eKtab
EN ع
اهداب الخشية - عزفاً على أشواق افتراضية
اقرأ عينة مجانية

اهداب الخشية - عزفاً على أشواق افتراضية

بقلم منى بشلم

صفحة 1

مساؤك سعيد يا أنتَ

غدا بحول الله أسافر للعاصمة، سألقاها.. لم تكشف هويتها بعد لكني أحس أنها هي.. وبعد لقائها سأكتب قصتك، وقصتها، سأحاول سماع الحكاية منها وسأكتبكما إلى جوار بعض، ملتحمان دون تماس كأهداب العين.. متجاورة بامتداد طولي، كل رمش مستقل عن الآخر، مع ذلك قد تتلامس دون أن تختلط، وفي التشابك جمالها، وأعلق كل هدب بحرف من الأبجدية؛ إذ تجمع الحروف تتكشف لك العين وصاحبها، وحين ترفع بالقراءة الأهداب واحدا بعد الآخر تكتشف الرؤيا، لتعرف ماذا كانت ترى كل عين وما كان يرى كل راٍء..

لتنبني مدينتي الروائية مشابهة لمدينتنا الحلم "قسمطينة" بأقواسها المتتالية تقف فتتراءى لك من وراء القوس الأول أقواس ملتحمة دون تماس.

فكر بهندستي أجبني بعد عودتي بإذن الله

سلامي ومحبتي

منى

صفحة 2

الإهداء

إليكما

شهيدتا الجهل المطبق

كل من يشرع يكشف الحجب

يرحل جبرا للسماء أو للخفاء

تم الجزء الأول

8.11.2011

صفحة 3

إلى قسنطينة عشقا.. جرحا.. وهبة ربانية

إلى كلمة انكسرت تشردت أحرفها فما عادت تلفظ

صفحة 4

ل

طرقت بابك برهبة تلفها رغبة، انسحب بصري مهابة نظرتك المتعالية، قد يكون غرورك ما سحبني نحو هذا الباب، لكن ما دفع بـي من الخلف فأبدا لن أبوح به.

ولجت.. فالعتبات مُرهقة، أهاب الوقوف عليها، لذا قضيت عمري كله على عتبات الحياة، أتسلى بإرهاق صبري، وتحطيم الباقي من وجدٍ سكنني، مذ فتحت العيون على جسورها.. قسمطينة..

ورحلت مدينتي.. ومعها رحل الباقي من.. مني ربما..

وقررتُ أخيرا التنحي عن عتبات أشواقي، والاستقرار بالمتن، فما حللتُ إلا موتاً؛ قتلت فتى يتلهى بسويعات البراءة الأخيرة على امتداد خلته يومها لا منته للطريق السيّار.

نقطة هي الأولى وهي الأخيرة على عمري المؤثث شكا، ترددا، وتجوالا بين منصات العرض الليلي ومنصات حياتي الخاوية.

تمنيت لو أني أسجن، لو تسحب رخصة سياقتي

لو.. لو أنهم فعلوا بـي ما شاؤوا.. لكن رجلا يحيا في الظل ظللني.. ذاك كان أبـي، رجل لا ظلال، لا آثار، ولا رائحة له، حتى الكلاب الجمركية لا تعثر على وقوفه بمحاذاتها.

لن تتصورَ أن له أو لابنته سجلا إجراميا، نحن عائلة سراب نمر لا نخلف أثرا، ونحل لا نبدل لونا..

كما.. تماما كما لم أبدل شيئا بينك وبينك، مذ الحضور الأول.. لقاء الصدفة المرغمة على التلصص، كشَفتَ أوراقي و..آويتني كما لم يفعل أبـي.

أدخلتني هذا البيت الذي ترفعتُ عن عرائه وأفول زينته وتناثر كتبه. وعنك رجلا مددني على فراشه، وفر إلى كرسي يراقب نومي، أو ربما إغماءة كانت.

الليلة عدت لاجئة إلى السرير ذاته تمددتُ، ثم رفعت غطاءه وانكمشت في الزاوية الأنثى منه. أفسحتُ لك مساحة رجولية كافية، علمتُ سلفا أنك لن تتربص بها، أنك ما تزال زوجا افتراضيا لامرأة حلم تشوه وجه أحلامك.

أنك لن تدنو.. أنك أيضا شبيه السراب، مجرد ظل لرجل لا وجود له، لستَ أكثر من خيال يمر سريعا، أسود لا زنة له، لا عيون ولا آذان، ذاك أنت ياسر، أما ما جمعني بك، فـ..

تحضر كوب شاي، تضعه بدقة بين أصابعي دون أن تلامسها.. بنقمة العداء التي اعتدتُ منك تسألني ماذا أفعل في بيتك الساعة، وتزيد غيضي إذ تذكرني أنه وقت راحتك، وأنك رجل منهك لا وقت لديه لمسامرة فتاة مذللة فارة من عرس أخيها.

مع أنك تعرف أنه ليس بالأخ بل إنه ربيب الأب، وكنتَ تعرف أيضا أن الصدر آهة، وأنه لا يملك من الغضب ما يكفي لإحراقك، ورد إهانتك، كما فعلتُ دوما..

الآن فقط عرفت أني كنتُ سيلا من نار عليك، وأنك تتجلى لي وطنا بكل الغضب، بكل الشراسة وبكل الحدة التي لأنياب خوفي.

كانت انكسارةً ما ساقني هذه الليلة والكلمات لا ترافق الانكسارات، لا تشيعها إلى مثواها الأخير.. لا ترمي زهرا ولا ترش ماء على القبر. الكلمات للعمر، لربيع عمر ولى..

ماذا فعلوا بك لتعودي إلى هذا البيت.. لابد كانوا أفظع منه ومني

لم أناسب الرد.. مجرد فجيعة بين الضلوع لا مسببات لها، مجرد وجع لا جراح وراءه، لا خناجر ولا رصاص على هذه الجثة

الهامدة.

صفحة 5

يُتمٌ حل بـي دون أن أدري، مع أن والديَ على تعاط للحياة. شعرت أني عارية تماما.. أنيَ مسخ لا أشبه أحدا، ولا حتى كنتُ أشبه نفسي في ذلك البيت - الفيلا.. ولا عدت أشبهه مع أني كنت أتباهى بعظمته التي منها أستسقي للغرور؛ وافتضحتُ، تعرت مواضع العفة فإذا هي آثمة.. رُفعتِ الستائر فإذا الجوقة قردة وخنازير، وإذ بـي دمعة وحيرة، وشريد لا يعثر على جحر يخفي بين ظلمائه وجهه المشوه

وما كنتُ لأعترف لكَ..

فكل العبارات فراغ ما لم تخدش زجاج فؤادك.

أمام صمتي تقترف الكلام ولا تعتقني سخريتك:

- أعليّ أن أسأل ما الذي لم يفعلوه بكِ، أحضروا مغنيا غيركِ، فوّتوا على عليّة القوم فتنتك.. على السفراء والوزراء، والسيد الرئيس.. هل حضر الرئيس عرس أخيك؟

خاوية الردود، لن أرد إن لم أكن سأقطع لسانك بكلمة واحدة تلزمك عمر الصمت حتى آخر نفس، لن أقولها فهي اليوم لا تقتل.

- متى تنوين مغادرة بيتي؟

-. ...

- إن كنتِ باقية فتنحي عن سريري راغب بالنوم أنا

يرتفع صوته إخاله غضب أخيرا:

- على الأقل استحمي لا أطيق فوح النبيذ منك

كلمة واحدة تخدش زجاج قلبـي الرفيع، بل إنكَ أسقطته، فأنتصبُ عارية هنا أيضا.

خلتك المأوى فإذا أنت تهتك أستاري. تنحيت على عجل؛ حملت مفاتيح سيارتي، كما لم أحمل جثة قتيلي التي ما تزال عالقة بالذاكرة.. وقصدت العتبة.

عمياء العبرات على العيون، يصطدم العمى بجدار بشري يطوقه، يتدفق اليتم.. ينهمر.. يبرق.. يرعد لينتهي عاصفة جاثمة على الركبتين، حولها جسد أشبه ما يكون بممتص للصدمات.. الرجل الذي جعلتُ منه وطنا في غربة أوطاني، وظلا لأبـي الذي لا ظلال له.

انقشع الغيم، أفقت من غيبوبة أخرى بهذا البيت. لي مع هذه الغرفة تاريخ حافل غيابا عن الوعي. وجدته يضمني كطفلة لا كامرأة، ووجدتني ابنة له، مع أني طالما كنتُ تحديا أنثويا صارخا يلامس رجولته ولا يمنحها العرش، أو ربما هو من كان دوما يرفض أن يتوج بها.

لم أكن قد افتتحت البوح حين أغلقه وهو يخبرني أنه سيفتش عن بيت ثان إن هو قرر الزواج بـي يوما، لأنه في هذا البيت لم يكن إلا أبا لي.

غرزت في قلبه سخرية اللغة.. لغتي لا غير:

- تتزوجني.. أين.. على الفيس بوك مثلا...

أحلم.. المثقفون يتزوجون من كل أميرات الدنيا، ويسكنون قصور الكريستال.. لكن في أحلامهم فقط.. فاحلم...

ألتفتُ إلى سريره:

- قد أستورد لك سريرا مساحته ثلاثة أضعاف هذا ليسعك أنت وكل أحلامك..

- إلى أن تفعلي استلمي أنت نوبة الحلم عليه، لكن إياك أن تحلمي بـي، أو بصديقي فلسنا لك.

قد لا تكون.. أو لعلك أبدا لن تكون أكثر من الحلم، لكن هو..

ذلك الذي شرعت أقرأ تفاصيله رواية خيانة، كتلك الروايات المتناثرات على أرصفة هذه الغرفة، هو ما عاد يُشَكّل من حروف العشق إنه "شيء" لا يشبهني..

أنتَ.. وحدك أنت كنتَ صرخة بين الضلوع، كيف أرويك أو كيف يمكن أن أكتمك، فكل ما مضى مر سريعا قبل أن أنتبه له، وأنت بيدك كنت تخط حروفا ليست لك، تلك حروفي.. بل حروف الحياة التي أعيش؛ إنها عبارة مقتضبة لا تشبه عبارات روائياتك المطنبات.. هي حياتي.. وأنت رسمتها مذ رأيتك للمرة الأولى تلك المرة التي تلازمني مرارة لا ينسحب سهمها من بين فقراتي.

ياسر.. مفارقة بارعة بين اسم تحمله وطبع سكبت فيه. أتدري لو سألتني إحدى الروايات عنك لاكتفيت بلقائنا الأخير لتعرف الروايات أنك أعتى من الكلمات وأقسى من القدر، أنك وجع دون هوية محددة.

مع أنك لست أرفع مما خلتك دوما "السائق الخاص بـي" الذي سار بـي إلى الشاطئ آخر أيام الصيف بل ومفتتح الخريف، على الصخر وقفنا جنبا يواجه جنبا، وملامح العيون شبه غائبة، أطلعني على هوية لم أسأل عنها يوما، قال أنه أيضا قسنطيني، أتعي قسمطينة ما معنى أن يكون قسنطينيا، إنه بشكل شرعي أكثر مما يجب ند لي، ند أشبعته حد التخمة هوانا، الند انتقم حين بدا أن عليه الحنو.. تراها رعونة شباب أم أنها حسابات بدقة السياسي لا أخطاء بها.

كنتُ سأبادره حروفا شاردات، تطارد ظلاله، أنا التي لا ظلال لي.. ظللني، إطو عمري وضعه تحت أجنحتك..

لم يغادر الحرف الشفاه نحو إصغائك الغائب مذ وصلنا، بل سبقني بوحه.. خبرني أنه إليك قسمطينة.. يعود، أنه يودعني أنا.. أنا التي لم يمر فتى من بين الرموش إلا تعثر من العمر عمرا، وتاه من التيه جله..

إليكِ يعود.. تراها لعنتك أم أنه القدر.. أم..

بكل بساطة هو ياسر.. يقول أنه بكِ موظف و...

قاطعته ارحل أمرك لا يهم سأجد ألف ألف سائق غيرك

قاطعت قصته على عطش قاتل غص به الحلق حتى كاد يزهق الروح شوقا لكلمات أخر.. ولو لحروف أخر.

تكشف السر الذي لم أستقص يوما، لسبب من النفس متمكن، كان يسميه ياسر غروري السفيه. لم أسأله يوما من هو، ومن يكون، ولا حتى حاولت أن أنبش جذور لكنته القسنطينية الفاضحة.

حوله تلتف الأسئلة الحيارى، ومعه تسافر غدا، قبل أن أرفع النقاب الداكن عنها، عن عشق متصوف يحياه حلما.. بل وهما، لامرأة تزوجت من آخر، وخلفته رفات رجل لرفات امرأة، هي تحديدا أنا.. لم يسعه عشق غيرها.. أنثاه الحلم تلك.

أما أنا فما كانت تحل لي الفرحة وقد حرمت غيري منها، بل حرمته الحياة، وأطفأت كل نور وكل إحساس رقيق لعائلة قتيلي.

كان علينا أن لا نبدأ.. البدء عصي علينا، ثنائى إلى مواعيد مؤجلة.. معلقة على الاستحالة، غير أني ما خلتك ترحل قبل البدء خلت القدر يمنحني عمرا من الانتظار...

لم أدرك أن لا القدر ولا العمر ينتظران، وها أنت راحل..

تعود إلى مدينتي: "سلم على قسمطينة "هذا كل الذي وسعت الشفاه من اللغة، من كامل مفردات اللغة، فأنت كنت تسميها هكذا مفردات..

قاموسك انتقل نحوي بالعدوى المشوبة بالاحتقار، لشدة ما كنتُ أراقب كل كلمة تلفظها لأسخر منها دون أن أدري كنتُ أحفظها، وإذ بـي أكررها كما لو أني أكررك، لم يكن ممكنا أن أقول أنها لغة جميلة فأنت لا يمكن أن تشبه الجمال، إنك شيء.. بل مرتبة دونه، رغم وسامتك القسمطينية الملتهبة، دون المستوى دوما أنت..

صفحة 6

ك

دفقة غامرة كحظ الحياة، عبارة واحدة من عشق لافح.. أخرق لا نهايات له، رشفة غابرة من زجاجة عطر.. أدنو منها بكامل الرجولة التي ألهبتْ، إذ عطرها نبيد..

هذه أنتِ

تقاسيمك تهاجم الذاكرة سريعا، إنك.. المغنية، تلك المغنية أنتِ

وجهك أعرفه، وحمرة الخمرة على شفتيك، فستانك أيضا أعرفه، ما افتقدته فعلا الحكمة من عثوري عليك منتصف ليلي.

الليل آنستي لا ينقضي بين بصري وبصيرتي

ما الذي ألقاك على تلك النقطة حيث ينشطر فصين من ظلام لا ينتهيان، مغشيا عليك، مرمية على مقود سيارتك.. وأي حكمة كنتُ لأسوقك إلى سريري، وأحرم نفسي هناء إغماض عين البصر، وعيون الذاكرة للحظة هي بطعم الموت.. عندها تقف الآلام جميعا.

عطرك آنستي فاض أغرق الذاكرة.. أنعشها مع أنها لم تذبل بعد.. أفسحني مساحات شاسعات من ذكرى.. ذكرى لعطور امرأة أخرى، امتلكت الكلمات لتقول شبابـي بحرف واحد اقتلع الفؤاد، وأرداني عاشقا هائما بين ثرثارتها الافتراضية، والكلمات المستعارة من شويعرات رقميات، وصور بألوان دافئات تدرجها إذ تحس بعض فتوري فتعيد كيَّ قلبـي بلهفة الجسد، وما كنت أقوى على الفرار من إدمانها.. كلماتها تثور وتتمرد، وصورها تختلف وتتلاون، وكنتُ.. أنا كنتُ أركض بكل قوتي لأضبطها.

لأموت عشقا.. بينها وبينها

طال سفر الأمنيات نحوها، وما أرهق الجسد، كانت امرأة حلما

ربما كانت منذ البدء ذكرى وما أسعف البصر البصيرة

أحببتها آنستي.. أنا أحببتها حتى أبعد نقاط النفس. أحببتها وكلماتها قالت دوما أنها تحب حبـي لها

أتملكين حكمة كافية لمسح هذه المساحة من العاطفة، وتمشيطها حتى أغور مواطن الحقيقة فيها.

ما كنتُ أنفق حكمتي عليها.. شغفي بها أبقاني ثملا على امتداد العمر الافتراضي الذي لفنا.. وظلماءٌ ذاك العمر آنستي.. حتى وهي نوره.

الضياء لم يمتد لأبعد من عيوني، فلم أر منه قبسا، والحب لم يمتد إلى أبعد من فؤادي، جاوره، فاض من حوله فأغرقني.. وكانت تبتسم وتقول أنها تحب حبـي لها

ثم..

صفحة 7

تعثرت بك بين دفات عمرٍ مطوية مكتومة شبه آفلة، على رصيف أشبه ما يكون بالعمر، بصمت العمر، مغشيا عليك، منكفئة على مقود سيارتك، وعائدا إلى نفسي كنت بعد هيام بأزقة القصبة العاصمية، كل القصبات تتشابه، تماما كما تشابهنا لحظتها

ما كنا الرغبة كأي رجل وامرأة على عتبات الشباب.. بل كنا رهبة خالصة، خوفا من الأنا، أو خوفا من الآخر.. أو ربما خوفا من الغيب

خفت فيك ذاكرتي فذكر النساء يرهبها

نساء ذاكرتي ما كن ليلا أحمر، بل وجدا وولها

إلى أن انتهى العمر إليها، فأسكنته الخشية، واستطالت الخشية فحالت بين جسدي وجسدك.

بين الذراع والصدر كومتك وعلى فراش احتقرَته تقاسيمك مددتك، وانـزويت أتوجس منك الخيفة.. من وجهك الذي قابلت قبل سنتين.. ذات غمامة سوداء فاحمة مرت على العمر فأغرقته. كنتُ أغادر تلك التي لا تغادر الروح، حين أوقفتِ سيارتك، بينما أغادر موقف السيارات الجامعي، ولم أنتبه إلى أن الخطوات لا تبرحك، تعلقت نـزولك قمرا أو صاعقة أو مجرد امرأة ككل النساء، امرأة لا تشبه نساء هذا الحرم، فيض أريجك عم الموقف، وارتفع التسونامي فأغرق الجامعة كاملة. كنتِ الأولى.. والوحيدة التي ترمي بالحرير على مقاطع متناثرات من جسدها، فيتطاير يغوص فيه الحرم بكامله، يعبقه أنوثة.

رأيتك تحملين العود و تمرين، لا ترين من الدرب خطوة ولا للواقفين حظوة

يومها سألتُ من أنت..

يومها.. سخروا قالوا أنك القسنطينية العلم

واليوم يسخر القدر.. وأنا من يقول أنك قسنطينة.. قسنطينة أنت بكل ما هي

ذرية كان اسمك ودوريا كانوا ينادونك، والأنين بين النفس والنفس رددتك، قلتِ يوما أن لا تكسر المرأة إلا امرأة، وكسرتِها تلك الحبيبة السراب، أخرجتِها من الذاكرة بل وحتى من الفؤاد.. لكن ذرية

ما عاد مهما كل الذي كان، وليته يوما ما كان

ليتي ما لمحت ذلك القدوم، الذي حرك كل الذي كنت أسعى لترسيبه هنا.. بالنفس

كل هذه اللوعة والشوق لدفء الأنثى، بجسد رجل لم يعرف عن النساء أكثر مما تعترف به بطلات الروايات

من أمري لم أملك شيئا، سرت اتبع تدريبات فرقة جلها رجال اصطفوا خلف ظهرك، تنثرين عليهم رذاذ صوتك الذي لم يبلغني منه شيء. جاءتني إحداهن تحمل بطاقاتك الخاصة، تنثرك بشكل ما على صفحات نفسي، تروي عن جمعيتك الموسيقية، ثم تدعو لي رئيس الجمعية..

رجل سقتِه من المشرق جئتِ به لتجعلي منه واجهة براقة لتراث لم يكفك، فرصعته بهذا الرجل الأنيق اللهجة، ما بالهم كل فنانينا، أما أشبعوا شهوات الأمر والنهي من نفسك.

دوريا، أعضاء جمعيتك التفوا حول وقوف دهشتي وانبهاري يعددون نجاحاتك وأوسمة علقت بفنك، وتراهن دهشتي أنها أوسمة لجسد يصنع بصمت حضوره أعنف زلزال.

تربتُ يد المشرقي على كتفي يقول لا تطل التأرجح، فهي جسر بلا طرفين، من قطعه لن ينتهي إلى غاية أبدا

تبادلنا أرقام الهواتف، وأفاقت الغفلة على الفرار منك، فإذ أنا لا أنتهي إلا إليك، تقعين صدفة.. صدفة أخرى بين صفحاتي وأنا أتقاطع ومدير النشاط الثقافي بالجامعة بينما أرسم خطوة للفرار منك، فإذ هو يعيدني يقبض علي متلبسا بك، يسوقني دون أن يدرك إليك مقيدا، وهو يحسب أنه يهديني مسلكا لإتمام بحثي، فإذ أنت بين صفحات البحث خيط دخان يلوثها ويؤجل مسيرها نحو التمام.

ببالغ من كبرياء تدنين منه كأنك تتصدقين عليه بتلك اللحظات، تسلمين بلهجتك القسنطينية المنغلقة دون العالم بأسره، وكأنك من سلالة أنصاف الآلهة، تراقبين لهجته وتفضحين ما استتر خلفها؛ إنه وافد على مدينة لا تمنح كراسيها إلا للوافدين، هي مثلك تماما. ترقبين عبارات يسوقها للتعريف بـي، تهوي نظرتك كأنما وقعت منك لا أكثر، فإذ لهجتي تكبحها، تراقبين تدفق كلمات هي أنا

تمدين يدا تصافحين يدي التي تعض علي أناملك بشراسةِ ما ألهبتِ من أشواقٍ.. وما كنتِ صافحته هو.

امرأة لا تتقن من ألعاب الحياة أكثر من اللامبالاة.. هكذا قرأتك يومها

ولا تلعبها أمامي بل ترحب بـي في جمعيتها، تتنازل عن عرشها وتخبّرني أنها لا تغلق أبوابها صيفا بل تستقبل عينات خاصة جدا.

حتى وهي تقتنيك زبونا خاصا جدا لا تدفع لك، ولا حتى مجرد ابتسامة قد تكون عربونا.. قد تصبح سلسلةً.. قيداً، تشدك خلفها نحو الجمعية بالعاصمة

مجرد كلمات تلقي بها على عجل، متقاربات كنشرة أخبار خاصة.. خاصة بها، تحرك فيك الحقد الذي لم تكتشف بنفسك قبلا، قبل أن تحرك.. رجولتك.. أو ربما من خلاله تحركها.

لم تكف الكلمات بيني وبيني عن شتمها والثناء عليها دون أن أميز أيهما كان الأقوى، اتخذت قراري أبدا لن أدوس جمعيتها حتى لو زلزلت الأرض وسارت هي إلي، وأبدا لن أعود إلى حفلها، بالأساس هو لا يخصني إنه لنساء يحتفلن بعيدهن، لن أحشر نفسي بينهن.

لكنك لن تتذكري كل هذا، ستنسين سريعا أن أصابعي عضت على يدك الرقيقة، فأفاق نبضك، أو ربما مات حتى أجل آخر.. حتى يوم رحيلي، أجلست إليك بعد شهر من ارتشاف مراراتك، أتأمل احتماءك بسريري الذي تحتقرين، إلى غرفة هي كامل البيت في هذا البيت.

ذرية.. أتراني الوطن، أم أني جسر آخر من جسورك نحو الذات الأخرى التي لكِ، ترى متى تتجلى أشتاتها، تلك التي ستكسرني بين نفسي ونفسك كما كسرتِ الذاكرة ومحوتِ أسطرا عشتُ أقتات عليها عمراً

- دوريا هيا احملي دمعك وارحلي

- لم لا تحمل روائياتك السافرات وترحل.. سأدفع لك أجرة الفندق

أحملُ بقايا رجل كنته يوما أنثرها على شوارع العاصمة، إنها لا تشبهني، ولا حتى تشبهك جاؤوا بك إليها قسرا وستهربين قبل أن يتمكنوا من إخضاع شهوة التجبر فيك. أي رجل قد يكبح انطلاقتها، وأي رجل قد يكسر جبروتً جُبلت عليه هذه الأنوثة الدافقة صخرا لا يتفجر منه الماء

أستعيدك لحظات من مرارة، أجترها وأحاول أن أنسى

أركن سير العمر عند الشاطئ، أستعيد نفسي فيك امرأةً اكتسحت الذاكرة.. سكنتها رغما عني وعنها، دوريا كم عمرا يكفيني لأمحوك، كم امرأة أحتاج لأكسرك بالذاكرة

صفحة 8

م

تفلتني أحضانه الأبوية، تعطل عداواتنا المتأججة كل تواطئ محتمل لجسدين سكنا البيت ذاته شهرا من العمر.. أعود إلى خواء سريره، يعود لطردي.. وأبادله الطرد فيحمل بعضا مني ويرحل.

ما ترك لي غير سواد هذه القطعة النابضة بضياء حبه.. متى صرت أشتهي منازل الفقراء، بل متى قد تشتهيني إغفاءة تثمل النفس وتحفظها عن بعض ما يمزقها.

هذا الرجل زرعها ريبة وانتظارا لأجلٍ لا مواعيد له، لعمر انقضى تشرد بين دماء شاب أرديته ذات ليل بهيمي قتيلا.. وشاب أفقت من غفوة الموت فوجدتني أموت بين شراشف فراش لا آثار للرجولة عليه، فراش يشبهني أكثر مما يمكن أن تشبهني غرفتي.

ياسر أجول بالغرفة الخاوية منه التي أبدا لن يجف عبق حضوره وحظوته فيها، أتفقدني بين أشيائه، كم ثمينة بكل الزهد الذي يزيفها، هي سطوة رجل أعتى من الحياة، رجل يرصف روايات لروائيات فاجرات على أرصفة عمره لا يدرك أنه يقتنيها بشبابه، وأنه يدفع العمر ثمنا لروائيات لسن أهلا له، أي أنوثة هذه التي تدس شهوتها بين صفحات من لغة، أي حماقة تستتر بالاسم الجليل "الأدب"، مفارقة بشساعة جرف قسمطيني هذه التي تفصل الأدب عن الأدب، أين قد يجد هذان الطرفان جسرا كالقنطرة أو سيدي راشد ليربطهما، أخشى ما أخشى أن ينـزلق ياسر إلى أسفل الجرف قبل أن يرى شدة انحداره.

ياسر أقلب رواياته، أنا اقتنيت لها عمود رخام ذات ضربة شفقة في صيف عاصمي لا يشبه صيف قسمطينة، كم كان للصيف من معنى فيك، كم أمسية، كم بسمة، دفنتها جميعا مع جثة شاب أسكنته مبكرا جدا القبر.. وما كان بعمر القبور، كان عمره زهورا وإن كانت رمادية مغبرة...

حملت رواياته رصفتها على سريره، قلبت صفحات من اعترافات نساء يسردن سفورهن، وخياناتهن الزوجية على مسامعه، ويحملهن إلى فراشه ينمن بين ذراعيه، ويطردني إلى بيت والدي وهو يعرف أن لا وطن لي خارج هذا البيت.

ياسر قصة الانتماء هذه لم تضع لها نقطة منطلق.. ياسر إنها نـزيف أبدي..

وعائد أنت إليها غدا ستنسيك اسمي ونـزفي، وكل الذي أنا عليه.. تلك الحبيبة الأزلية.. قسمطينة

وقد يضيعها فؤادك وتعاودك نساء الماضي فنسقط كلتانا في غفلة زمن النسيان..

الكل ينسى ذرية فلمَ لا تنسين أنت.. رماد جسدٍ ما يزال عالقا على كل نقطة من الروح.. من الجسد.. من.. مني

هروبا من مواجعي أفتح جهاز الكمبيوتر خاصته، أتفقد كتاباته، ماذا كتب عن روائياته، يقابلني عنوان بالأحمر ضحكت من لونه، متى صار هذا الرجل أحمقا، أقرأ "كتاب لامرأة لا تقرأ" شيء ما فيه يشبهني، أقتحم الأسطر الأولى:

"إلى كلمة انكسرت تشردت أحرفها فما عادت تلفظ"

أفتش عن الكتاب بين الروايات المتناثرات لا أعثر عليه.. ربما حمل الكتاب بالسيارة سأسلبه الكتاب، شيء منه يشبهني، ربما قداسة كلمة الكتاب، كان الكتاب قدسيا ثم تدحرج نحو الجرف رفقة كل المقدسات، رفقة مؤلفي الكتب أولئك الذين كتبوا بدمائهم وبالروح منهم، وأُطفئ نورهم عنوة، فخُلفت المكتبات للعرايا والمزايدين، فتركنا لهم تجارتهم، ما عاد الكتاب قداسة ولا حتى مجرد عادة.

ياسر واحد منهم، خطأه أنه يقف في الجهة المقابلة، يدفع ويقبضون..

صفحة 9

متى يدرك أنها حماقة.. لا شيء أكثر من حماقات، كيف يمكن لرجل نحت من الصخر القسمطيني أن يكون بهذه السذاجة.

أغلق أرشيفه، وأفتح النت.. لا أفتش عن أكثر من ألعاب قد تهشم ضجري فإذ بحسابه على الفيسبوك يفتح تلقائيا، يقابلني منشور صديقة مقربة.. إلى جوار اسمها نجمة ذهبية، كانت ترثي نفسها

«وإذ يستفتيك القدر في صبري، قل إني جحيم على قلبه منطبق

وأني حين أستعر يأكل بعضي بعضا..

وأني في ذروة اللهب لا ألفح أحدا

وأني الموت حال تشرد تيهه بين الذكرى والذاكرة

ضاعت منه المسارات

وأخطأه.. ذاك القدر»

أتأمل ردود أصدقائها.. جيش من الحمقى.. أحدهم قال الله يستر، الآخر قال هل يخطئ القدر أختي د. منى... أغبياء، ما هكذا يقرأ الموت، كدت أخبرها عن ميتتي الفريدة، لكنها باغتتني برسالة تسأل عن حالي.. أقصد عن حاله، سارعتُ مغلقة الصفحة، وقلبـي يرتجف.. تبا لك أيتها الكائن الافتراضي جعلتني أرتجف فزعا.

أغلق صفحاته.. لغته.. وعشيقاته الافتراضيات، وأعود إلى خلوته مع القلم، أقصد مع الحرف.. فلم يعد القلم أداة الكتابة، أجول ببصري على سطح المكتب ألتقيها ثانية.. هي عشيقة إفتراضية إذن "منى بشلم" أفتح يقابلني رثاؤه غيابها عن شاشته:

«في رواية أولى قالت الأنا لغيابك الافتراضي:

ها أنا كا لم تعرفيني يوما..

متاهة صغيرة على حواف صمتك

سيجارة تجهد نفسها لإخراج حرائق الفؤاد

وفناجين قهوة تتقمص دور النبيد فلا تجيد

ها أنا.. في المنطقة الوسطى ما بين فجيعة فقدك.. وفجيعة تلبس الحرف بك

هكذا تأتي المواجع عزيزتي.. مفتوحة على كل احتمالات التمزق والفرقة، هكذا كما سطرها بُعدك.. أو ربما طيفك الذي يسكن روحي، ولا أعرف كيف تسلل، أالغياب قذفه في دمي أم أنك منذ البدء كنت تسرين بأوردتي، وطيش الشباب أعمى بصري وبصيرتي، فما رأيتك وأنت تحتلين تجاويف القلب القصية، تلك التي أطفأتْ نورها امرأة غيرك وخلفتني بقايا رزايا، وشظايا عشق معلق على الخشية، خشية لم تلبسها تلك الأنثى، ولا حتى آمنت بها، هي فقط ارتدتها قناعا، لدورها المقيت في مسرحية بطلها الميت كان الحب..

وكنت شهيدا مغتالا بيد ميت.. توقفي.. لا تبتسمي، لا أحب ابتسامتك، توترينني وتقطعين خيط أفكاري، تعرفين أن الكتابة ليست حرفتي، أنا فقط أغتال الوقت في غيابك.. للوقت في غيابك طعم الدفلة.. هل تذكرين قصة شواء الدفلة..

إنها برهان غبائي الأول، بريء هو من يعاشر غير قومه، أو.. غبـي بختم رسمي.

الدفلة كانت بدايتي الأولى للتدريس خارج العاصمة، العاصمة تشبه قسنطينة في أمر واحد؛ أن كلتاهما تحتفظ بقلبها بعيدا عنها إلى أن يتوفاه البعاد، تستعيده جثة هامدة تعود وتزرع رمادها بين الدخلاء.

أخرجت من عاصمتنا وزرعت بأرياف قصية، باغتني العيد، وليرفع عني شباب القرية وحشة غربتي رتبوا عيدي بمعرفتهم، ولم أك يومها أهلا لذبح أو سلخ، فكفوني كل ذا وأرسلوني أجلب أعوادا نشوي عليها الكبد، وجلبت حبيبتي، عفوا أقصد زميلتي، جلبت أعوادا من شجيرة أزهارها فاتنة التورد.. غير أن شواءها كان أمرَّ ما قد تتذوقين.

يومها عزيزتي.. يومها عرفت الدفلة.. الزهرة الفاتنة الجمال، يومها خدعتني الدفلة، وهمس القدر أنها ستخدعني طويلا.. وأن دفلة كثيرة ستخدعني من بعد.

الدفلة.. أنثى العشق والمرارة، ما رأيك هل يمكن جعله عنوانا لرواية ما، يوما ما، يوم تقررين سحب طيفك من أوردتي، والذوبان فيها أنت، بكل أنوثتك، تبا لك.. زميلتي، وألف تب لأنوثتك التي.. لم تنبض بالقلب إلا في غيابك.

لن تكون روايتك.. لن تكون إلا روايتها هي؛ فهي الدفلة الأولى في حياتي.. قبلك أو بعدك.. أقصد.. لا أعرف فأنا لم أفق على فجيعة حبك إلا في بُعدك.. أما هي فكانت هنا، الأنثى التي تستر الجسد لتأجج الرغبة، الأنثى التي عثرتُ عليها على صفحة افتراضية، تكني عن هويتها ولا تبوح، تقول أنها "سيدة العشق والكبرياء" وترمز لوجهها بغواية الابتسام، صورتها الرمزية كانت لـتشرليز تيرن ممثلة فاتنة الابتسامة، هي أنثى تبتسم بكل خلايا محياها، حتى تغرق النظرة في بهجة التقاسيم. أكان للكبرياء ابتسامتها الساحرة.. لا أظن ما كان الكبرياء ليبتسم، لكن وجوده مجرد ذكره كان كافيا جدا لاستعبادي، وطبعا.. زميلتي طبعا أرسلت إليها لهفتي المغلفة بنفاق الفيس بوك "طلب صداقة"

أمام معلوماتي الدقيقة طالب جامعي

قسنطيني، مقيم بالعاصمة

أعزب

أعزب نقي تماما من طفح الأنوثة، لم يسبق وأن لطخت بعطر أو توسدت نهدا.. هي ما ملكت الرفض، بل وكما تفعل الأنوثة دوما، استعجلت نسج خيوطها بوهن النفاق الافتراضي شاكرة لطف إضافتي، واستهجنت لفظتها "لطف" إثارة للكبرياء، أو إن شئت صدق الفحولة استهجاني كان اختبارا للكبرياء، لم تكن أنثى كانت قطعا قطنية ملطخة ببعض الـ.. لا أدري ستعرفين بعدها.. سأخبرك عنها أكثر، حين تقريرين العودة قد أخبرك، لكن لا تكتبـي عنها جوار قصتي ودوريا »

ستكتب عني.. كلفتها بالكتابة عني، سافل.. غبـي، سترى، سأريك كيف تروي عني لعشيقاتك الافتراضيات..

«اجعليها فصلا مختلفا، أو أكتبيها في رواية مستقلة واسميها الدفلة، حسنا ستجدين تعبيرا ما يتضمن هذه النبتة التي صنعت مراراتي جميعها، رغم فتنة لونها الزهري، فاتن لونها كلون شفتي سيدة الكبرياء أيهما - يجب أن يشبّه بالآخر لا أدري - شفتاها رقيقتنان لا تغريان بالقُبل شفتاك أجمل، ستحذفين هذا الاعتراف أنا واثق،...»

تتمنى قبلاتها.. ياسر وتمنيت قبلة واحدة منك تعلن ميلادي.. تبا

«حسنا احذفي كما تشائين، لكن أصغي إلي، كنت دوما تصغين لي، تضعين وجنتيك بين راحتيك، وتلقين بنظراتك الطفلية علي أسرد أو أثرثر، ليتك تعرفين حاجتي للثرثرة معك، الافتراض أو الفيس بوك تحديدا جعلني أدرك حاجتي للثرثرة.. كنت تقولين أنها فن عظيم، وكنت أسخر لكني الآن أفهمك، وأعرف معنى أن تفضي لأحد ما بكل شيء..

صفحة 10

هي جربت معي ذلك أو مارسته علي، كانت تغلق باب غرفتها وتفتح صفحات الافتراض تعلق على حائط الفيس وردة أو أغنية أو كلمة سرقتها للتو من شاعرة رقمية وتنتظرضغطي على أيقونة الإعجاب لترسل تحية وشكرا "للمرور العطر" بعباراتها المكررة حد الملل، لكن بمجرد الرد عليها "بلطف" كما تصفني دوما ينفجر سيل اللغة، لغتها الخاصة التي تجدل خبث الأنوثة بضعف لا أعرف إن كان دلالا أو حاجة إلي، تجعلني دون أن تقول من ذلك شيئا أشعر أنها بحاجة لي، ثم وبمجرد انغماسي بملاطفتها ودعم تصدعات نفسها، تكشف سفور الأنوثة، مرة بعد مرة، بدأت بإرسال صورتها، ثم بريدها الإلكتروني، ثم رقم هاتفها ليتسلل صوتها إلى تجاويف روحي، يصنع لي تاريخا أنا الخاوي متجمد النبض، جعلت نبضي يتراقص على نغمات صوتها، وخلقت بالروح عطشا لا ارتواء بعده، أعادت ترتيب مواقيتي لتناسب خلواتها.. خلوة أتجرد لها من كل ثيابـي وأتدثر بظلماء بيت خصص بالكامل لمعاشرة صوتها الخافت خشية أن تكتشف أمها أو عائلتها ما تأتيه في خلوتها.. بعد منتصف الليل.

صديقتي.. لقد منحت لشبابـي معنى..

ليفيض المعنى وتضيق كل العبارات وهي تنشئ حسابا على سكايب.. تضاعفت الجرعة، جرعة إدمان امرأة بالكاد تكتشف أنوثتها، تجرب اكتشاف تأثيرها على فتى لم يعرف من النساء غير... ما تعرفين، وأدمنت.. الجسد، الصوت.. الحياة مع امرأة ملكتها افتراضا، من بعد شاهق، جن له شوقي ولهفتي، وتوجعت رجولتي... بجوعها المكبوت الذي لم تفرجه ساعات طوال من المعاشرة الـ.. كيف سأسميها.. الإفتراضية، لم تكن افتراضية فكل شيء كان حقيقيا مع أن كل شيء كان وهميا. جسدها.. أنوثتها، كلماتها.. ثرثرتها، الثرثرة فن عظيم، يعلق القلب ويذيب الجسد، كل الواجبات يتم تأجيلها، الدراسة الكتب، عشق الكتب المجنون امحى. هي فقط هي من وراء شاشتي الصغيرة... تصعد جنون لحظاتي، وتنفخ روح الرجولة الماجنة في براءة شبابـي، كانت.. تنتصب كل شراييني وأنا أرقب جسدها يتكشف قطعة بعد قطعة.. وأغرق بـي.. برجولتي، بوجع رجولة تفيق شرسة فلا تلتهم غير ذاتها.. ثم..

قررنا أن نلتقي..

أين يمكن أن يلتقي كائنان من وهم، كان سؤالي العسير، لا يجب دخول الجامعة مع حلم يسير على قدمين، حلم مشين بشكل ما، مبهج بالشكل الآخر، تلك كانت حيرتي، أما هي فحلولها جاهزة دائما، اقترحت ملهى ليليا لم أعرفه قبلا، أنا المقيم بالعاصمة منذ سنوات أربع، لم أعترض فأنا أكتشف معها الحياة بكل متعها، وكل خطوة ما هي إلا خطوة في قلب اللذة، مغامرة نحو المتعة الفريدة لأنوثة ملتهبة أكتشفها بنهم من لم يذق قبلا...

وصلت العنوان المفترض، انتظرت رنة تدلني عليها.. لم تأت.. أججت أشواقي.. جن الليل الذي سكن قلبـي، لحظات.. ثم جاءت.. الأنثى التي أحرقت جسدي لذة، الأنثى التي كانت صورة سافرة على شاشة وتنهيدة بسماعة جهازي وهاتفي، تقف أمامي جسدا مغلفا بجلباب أسود، حجب عني نبض الاشتهاء...

ستسألين عني..

أنا.. لا شيء.. لم أحس شيئا، وجهها لم يكن بجمال صورته على الشاشة، الشاشة لم توضح التفاصيل الدقيقة عليه، آثار حب الشباب، سمرة شمس أحرقت بشرتها، لحم صلب كجسد محارب قديم، لم تخترق ذوقي لكنها أثارت رغم خيبة العين شهوة الذاكرة، فكت المكبوت من رجولتي التي كدتُ أضيع وأنا أمارس عشقي افتراضيا، احتضنتها جسدا، ضغطتها بقوة لتلامس كل نقطة من جسدي تشبعها.. تملؤ الفراغات المهولة التي خلقت بـي، قاومتْ.. قاومتْ.. استسلمتْ.. ارتجفتْ..

وأنا أفلتها قرأت غضبا ما.. على وجهها، غضب مرهف، ربما قناع غضب لا غير، أبعدتني عن ملهاها الليلي، سرنا خطوات أحاول الالتصاق بها وتبعدني.. وبعدها

بعدها.. صديقتي صعقت حواسي وهي تخبرني أن ما فعلت حرام، تصوري قالت حرام، لم أفعل غير ما كانت تمنيني وتعدني، اعترضتْ.. شددت أني ما كنت ألمسها، قالت اللمس حرام. التعري لم يكن حراما، لكن أن أمسها فهذا حرام لا يحل إلا بزواج.. رجت كلماتها ذاكرتي أعادتني لآخر كلمات أبـي.. أبـي الإمام الذي مزق صوته الآفاق داعيا للتصويت للإسلاميين، وانتخب شعبنا الإسلاميين وقامت قيامة البلاد فاختاروا الدم سبيلا لاستعادة كراسيهم المسلوبة، فكان أبـي أول من قتل، قبل أن ينفذوا حكمهم راسلوه، جمعنا لخطبة وداعه، تخيلي منى ماذا قال أبـي، قال اتقوا الله في والدتكم في أنفسكم وفي بنات الناس..

أوصاني بها قبل اغتياله، وعزفتْ حبيبتي الافتراضية على نـزفي يا منى..

ماذا قلتُ، بما كنت أرد.. لا أدري لا يمكنني تذكر شيء سوى جوعي والوحش الذي تأجج جنونه نيرانا لا شيء يطفئها، قبلتها عنوة.. أو ربما تظاهرتْ فقط بأني أجبرها، أو ربما لم أنجح في تقبيلها.. لا أدري لم أملك صحوة كافية لأعي.. لم أفق إلا وهي تدفعني، وتسرع لأخذ سيارة أجرة و.. تختفي

اختفت لأيام لا ترد على هاتف ولا على اتصالاتي المتكررة بالسكايب ولا قبضت عليها بالفيس بوك..

بائس.. هذه هي الكلمة المناسبة.. تحولت إلى بائس لم يبق لي غير الخروج لصحبـي، أغتال مرارة الوقت في غيابها

خبرت سامي عنها، رويت ورويت وما ارتويت قال عرفني عليها أعلمك فنون الرجولة وكيف تخضع امرأة.. أين هي لأعرفك عليها.. رد صمتي وبؤسي.

برنة هاتف عادت.. عادت تعلمني حدود الدين، وأين يجب أن نقف وتخبرني أني لن ألمسها إلا وهي تدخل بيتي سيدة له، كيف أتزوجها وأنا الشريد الهارب من الموت إلى بيت من غرفة ومطبخ بحجم علبة سردين، أشتاق أمي لا أقدر حتى على زيارتها، وقد هربتني.. أمي هربتني من قسنطينة لأتم دراستي الجامعية بُعيد الموت الذي تربع على قلوبنا واغتال أنفاسنا وهو يغتال والدي، لا أعرف حتى من أنهى عمره برصاصة خاطفة، رصاصة استمرت تحفر قلوبنا وتجدد نـزفها مع كل نفسٍ، وكل شيء يتحول إلى عبء ثقيل، حتى اقتناء الخبز صار مشكلة عائلية عويصة، لثلاث مراهقين تعودوا على ايجاد كل شيء جاهز رهن دلالهم.. كيف أتزوجك أنا الفار إلى حريتك من سواد أيامي، وخيبات شبابـي، هارب إلى حيوية جسدك من صمت الموت

فقط.. زميلتي.. هذا فقط.. وانتهينا إلى الصمت، طبعا لم أقل لها شيئا من كل هذا، صمتنا، طلبتُ أن نلتقي في مكان عام رفقة أصدقائي وصديقاتي، أقصد أصحابـي وحبيباتهم، والتيقتها مكسور الخيبة، مهزوم الرغبات، آفل النبض، ورآها سامي برعونة رجولة تتحدى لتفوز، لم يحصل شيء في حضوري، غير أني أدركت سريعا أن جمالها المتواضع جدا لم يفشل في اشعال الشرارة بقلبه، تلك الشرارة التي انطفأت أو كادت بقلبـي.

ارتخت علاقتنا وهنت، والتهبت جراحي.. كل الجراح التي كانت هامدة، مستلقية بهدوء مرير في مكان ما من الروح، ما عدت أملك ردودا لكلامها للخشية والرهبة التي تزرع بقلبـي من الخالق.. من الحرام من.. من كل شيء.