eKtab
EN ع
أحلام الياسمين في زمن الرخام
اقرأ عينة مجانية

أحلام الياسمين في زمن الرخام

بقلم د.آية عبدالله الأسمر

صفحة 1
الفصل الأول
 
دخلت أحلام شقتها الصغيرة وأخذت تنظر في جميع أرجائها وزواياها كأنها تتفحصها لأول مرة، فبالرغم من أنها تسكنها من شهر إلا أنها لم تعتد عليها بعد· جميع الجدران كانت خالية إلا من ساعة حائط خشبية على شكل كوخ بني، يعلوه قرميد أخضر عُلقت في غرفة الجلوس، ومرآة مستطيلة مؤطرة بإطار ذهبي رفيع معلقة على حائط غرفة النوم المواجه لباب الشقة·
 
ولأن طاولة الطعام بكراسيها الست من الخشب البني الداكن، وكذلك طاولة بيضاوية تتوسط كنب غرفة الجلوس بفرشه الأخضر الباهت، فمن السهل جدًا من النظرة الأولى ملاحظة ذرات التراب والغبار المُكدسة هنا وهناك على جميع قطع الأثاث، ولا سيما على جهاز التلفاز متوسط الحجم بلونه الأسود وطاولته الصغيرة السوداء بزجاجها الأمامي· وعلى زجاج مكتبة صغيرة التهمت كتب السنوات الماضية التي التهمتها الأغبرة المتدافعه من النافذة المفتوحة المجاورة لها، حتى أكواب الشاي المنسية من الليلة الماضية، وكتاب مادة الوراثة الجزيئية بغلافه الأزرق، لم يسلم شيء في الشقة من المناورات الاستطلاعية الروتينية لجنود الغبار والأتربة·
 
حتى سريري وسرير سوسن ومكتبها وخزانتها وحقيبة ملابس من الجلد الأخضر، لم أجد لها مكانًا تحت السرير بعد أن أفرغتها من محتوياتها، فوضعتها بجانب مكتب سوسن، جميعها تعلن بجرأة إهمالنا لها وتتهمنا بالتقصير في تنظيفها والعناية بها، إلا أن اتهامها أقل جرأة من اتهامات قطع أثاث غرفة الجلوس بسبب لونها البني الفاتح، أعلم أن كلا الغرفتين يعاني من القدر نفسه من الأتربة ووطأة الأوساخ، وأن كلاً منهما يجسد المشكلة ذاتها، إلا أن قدرتهما على الاحتمال تختلف، مثل بني البشر، منهم من يتحلى بقدرة هائلة على التعبير، عن الغضب وعن البكاء وعن الاستياء والثورة، وعن الفرح والضحك والامتنان والحياة، ومنهم من يتحلى بقدرة هائلة على الصمت، على حمل عبء الحياة بكبرياء يقتلع من مآقيهم الدمع ومن تربة حناجرهم صوت الشكوى وجذور السخط حتى تهدأ زوبعة أعمارهم بسلام·
 
تنهدت أحلام ملء رئتيها وألقت حقيبتها على سريرها، ذهبت إلى المطبخ لتخرج من البراد كوب لبن، وتفاحة حمراء صغيرة وقطعة جبن بيضاء فتناولتها جميعها بسرعة ولا مبالاة، وكأن معدتها قطة جائعة تريد أن تتخلص من موائها بأي شيء تلقيه لها حتى تكف عن مضايقتها، ودون أن تبدل ملابسها ارتمت على سريرها لتخلد إلى النوم·
 
استطاعت أحلام، إثر تعب يوم جامعي مثقل بالمحاضرات والمختبرات، أن تغرق في نومة عميقة استمرت ثلاث ساعات متواصلة، فلم تشعر بصديقتها سوسن التي جاءت تزحف على أرصفة التعب الذابلة تحت أغصان خريف حافٍ إلا من الغبار الحزين والشجن الأصفر، دخلت سوسن إلى الغرفة بابتسامتها الملائكية الهادئة التي امتزجت بشيء من الشفقة وكثير من الحنان، عندما قرأت سطور التعب على وجه أحلام النائم، فأحضرت لها غطاءً خفيفًا ألقته عليها بحدب، ثم نزعت نقابها وحجابها وجلبابها ودخلت إلى الحمام لتتوضأ وتصلي صلاة الظهر قبل أن يحين وقت العصر·
 
كانت سوسن من أولئك البشر الذين لا يمكن أن تنساهم، لا يمكن أن تكرههم أو حتى تنتقدهم، ولا يمكن لك حتى أن تصبح مثلهم، مهما حاولت، لأنهم نتاج سنوات طويلة من الرعاية الأسرية الهادئة والتربية الدينية المعتدلة، فلقد نشأت سوسن في بيت مزركش بتفهم أب واعٍ، ومطرز بحنان أم مثقفة، ومرصع بحب أخوات حنونات، أي أنها ترعرت في أحضان سوية بالرغم من ظروف أسرتها المادية الصعبة، فلقد كان والدها رجلاً عصاميًا مكافحًا، وصل إلى مرتبة أستاذ جامعي بجهده وسهره وتعبه، ولم تقف أبحاثه وأعماله حاجزًا بينه وبين بناته، فدأب منذ صغرهن يعلمهن كيف يكون المرؤ إنسانًا حقيقيًا ليحيا حياة حقيقية، أخذ يقسم لهن العالم وبني البشر إلى صدق وكذب، خير وشر، أمل ويأس، حب وكراهية، وعلمهن كيف يفرقن بين الجرأة والوقاحة، بين الحياء والخجل، بين الكبرياء والغرور، بين تواضع النفس وهوانها، بين البساطة والسذاجة، بين الحرية والانحلال، بين غنى النفس وغنى الحبيب، بين الجد والكد والتخبط والنزق، بين التوكل على الله في كل مسعى والاتكالية عليه في كل أمر·
 
ولم يكن لينجح في ذلك من دون والدة هي بحر من الحنان لا قرار له، وفضاءٌ من الثقافة والوعي لا أفق له· لم تكن والدة سوسن موظفة إلا أنها لم تكن إنسانة جاهلة، ولم تكن عبئًا على المجتمع بطلباتها ومتطلباتها، بل كانت عطاءً بلا حدود لزوجها وبناتها الثلاث وأقربائها وجيرانها ولكل من عرفها·
صفحة 2
كانت خلافاتهما السطحية القليلة لا تتعدى حجرة نومهما، وصوتهما لا تعلو نبرته في أي حال من الأحوال، ومشاكلهما المادية يتم حل عقدها بينهما أولاً، ثم مناقشتها مع بناتهن اللواتي فهمن أن الحياة شيئٌ أكبر وأعمق وأوسع وأرفع وأسمى بكثير من مجرد تلبية سريعة لكل رغبة أو حاجة أو رفاهية مادية تتخم البطون والعقول· ولم يكن ليكتب لهما النجاح في تربية بناتهما لولا انتهاجهما كتاب الله وسنة رسوله، لينهين جميعهن المرحلة الدراسية الابتدائية وهن يحفظن القرآن الكريم عن ظهر قلب، وينهين المرحلة الدراسية الثانوية وهن متفقهات في أمور دينهن عبادة ومعاملة، ومنهجًا للحياة وطريقًا للآخرة، مواظبات على صلواتهن وصيامهن وحجابهن، بيقين لا يعرف الشك إليه طريقًا، وبسماحة لا تعرف للتطرف بابًا، وبحلم وسعة صدر بعيدين عن التعنت والتزمت، وبقوة تلين عند الحاجة، وبحجة قوية وفهم واعٍ وثقافة عالية، وإدراك عميق لمعنى الحياة·
 
لهذا كانت سوسن كواحة الصحراء، كندى الفجر، كنسيم الصيف البارد، كزهرة تفوح بشذاها العبق أينما حلت على جميع من حولها، كانت أمًا لكل من عرفنها حتى من يكبرنها سنًا، صديقة لكل من تحتاجها، وملاذًا لكل المنكوبات، ومنارًا لكل الضائعات، لقد كانت عملاقًا برحابة صدرها ودفء قلبها وصدق كلماتها، لهذا كانت لها قدرة هائلة على استيعاب كل أنواع الفتيات، المنقبات والمجلببات والمحجبات والسافرات والمسلمات والمسيحيات والصغيرات والكبيرات·
 
كانت سوسن من خارج هذا الزمن أو من بطن أعماقه، من فضائه الخارجي أو من زواياه الخفية، المهم أنها كانت موجودة ·
 
استيقظت أحلام مفزوعة لإحساسها بأنها نامت أكثر مما يجب، وبمجرد أن نظرت إلى ساعة يدها هبت من سريرها وكأن مسًا شيطانيًا أصابها، ركضت إلى الحمام ثم توضأت فصلت صلاتي الظهر والعصر معًا، وكالفراشة المذعورة انتقلت إلى المطبخ لتعد كوبًا من الشاي، وبينما هي تنتظر الماء ليغلي على النار صنعت لنفسها شطيرة بيض أكلتها وهي تعد الشاي، ثم أخذت كتاب الكيمياء الحيوية من على مكتب سوسن النائمة وأغلقت عليها الباب بهدوء، وذهبت إلى غرفة الجلوس لتجلس على طاولة الطعام وتبدأ الاستذكار، مرت ساعتان أو أكثر وهي تقرأ بعينيها أحيانًا وبصوت مرتفع أحيانًا أخرى، تستعين بالكتابة لتتمكن من الحفظ، أو تنهض من مكانها وتسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة، وهي تردد ما حفظته بصوت مرتفع ثم تعود لتقرأ بعينيها من جديد·
 
وفي هذه الأثناء استيقظت سوسن، ولأنها شعرت في نبرة صوت أحلام شيئًا من الخوف، والعصبية والاضطراب، لم تشأ أن تقطع عليها دراستها، حيّتها بسرعة وذهبت للوضوء والصلاة، ثم أعدت هي الأخرى شطيرة بيض وكوب (نسكافيه) وطبقًا من السلطة، وضعت بعضه في طبق وضعته بجانب كتاب أحلام على طاولة الطعام، وتناولت هي كتابها، كتاب مادة الإدارة الصيدلية والإعلام الدوائية، وجلست على الطرف الآخر من الطاولة·
 
أنهت أحلام جملتها ثم نظرت إلى سوسن بابتسامة متعبة وسألتها عن أخبارها وأمور يومها، فحمدت سوسن ربها وأخبرتها أنها في أحسن حال، وأنها سعيدة جدًا؛ لأنَّها تمكنت من تقديم محاضرة في مادة الصيدلة السريرية والعلاج الدوائي بشكل فاق توقعات زملائها وزميلاتها وحتى أساتذتها، فنالت ثناءً وتقديرًا ما كانت هي نفسها تتوقعهما، وأخذت تشرح لأحلام كيف استطاعت أن تنال من بعض الحاقدين ممن هم في دفعتها، الذين أخذوا يسألونها أسئلة بعيدة كل البعد عن صلب موضوع المحاضرة بقصد الإيقاع والاستهزاء بها، والانتقاص من شأنها أمام أساتذتها، لكنها كانت لهم بالمرصاد، حتى إن الأستاذ الأول للمادة نهض من مقعده في نهاية المحاضرة وقبل أن يخرج من القاعة قال بصوت مرتفع وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضى، وإعجاب وتقدير موجهًا كلامه للأساتذة الآخرين:
 
* إن كانــت هذه الطالبة تعي كل مواضيع المادة وموادها الأخرى بهذا العمق نفسه، وبهذا المستوى نفسه فهي مؤهلة للتخرج الآن لا نهاية هذا العام· وأعقب ذلك بضحكة عالية مجلجلة أثناء خروجه من القاعة أثارت استحسان الأساتذة وكثير من الطلبة، وغضب القليل منهم وحقدهــم·
صفحة 3
كانت سوسن تتحدث إلى أحلام بشغف كبير وسعادة غامرة، خاصة أنها لم تأل جهدًا في التحضير لهذه المحاضرة، ولم تترك بابًا إلا تطرقت إليه بإسهاب، ولم تتخيل سؤالاً إلا حضرت له إجابته مسبقًا، وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن انتهت من صلاة الفجر، قرأت سورة يس طالبة من الله العون والمساعدة، فكان توفيق الله·
 
أما أحلام التي كانت تنصت إلى صديقتها باهتمام كبير، أحست بعدوى السعادة تنتقل إليها، بل شعرت بالفرحة والراحة والطمأنينة، إذ إنها أدركت أن سعادة سوسن هذه وتوفيقها سيساعدانها فيما بعد، لأنَّها تدرك أنها على حافة الانهيار·
 
تنهدت سوسن بعينين مشرقتين مزروعتين بسنابل الأمل والسعادة، كانت تشعر في تلك اللحظات أن العالم بلا حدود، وأن الطموح بلا قيود، وأن المستقبل أمامها أضحى ميدانًا فسيحًا، وما عليها سوى الجري والجري بكل ما أوتيت من قوة وعزم وإرادة وإيمان، تنهدت سوسن وتناولت طبق السلطة وأخذت تأكل منه وهي تسأل أحلام عن أحداث يومها:
 
* جاء دورك الآن ها· ماذا فعلت اليوم؟
 
تنهدت أحلام بعينين ضبابيتين أحرق سنابلهما التعب والحزن والملل، ثم أجابت: لا شيء جديدًا، بعد محاضرة الدكتور سمير الشبابيني خرجنا جميعًا نلعن الوساطة وأبا الوساطة، التي مكنت رجلاًَ مثل هذا الرجل من الوصول إلى منصبه هذا لنتحمل نحن وحدنا تبعات جهله واستهتاره وغبائه·
 
* ولكن، ألم تخبريني أنكم أرسلتم شكوى باسم الدفعة لعمادة الكلية؟ ألم يفعلوا شيئًا؟· سألت سوسن·
 
بالطبع فعلوا، اتهمونا بالإهمال والتقصير، وأعطونا دروسًا في أخلاق الطالب وواجباته وحتمية احترامه لأساتذته، بل إن فصل تامر ونهال من الكلية كان عقابًا لهما لكونهما المحرضين الأساسيين لرفع الشكوى، وتحذيرًا لنا من أي محاولة جديدة· أرأيت ماذا فعلوا وكيف استجابوا!!؟؟·
 
* ومتى تم فصلهما؟؟
 
أجابت أحلام بصوت ملغوم بالقهر والظلم، ومذبوح على أرصفة السخط والغضب:
 
بالأمس، بالأمس فقط أعلن رسميًا عن فصلهما، وشكوكنا جميعًا تدور حول أحمد، أحمد اللورد، أخبرتك عنه مرارًا، ولم لا؟ فالطيور على أشكالها تقع، فهو مثل دكتور سمير، كلاهما استخدم نفوذه للحصول على ما يريد، دكتور سمير استخدم منصب عمه الوزاري بدل الاعتماد على الأبحاث والدراسات، وأحمد كان يعلم منذ صغره أن منصب والده في الحكومة يهيء له - دون أي تعب أو جهد - مقعدًا دراسيًا في الجامعة، فلم يشغل باله بمستوى تحصيل علمي أو تفوق أكاديمي، وقد كان دائمًا من أوائل المدافعين عن الدكتور سمير بل والمتملقين له، فهو يعلم أن اسمه وحده كفيل بأن يمنحه النجاح عند أمثال هذا الدكتور وبتقدير جيد أيضًا، ولقد كان هو وثلة أصدقائه وصديقاته ممن وجدوا بيننا، بالطريقة نفسها، يتململون من ضيقنا بالدكتور سمير، وبعدم قدرته على إيصال المعلومة لنا لأنَّها غير موجودة عنده أصلاً·
 
وأتبعت كلامها بآهتين زفرتهما من أعماقها المتعبة العاجزة، عن استيعاب عالم يصر على السير إلى الوراء وقوفًا على اليدين بقدمين في الهواء·
 
* لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله· أخذت تحدث سوسن نفسها·
 
لم ترغب أحلام في الاستسلام لسحب الكآبة التي بدأت تتجمع في فضاء الغرفة، فواصلت بصوت محايد ونبرة عالية بعض الشيء:
 
بعدها ذهبت إلى دائرة الكهرباء ودفعت الفاتورة ثم فاتورة الهاتف، ومنه إلى دائرة الأحوال المدنية لتجديد هويتي الشخصة، وكالعادة كدت أتشاجر مع الموظف هناك لوقاحته، لا أدري متى سيتخلى العالم عن منظاره الجنسي الشوفيني الظالم؟ وسيبطل قول يوسف إدريس: جسد المرأة هو المرأة وعقل الرجل هو الرجل!·
صفحة 4
وواصلت: أحضرت ملابسي من الكوّى (المغسلة) ثم أحضرت بعض الخضرة من السوق، ثم مررت بصاحب المنزل في الطابق الأول وأعطيته أجرة هذا الشهر، ثم عدت إلى المنزل حتى إن مت أموت في بيتي معززة مكرمة لا على أرصفة الشوارع بين المارة!·
 
ضحكت كل منهما وسوسن تتمتم: بعد الشر، بعد الشر·
 
ثم سألت أحلام: * وامتحان الكيمياء الحيوية؟
 
فتنهدت أحلام تنهيدة أدركت معها سوسن قوة الإعصار الآتي، فصمتتا وتابعتا دراستهما، ولكن لم يمضِ على صمتهما واستذكارهما ساعتان، وإذ بأحلام ترفع يدها اليسرى في الهواء، وتهوي بها على كتابها مبعدة إياه ليسقط عن الطاولة ويجد نفسه ملقىً وسط غرفة الجلوس، وهي تصرخ بهستيرية مفزعة:
 
أكرهه، أكرهه، هو السبب، نعم هو السبب، أكرهه، أنا لا أستطيع، لا أستطيع····
 
وأخذت ترطم رأسها بالطاولة أمامها ودموعها الفارة من عينيها المتفجرتين قهرًا وحزنًا تهرب على شكل قوافل مزدحمة متواصلة مسرعة، لتفسح الطريق لمزيد ومزيد من الدموع الحبيسة منذ زمن، منذ الطفولة، منذ الأزل···
 
ذعرت سوسن حين رأت جسد أحلام ينتفض بكل هذا الجنون، فركضت نحوها وحضنتها واضعة رأسها على صدرها وهي تربت عليه وتقول: * بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ، أحلام ، عزيزتي، تعالي، تعالي·
 
وأخذتها لتجلسا جنبًا إلى جنب على الكنبة الكبيرة المواجهة للطاولة، حيث النافذة الرئيسة للغرفة خلفهما مفتوحة، والسماء ممتدة على شكل لوحة زرقاء صافية تلفعُها بعض الأوشحة الحمراء والبرتقالية والصفراء تلوح بها الشمس لهما لتخبرهما أنه قد حان وقت الرحيل·
 
* استعيذي بالله من الشيطان الرجيم، ما بالك يا أحلام؟ أعرف أن مادة الكيمياء الحيوية هذه لا تروق لك ولكنه العام الدراسي النهائي، ولن يجبرك أحد بعد ذلك على دراستها، أما إذا تخاذلتِ من الآن فسوف تشكل لك عقدة لن تتجاوزيها بسهولة أبدًا، ثم إنني عهدتك قوية فلا تفسدي الأمور وهي في خواتيمها، أحلام أرجوك اعتبريها كالدواء، هو مرّ المذاق لكننا نحتاجه للخلاص من مرضنا وعجزنا، نريد منه الفائدة لأنفسنا·
 
أثناء حديث سوسن كان وشيجُ أحلام قد خفت قليلاً، وقوافل دموعها أخذت تتباطأ وتتكاسل في أواخر سلاسلها، فأخذت منديلين مدتهما لها سوسن لتمسح آثار الغارات الدمعية التي أغارت على وجهها وأذنيها ورقبتها· كان وجهها في تلك اللحظات متوهجًا كقرص الشمس في مهد الغروب، مسكونًا بالوجع، بالقهر، وباليأس، كانت أنفاسها المتلاحقة ودقات قلبها المتسارعة وصدرها المتأرجح بين الصعود والهبوط كلها أخذت تهدأ شيئًا فشيئًا· واصلت سوسن فرك يدي أحلام بإحدى يديها واضعة اليد الأخرى على ظهرها تمسحه بها، وقد لاذت بالصمت تنتظر خطاب أحلام الذي تتوقع معظم ما سيأتي به·
 
نظرت أحلام إلى الأرض أمامها، وحاولت أن تركز عينيها التائهتين وسط غابات كثيفة من الذكريات الحزينة على شيء محدد حتى استقرت على بقعة داكنة من السجاد بجانب طاولة الوسط البيضاوية كانت قد اتسخت بالشاي منذ يومين، وأخذت تمعن فيها النظر حتى اخترقتها وواصلت بعيدًا، عميقًا، ثم أبعد وأعمق·
 
تعلمين جيدًا يا سوسن أنه ما من أحد سواي يمكن له أن ينجز ما قمت أنا بإنجازه حتى الآن، فقد استطعت اجتياز الأعوام الثلاث السابقة بنجاح باهر بل وبتفوق وامتياز، بالرغم من كراهيتي لكليتي وللعلوم الطبية المخبرية، ولم يكن حلمي في يوم من الأيام أن أدرس هذه العلوم الطبية المخبرية، ولم أستطع بالرغم من كل محاولاتي أن أتقبلها، أو أستسيغها، لا أستطيع، فأنا أكره مادتي الكيمياء والأحياء حتى الموت، أمقتهما، تعلمين أن رغبتي وحلمي كانا في الهندسة المعمارية، لماذا إذًا أنا هنا بين الجراثيم والمركبات والمحاليل، ؟ لم كل هذا القهر طوال سنوات أربع؟·
 
* وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، ربما يا أحلام····
 
لا، لا يا سوسن، لا تواسيني بهذه الطريقة، فهذه الآية تنطبق على كل الحالات إلا على حالتي هذه، فأنت تدركين أنني مذبوحة بمقصلة نظام متعسف ومجتمع ظالم وأب أناني، فبالرغم من تفوقي وتحصيلي الدراسي الجيد لم أتمكن من الالتحاق بالكلية التي أريد، هناك من هم غير جديرين بمقاعدهم يجلسون على مقعدي ويحتلون مكاني، ما الذنب الذي اقترفته حتى تجور علي القوانين الظالمة بهذه القسوة؟
صفحة 5
* لقد قلتها يا أحلام، إنها القوانين والأنظمة، ونحن لا نملك تجاهها شيئًا، كما أنك لست وحدك من تعاني من هذه المشكلة، هي مشكلة ممتدة الجذور في عمق القوانين والروتين والنظام في معظم جامعات العالم تقريبًا، وقدرة الإنسان المتميز تكمن هنا، تكمن في قدرته على تطويع الظروف المتاحة له لمصلحته ليخلق منها الإنسان الذي يريد، القوة الحقيقية ليست في أن تتيسر جميع المعطيات التي نرغب بها حتى نصنع منها ما نريد، بل القوة الحقيقية تسكن في إرادة جبارة قادرة على قلب المعادلات لصالحها، قادرة على تسخير كل المعطيات مهما كانت قاسية ومجحفة وعكسية، تسخيرها لما يناسبها، فللعسل نحله اللاسع، وللوردة شوكها المدمي يا أحلام·
 
ولكن يا سوسن، لو كنت شابًا لما اضطررت لأن أتحمل كل هذه المشقة، ولسافرت مثل أخي أسعد إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الهندسة، لِمَ استطاع هو وحده أن يدرس في الكلية التي يرغب وفي البلد الذي يريد؟·
 
* ظروف أسرتك يا أحلام···
 
أرجوك لا تقولي ظروف أسرتي، فظروف أسرتي مكنتهم من إرسال أخي أوس الذي نجح بمعدل دراسي منخفض العام الماضي إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة، لدراسة إدارة الأعمال· إنها ليست ظروف أسرتي، لكنها عقليتهم المحنطة في توابيت التعفن الفكري التقليدي، إنه والدي الأناني الظالم، آه لو يعلم كم أكرهه، فهو وحده المسؤول عما أعانيه منذ سنوات، بل منذ طفولتي، وما سأعانيه وسأبقى أعانيه طوال عمري·
 
* أحلام، لا تكوني وقحة، إنه والدك·
 
والدي؟ أنا لا أعترف بوالدي، لأنه لم يعترف بي كإنسانة لها حق الاختيار كأخوَي، سوسن أنا قد حصلت في الثانوية العامة على معدل يفوق معدليهما الاثنين معًا، لِمَ لَمْ يكن عادلاً بيننا إذًا؟ لِمَ لم يكافئنا كلاً حسب جهده؟ يحجب الثقة عني مع جدارتي بها؟ لِمَ لا يعتمد علي فأنا أهل لذلك؟ لم يرفض الإنفاق علي بسخاء مثل أخوي؟ لأنني فتاة؟ لأنني سأتزوج؟ وهل ينتظر من أسعد أو أوس أن يساعداه في المستقبل؟ هل يظن هذا المسكين البائس أنهما سيشعران نحوه بالولاء؟؟ لا، أقسم أن لن يفعلا، أؤكد لك ذلك، فها هو أخي أسعد، لقد أنهى دراسته منذ حوالى ثلاث سنوات، لم نره خلالها سوى مرة واحدة ولمدة أسبوع واحد فقط!·
 
ثم ارتفع صوتها بنبرات مهزوزة متشنجة يقطعها البكاء، وقد عاد جسدها ينتفض مرة أخرى وهطلت دموعها من جديد، وتابعت:
 
لِمَ لم يفكر هذا الأحمق مثل والد شيماء صديقتي؟ لقد أرسلها والدها إلى كندا لدراسة هندسة الجينات الوراثية، وهو يفاخر بها وبقوة شخصيتها وبذكائها الفذ، وتفوقها المتميز وقدرتها على تحمل المسؤولية وإصرارها على الاستمرار، إنه يفاخر بها أكثر من أخيها· لقد أرسلها إلى كندا وهو مؤمن بأن التعليم الجامعي للإناث أضحى ضرورة تفوق بكثير التعليم الجامعي للذكور، وذلك كي يضمن لها حياة كريمة تجنبها ذل الحاجة والتشرد بعد موته، فلا تضطر للانزلاق في مسلك قذر يدفعها له الجهل والفقر والحاجة، لِمَ فكر والد شيماء بمستقبلها بطريقة واعية مثقفة؟ لقد أرادها شابة حاصلة على أحسن الشهادات الجامعية من أرقى جامعات العالم، محققًا لها بذلك وضعًا اجتماعيًا مميزًا من ناحية، وواهبًا إياها حياة عزيزة لا تكون فيها عالة على أحد من ناحية أخرى· لِمَ لَمْ يكن والد شيماء والدي؟ لِمَ والدي أنا هذا الأكرم أبو العزم المحترق أنانيةً وجهلاً وتخلفًا؟ لِمَ، لِمَ؟·
صفحة 6
* لأن والد شيماء هو والد شيماء، ووالدك هو والدك، ثم إنك تبالغين في ظلمه، فوالدك أيضًا أرسلك إلى هنا لتحصلي على شهادة علمية جيدة من جامعة جيدة، أعلم أن باستطاعته إرسالك لدراسة الهندسة التي تريدين في أي مكان من العالم، ولكنها طريقته في التفكير هي التي منعته، وهذا من حقه، وليس من حقك أنت أن تملي على والدك ما ينبغي عليه فعله، نهجه في الحياة، وطريقته في التفكير وكيفية تعاطيه مع الأمور، هذه يا أحلام نتاج سنوات طويلة من التربية والتنشئة، والحياة، والخبرة تترسب في أعماق الإنسان حتى تصبح جزءًا منه، ونحن نعلم أنها في بعض الأحيان ليست جميعها صائبة وصالحة للاستخدام، لكن عملية تجاهلها أو استبدالها بمفاهيم ومعتقدات وأفكار جديدة تتناسب مع الفترة الزمنية المعيشة هذه عملية صعبة وشاقة؛ لكونها تمثل دفن جزء حي من أعماقنا، وانتزاع خلايا موجودة فعليًا في أدمغتنا لنزرع مكانها خلايا فكرية جديدة، وليس كل البشر قادرين على مثل هذا التغيير، والد شيماء الذي تتحدثين عنه هو نفسه، وكما حدثتني فيما مضى، أنهى دراسته الجامعية بصعوبة بالغة نظرًا للأعمال الشاقة التي كان عليه القيام بها للحصول على الطعام وأجرة السكن ومصروف المواصلات وثمن تصوير الكتب، ألست من أخبرتني أن والده رفض التحاقه بالجامعة وأمره بمساعدته هو وأخيه في تجارتهما؟ أرأيت كيف تتشابك خيوط الحياة بطريقة مذهلة معجزة؟ فطفولة والد شيماء القاسية وظروف حياته الصعبة والمشقة الكبيرة التي جابهها ليحصل على شهادة جامعية، ومحاولة والده حرمانه من حلم كان يدغدغ خياله منذ نعومة أظفاره، وشعوره هو بهذا الظلم وخوفه على حلمه الذي حاولوا أن يسرقوا نجمه من ليل أحلامه، كل هذه المعاناة عادت عليه بصورة إيجابية، وانعكست على شخصه ونهجه وفكره بطريقة ناجعة طورته، ونمّت فيه المقدرة على الإحساس بالآخرين وباحتياجاتهم ومعاناتهم، متجنبًا بذلك الظلم والقسوة والتعسف، ونابذًا الأفكار العتيقة الجاهلة الهدامة، بل إن والد شيماء استطاع أن يمزق شرنقة زمن والده وزمنه هو أيضًا ليُحلّق بفكر واعٍ على أجنحة مستقبل أبنائه بما يلزم هذا المستقبل من متطلبات وبما يستوعب من متغيرات، ليدور بعقل أسرع من عجلة الزمن· ولكن يا أحلام هذا مثال فريد، وهذه شخصية حياتية نادرة الوجود، لأنَّها تتطلب قدرة نفسية هائلة، وعمقًا فكريًا غنيًا، واستعدادًا شخصيًا فطريًا، وهذا استعداد لا يوجد لدى البشر جميعهم، بل من المستحيل وجوده لديهم جميعًا، وإلا لما تفاوت الإخوة الأشقاء في طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم واتجاهاتهم، بالرغم من أنهم محاطون ببيئة واحدة ومعرضون لظروف فكرية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية متشابهة· إن استعداداتنا الفطرية، وطبائعنا الشخصية، وجيناتنا الوراثية، وأقدارنا وألواحنا المكتوبة، كل هذا يشكل جزءًا رئيسًا وهامًا منا، بل هو محور ذواتنا وسبب تفاوت ردود أفعالنا، وبه تتحدد أطر مستقبلنا، ومن خلاله نكون من نكون·
 
آه
 
تنهدت أحلام بعينين أنطفأ اشتعالهما بماء كلمات سوسن وقالت:
 
أما والدي فاستعداداته ضئيلة وعمقه ضحل، وشخصه لم يتمكن من استيعاب الزمن والأحداث والمتغيرات، لم يحاول اقتلاع جذوره من تربة جدباء قاحلة بحثًا عن الخصوبة والنماء، لهذا كرر معاناته معنا بالكيفية نفسها، وطبق نظرية والده في التعامل مع زوجته وأبنائه بحذافيرها· لم يكن بمقدوره أن يُشرّح طفولته إلى أجزاء حانية ممتعة مفرحة لينثر شذاها في بساتين طفولتنا، وأجزاء أخرى قاسية جائرة مؤلمة يجنب عصافير طفولتنا مرارتها، بل على العكس، لقد أصر ودون وعي منه، على أن نتجرع المرار الذي تجرعه هو، أصر دون أن يدري أن يمارس التسلط ذاته الذي مارسه والده عليه، من قبل، بالنهج نفسه وبالكيفية نفسها وبالعقلية ذاتها، أُدرك أنه ربما لا يقصد الإساءة إلينا نحن أبناءه بقصد الإساءة، ولكني أدرك أيضًا أنه لا ذنب لي في كل هذا·
 
* وتدركين أيضًا أنه كان قادرًا على أن يحرمك من الدراسة الجامعية، مكتفيًا بشهادة الثانوية العامة، ليسجنك بزواج ترتمين خلف قضبانه عارية حتى من هذه الشهادة التي لا تريدين، ألم يفعل والده ببناته، عماتك، هكذا؟ إذًا فوالدك لم يقف عاجزًا محنطًا في توابيت التعفن كما تدّعين· لقد حاول، لا بد لك من الاعتراف بهذا، لا تكوني جاحدة يا أحلام، اغفري له إساءته غير المقصودة، سامحيه على كل الألم الذي سببه لك بشكل خاص ولعائلتك بشكل عام، اعذريه، فلم يكن بمقدوره أن يكون أفضل مما هو عليه، ثم إنه والدك، وحبه واحترامه واجبٌ عليك·
 
صمتت أحلام· لم تقنعها جمل سوسن الأخيرة، وأحست باستحالة تحقق ما طلبته منها· أحست أحلام أن سوسن لأول مرة في حياتها تهذي وتتحدث برومانسية وخيالية بعيدتين كل البعد عن الواقع، لكنها لا تلومها، فهي لا تعلم الحقيقة الكاملة، ولا تدري أن الجرح أعمق من الكلية والجامعة، إنه جرح ممتد بطول عمرها، ووجعه أشد من أن تُسكّنه الكلمات والغفران، جرح نازف ملتهب لوّن بصديده دماءها وسمم خلاياها وشوّه أعماقها وسوّد أفكارها·
 
جرح لا تداويه المواساة يا سوسن فكرت أحلام·
 
واستمر صمتها، فهي تدرك أن بكاءها وحزنها وكراهيتها للمادة لن يُغيّروا جميعًا من موعد الامتحان غدًا، كما تدرك أيضًا أنها أضعف من أن تهزم· فمن الصعب جدًا عليها، وهي الإنسانة التي اعتادت ركوب المجد والانتصار، أن تنزلق في وادي الهزيمة·
 
غريبة جدًا هي هذه النفس البشرية، تمتلك قدرة هائلة على النهوض بعد السقوط، والاستمرار بعد التعثر، والإصرار على النجاح بعد الفشل، بشجاعة يشار إليها بالبنان· حتى إذا ما حققت الانتصارات واحدًا تلو الآخر، وتدفقت إنجازاتها وفاضت، نجِدُها ترفض استقبال أي طيف للفشل، خائفة من مجرد فكرة التعثر والسقوط، عاجزة عن مواجهة الألم وكأنها لم تعرفه يومًا، وكأنه لم يكن دافعها الوحيد للنهوض والاستمرار والنجاح·
 
لم تدر سوسن ما الذي يدور في ذهن أحلام في تلك اللحظات بالتحديد، لكنها كانت تعلم أن ثورتها قد هدأت، وأنها قادرة على متابعة الاستذكار الآن، بعد أن نظّفت قلبها من كل الأوجاع والأحقاد والأسخاط المُكوّمة على أرصفته، فقبلتها على خدها واستأذنتها لتذهب لصلاة المغرب قبل فوات وقتها، وانصرفت· نهضت أحلام من مكانها رافعة يديها في الهواء متثائبة، ونظرت إلى النافذة خلفها ففوجئت بسرايا الليل تقبل واحدة تلو الأخرى، وقد اطمأنت لزوال إمبراطورية النهار وسقوط عرش الشمس، رافعة نجومها اعترافًا واضحًا باحتلالها المنطقة السماوية·
 
فأدركت أحلام أن الوقت تأخر وأن آذان العشاء سيداهمها خلال تأديتها لصلاة المغرب، لهذا لم تكن على عجلة من أمرها مثل سوسن بل دخلت المطبخ وأخذت تعد العشاء لهما، ثم بعد ذلك صلت صلاتي المغرب والعشاء معًا، ودعت الله أن يوفقها في امتحان الغد، وأن يغفر لها تقصيرها، ويلهمها الصبر ويمنحها القوة والعزيمة والإيمان كي تتمكن من إتمام هذا العام بتفوق مثل كل عام، شاكرة له فضله عليها، معترفة بجحودها نادمة عليه·
صفحة 7
الفصل الثاني
 
لم تستطع أحلام مقاومة رغبتها الجامحة في معرفة نتيجتها في امتحان الكيمياء الحيوية السابق، فخلعت كل أثواب النعاس والإرهاق عن جفنيها الرازحين تحت وطأة السهر والاستذكار، ونهضت تضيء أنوار النشاط والحركة في جسدها المتحفز دائمًا لإحراق حطب الكسل والخمول· ارتدت ملابسها بعد أن اختارت قميصًا رماديًا مخططًا بخطوط بنفسجية طولية، قميصًا ضيقًا بعض الشيء مبرزًا صدرها الممتلئ الناهد ، مع تنورة بنفسجية تضيق عند محيط خصرها الضيق ثم تبدأ بالاتساع تدريجيًا حتى أسفل ركبتها اليسرى بقليل، بحيث ينتهي الطرف الأيسر قبل الطرف الأيمن الذي يستمر حتى منتصف ساقها اليمنى، وتناولت حقيبة رمادية داكنة مستديرة صغيرة الحجم من خزانتها ووضعتها على السرير، ثم أخذت حذاءً رماديًا داكنًا بكعب عالٍ ارتدته على جوارب نسائية رمادية من النايلون الشفاف· كانت تعلم أن هذه الألوان الهادئة تتناسب مع بشرتها الحنطية الصافية· لم ترتدِ أي شيء من الحلي، ولا حتى قرطًا في أذنيها، لكن تصفيف شعرها البني الفاتح استغرقها وقتًا طويلاً بالرغم من قصره، ربما لأنَّها رغبت في أن يكون مختلفًا بعض الشيء اليوم بالذات، ولأنه بالكاد يلامس كتفيها، ونظرًا لنعومته الشديدة فلقد كان من الصعب عليها أن تبدع فيه كثيرًا، إلا أنها بعد أن يئست أخذت تضع فيه مشابك صغيرة ملونة بألوان مختلفة بصورة عشوائية مرتبة، وما إن انتهت من وضع الكحل الأسود حول عينيها البنيتين الواسعتين، مبالغة بمد خط الكحل على الطرف الخارجي من عينيها حتى يزيد من اتساعهما، ومع تعريض الكحل وتركيزه ازداد بياضهما بياضًا، وبرز اللون البني الفاتح لحدقتهما· مرّرت أحمر الشفاه ذا اللون البنفسجي الفاتح على شفتيها الصغيرتين، وما إن انتهت من اللمسات الأخيرة حتى نظرت إلى نفسها في المرآة فابتسمت كاشفة عن أسنان بيضاء صغيرة مصفوفة بعناية فائقة، فازدادت ابتسامتها اتساعًا عندما أعجبتها زينتها، فذهبت باتجاه الخزانة وفتحتها لترى نفسها بصورة كاملة على المرآة الداخلية للخزانة؛ فازداد إعجابها بنفسها واتسعت ابتسامتها·
 
لم تكن أحلام فارعة الطول، إلا أنها لم تكن قصيرة، ولم تكن ممتلئة لكنها لم تكن نحيلة، وبالرغم من أنها ليست فائقة الجمال، إلا أنها فاتنة بمعنى ما، لها سحرها الخاص وضباب سر ما يحيط بها يجعلها تبدو مغرية وشهية·
 
هل هو جمالها وحده؟ أم هي ابتسامتها الحانية؟ أم نظراتها الصافية؟ أم حركاتها وتصرفاتها البريئة؟ أم خفة ظلها؟ ثقافتها الواسعة؟ شخصيتها الجريئة بأدب والمرحة برزانة؟ أم طلاقة لسانها وعذوبة ألفاظها ولباقة حديثها وعمق أفكارها وسعة أفقها؟ هل هو ذكاؤها المتوقد وسرعة بديهتها؟ أم طموحها ونشاطها؟ أم هو هذا الجنون المسكون في خلاياها المشتعلة إصرارًا؟ ربما كل هذه الأسباب مجتمعة شكلت مزيج جمالها الباهر، وخلقت هالة من البريق تحيط بها أينما كانت، لقد كانت مثل مثلث برمودا فيها جاذبية قوية غامضة!
 
لملمت أحلام أقلامها وأوراق دوسية مادة علم الدم، ثم وضعت شيئًا من العطر وأخذت بعض النقود من خزانتها، ثم خرجت بسرعة إلى الجامعة، وهناك بقيت حوالي نصف ساعة وحيدة جالسة تنتظر الدكتور عيسى قلاد، دكتور مادة الكيمياء الحيوية؛ لتسأله عن نتائج امتحان الأسبوع الفائت· كانت الساعة التاسعة وهي تعرف أن الدكتور عيسى لن يحضر قبل العاشرة اليوم، فاليوم الأحد وهو بالتأكيد في الكنيسة الآن، لكنها آثرت أن تحضر مبكرة قبل مجيء زملائها لتسأله عن نتيجة الامتحان، فبالرغم من حبها واحترامها للدكتور عيسى، وبالرغم من شرحه الوافي للمادة ومحاولته الدائمة إيصال المعلومة لجميع الطلبة بصورة سلِسة ومُبسّطة، وقدرته الفائقة على تحليل كل مركبات المادة إلى عناصرها الأساسية، وتفكيك كل جزيئاتها إلى ذراتها الأوّلية حتى يتمكن من تمريرها في دهاليز خلاياهم الفكرية بسهولة ويسر؛ باذلاً كل جهده ووقته لهم ولمادته ولعمله، إلا أن كل هذا لم يُمكّن أحلام من حب المادة أو فهمها بالشكل المطلوب· كانت تشعر دائمًا بأن ذكاءها يخذلها في هذه المادة، لهذا كانت تشتعل خوفًا قبل كل امتحان لها، وتحترق رعبًا بعده، خشية أن لا تحصل على درجة مرتفعة ترفع رأسها أمام أستاذها الذي تحترم وتقدر، درجة تشي له بتفوقها واجتهادها·
صفحة 8
* مرحبًا أحلام، ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت المبكر؟ المفترض أن نكون في المستشفى بعد ساعتين من الآن أليس كذلك؟ أم أنك تنتظرين أحدًا؟
 
فاجأتها زميلتها سارة وقد كانت آخر إنسان ترغب في رؤيته الآن، فابتسمت مُرغمة:
 
طالما أن عملنا في المستشفى سيبدأ بعد ساعتين من الآن؛ فما الذي جاء بك أنت إذًا إلى هنا؟
 
* عندي موعد مع أحمد·
 
أحمد اللورد؟
 
* طبعا أحمد اللورد، وهل من الممكن أن يكون أحمد مصطفى أو أحمد خليل مثلاً؟ الأول شاب متدين متشدد والثاني خجول يتعثر في ظله·
 
ولكن منذ متى؟
 
* لا، لا تسافري بفكرك الماكر إلى بعيد، إنه ليس موعدًا غراميًا، جئت فقط لأعطيه مُذكّرة الأمصال وآخذ منه دفتري، فقد أخذه مني من يومين ليُصوّره، تعرفين أن أحمد لم يحضر ولا محاضرة واحدة العام الماضي لمادة الوراثة الجزيئية· وأنت كيف حالك؟ إن هذا العام يثير اشمئزازي وأشعر به أطول من الأعوام الثلاثة الماضية ؟ أليس كذلك؟
 
بلى هو كذلك·
 
* هل سمعت بالمناظرة التي ستُعقد بين الدكتور ناظم القبلي من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والدكتور سمير الشبابيني أستاذنا الأسبوع القادم؟
 
مناظرة؟ حول ماذا؟!؟
 
* أُخبرك مقابل ماذا؟
 
هيا سارة تكلمي
 
* حول البطل المغوار زعيم الأمة
 
جمال عبدالناصر؟
 
* نعم، ولكن غريبة أنك لم تقرئي الإعلانات من الأمس·
 
لم آت إلى الجامعة بعد أن انتهيت من دوامي في المستشفى بالأمس، كنت متعبة فعدت إلى المنزل مباشرة، ولكن ما الذي يعرفه رجل مثل سمير الشبابيني عن عبدالناصر ليعقِد مثل هذه المناظرة؟ آه كم أشعر بالتقزز من هذا الرجل الوصولي الأبله·
 
* ولأنه وصولي كبير والدكتور ناظم القبلي قومي أصيل سوف تكون المناظرة ممتعة بالتأكيد، أتعرفين ما الهدف من وراء إجراء مثل هذه المناظرة في هذا الوقت بالتحديد؟ هناك جهات يهمها جدًا أن تدحر جنود الشجاعة والوطنية والقومية العربية، والوحدة الكبرى والصمود، وكل تلك الشعارات التي استعمرت عقول بعض الشباب واستوطنت أفكارهم، تدحرها أمام النظام العالمي الجديد وفي وجه الدول العظمى، الدكتور سمير يريدنا أن نكون أكثر واقعية وأن نفكر بعقولنا بجدية لا بعواطفنا برومانسية·
 
وكأنك فعلاً ضد هذه الشعارات التي نادى بها عبدالناصر وينادي بها كل القوميين الشرفاء!
 
* أنا؟ أنا لن أحضر المحاضرة أصلاً، لأنني لست مع عبدالناصر ولا ضده، وغير مهتمة بالسياسة ولا بالأحداث السياسية الجارية الآن ناهيك عن أحداث ما قبل خمسين عامًا، ثم للسياسة رجالها الذين إما أن يعتصروا منها مصالحهم حتى آخر قطرة، أو يموتوا همًا وغمًا عندما يخذلهم الواقع المرير، ويفترس أحلام وطنيتهم أمثال عبدالناصر وأحمد ياسين وعبدالقادر الحسيني وعبد العزيز الرنتيسي· أنا أُفضّل الابتعاد حتى عن الحديث في الأمور السياسية، أي إنني أفضل السلامة، أريد النجاة بنفسي من محيط الكلية لا الغرق فيها طوال العمر، ولا أريد أن يكون مصيري مثل تامر ونهال·
صفحة 9
ولكن نحن السياسة، ننشغل بها رغمًا عنها لأنَّها تتحرش بنا رغمًا عنا، تُشكل تفاصيل يومنا الصغيرة والكبيرة، ونشكل نحن قالبها وقلبها، فهي تصاغ لنا، ونتائجها تنعكس علينا وعلى حياتنا اليومية ومستقبلنا بصورة مباشرة، والحديث فيها بل والمشاركة في صنعها من حقنا· ثم إن نهال وتامر لم يُفصلا بسبب السياسة، لقد كانا يدافعان عن حقوقنا، عن حقنا···
 
* أحمد، أحمد، عن إذنك يا أحلام، أنا آسفة لمقاطعتك، سنكمل حديثنا فيما بعد، أراك لاحقًا، مع السلامة، أحمد·
 
تركت سارة أحلام وهي منزعجة جدًا، شعرت بضيق شديد، لم تدر أي يد بالتحديد امتدت لتخنقها؟ هل هي رؤيتها لأحمد وهمّام ومُنى وسمر، مما جعلها توقن أن لقاء سارة بهم ليس مجرد مذكرة ودفتر، بل لا بد أنهم ذاهبون لأحد الأساتذة أو طلبة الدراسات العليا ليشرح لهم بعض الدروس؟ أم هل هي اليد التي تمتد نحوها دائمًا كلما ظهر لها شخص شعرت من خلال حديثه أنه مناهض لجمال عبدالناصر؟ أم ربما مجرد رؤيتها لسارة وحديثهما معًا هو من أيقظ أشباح الضيق في صدرها؟ ربما! فلقد كانت سارة في يوم من الأيام صديقة مقربة لأحلام، لكن الأيام بمرورها والعشرة بعمقها والملازمة بطولها تُعري بني البشر من الأقنعة وتنزع عنهم قشور تملّقهم وزيفهم، وتزيل مظاهر خداعهم وكذبهم لتطفو حقيقتهم المتعفنة برائحتها المنفرة· لهذا لم تستطع أحلام الاستمرار مع سارة بنفاقها ووصوليتها وانتهازيتها، لم تستطع استيعاب شخصيتها المزدوجة ونفسيتها المريضة، فلقد كانت ثرثارة وكثيرة النميمة، مُجدة في التنقيب عن سلبيات كل إنسان ومن ثم عرضها في أسواق الثرثرة والنميمة، بل كانت مجدة ومثابرة في خلق هذه السلبيات إن لم توجد، ولها قدرة فائقة على الشتم والقذف والتشهير بالناس في غيابهم ثم عناقهم والثناء عليهم، وتملقهم في حضورهم، متقنة دور الصديقة الوفية الطيبة، تتفنن في تغيير لون جلدها كل لحظة كالحرباء، فلم تستطع أحلام أن تأتمنها كصديقة وهي تعلم جيدًا أن الكون كله عند سارة يدور حولها وحدها، ويصب فيها وحدها ويبدأ من عندها لينتهي إليها، ولما كانت أحلام فتاة مستقيمة في أفكارها وتصرفاتها، صادقة في كلامها وأحاسيسها، وثابتة على مواقفها ومبادئها، فلقد كانت النهاية الطبيعية الحتمية لصداقتهما هي الفشل، ولكن هذا الفشل كان مؤلمًا بالنسبة لأحلام، لم يكن مؤلمًا من باب الندم على سارة والأسف على صداقتها، لكن كان مؤلمًا وموجعًا لأنه كشف لها عن افتقارها للحاسة السادسة وافتقادها للبصيرة التي يمكن أن ترى بها دواخل الناس من خلال نظراتهم ونبرات أصواتهم، فلقد كانت أحلام وبحكم نشأتها التقليدية المقيَدة بالموانع والحواجز، والمحاصرَة بالوعظ والإرشاد، والمقتصرة على أخذ العظة والعبرة من قصص الآخرين، دون خوض غمار الحياة فعليًا، محرومة من هذه الهبة التي لا تهبها سوى الممارسة الحية للحياة· كانت عاجزة عن السفر في نظرات الآخرين، والبحث بين السطور عن معاني الكلمات المزدوجة، الحياة بالنسبة لها كانت ذات بعد واحد، ثم اكتشفت في علم الرياضيات أن للأشياء بعدين وإحداثيين، ثم تبين لها بعد ذلك في علم الفيزياء أنها ثلاثة أبعاد (X-Y-Z)، ثم اتضح لها اليوم في علم الحياة أن الأبعاد أكثر من أن تعد وتحصى، ولكن علم الحياة لم يجُد عليها بهذه المعلومة كرمًا وفضلاً، لقد توصلت إليها بجهدها وبعنائها وألمها وانكسارها ودموعها وحزنها، فلطالما تألمت من أعماقها ورفضت بعنف هذه الحقيقة المُرّة القاسية البشعة عن الناس وعن الحياة، إلا أن سارة استطاعت أن تُثبِت لها تلك النظرية وبإتقان هندسي مدروس، لم تستطع معه أحلام إلا الاستسلام بعد عامين من الصداقة·
 
* صباح الخير·
 
صباح الخير دكتور، صباح الخير دكتور، دكتور، عفوًا لو سمحت
 
* نعم يا ابنتي، هل من خدمة؟
 
بصراحة، أشعر أنني لم أبلِ بلاءً حسنًا في الامتحان السابق، وأريد فقط أن أطمئن، أرجوك
 
ضحك الدكتور عيسى ونظر نحوها نظرة والد حانٍ مشفق:
 
* غدًا سأعلن لكم النتائج·
 
أعلم دكتور، لهذا أنا هنا، أرجوك، أخشى أن تكون نتيجتي سيئة وأنا لست معتادة على هذا، فأرجوك أخبرني الآن، أريد فقط أن أطمئن
 
* ما اسمك؟
 
أحلام
 
* أنت أحلام أكرم أبو العزم؟
 
نعم، نعم دكتور، أنا هي، أحلام أكرم أبو العزم
 
فضحك ضحكة علا صوتها وربت على كتفها قائلاً:
 
* مثلك يا أحلام لا يجدر به أن يكون خائفًا وقلقًا هكذا، أريد منك ثقة أكبر بنفسك وبقدراتك، ولو لم تكن نتيجتك ممتازة لما حفظت اسمك، لا تخافي، اطمئني، واجلسي غدًا في الصفوف الأولى من المدرج، هل من خدمة أخرى أقدمها لك؟
 
شكرًا جزيلاً دكتور، شكرًا جزيلاً·
صفحة 10
* مع السلامة إذًا·
 
مع السلامة دكتور، وشكرًا
 
تنفست الصعداء، ودون أن تشعر وجدت نفسها تقفز وتصرخ سعيدة غير مكترثة بالمارة، وأخذت تدندن بكلمات أغنية عبدالحليم:
 
ضحك ولعب وجد وحب، عيش أيامك عيش لياليك، خلّي شبابك يفرح بيك، عيش بالروح والعين والقلب···
 
واتجهت نحو مستشفى الجامعة، وبينما هي متجهة إلى هناك، مرت بإعلان يشير إلى المناظرة التي ستعقد حول جمال عبدالناصر، لكنها فوجئت أن الإعلان كان يتحدث عن انعقاد المناظرة في الأسبوع المقبل، دون أن يأتي على ذكر أسماء الأساتذة المشاركين أو حتى أسباب المناظرة وأهدافها!
 
فمن أين جاءت سارة بكل تلك المعلومات إذًا؟!
 
كانت الساعة الرابعة والنصف حينما أنهت أحلام مختبر الأحياء الدقيقة، فخرجت مسرعة تريد العودة إلى المنزل، والفرحة بنتيجة امتحان الكيمياء الحيوية تحرق حقول الصبر في أراضي رغبتها في لقاء سوسن؛ لتخبرها بحصولها على ثاني أعلى درجة مكررة في الامتحان، لكنها سمعت صوت منى صديقتها يناديها أثناء نزولها الدرج فتوقفت والتفتت نحوها:
 
مرحبًا منى، كيف كانت التجربة الأخيرة؟ مزعجة أليس كذلك؟
 
* آه يا أحلام، أرجوك لا تذكريني بأحداث ذلك الكابوس الذي كنا فيه في غرفة الأشباح تلك·
 
أشعر بهذا العام يمر بسرعة رهيبة، لقد بدأنا الفصل منذ حوالى شهرين مرّا كأنهما يومان، ولم يتبقَ سوى شهرين للامتحانات الفصلية، وبهذا نكون قد اجتزنا النصف الأول من العام، حينها يتبقى لنا حوالى خمسة أشهر للانعتاق النهائي، فكري بالأمر من هذه الناحية، لن يكون هناك عام دراسي قادم، سيصدر قرار الإفراج أخيرًا، آه، يا رب·
 
* طبعًا أنت تتحدثين بنبرة واثقة من النجاح بل والتفوق، أراهن أن هاجسك لا يتعدى إطار التفوق، أمّا أنا فأبقى رهينة الخوف والقلق من الإكمال أو الرسوب·
 
إذًا فنحن نشترك في كوننا لدينا هواجسنا ومخاوفنا·
 
* هل تستهزئين بي يا أحلام؟
 
ها ها ها، لا ، والله لم أقصد الاستهزاء قط·
 
* اسمعي، أنا وسمر وسارة وراجح وزياد ذاهبون للكافتيريا، سنتناول الغداء هناك، هل ترغبين في الحضور معنا؟
 
هل من شيء مميز؟
 
* لا، سنتناول الغداء ونتحدث كالعادة·
 
ألم تقولي من لحظات إنك خائفة، لِمَ لا تذهبي للاستذكار قليلاً بدلاً من الجلوس في الكافيتيريا؟
 
* أحلام، أكرهك عندما تتحدثين كالمتفوقين الذين يكرسون حياتهم الجامعية للدراسة فقط·
 
آه منى، أنت تعرفين أنني لست كذلك، وأنني أحاول مشاركتكم في جميع مناسباتكم، وأهتم بالنشاط الاجتماعي والثقافي في الكلية· إنني ضد مبدأ سحق الحياة الجامعية تحت عجلات المحاضرات الأكاديمية والمكتبات والمراجع والكتب الدراسية، ولكن ما فائدة الجلوس يوميًا في الكافيتيريا لساعات وساعات لا نفعل شيئًا سوى قص الأحاديث المعادة وتكرار الكلام ذاته ورؤية الوجوه نفسها، وسماع النكات القديمة والخوض في أحاديث لا تغني ولا تسمن من جوع؟
 
* وهل هذا هو رأيك بنا يا أحلام؟ شكرًا جزيلاً يا صديقتي العزيزة·
 
انتظري يا منى، لا تذهبي، لا تفهميني خطأ، تعرفين أنني أحبكم، وأنكم أصدقاء مقربون لي ولكنه العام الدراسي النهائي، ثم إنني لست مثلكم أعود إلى منزل هادئ لأجد أسرتي المُحِبّة في انتظاري وغرفتي نظيفة وحاجياتي مرتبة، وطعامي جاهز وساخن، وما علي سوى الاستذكار والنوم، تعرفين أنني أتكفل بكل أموري وحدي، وهذا يجعل وقتي ضيقًا، سامحيني على ما قلته لك، تعرفين أنني لا أقصد إيذاء مشاعرك أو مضايقتك، فلا تكوني حمقاء·
 
* حسنًا، حسنًا، لا بأس، أقنعتني بعض الشيء، إلى اللقاء، أراك غدًا·