطعت فأنا بانتظارك وإن لم تستطع فأنت وما تشاء وإن أردت أن تعيد الحياة ليد سيافك واللون الأحمر لسيفه فأنا بانتظارك أيضاً فليس بعد الموت موتٌ أيها الملك.
 
يصمت شهريار ويصيح الديك ويبقى شهريار صامتاً ويحتار السياف فسيفه لم يذق طعم الدم منذ وقت طويل فهل يبقي سيفه جاهزاً، أمَّا شهرزاد فتبقى تنتظر الحب أو الموت.
 
شهريار:
 
في صمته حار فكره وما حاد قلبه عن عشقه، فجاب شهريار بعقله في عوالم شتى وضاق قلبه إذ شعر أنَّ طلبها ما هو إلا رغبة في الفراق، ففكر وقدر وقدر وفكر ولم يغادر زاوية جناحه من القصر تلك الساعات ومرَّ النهار وجاء الليل ولم تأت، فقد أنهت شهرزاد كل حكاياتها وقد كان قلبه يشتهي قدومها ويرغب برؤيتها رغبة العاشق.
 
هو ككل الرجال إذا أحبوا أصبحوا أطفالاً في أحضان من أحبوا وإذا شعر الأطفال بالخوف على حبهم ترددوا وإن ترددوا عادوا رجالاً، يستمدون من رجولتهم لغة الأرقام ويرتبون في دفاترهم وأوراقهم غير المرتبة أولوياتهم التي تكون فيها المرأة التي أحبوا ضمن مجموعة أشياء أخرى، فعالم رجولتهم عالم غريب، حتى الحب لديهم يقاس بالأرقام التي من الممكن أن تُجمع ومن الممكن أن تٌطرح؛ وشهريار هذا العاشق واحد من هؤلاء الرجال وبذلك يظل تردده بين منطق الرجولة وبراءة الطفولة وبين العقل والقلب ليغلب هذا تارة ويغلب ذلك تارة أخرى حتى تصبح صفحة الماء هادئة صافية تكشف ما فيها من حياة أو حتى يعتقد بذلك.