eKtab
EN ع
أحداث منتصف النهار
اقرأ عينة مجانية

أحداث منتصف النهار

بقلم أسامة رقيعة

صفحة 1
( 1 )
 
في الطريق سألني مدحت عما إذا كنت قد سمعت بالأخبار الجديدة ، فقلت له في غير اهتمام لا، فعاد وهو يضغط على حروف كلماته ليؤكد لي بأنَّ المدير قد تزوج السكرتيرة وطار بها إلى لندن .
 
ولما كنت أقود سيارتي ببال شارد وجدت نفسي أسأله بكلمات شاردة أيضا، أي مدير وأي سكرتيرة ، فما كان من مدحت إلا أن صاح في وجهي وهو يخرج كتفه من نافذة السيارة على نحو بارز ثم يلوح لي بيده الأخرى في انفعال غاضب: يا سيدي أنا أقول لك مدير مكتبنا تزوج نادية وطار بها إلى لندن، أنت تقول لي أي مدير وأي سكرتيرة ، ما أصل الحكاية المدير اخترع مأمــورية إلى لندن، ثم أعــطى سكرتيرته نادية إجـازة محلــية وتحت تحت عرفنا أنهما تقابلا في المطار بعد عقد مختصر، وطارا إلى لندن في مأمورية عســل.
 
لا شك أنَّ تلويحة مدحت الغاضبة أعادتني إلى حالي وحضوري فقلت له يا سيدي ليـس المهم عندي أن يتزوج المدير أو لا يتزوج، ولكن المهم عندي كيف هو يسمح لنفسه أن يستخدم أموال الحكومة والشعب لتحقيق أحلامه الخاصة، فضحك مدحت بسخرية استفزتني، وجعلت الدماء تصعد إلى رأسي ثم همهم نحوي: من الأفضل أن تسكت يا أنت ، فهل زماننا هذا يحتمل ما تقول، إنّه زمان مثل يوم القيامة، كل فرد فيه يقول يا أنا ، يا جيبي، ويا متعتي ، وبالكثير يا أولادي ، تأتي أنت لتقول لي الحكومة والشعب.
صفحة 2
( 2 )
 
كنا قد وصلنا إلى المنزل، الذي أسكنه وحدي، في ضاحية هذه المدينة، حيث جلس مدحت مسترخيًا على الكرسي الذي بصالة المنزل ثم أشعل سيجارة من ماركة البنسون ثم طلب مني أن أتعجل في إبدال ملابس العمل لأذهب معه ، ولما كانت الدماء ما زالت تصعد إلى رأسي أعلنت له في مضض وأنا أجلس في قبالته عن عدم رغبتي في الذهاب معه لأي مكان ، فانتفض مدحت من جلسته ثم وضع السجاير في ركن المطفأة وانفجر صائحًا فيَّ: ألا تعلم يا أنت بأن سيارتي معطلة، وقد أتيت معك إلى هنا تحديدا كي تبدل ملابسك ثم تعود معي ، نظرت إلى مدحت الذي أنهى صراخه ثم تنهد وعاد إلى الجلوس، ثم عدت أنظر إلى أرض الغرفة صامتا أفكر في غلطتي، غلطتي في أني وعدته بالذهاب معه وغلطتي في أني قد اصطحبته إلى هنا، ثم أنهيت صمتي وتفكيري بالدخول إلى غرفتي مستسلما كي أبـدل ملابسي ، في داخل الغرفة البيضاء التي أحبها سمعت صفيرًا متوترًا، ثم طقطقة أعقبها صوت مرتفع يناديني: يا شريف، يا شريف يا ود فاضل، عجِّل قليلا فنحن ذاهبون إلى احتفال منظم، وقد كان هذا الصوت صوت مدحت الذي ينتظرني في الخارج..
صفحة 3
( 3 )
 
كان الاحتفال المنظم هو احتفالاً بعيد ميلاد هالة، وتجري مراسمه في قاعة الحفلات بفندق كي بان إنترناشيونال ، ذلك الفندق الشهير ذو الخمسة نجوم والذي يطل مباشرة على ساحل نهر ساحر في مدينتنا التي قال عنها التاريخ إنها مدينة عظيمة شهدت أمجادًا وبطـــــولات كثيرة ، أمجادًا وبطولات كتبت من حبر عتيق على ورق أصفر اهترأ وتآكل مثلما اهترأت المدينة وتآكلت، ولم يتبق منها إلا بعض القلق..
 
وصلت أنا ومدحت إلى فندق كي بان إنترناشيونال، واستقبلنا على نحو راق شأن حال كل الطبقات المخملية ثم جلسنا على طاولة فخيمة في مقدمة الصالة وقد كان على يمينها طاولة تماثلها غير أنها تحلت عن التي لدينا بثلاث فتيات بشرتهن كلون الشمس عند المغيب وشعورهن كقطع الليل المظلم ، وكن جميعهن يلوِّحن لمدحت بالتحية فيما يوزع مدحت بينهن ابتسامته المشاغبة ، كنت قد انجذبت إلى جمال إحداهن من أول نظرة، هكذا مثلما أن هناك خيطاً حريريّاً غير مرئي امتد منها إلى شغاف قلبي، فجعله ينبض كطائر صغير يحاول الطيران، ولكن لما اقتربت منا هذه الفتاة بعد هنيهة في محاولة منها لمصافحة مدحت الذي جلس إلى جواري وجدت نفسي قد نظرت إلى الأرض هربًا مما أحسسته في ابتسامتها القريبة مني، كأنما ابتسامتها كشفت لي عن ملامح أخرى خلف ما شهدته من جمال صامت فانفصم الخيط الحريري الذي تعجل وامتد بيني وبينها .
 
داعبتني فكرة العودة إلى منزلي، ومغادرة هذا الحفل الذي لا أعرف فيه أحدًا غير مدحت فهمست لمدحت من خلال تنهيدة صغيره غالبتني وخرجت مني: سأعود منزلي ، ولكن مدحت لم يسمعني ولم يحس تنهيدتي، فقد بدأ منشغلاً، يوجه نظره شاردا، نحو باب القاعة الجانبي حيث تلك الفتاة الرائعة ، تحمل وردًا وتدخل من ذاك الباب الجانبي كشمس شتوية في ساعات سطوعها الأول.
 
انهزمت لحظات انشغال مدحت بتلك الفتاة أمام واقعية اللحظة بشكل خاطف ليتحرر بعدها مدحت ويسترجع بصره وذهنه ثم يهمس لي كمن يفشي سرا، يا إلهي ما أجملها اليوم.
 
ومثلما تحرر مدحت من انشغالاته فشا دهشته، تحررت أنا من فكرة العودة إلى منزلي غير أني كاتم لدهشتي .
صفحة 4
( 4 )
 
هالة جميلة جدًا، وملامحها ناعمة، وخطواتها مدللة، ونظراتها تنزلق على الحاضرين كأنها تصافحهم، غير أن هناك شيئًا كغطاء شفاف يرسم ضبابًا على جمالها، وعلى ملامحها الناعمة ويضفي نوعًا من الغموض على جمالها..
 
اكتمل شروق تلك الشمس في وسط قاعة الاحتفال حيث توسطت الأطفال فبدوا حولها كأسورة ذهب تحيط بمعصم جميل، ثم انبعثت الموسيقى من وسط الأضواء الحالمة تنساب نحو مسامعنا، فتحرك الكثيرون نحو طاولة التورتة والشموع وهم يرددون:
 
عيد ميلاد سعيد يا هالة..
 
سنة حلوة يا جميل..
 
سنة حلوة يا جميل..
 
عيد ميلاد سعيد..
 
كنت قد تحررت وتراجعت تمامًا عن فكرة العودة إلى منزلي، وتحولت دهشتي المكتومة إلى ارتياح عميق، كما نسيت تلك الابتسامة التي فصمت خيطي الحريري ، ذلك الذي يصل أرواحنا بالجمال كمداد من ضوء أو قبس من نور، فجلست واضعًا رِجلاً فوق أخرى أسمع ، وأتأمل راحتي .
 
أصوات المغنين حالمة وهي تأتيني من وسط الصالة وتتخللها ضحكات ناعمة وبريئة، فأستطيع أن أميز من بينها ضحكات الأطفال وصراخهم ، غير أني وفي أحايين كثيرة يهيأ لي أن بعض هذه الضحكات الطفلة الناعمة آتية من هالة نفسها؛ ولهذا يختلجني إحساس غير محدد بالنكهة، بل ويفيض في داخلي شعور يجعلني ألتصق بمكاني وبمن حولي ، ثم أرسل نظري متأملا المكان
 
كان حولي قليل من الذين لم يذهبوا إلى وسط القاعة غير أنّي كنت أشعر أن أرواحهم هناك .
 
أطفئ الشمع، صفق الكل يهنئ هالة ويقبلها ، وكان من الواضح أنها م
صفحة 5
 حتى مدحت هذا الذي دعاني بشغف في هذه اللحظات كي نذهب سويا إلى تهنئتها ثم لم يمهلني حتى أن أرد عليه بل جذبني من يدي، فنهضت منقادًا ليده ولأشياء أخرى في داخلي فوقفت بالقرب من هالة، واستقر مدحت إلى جواري يهنئها ويعرفني بها في كلمات مشاغبة ملوِّحا يده نحوي قائلاً لها إنّه الأستاذ شريف فاضل، زميل جديد في العمل هو طيب جدًّا، لكنه متعب كثيرًا، فالتفتُّ أنا نحو هالة وكأني أقاطع شغبه بترحيب مهذب: أهلاً وسهلاً، عيد ميلاد سعيد، كل سنة وأنت طيبة فسمعتها تقول لي بصوت يفيض عذوبة شكرًا لك ولا شكَّ أني سعيدة جدا بحضورك وبمعرفتك أيضًا.
 
لقد أخذني جمال هالة، وأنا بالقرب منها، وشدني ملاحة وجهها، فتعلق نظري بها، وصرت أبحث في وجهها عن شيء ما ، ربما عن نفسي، أو عن سر ذلك الضباب الذي يغطيه، لقـد كانت هالة تقف أمامـي تمامًا وبالقرب مني وهـي ممشوقـة القـوام، وبيـن عينيهـا شـيء من حـزن قديم، أو فـرح لم يكتمـل، كان في أسلوب حديثها عمق جذاب، أو هو من نوع خاص، فبدأت أشعر بإحساس لم آلفه من قبل، كنت أشعر بأن جوارحي تسكت، وأن هدوءًا مقدسًا يسيطر علي، ويجعلني أحدد معالم كل شيء من حولي.
 
ولما انتبهت هالة إلى نظراتي، استحييت والتفت أبحث عن شيء يحبس نظراتي عنها، فلم أجد إلا الأطفال الذين يتراكضون حولنا فأخذتهم ستارًا أتخفى فيه حياء منها ومن انتباهتها ، غير أني وخلال ثوان فقط مرت وجدت نظراتي تعود إلى هالة مرة أخرى، ولم يخرجني من هذه الحالة الانحباسية سوى صوت مدحت وهو ينهي حديثه معها ويقول لها إنه احتفال رائع ثم أراه يتبع مدحه للحفل بتقديم علبة صغيرة لها وهو ويهمس: أنت اليوم أجمل بعشرة درجات عن الأمس، وأصغر بثلاث سنوات، وهذا العقد لك ، فما كان من هالة إلا أن وضعت يدها على شفتيها حياء، ثم طلبت منه أن لا يجاملها ولكن مدحت ضغط على يدها وهو يؤكد لها أنّه يعني الحقيقة وأنّه عندما يصافحها الآن يشعر بأنه يصافح وردة ، فتوارت هالة خجلاً من اقتحامية مدحت..
صفحة 6
أحسست بصوت مدحت خشنًا كحبات رمال تحركها رياح هوجاء، تأتي بدورها على نفسي فتحرك فيها بعض الكدر وتصادر بعض ذاك الارتياح الذي غشاني ثم تجعلني أشيح بنظري بعيدًا عنه، لأنظر مرة أخرى إلى عيني طفلة صغيرة كانت تقف بجانبي وهي تصرخ، وتقفز معترضة، كانت الطفلة تحمل برتقالة في يد، وحلوى في يد أخرى، وكلما أمسكت بالحلوى في محاولة منها لفض ورقتها، انزلقت البرتقالة فتصرخ الطفلة معترضة ، فانحنيت أنا أقبلها وأسألها أتريدين أكل الحلوى يا حلوتي فأجابتي نعم ، فأخذت منها الحلوى أفضها لها من ورقتها ثم أسألها:
 
- هل تحبين البرتقال؟
 
- وأحب الحلوى كمان يا عمو.
 
- وليه بتحبي الحلوى؟
 
- لأنها حلوة.
 
-والبرتقال، ما هو حلو أيضًا؟
 
- لكن الحلاوة أحلى يا عمو..
 
خطفت الطفلة الحلوى من يدي، وجرت تتقافز، وقد تركت في صدري انشراحًا، وعلى أذني صفاء، وفي قلبي كمًّا لا نهائيًّا من فرح.
 
عدنا نجلس حيث كنا، وعاد مدحت يتحدث مع أخريات، وبقيت أنا معلقًا بين خيط الحرير وبراءة تلك الطفلة التي كنت معها منذ لحظات،أسترجع نبرات صوتها البريء كأنني أتوكأ عليه لأصعد به نحو مساحات لانهائية من الصفاء وثمة شيء في الوجود يجعلني رائعًا.. وانتهـى الحفـل.. فأوصلت مدحت إلى شقته ثم عدت إلى منزلي.
صفحة 7
( 5 )
 
في منزلي هناك، وفي داخل غرفتي البيضاء التي أحبها، تمددت على السرير وأطفأت الأنوار، وصرت أتجول بخيالي في أحداث هذه الدنيا، وفي الحفل الذي كان..
 
مدحـت... هذا هو حاله، منذ أن عرفته، كل نهار عنده حدث، وكل ليلة له سهرة، هو يعرف الجميع، يعرف من يماثلونه ومن لا يتفقون معه، من يحبونه ومن لا يحبهم، غير أنه ورغم ذلك فهو دائم التذمر، وكثير الاهتمام بالأخبار والحديث في التليفون، كان كلما ينهي إحدى مكالماته التليفونية ثم يجدني بالقرب منه يصرخ في وجهي مستمتعًا: يا شريف بالله خلِّ حياتك دائمًا ناعمة.. أوكي، ثم يضع يده في جيبه ويحملق في وجهي بعيون متلصصة ويقول لي: وجيبك كمان يا شريف أهم شيء يكون نـاعم و(ملظلـظ) ثم يتأوه ويفرك يديه، وهو أحيانا يستفزني ببعض تعليقاته ومواقفه مثلما استفزني يوم أمس حين حدثني عما فعله مدير مكتبنا..
 
وثم وأنا في رقدتي هذه قفزت ذاكرتي من مدحت إلى المــدير، هذا الرجل النحيف الذي لا أدري كيف أنه قد فعلها، وهو الذي كان يتشدق بالانضباط والنظام والأخلاق، نعم أنا وحيد في غرفتي، وسط الظلام، غير أن ذكرى المدير هذه أشعرتني بوحدة زائدة فأحسست بعدها أنني وحيد جدًّا، حتى إنني لما سمعت صوت ساعة الحائط، تخيلت أنه صوت من السماء يؤيدني ويقول لي أنت وحيد.. يا شريف ، وحيد.. وحيد.. وحيد.
 
والشعور بالوحدة جعلني أتناعس، كأني أريد الهرب من ذكرى المدير إلى النوم، ولكن ما بين النعاس والصحيان، خفق قلبي بقوة لذاكرة لاحت لي فيها ملامح من عمق حديث هالة، وجمالها الغامض، ولا أدري لماذا وفي هذه اللحظات بالذات زاحمتني أيضًا ذكريات أبي الذي مات، وخواطر إخوتي الذين هم بعيدون عـني فاشتقت لهم جميعًا، شوقًا جعل عينيَّ تغرورقان بالدموع فأغمضهما باسترخاء حزين وفي تواطؤ واضح مع النعاس.. ولكن.. رن جرس التليفون فنهضت مسرعًا، أبحث بالحدس وسط الظلام عن سماعه التليفون.
صفحة 8
( 6 )
 
المحادثة كانت من البلد، من أمي، كان صوتها يأتيني شفيفًا لتسألني كعادتها إن شاء الله طيب ،فأحادثها وأنا أشعر بالانعتاق من وحدتي وكأن ماءً زلالاً ينزل على قلبي فيغسل عنه قيود الوحدة والظلام طمنيني عليك ، فيأتيني صوتها: أنا طيبة يا ولدي، لكن مشتاقة ليك كتير، ومنشغلة عليك أكتر، واليوم منذ صلاة العشاء وأنا أحمل تليفوني وأحاول أتصل عليك وأنت لا ترد حتى إني أشفقت عليك يا ولدي، فخنقتني العبرة في حلقي بينما أنا أحاول أنْ أشرح لها أنّني كنت مشغولا بمجاملة صديق، ولكنها عنفتني شاكية انشغالي الدائم وانشغال إخوتي عنها فأحسست بالذنب يخنقني أكثر من عبرتي فقلت لها وكأني أقبل رأسها:
 
- عفوك يمة.. ما تيجي تعيشي معاي هنا؟
 
- يا ولدي أنت تعرف أني لا أستطيع ترك أختك "عشة" وأولادها..
 
إن صوت أمي في التليفون رسم في ذهني ملامحها وملامح أختي، وابنتها الصغيرة، فأحسست أن الحب نهر واحد يجري من القلب في اتجاه الأمهات..
 
ودعتني أمي بعد حديث طويل.. ولكنها قبل أن تضع سماعة الهاتف أوصتني بزيارة خالي وأن أبلغه اشتياق أخته فاطمة له، فوعدتها بجمال ثم وضعت سماعة التليفون، وتمددت على سريري مرة أخرى .. كانت العبرة في حلقي تخنقني.. كان أبي، وأمي، وإخوتي يتجولون في ذهني..
صفحة 9
( 7 )
 
أحيانًا يخاصمنا الفرح دونما سبب وجيه، ويلملم أطرافه الوثيرة ويرحل ولا يبقى معنا إلا حزن شفيف يشعرنا ببعض التوهان، وكلما حاولنا تحديد مواقفنا من أشياء كثيرة من حولنا، لا ننجح.. فنعود لنبدأ من جديد وسط كومة من الأحداث لا يد لنا فيها، ولكنها دومًا تصنعنا.. وهذا ما حدث لي اليوم وأنا في طريقي إلى مكتبنا فدون سبب معلوم أرى الفرح يلملم أطرافه الوثيرة عني ويرحل ثم لا يبقى معي إلا حزن شفيف.
 
عند باب المكتب قابلتني سميرة.. وسميرة هذه حدث آخر تمامًا، أو هي شيء مختلف.. فعلى الرغم من أنها رئيس قسم التحصيل لكنها تعتبر الشخص الثاني في هذا المكتب الذي أعمل فيه أنا منذ سـبعة أشهر، ولما رأتني سميرة، أقبلت نحوي تصافحني وتستعرض أمامي جمالها، وصوتها الأنثوي الذي هو مثل علامة (♀) تلك التي تدرس في علم الأحياء لتدل على الأنثى، فصوتها يدل على الأنـثى تمامًا، وهي تعرف ذلك؛ لذلك هي تستخدمه دائمًا لتدل وتثبت للكل أنها أنثى متميزة، وسعيدة، ولكن رغم ذلك يمكنك أن تلاحظ وبسهولة ذاك الأسى واليأس الذي يطل من عينيها، أسى مثل ذلك الذي يطل من عيني سجين حكم عليه بالتأبيد، وهو ما يجعل أنوثتها المفعمة هذه تضيع أمامي خلف ملمح كئيب يجعلني في كثير من الأحيان لا أحتمل الوقوف معها، ولا سماع صوتها، لذلك اليوم بعد أن صافحتها أردتها أن تصمت وتذهب، لكنها قالت بغنج:
 
- لماذا لا تدعونا لحفلاتكم؟!
 
نظرت إليها وأنا أغسل صوتها من أذني ثم أستوضحها:
 
- أي حفلة تقصدين؟
 
- الفنادق، وأعياد الميلاد..
 
فهمت أنها تقصد عيد ميلاد هالة ذلك الذي كان بالأمس، فقلت لها وأنا أتقدم خطوتين إلى داخل المكتب:
 
- أنا أصلاً لم أكن مدعوًّا.
 
ظلت سميرة تتحدث معي، وثم بعد لأي فهمَتْ أني غير راغب في الحديث معها، ولا سماع صوتها فذهبت عني، ودخلت أنا إلى المكتب،ولما رآني مدحت أمام باب مكتبه حياني واقفًا وهو يصيح كمن يؤدي تحية عسكرية: مالك يا شريف تدخل المكتب من الصباح وكأنك داخل محكمة، ياخي فكها شوية ، فابتسمت، وصافحته، ولم أتحدث معه، بل أخذت ملفًا من طاولته بعد أنْ أومأت له بالإذن، ثم اتجهت إلى مكتبي، وفي الطريق ابتسمت لسبب بسيط: هو أني سمعت جرس التليفون يرن من خلفي على طاولة مدحت..
صفحة 10
( 8 )
 
ما زال الحزن يلفني،
 
يا إلهــي...
 
إنه قد تزوج نادية سرقة، فقد كان معروفًا عنها أنها مخطوبة لابن عمها، فقد سرقها كما سرق أموال الحكومة.. إن منظر المدير يوم أن زارنا الوزير قبل أربعة أشهر كان غريبًا، فقد كان يطوف مع الوزير حول المكتب، ويتحدث عن الانضباط، والأخلاق، والمواعيد، والصالح العام في خشوع، كأنه يطوف حول الكعبة في البيت الحرام، ولكنه ها هو الآن بمال الصالح العام غارق في عسل مسروق، ويطوف حول المتعة الحرام..
 
يا إلهي من جرأته..
 
ازدحم رأسي، فطويت الملف من أمامي، كأني أطوي به ذكرى المدير.. بقيت للحظات ثقيلة وأنا منكسٌ رأسي على ورق أبيض خال من أي شيء، ولكن فجأة وقع على الأرض شيء معدني أحدث صليلاً رقيقًا، كصوت جرس صغير يقرعه طفل شقي، فرفعت رأسي أنظر أمامي كأني أسترجع نفسي من عالم قد ذهبت إليه سرًّا، فوجدته أمامي بطلعته البهية يحمل كوبًا من الشاي، حياني.. ثم تقدم بهدوء ليضعه أمامي وينحني ليأخذ ما وقع منه.. إنه عم عثمان.. متعهد بوفيه المكتب..
 
وعمي عثمان هذا رجل طيب، دائم الابتسام، تبدو عليه آثار النعمة، غير أنه ولسبب ما غير مفهوم لنا تمامًا، كان يصر على العمل في بوفيه المكتب بنفسه، كما كان يصرّ على تقديم الشاي لجميع الموظفين بنفسه، وأذكر أن أول مرة شاهدته فيها كانت في مثل هذا اليوم منذ سبعة أشهر عندما بدأت العمل هنا، وقتها أحسست أني أشاهد غيمة لا رجل، فقد كان محياه كغيمة مبشرة بمطر وفير..
 
التقط عم عثمان الواقف أمامي ملعقة الشاي التي سقطت منه، ثم حياني بنكهة أبوية صادقة، وخرج وقد تركني لأعمل بذهن نصفها أو كلها مشغولة بالمدير، ومدحت، وسميرة، وعجائب أحداث النهار والليل.