صفحة 1
الفصل الأول
نجمة متمركزة في صدر السماء، ترى انعكاس روحها، على صفحة نهر جارٍ من تحتها.انعكاس خالد، وعلى هاربٍ منه خالد هو
الآخر، وفي فلاة ثانية وبعيدة،..
لا شيء يشبه انعكاس تلك النجمة الثابت على ظهر نهرها المتحرك أكثر من هذا المكان.شيء قاتلٌ جداً أن تبقى جامداً بلا معنى على
تيار زمن يجرف الكون والحياة نحو غاية تتوارى في المجهول.
فلو كان الزمن صدأ كل شيء فهذا المكان من اليرقات التي مَنَّت فمها بخلق ثغرة بين الأزل والأبد.
إنه محاولة رخيصة قام بها الإنسان لإتلاف الزمن والبول على أهميته الشائعة في دنياه.
هنا في جوف أكبر سجن بمدينة ابن الحضارة التي سُمِّيَت في زمن ماضٍ أو لاحق ود مدني، تنتصب أبراج المراقبة كأذناب العقارب،
والعساكر كالحو الوجوه يملؤون أحشاءها برائحة عرقهم وعطن البارود.ظلال هذه الأبراج تغطي أشباح المارّين من تحتها بالنهار،
وبعد الغروب تطاردهم أضواء المصابيح الضخمة المُثَبَّتة على هياكل تروس كالساقية، لتلف بها الليل بطوله، كي يتفَقّد الحُرَّاس كل
جحر في سماء وأرض ذلك المكان.عندما تسقط أضواء المصابيح وهي في تلك الحركة الدائرية، والمتقَطِّعة، على البشر الذين يمرون
من تحت الأبراج، يلوحون كشخوص ينتجهم وهم ماكينة سينما من ذلك النوع الذي ظهر كأوَّل الموضات وانقرض قبل قرون.
يرفع سانتينو بصره، مساءً، نحو أبراج الشؤم تلك،..
هؤلاء الحُرَّاس أقرب جهة مسؤولة من ناحية السماء، يدمدم سانتينو، وينصرف في ظلال زواله،..
هذا هو المكان الذي يعيش فيه المساجين.أو على وجه الدقَّة الذي يتزاوغون فيه من الموت.
لن يكون وصفه مفيداً، إذ إنّ منظر المكان نفسه له من الأبعاد الخفية ما لصورة الإنسان، التي لا تكون مُلَخَّصة في شكل واحد لتراها
من أول وهلة ثم تنصرف بعد ذلك لتصفها متى شئت.ومادمت تُقَدِّر الأمور على نحو غير الذي تقوم به الكاميرا الآلية فلن تستطيع أبداً
أن تُكَوِّن صورة حقيقية لمكان ما إلا بعد عشرات السنين وملايين الذكريات، أي حين يتهجَّى فيك المكان نفسه.إذ إنّ المكان في ماعون
وحده وبدون ذاكرة أحد لا يشبه شيئاً.
مبانٍ صفراء تندس بين أشجار النيم كأسنان البدو المحشورة بين أكوام التمباك.
السنجك أكثر تلك المباني اصفراراً ومقدرة على المشي.رجل يُعَدُّ في قائمة الموجودات التي لها هنا جذور من الإسمنت.قديم ومُهَدَّم
كمبنى نسيته مشيخة العبدلاب أثناء رحيلها نحو بطن التاريخ.تقابله مارَّاً كالأيام، بلا انقطاع ومتراكماً على نفسه، ما يجعل له خاصية
الانحشار في كل شيء، مع احتفاظه بخصوصية الزمان البعيدة عن أنف كل شيء.
صفحة 2
مكتبه يُمَثِّل المكان الوحيد الذي يتأدَّب فيه المأمور.مكتب الشؤون الاجتماعية.هذه التسمية إن لم تكن لغة حكومة فلا بُدّ أن السنجك قد
اخترعها بنفسه، إذ إنها غير مفهومة عملياً للمساجين.اللهم إلا إنْ كان تسليم الخطابات لأصحابها، واستلام الردود عليها منهم، يُمَثِّلُ
شؤوناً اجتماعية ما.
رجل من النوع الذي يضيع عمره فلا تعرف أهو في الثلاثين أم الأربعين.مَشْيَتُه تقرقع، وترنُّ حدواتها المتوَهَّمة في خَبَب لامحدود.
له شارب يشبه لدرجة التطابق ميزان أكسومي قديم، كان يستخدمه المطففون من تجار تلك الحضارة الهالكة لغش الزبائن.إن ارتخى
ذلك الشارب جهة اليسار فذلك يعني أن مكتب الشؤون الاجتماعية ضَبَطَ المسجون عند أثقل زنة خطأ ارتكبه.والمساجين يرهبون ذلك
المكتب لأنّ المأمور يتأدَّب فيه.أمَّا إن ارتخى جهة اليمين فذلك يعني أن أحد معارفك الأوفياء جداً لم يستكثر فيك رسالة.كل ذلك يقرأ
في ميزان السنجك الذي تُغَطِّي حراشفُه أعلى فمه، الذي يبلغ عَرْضُه أقصى حدود الالتهام.يغازل الفليل ذلك الفم،..
ما أسعد زوجة السنجك به.كل القُبلات التي سوف تطلقها ناحيته في الظلام ستسقط مائة بالمائة في فمه،..
ربما تَحَدَّث الفليل مرة أو مَرَّتين عن فَمّ السنجك، ولكن صلبه الزائد عن قفاه كدفّة المركب كان موضوع تندّر الفليل الأبدي.إن أبصره
الفليل وهو قادم من بعيد يصيح مُحَرِّضاً للمساجين وفاتكاً به: الصلب جاءكم بسنجكه،..
اعتاد السنجك أن يطلق أثناء حديثه ضحكات لا تنتمي للموضوع الذي يتحَدّث فيه.كما إنّه يعرف أموراً يعتقد أصحابها بأنها بعيدة حتى
عن عيون الشيطان نفسه.وربما لذلك أشاع معظم الذين شاركوا بشرى محمود غرفته تهماً من شأنها تثقيف الناس بأنَّ السنجك يتقلَّد
رُتباً أمنية تفوق أهميتها منصب رئاسة الجمهورية.أي ربما هو رئيس سِرّي للبلاد.لم يبخلوا عليه بأعلى الرتب والنياشين ولم
يستكثروها عليه، مادامت أهميتهم هم كمساجين سياسة ستزداد هي الأخرى في المقابل.وبالرغم من ذلك ظَلّ السنجك قطار سكته فقط.
ماذا يقولون عني؟ هذا السؤال الذي يفقع خصية من يحبون إنجاب البدع، هو لا يسأله مطلقاً، فالذي سيفعله لن يُبَدِّده قول أحد.
أهم هواية لدى السنجك هي التقوُّل على العلماء والفلاسفة، أما أكثر اسم تقوّل عليه السنجك فهو تيشكا وتيشكا طبيب كوشي قديم مدّ يد
العون إلى مواطنيه ولم يتفوَّه بكلمة واحدة.ولكن ما أكثر ما قاله على لسان السنجك ولم يسجّله التأريخ.وبعد مضايقات كثيرة سَبَّبها له
الملازم محمد حول سيرة ذلك الطبيب الكوشي تركه السنجك في حاله ثم اهتدى إلى حيلة اختراع الفلاسفة لخدمة مقولاته المخترعة.
وليُريه الملازم محمد أي ثعلبان هو، إن كان الفيلسوف ومقولته كلاهما من اختراعه الخاص.الغريب أنك تشعر بأنَّ السنجك لا يرغب في
إقناع أحد بهؤلاء الفلاسفة والعباقرة المخترعين بقدر ما يرغب في السخرية والتفَكُّه.
أما الهواية الثانية للسنجك فهي حرصه على أن يكون كلامه وأسئلته ذات اتساع كوني.ولذا فهو سيتجاوز حمدان ملاحظ مطبخ السجن
كوحدة يمكن أن يُوَجِّه إليها سؤالاً مباشراً عن حاله أو عن موضوع بعينه.سيسأل عن أيام الله وحمدان ضمن ذلك.وإن كان حمدان
حريصاً على أن يكون رجلاً ذا شأن فيمكنه أن يسل رأسه من بين أيام الله ثم يجاوب.
صفحة 3
كيف تمضي أيام الله بك؟، يناكف السنجكُ حمدان من بعيد،..
حمدان من أنصار جماعة إسلامية ناشئة والسنجك شيطان أغلف وليس من أنصار أي شيء.وإن كان يأتي إلى المسجد فكما تأتي لطخة
قذارة في حذاء أحد المصلّين.
مثل الخراء، حمدان لا تفهُّم معه للسنجك ألطف من هذه اللغة،..
وحمدان ليس سوى بائس دسم، وبلا سلوى، في نظر السنجك، لذا فسيكافئه السنجك بظرفه الذي سيخرج منه حمدان بمعنويات طيبة إن
أحسن تقدير ذلك.
يتظارف السنجك: إن شاء الله خراء نحل؟
ولأن السنجك يشك في ذكاء محادثيه عموماً يشرح: أقصد إن شاء الله أيامك عسل؟
بل خراؤك أنت
ينصرف السنجك وهو يلوك في فمه العريض ضحكاً شامتاً مع عبارة: لا بأس ستظل تكرهنا أنا والفليل إلى الأبد وبلا رحمة ثم يختفي
السنجك في رفوف المكتبة الصغيرة والمتكدّسة بمكتبه.والتي تنعم بذات الاتساع الذي ينعم به صاحبها.فيها من المؤلفات مثل:
الموسيقى والحضارة، آداب عصر النهضة، السودان عبر القرون، المجموعات الكاملة لفلان، تأريخ المؤرخين.يعزو السنجك ارتباطه
بمكتبته لكونه مطاردة تاريخية مريضة يستحيل التعافي منها.يقرأ أي كتاب مهما كان تافهاً ويُبَرِّر لذلك بقوله: في جزيرة منعزلة يمكن
لأي امرأة أن تقنع أي رجل الثقافة عنده تبلغ مرحلة مَرَضِية تنسحب حُمَّاها وإسهالها على حياته كافة.
وربما يمتلك السنجك خاصية الحُبِّ ككل البشر.فأحياناً يجد بعض الوقت ليقول مثل هذه العبارة: النوم مع التفكير في المرأة يصبح من
الاختراعات العسيرة ونادرة تتوَفَّر في السنجك كل العوامل اللازمة لنجاح باش ممرض أو ميكانيكي، وتنقصه أدنى المواهب التي
يمكنها أن تخلق حتى ولو فَنّاناً فاشلاً.
حكى أنَّ والده كان صاحب مكتبة في عطبرة لا غير.وكان من طبع ذلك الوالد ادعاء النضال.فلو أنك قابلته بعيداً عن المريسة
فسيُعَرِّف لك نفسه على أنه عضو في جميع حركات التحرير التي تعج بها مدينة النضال.أما إذا قابلته في حضرة المريسة والشُّرب فهو
حركات التحرير نفسها.وإذ تهوي كأسه في جوفه تبتل عروق الوطنيين كلهم.
يحكي السنجك: أقسم لي أبي الذي ليس لديه أي معرفة إلا بالأماكن التي تُباع فيها المريسة بسعر أرخص، وقد كان في حالة حركة
تحرير، إنَّ المكتبة تحتاج بالرضا أو القسر إلى مقدراتي وشبهي وتهذيبي.بالإضافة إلى أنه لا بد لرجل خلق أجيال المناضلين من أن
يرتاح.فكنت من نصيب المكتبة ولينتظر ذلك المستقبل الباهر الذي يقولون بأنه ينتظرني شخصاً آخر، أو فلينصرف.فالمكتبة تحتاجني
بالضبط.وتهذيبي طَلَع التهذيب نفسه الذي يستخدمه الباعة في المكتبات
صفحة 4
على العموم يزعم السنجك أنَّه كلما اختار لمسيره اتجاهاً يجد أنَّ الأرض أمامه تحتفظ بظلوف مَنْ مَرَّ عليها من الأحياء.وعلى ظلوف
الموتى غرقاً في الطين بلغ هو الخرطوم.فوجدها ليست داعرة فحسب بل جَبَّانة ذكور.قبلها كحاضرة بلا ماضٍ، واحتمال أنه غفر لها
ماضيها كتنازلات استعمارية ستخلص مالها باسم التعويضات مستقبلاً.المضحك أن حاله الآن كحال رجل أراد أن يصرّ الدنيا في ثوبه
فجلس لها على الأرض وفَرَدَه، ثم نهض وانطلق مطمئناً في الحياة؛ ليكتشف بعد نفاد عمر أنه ترك الدنيا في مكانها وصَرَّ حصاةً مع
زبل غنم.قاتل الله الخرطوم، لقد اضطرته للمحافظة على تهذيب المكتبات كي لا يُشَرِّف الموت جوعاً، وصَيَّرته حماراً كما يجب
ليحمل أعباء الحياة ويُشَرِّف كلية الآداب لفترة محدودة.فالزعم الثاني مباشرة أنه طُرِدَ من آداب الخرطوم في أحداث سياسية لا يجد لها
اسماً ذا اتساعٍ يليق بضخامتها.كما إنه لم يأسف على شيء.لأنه بشكل أو بآخر رجل موهوب ولن يخسر الحياة لأي هزيمة كانت.لا
شيء هنا يستحق الملاحظة، فالسنجك قد انتقل إليه مرض الادعاء من أبيه، والبلاد أصلاً مصابة بداء سياسي غريب، ليس له دواء إلا
تسمية الأحداث السياسية بالأعوام، لأنها الشيء الوحيد الذي لا ينفد، وكذلك تزييف اسمها كثيراً من كَونِهَا أحداث تخريب عشوائية حين
يُطْلَق عليها لقب أحداث سياسية.في إحدى المرات التي كان يتحدث فيها بشرى محمود عن عجز أمثاله في أن يضعوا نهايةً لما يُسَمَّى
بالأحداث السياسية.
كانت جمهرة من المساجين تجلس، دون ترقُّب ودون انشغال،..
أحداث عام كذا يا بشرى كان خيراً منها وقوف الليل بطوله لتعديل صلب الحاكم ليقاصد صلب زوجته،..
يقولها سجين لبشرى محمود، كما يُحَدّد له بالأرقام ذلك العام المعني.تغلب على السنجك انحشاريته، بدعوى المجاملة، يتباهى،..
على كل حال لن يفوق عقوقها تلك الأحداث التي شهدناها في جامعة الخرطوم
في أي عام كانت تلك الأحداث؟، يسايره بشرى،..
لتتسع إجابته: بل قُلْ في أي قرون كانت يا بشرى؟ لم يكن عاماً.لقد كانت كل الفترة التي يزحف فيها القرن العشرون حتى يبلغ أواخر
الواحد والعشرين.
ضحك كل الذين كانوا من حول السنجك إلا بشرى.فإنه سيضحك يوماً ما عندما تستوي هذه العبارة كنكتة بالفعل.فالله لا يقول للأرض
كوني وطناً بالساهل.
مما يحكيه السنجك أيضاً أنَّه عَمِلَ مُدَرِّساً بالثانويات؛ وأنَّ تلميذات مدرسة ما كَتَبَنَ له على السبورة،..
القميص والبنطلون نفساهما
ليكتب هو في المقابل،..
صفحة 5
وإلى الأبد.مادام أنَّها الرؤوس نفسها، التي يمكن استخدامها للمشي بدلاً من الأرجل، ولن يجد صاحبها صعوبة إلا في تسريح شعره
ثم قذف السنجك بالطباشيرة مُعْلناً دعارة التعليم والصحة وكل البنيات التحتية.المهم أنَّ الناس لا يعرفون كيف أتى السنجك إلى هنا
وتَرَبَّع في مكتب الشؤون الاجتماعية المخترع هذا.
سبق لخالد العوض أن سأله ذات يوم،..
أليس لك أهل تزورهم يا سنجك؟،..
ليستجمع السنجك لامبالاة الأوَّلين والآخرين كلها، ويحكي،..
لقد قلت لذلك الرجل الذي يسكن معنا في البيت وينادونه بأبي: لم نتبادل الحب، لقد تبادلنا المنفعة.وإنْ كنتُ أنا مطالبًا فإني مستعد
للسداد.شيكاتي جاهزة يا رجل.يسعدني أن لا أكون مديناً لأحد فقال لي وهو يتتعتع سُكْراً: الذي تَبَقَّى لي عندك هو أن تغرب عن
وجهي فغادرتُه والريح تَصْفُر في فمه.ولم أتذكره بعدها إلا عندما أحببت ماريا بنت كنانة.كنت أقف أمام الآليات الضخمة وهي تنسف
تلال قصب السكر.لقد استعادت ذاكرتي التاريخية واقعة القادسية.فالآلاف من سكاكين الآليات وسيوف العمال تلمع في الحقول عند
الثالثة صباحاً.يا لها من قادسية الآن.كل شيء له مهمة محدودة.البغاث للنار، والمولاص ليغلي من تحت المَكَن.لقد هَزَّني الموقف
ففَكَّرت أن أدعوه لزواجي وكتبتُ له: من المؤكَّد أن فرحي يوم الخميس القادم.ما رأيك لو شاركتني؟ ستتعَشَّى جيداً يا أبي.فالناس هنا
اكتشفوا أن اللحم يمكن أن يُفعل به ما هو أكثر من الشواء.تعال لتتفادى تأنيب معدتك في المستقبل
ربما اختلس السنجك نظرته للأبوّة من مخلوق يعيش معهم داخل هذه الحظيرة؛ فالاختلاس ليس جديداً على السنجك.فَيَامَا مَرَّ بمؤسسات
يُجنى ثمارها بمراكب السحاب لشموخها فجعلها تقترض جالون الجازولين.وهاهو يرفُّ فوق هذه الأنحاء كالكعوك كائن الجدب
الشيطاني، الذي تحلُّ لعنتُه وهو في سمائه، فقط يوحي للأرض باللعنة فتصبح ملعونة.
دخل المأمور إلى مكتب السنجك كذَنَب لمخلوق سبقه في الدخول، لكثرة ما يصدره من حركات واهتزازات متغطرسة في وجه
العساكر.الذين يحبونه لمعرفتهم أن تعليماته من أجل أن تُصْرَف بطريقة استعراضية لا أكثر.رجلٌ واسعُ الصدر والأمام ولو أنه
يستخدم قفاه.لذلك فهو منصرف عن كل شيء.تنتمي ثقافته للعصر الحجري الأول.ولا شك في أنه يجامل نفسه كثيراً حين يصف
ثقافته تلك بأنها متواضعة.هو من النوع الذي يحفظ حكمة أو مقولة واحدة وعلى الناس أن يرحلوا بعد ذلك إن كانوا لا يرغبون في
سماعها كلما فتح فمه.في أحد الأزمان ظَلَّ يردد لنحو ثلاث سنوات: كَوِّن مكتبتك مما تقرأه وليس من الكتب لقد ضحك كثيراً، وبشماتة
تكيد لنفسها قبل كل شيء، حينما سمعها من بشرى محمود لأول مرة.وبعد أن قام بتجريبها أمام بشرى زهاء المائة مرة، شَرَع في
إضجار الناس بها.وبشرى نفسه لم يُنْجِه أنه صاحبها.
صفحة 6
من صفاته الجبن، لدرجة أنه إذا صَوَّتت مصارين بطنه في الليل يخلع قلبه الخوف.يدعي التصوف ويتزلَّف مكاشفي النوراني الذي
سُئل يوماً عن حقيقة تصوف المأمور فقال: إنه مؤمن عادي، لا جدال في أنه لو صَلَّى الوتر أكثر مما هو مُقَرَّر فسوف يشعر بالتميُّز
الفوري على باقي المصلّين
طُوله في قامة جذع شيطان مقطوع.دخل المسجد ذات مرة وشرع يتحدث عن حقيقة التصوف.فلم يجد أحد فقهاء الدراويش إلا الجشاء
التحتاني كتعقيب يليق بما قاله المأمور، فأطلقه مستفيضاً، ثم أعقبه بضحك مجاذيب الجشاء التحتاني والمفرقع أكثر وجاهة منه.
قابله السنجك بسعال لم يأخذ مداه بعد، إذْ لم يتخلَّص من المادة اللزجة التي تجذبه إلى داخل الحلق.تطايب الرجلان.وإنْ كان السنجك
لم يكن يسأل المأمور عن أحواله بقدر ما كان يتبرَّم منه؛ لتأتي إجابته للمأمور بضخامة وتَسَعَ أكثر من شخص: سيئون، سيئون جداً.إلا
أن المرض الكثير يجعلنا نستنتج أننا كنا ذات مرة أصِحَّاء.
خَفَضَ المأمور حاجبيه على نحو تدريجي ما جعل عينيه تغوران بصورة أعمق في محجريهما، مُدّعياً الغموض بهذه الحركة.
لن يفرغ فم الإنسان من التمني إلا إذا ملأه ترابُ القبر ودوده، يؤدي المأمور عبارته هذي بحنق وملء عينيه بلاهته التي تفشل دائماً في
أن تصير له الغموض،..
عندما يقول المأمور كلاماً من جنس المقولة السالفة يلوح في عينيه الاكتشاف والوقوف على أرض جديدة.هو أوضح رجل قابله
السنجك في حياته، كما إنَّ ادعاءه للغموض يشرحه أكثر.ربما لذلك شَرَدَ من فم السنجك ضحكٌ كالطيف، ليسأل بينما هو يتنحنح كي
تنقطع تلك المادة اللزجة،..
ما الأمر بالضبط؟،..
ليعيد المأمور ترتيب ملامح وجهه ليضعها في قالب فزورة جديدة ومتضجرة،..
هؤلاء المساجين يا السنجك.. أوفف.. لا نكاد نجيب مطالب أفواههم حتى تأتينا مطالب دبورهم،..
صمت المأمور لفترة ثم صرخ بهستريا يستحيل معها رَبْط ما سيقوله بالذي سبقه: مالها هذه الحمَّامات؟
السنجك لئيم لدرجة أن يخلع أحاسيسه بالبساطة ذاتها التي يخلع بها حذاءه، فقد خَلَع فوراً شعوره بالرثاء تجاه المأمور،..
بالذمة يا مأمور هل تَبَقَّت أصلاً حمَّامات لتسأل مالها؟،..
والمأمور ليس بوسعه أن يتمادى في مكابرته، فالروائح العفنة تبلغهما في ذلك المكتب.رائحة المخلّفات الهشَّة وهي تطفو على مياه
المجاري المسدودة، المياه التي أصبحت شِبْه طين تغطيه طبقة من زيت الخروع، تحتلَّها البقع الصفراء والبنفسجية وإلى آخر طيف
الخراء الذي تُلوِّنه الديدان،..
يتسحَّب المأمور بعيداً،..
ماذا أفعل أكثر من التسول؟ إي والله هذه مسؤولية من؟،..
قطع السنجك الإجابة للمأمور كالتذكرة المثقَّبة الكعب وناوله،..
صفحة 7
أها.. والله؟ فعلاً أنت لم تزد على أن كنت خليفة الإنجليز في مبنى أقاموه قبل مئات السنين.لم تُحَرِّض هِمَّتك لتتحرَّك الأشياء من حيث
أوقفها أولئك الناس،..
يتحَرَّر المأمور من مسؤولية السجن دفعة واحدة، بخفّة، وهكذا،..
أنت تظلمني يا سنجك.المحافظ نفسه حين قرأ مذكرة مطالبنا قال لي: لا تبالغ يا رجل، إنَّ وجود الناس عندك محض طُعْم، صارقيل
خاص تُصطاد به الأيام الميتة،..
يُخلي السنجك ضميره هو الآخر: لا بأس إنْ كان الناس يضعون الطُعْم على رؤوس السنارات ليربحوا شيئاً أكثر فائدة، فلا بُدَّ أنَّ
للمحافظ ما يربحه.فلينخسف السجن بمن فيه إنها ليست القضية! القضية أنَّ صيده هذا قد أصبح شعاراً لكل مؤسساتنا الوطنية
مضى زمن طويل قبل أن يفتح السنجك فمه الذي يُجَسِّد أسباب المجاعة،..
لم تَسْعَ يا مأمور في تنفيذ خطتي!؟،..
إنها هذيان.كيف يكون لهذا السجن موارده الخاصة ونحن نتسوَّل الرغيفة؟ اعْفِني من هذه الخطة يا السنجك أرجوك.أنا مدير سجن لا
بورصة.إنني رجل بسيط وواضح والحكمة عندي فوق كل شيء،..
بسيط وواضح؟.. وماذا؟ الحكمة عندك فوق كل شيء! ياه هذا أنت يا حضرة المأمور أم شِعْر أبي العتاهية؟،..
ولأنَّ السنجك رجل طموح ويُلَخِّص ذلك في قوله: إنني كائن يزيد على كونه مضخة طفيليات للمرأة، يتمادى،..
إنْ كُنَّا نريد اللحاق بالأمم فلا بُدّ أن نمشي خطانا قبل أن تقع ساقنا على الأرض،..
ثم تدَفَّق السنجك بصوت نهضوي هائل كأنما صاحت به مدائن الأرض كلها،..
كنت حاضراً يا سيادة المأمور حينما ألقى كل رجل طوبة يابسة في الخلاء فنبتت مدينة الفاو.انطلقنا نعمل صامتين وكالريح، لا تَخْلِق
لنا أصواتاً إلا الأشياءُ التي تقف في الطريق.أصواتاً جماعية.. هيلاهوب، ثم نرمي الجبل على قفاه ونُجْلِس الترعة في مكانه.لقد علفنا
ظهورنا بجمرة الشمس نهاراً، وذاقت جبال الفاو ولادة الظل ليلاً على أيدينا، فأضواء ورش المعسكرات الخلوية لا تخبو أبداً.هكذا قُلنا
للعرب الرُّحَّل: هذه فاوكم لقد قذفنا الرمح أولاً ليستقر في باطن الأرض.تماماً كما فعل عقبة بن نافع قبل أن يقول لجُنده: هذه
قيروانكم،..
سكت الرجلان سكوت أشجار يابسة على مقبرة نائية ومهجورة لا يزورها أحد ولا ريح.لقد بلغا بصمتهما مشارف الموت الدنيوية.
انحنى السنجك ناحية أحد الرفوف ليضع فيه كتاباً كان في يده.وليهمس،..
مَنْ تَقَدَّم بمطالب المساجين؟،..
الانفعال الفوضوي لرجل بلغ سن المأمور يبدو كالخرف المُبَكِّر بعض الشيء.قَفَز المأمور ثلاث قفزات في مكانه ثم أتى بالرابعة على
مكتب السنجك.كان قد نسي الملاعين.
التافهان بشرى وسانتينو،..
صفحة 8
يسترسل،..
كل الذين تُغْلَب فيهم الحكومة ترميهم لي هنا.إي والله هذه مسؤولية من؟ هذا الجنوبي وبشرى لا يفعلان مَا هُوَ طَيِّب أبداً.فقط رعاية
البلبلة والفتن.والمساجين الأغبياء ليسوا إلا أذنابًا لهما.أُشْهِدُ الله أن الدنيا جُنَّت أو عضها كلب مسعور،..
تتعلّق نَبْرة السنجك بأغاني الحقيبة، ونظرة عينيه بشيء لا يَبين،..
إنَّ الله لم يخلق شيئاً نافلة ليعترض مخلوق على وجود آخر.الدنيا تتغيّر يا رجل،..
ثَنَى المأمور رجليه أسفل كرسيه ودفعه للوراء قليلاً،..
فلتتغيَّر الدنيا كما يحلو لها، ولكن هنا ليست الدنيا،..
لم يعقب حديث المأمور صمت ولا خلافه، بل تلَطَّف المأمور بطريقة نسائية واستخبر: هل ينتمي بشرى لإسلاميين ما؟
لا إنه ولد صالح فحسب،..
لا تستطيع أن تجزم إن كان المأمور يشك في معلومة السنجك أو كان يُعَبِّر عن دهشته،..
إما أنَّ هؤلاء المساجين قد صاروا ألغازاً، أو أنني أصبحت غبياً وسيعجزني بعد الآن جدول ضرب الواحد، قالها ضاحكاً وبطريقة
مُعَيَّنة،..
أطلق المأمور صوتاً من النوع الذي يُمَهِّد للكلام المتكَلَّف.ولكن تحية الملازم محمد بدَّدَتْ ما كان سيقوله.حَيَّاه المأمور بتحية القواد
العسكريين وبادره الكلام متعجلاً وبنيّة المداعبة،..
آححح.. رائحة أولاد الخرطوم.الغريب أننا نستخدم العطور ذاتها ولكنها لا تمنحنا هذه الوصفة.ربما تنبعث روائحهم الخاصة من
وجودهم في خيالنا.إذ نحن نجلب عطورنا من الكريستيان ديور اللعينة ذاتها.إي والله هذه مسؤولية من؟،..
العبارة الأخيرة ربما سمعها المأمور في فيلم أو مكان ما.وفى تقديره لا تنقصها الأهمية ليمتنع عن قولها هنا وهناك، وحيثما وجَدَ
شاغر لسان.
تبادل السنجك تحية الإسلام مع الملازم محمد ولم يكترث للأناقة الخرطومية.وإن خانته يده وتحسست بِزَّة عُمّال الدريسة التي يرتديها منذ
أن عرف أن الناس لا يمشون عراة.جامل الملازم محمد قائده بابتسامة دَسَّ له فيها أن مداعبته لم تكن سوى تفاهة لا تليق إلا بأبله ينقل
الطعام بيده إلى المغرفة، ما جعل المأمور يدس يده على الفور في مسبحته ويدّعي الغرق الصوفي.فالملازم محمد قد تجاوزه بسفور
ووجّه حديثه إلى السنجك،..
أريد ملف دكتور بدوي خليل يا سنجك،..
لماذا؟،..
أنا لا دخل لي، إنها رغبة محاميه،..
ينحشر المأمور،..
صفحة 9
هؤلاء الرجال يحشرون أنفسهم في أحرج المواقف ويطلبون من الله العون،..
دَعَا السنجك الملازم محمد إلى أن يجلس حتى يجد له الملف.ولكن بشرط، أن يجلس كأي كلب محترم يذهب نحو ما أُلقي إليه من عظم
فقط، بدون طمع أو ترَدُّد.وذلك لأن السنجك لا يُسَلِّف كتبه مطلقاً.والملازم محمد لم يسبق له أن دخل مكتب السنجك وخرج بدون كتاب
قط.أثناء تقليب السنجك في الملفّات قال لنفسه، ودون أن يقصد قول شيء لأحد، وبطريقة تشبه التداعي،..
د.بدوي وكمال صنفان من بذرة غريبة.أينما قُبِرت نَمَتْ، وكيفما حُوربتْ كان لها ثمار.بذرة خزنها العفن وأنبتها، فالذي بذرها دبرُ
طائر،..
عَنْوَنَ الملازم محمد كلامَ السنجك لشخصه،..
د.بدوي انتهى أمره.لن ينجو من هذه الهاوية.ما هي إلا أيام ونعلف به الآخرة، يقولها الملازم محمد، وهو يمرجح الكرسي، ما يغيظ
السنجك بالضبط،.
يلتفت السنجك، الغيظ والسخرية في ماعون واحد للملامح،..
كأنك لا تعرف محاميه! لالوب الشيطان العاهر.هل تراهن على أن بدوي سيخرج من هاويته وينطلق إلى حيث يريد؟،..
أنت تقول ذلك لأنك تعادي هذا المحامي، يقول المأمور،..
بعد كساد عمومي لمخزون السنجك، يدمدم،..
يا حضرة المأمور العداوة شغل، وأنا لديَّ ما أعمله،..
ربما أحس المأمور بأنه نافلة في ذلك المكتب، وليس هنالك أحد يأبه بصداقته.وأنَّ الذين يرغب في مبادلتهم الحب لا يريدون مبادلته
حتى السلام.لذلك لجأ إلى التواصل معتمداً على قيمته العسكرية فأواصرها محترمة أكثر من أواصر الصداقة والقَرَابة.
ينتقم المأمور من الملازم محمد بلهجة تضع العسكري أولاً في بِزَّة وصفوف الباشبوزق، ثم تستفهمه،..
كيف الأوضاع عندك؟،..
أية أوضاع؟ إنها إسهالات ودُمتم، لم يسبق للملازم محمد أن اكترث لرئيسه قط، ولن يُرَقّيه الآن،..
تَفَرَّسَ المأمور وجهَ الملازم بحثاً عن اعتذار أو صيانة لتلك الإجابة الركيكة حتى قلة الأدب.ولكن الحرج فقط ولا غيره ما جعل
الملازم يضيف،..
أظن أنه من الطبيعي جداً ولا أكون قد استخدمتُ شجاعتي إن قلت لك إنَّ الأوبئة تُسهل المساجين أحشاءهم.هذا المبنى يفتقر للرحمة.
والبشر الذين نخزّنهم هنا يكسدون كل يوم يا حضرة المأمور،..
تناول الملازم ملف د.بدوي من السنجك الذي أفلت ضحكاً كالطيف.فقد ابتلعها المأمور بتمامها وحامضة، ولاكته هي في أحشائه
مغصاً.ولكن قبل أن يخرج الملازم محمد نادى فيه قائده آمراً،..
صفحة 10
اسمعْ، ارفعْ لي تقريراً بذلك.وإنْ لم تأتني به فَمُتْ من تلقاء نفسك ولا تضطرني لقتل أحد،..
أمرك يا فندم،..
جاءته من خارج المكتب وبصوت متخابث.وعاد هو ليدّعي الغرق الصوفي من جديد.
لم يفت السنجك أنَّ مقدمة ابن خلدون قد اختفت من فوق مكتبه.وبرغم ذلك انشحط في مكانه ولم يتحرَّك، كمحراث بلدي شَدَّته الثيران
حتى تقَطَّعت حبالُه، ثم تركته مغروساً في الهجير وحيداً وولَّت هاربة، وحتماً لن تعود إلى شقاها.
تَفَحَّصَ السنجك مكوّنات مكتبه،..
ثلاثة كَرَاسيّ كشرك الطير تماماً.. إما أن تباغتك بمصير مجهول، وإما أن تطردك على الفور.خزانات كتب مفكّكة استخدم سائر
الحيل ليحشر سرير نومه بينها.مرآة متوسطة الحجم ومسكونة بالأرواح؛ فحركة الأشباح فيها لا تنقطع أبداً.ترتفع بجانب مكتبه
مباشرة.ربما يستخدمها كمقبرة لوجوهه الميتة، فما إن تقترب منها حتى تصدمك رائحة الحنوط.أو ربما يُحَدِّد بها من خلال رؤية
وجهه في أي زمن هو.
بعض لوحات عميقة رُكّبت في الجدران المتصدعة على نحو مؤقت.هذه اللوحات تحسب لصالح مجهولية المكان أكثر من زينته.هنا
ينام ويأكل ويعمل! ما أسهل ترحيل دنيا السنجك.
قَلَبَ السنجك عينيه فخرجتا من محجريهما يصحبهما صليلٌ ولمعان، خروج خنجرين من غمدهما، تطلّع بهما ذابحاً الفضاء خارج
النافذة، ثم تمتم بذهول،..
ليس هنالك مَا هُوَ أدعى للتأثّر من بكاء رجل وحيد في بلاد غريبة ونائية.لا أدري متى تعتقني رائحة هذه الغرفة وألحق بالأيام.. ما
أغباك يا سنجك.. الشمس دائماً غربك تُجَدِّف في الغيوم.يا حليل ماريا.لكم هي الدنيا ضَيِّقة ولا تسع لجناح واحد عندما لا نعثر فيها
على الحب أو نفقده،..
شَخَصَ السنجك ببصره ناحية المكتبة فلاحت له كسفينة تغرق في الملح، ولا يحول بين أخشابها المتحطّمة وبين قاع البحر إلا أفواه
الحيتان، تستلبه فوضويات تلك الحالة ليواصل،..
المادية، المثالية، الوجودية، النسبية،.. وكل ضروب الهرطقات.. لا تعني أي شيء في غياب المرأة.لقد عشت مع ماريا حياة حقيقية،
اعتبرت معها حياتي السابقة ضرباً من ضروب التجريب.لم تكن المرأة أم ساقين التي نعرفها.بل فكرة المرأة نفسها في ذهن الخالق.
لقد كانت فارهة كالمعابد القديمة، كمصبّات الأنهار الخالدة، فارهة كثيراً وعلى غير طريقة البشر.إنه لشيء مؤسف ألاّ ترحل حبيبتك
إلى الأبد.ليس ثمة شيء على الإطلاق يرحل أو يبقى إلى الأبد،..
تأمَّل المأمور وجه السنجك فوجده كأنحاء أفق فوق المياه، خلا قبل قليل من النوارس.الرجل كان يستغيث بالفعل،..
لماذا تركتها إذن لو كانت تهمك؟، يسأله المأمور،..
السنجك كان لأول مَرَّة يكتشف أن ساقية الدم التي بأعماقه هي ذاتها القلب.إذ إنَّ المراسي تَعَلَّقت بألسنة الموج، وكل مكان أضحى في
عرض البحر.ينهنه، باتجاه المأمور الذي لن يفهمه في هذا الشوط من عمريهما،..