eKtab
EN ع
أحلام الأوركيدا
اقرأ عينة مجانية

أحلام الأوركيدا

بقلم دلندا الحسن

صفحة 1

عـبـر الـزمـن

 

من سحبٍ

طوّقت صفحةً من عنق السماء المتعالي

انفرطتْ متتالية

بلوراتٌ ثلجية

تهاوت برقّة ودلال

على كفّي الممدودة من النافذة،

دغدغتني بنعومة،

انتظرتُ حتى تراكمتْ حول البيت.

تناولتُ معطفاً كبيراً وطاقية صوف،

لن تصدقوا ماذا وجدت في الخارج!

برعماً صغيراً أخضـر ينتفض بقوة من بين الثلوج

غدوتُ محاطة من جميع الجهات بعشـرات البراعم،

كل عودٍ يطولُ أكثر وأكثر وأكثر، وبسـرعة

صفحة 2

لتتفتح زهرة كبيرة غريبة في نهاية الساق الشامخة، تليها أزهار صغيرة..

إنها هي..

أنا متأكدة..

أوركيدا،

زهرة الأوركيدا في الثلج؟!

مستحيل!

لا أدري كم لبثت متجمدة، أتأمل المشهد الفريد،

بلعت ريقي مرتين، وضحكت مرات،

جثوت على ركبتي،

أريد لمسها، مددت يدي وتراجعت،

أصابعي تحرقت برداً، ولهفة،

لم أحتمل جمالها.

بكفّين مرتعشـين، حضنت ما استطعت منها،

تملّكني إحساس بدغدغة في أصابعي ورأسـي..

ما هذا؟

صفحة 3

نبتت أوركيدات جديدة

نمت من جلدي، وعلى جسمي،

ناديتُ جهراً؛ يا رب!

الندفُ الثلجي توقف،

ضـياء اندفع من الأرض، شقّق الثلج،

فتوقفت عن النمو، وبدأ لونها يزداد دكونةً..

كفقاعات انفجرت، لتتلاشى في الفراغ، ناثرة غباراً ملوناً

امتلأت عيناي به، فلم أعد أستطيع فتحهما

أمسكت رأسـي بيديّ

وناديت همساً؛ يا رب!

تحولت إلى جسم أثيري،

بحثت عن نفسـي..

روحي محبوسة داخل زهرة الأوركيدا..

خرجت من شق صخرة مغروسة وسط هضبة، في جزيرة

شـرقُها وادٍ فسـيح لا نهاية له من الأوركيدات اليانعة..

وغربها ساحلٌ تقترب منه سفينة فكتوريا.

صفحة 4

هواء جاف. غيوم بعثرتها رياح من الشمال. قرص شمس ذهبي يرسل أشعته لتنحني بإجلال أمام السفينة الملكية المعتقة برائحة الورد الذي كان وسـيكون.

أنتظر بلهفة قدوم السفينة، أرصدهم من بعيد.

سترسو بعد دقائق في مرفأ بحري للجزيرة، سفينة كبيرة بحجم أحلام الملك الذي لا تغيب عن إمبراطوريته الشمس. نقش على أحد جانبيها بحروف لاتينية بارزة اسم فيكتوريا، تيمناً باسم جدته واستكمالاً لحملاتها السابقة في جمع زهرة مميزة جداً.

امتلأت أحشاء السفينة بالأدوات والصناديق، مع مجموعات بشـرية متكومة من الأصقاع كافة، متلاصقة ظهراً بظهر، لا يستطيعون الحركة إلا بصعوبة بالغة.

في إحدى تلك الغرف المعتمة، انكسـر شعاع رقيق من النافذة الدائرية الصغيرة، المغروسة في الجدار، على وجه الجد أحمد، الذي جلس مكوِّراً جسده الكبير، ضامّاً ساقيه بيديه الغاضبتين، ملصقاً أنفه بــ«قنبازه»([1]).

رمل حار ناعم، يطفئ لهيبَهُ تتابعُ الأمواج الناعسة التي ترتخي على شاطئ جزيرة مدغشقر، ذلك الذي تتموج رماله عند التقائها

[1])) القنباز: الثوب التقليدي للرجال في فلسطين.

صفحة 5

مع الماء كشعر مجعد لحورية منسـية، تتدحرج عليه ثمار جوز الهند الناضجة، تجري مع انحدار الأرض تحت الظلال ونحو الماء.

انتصفت الشمس في مدارها السماوي فوق رؤوس الجميع، تتحسس ملامحهم بأشعتها المتوهجة، تتابع بشغفٍ الأمتعةَ، تهبط سلالم السفينة محمولة على سواعد قوية للرجال، تتداخل ثرثراتهم مع أصوات النوارس المحلّقة بخفة في الأفق، لتنطلق جميع الأصوات نحو الفضاء وتذوب في الكون، ليصـيدها صامت أشنف سمعه للحقيقة.

الأجساد تتجه نحو اليابسة، تلتهم المسافات بشـراهة طمعاً بالخلاص، تنصت الشمس إلى صوت القبطان يوجه تعليماته للجميع.

ختم القبطان حديثه بجملة واحدة، صاكّاً على أسنانه:

لا أريد أن تبقى أيّ زهرة على الجزيرة. انطلقوا، في كل الاتجاهات.

لم يفهموا طلاسم لغته الغريبة عليهم. أدركوا، وهو يشـير بالمنجل على صورة للأوركيدا، الغايةَ والمطلوب.

صفحة 6

المناجل ذوات النصل الحديدية المعقوفة تتلقفها الأيدي. بخطوات واسعة يتقدم الجد أحمد متناولاً أحدها، صدره يتهدج بالآهات هاتفاً بالخلاص، فما عادت روحه تتحمل الفراق، الشمس تلسعه من الخلف بحرارتها، فيخلع قمبازه بعد أن فكّ عقدته استعداداً للعمل.

أنا روح في جسد الأوركيدا على الهضبة الوسطى، حاولتُ جاهدة أن أُنادي على الجد أحمد صاحب الكوفية، لأدلّه على وادي الأوركيدا في الجهة الشـرقية من الجزيرة، لكنه لم يسمعني.

فكرت في حيلة، فنشـرت عبيري نحوه.

أريجُ عبقٍ قاده بلا وعي إلى الوادي الواقع شـرقاً. وصل الهضبة وانحدر نحو شـريط من الغابات المطيرة، تجلت بعدها بجلال مهيب أوديةُ الأوركيدا، تردد في الإقدام والحزن يسحق قلبه، طالباً من الله المغفرة لما سـيلحقه بها، لكن لا مفر، عليه إنجاز العمل ليعود لأسـرته، كلما تذكرهم تمور الدماء في عروقه، ونار جامحة تأكله، وطاقة كبيرة تتعاظم في ساعديه، ضـربة من اليمين وأخرى من اليسار، لهاثه ما بين شهيق وزفير، يتردد صداه في الوادي.

صفحة 7

كلما ضـرب عنق زهرة، أغمض عينيه لتفرّ الدموع، تتطاير في السماء منقسمة إلى دمعات أصغر فأصغر، تبلل بتلات الأوركيدا من حوله لتبدو هي الأخرى باكية على حاله وحالها، استمر بضـرب أعناقها بهذيان محموم. عبست الشمسُ بغروبها، الليل ينشـر حبره على السماء الصافية، والنجمة الأولى تلمع في عتمة مسـرح الفضاء. الجد أحمد ممدّد على الأرض بالقرب من الصناديق الممتلئة بالأوركيدا، منجله على صدره، وستائر السماء تنكشف لحظةَ وداع زوجته.

عيناه تجحظان وهما تجترّان المشهد عندما حضـرت تلك السـيارات المتوحشة، تجمع الرجال قسـراً لجوفها، خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

يمناه تمسك الفأس، يسندها إلى كتفه العريضة، حبات عرق ممزوجة برائحة البرتقال والزيتون تكلِّل جبينه الأسمر الذي قبّلته الشمس، كوفية تظلل رأسه، عين تحفظ في ذاكرته لحظة الوداع، أنف يملأ حواسه برائحة تراب الحقل، شهيق قوي يُسْكر عقله فترتعش يده.

صفحة 8

التفت نحو بيته مُرْخياً فأسه عند العتبة، تسمرت جوارحه، تتقدم زوجته نحوه ليقبّل جبينها ويتنفس عبيرها، وتجري ابنته الصغيرة لتحضنه بلهفة.

هي انتفاضة أرض، قهر وغصة شهقت بها أرواحهم، احدودبت الأرض من تحتهم، ما بين حضن ودمعة وداع كجبل متراصّ.

مدت الطفلة الصغيرة خديجة يدها نحو أبيها قائلة:

 أبي، خذ هذه الأزهار، أعطها لهم، لا تسافر، وابقَ معنا.

أخذ يتلمظ الذكرى من خياله، شعر بغثيان، وصداع شديد يفتت رأسه.

خطوات قاسـية لأحذية قادمة نحوه تدوس على شـريط الذكريات لتمزِّقه، يتحلّق القبطان ورفاقه البحّارة حول نار أشعلوها بالقرب منه، تحت سماء النصـر.

استمعتُ إليهم باهتمام وهم يتحدثون.

استطردوا بحديثهم عن الأوركيدا، برم القبطان شاربه الأبيض وعدّل نظّارته فوق أنفه الأفطس.

وَجّهَ حديثه لرفاقه قائلاً:

  ماذا ستفعلون بحصصكم من زهرة الأوركيدا العظيمة؟

أجاب أحد الجنود بصوت متحشـرج:

صفحة 9

 أريد أن أصنع من براعمها الصغيرة، شـرابَ الحب لي ولزوجتي، حتى يمنحنا الله الولد الذي لطالما حلمت به، انقضـى على زواجي خمس سنوات، نفد صبري. هذه رحلة عمري، لأن البراعم الكبيرة يُصنع منها شـراب الحب الخاص لإنجاب الإناث.

قاطعه جندي يجلس مقابله ملوّحاً بإحدى الإوركيدات:

 كان جدي ضمن الجنود الذين عينتهم الملكة لحراسة حدائقها المزروعة بالأوركيدا. اختارت طاقماً خاصاً من أمهر المزارعين والعمال ليعتنوا بها.

وقال أحد الجنود:

 رُصدت جوائز خيالية للرحّالة، وأقيم يوم وطني لصائديها نُظمت فيه مسـيرات عسكرية للنجاح الذي حققته. وَوُزعت الأوسمة على الأبطال. وأُحضـر أشهر الرسامين من أوروبا لرسم زهرتها المفضّلة.

رفع القبطان رأسه ناظراً للأعلى بزهو:

 جدي هو أول بحّار بريطاني يحضـر أزهار الأوركيدا من جزر الباهاما عام 1732، ثم واصل والدي المسـيرة،

صفحة 10

وأحضـر أجملها من الصـين، ومن جزر الإنتيل خصـيصاً، لتُزرع في الحدائق الملكية الإنجليزية، إلا أن الإسبان سبقونا بإدخال سحلب الفانيلا بعد إحضاره من موطنه الأصلي في المكسـيك.

وقال جندي آخر:

 أريد أن أتزوج. خطيبتي لن تُتِمّ مراسـيم الزفاف إلا إذا أحضـرتُ لها الأوركيدا تميمةً لزفافنا.

يضحك الجميع وهم يهتفون: فكتوريا.

الجد أحمد قلق، يفكر بمعجزة تنقذه من محنته، أحاول أن أهدهده لينام، أحرِّك النجوم أمامه، يَعُدُّها بالتتابع، أُشكلها برسومات لينصهر في دورانها، وينام.

توالت الأيام وانتهت المهمة، السفينة تتهادى بخيلاء على ماء المحيط، بما تحمله من صناديق مُلئت بأغلى زهرة عرفتها الإنسانية، تاركة خلفها على الشاطئ شواهد حجرية صمّاء، لأرواح بُذلت في سبيل الرحلة الملكية، لاقت حتفها بسبب عراك دامٍ مع سكان المنطقة، أو قتال مميت مع طائر الشبنم.