eKtab
EN ع
أحمد العقاد
اقرأ عينة مجانية

أحمد العقاد

بقلم عبير الطاهر

صفحة 1


1
اسْمي أَحمدُ العَقّادُ. أَسْكُنُ في بِنايَةٍ في الطَّابِقِ الْـخَامِسِ. لَدَيَّ أُخْتٌ شَرِسَةٌ أَصْغُر مِنّي بِسَنَتَيْنِ. إِنَّها تُقَلِّدُني في كُلِّ ما أَفْعَلُهُ.
لا أَسْتَطيعُ التَّخَلُّصَ مِنْها إِلاّ بِصُعوبَةٍ.
تُــــراقِبُني طَــوالَ الْوَقْــــتِ، وَتُفْشي جَميعَ أَسْراريَ الْـخَطيرَةِ. (عَلى فِكْرَةٍ) اسْمُها ريما.
أُمِّي تَعْمَلُ (سُكرتيرَةً) في إِحْدى الشَّرِكاتِ، وَأَبي مُوَظَّفٌ في الْـمَصْرِفِ (الْبَنْكِ). لا أَدْري لِماذا كُلَّما ذَكَرَ أَحَدٌ اسْمي أَمامَهُما يَظْهَرُ الْقَلَقُ عَلى وَجْهَيْهِما. كُلُّ سُكَّانِ الْعِمارَةِ يَنْظُرونَ إِلَيَّ بِحَذَرٍ. لا أَدْري ما السَّبَبُ.
 

صفحة 2


إِنَّني أَعْتَرِفُ، لَقَدْ ارتَكَبْتُ خَطَأً فادِحاً.
في الصَّيْفِ الْماضي، أَذْكُرُ يَوْماً حينَما كُنْتُ أَتَجَسَّسُ عَلى جارِنا الَّذي يَسْكُنُ
في الطَّابِقِ الأَوَّلِ، شاهَدْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِالْهاتِفِ بِصَوْتٍ خافِتٍ:
" نَعَمْ، لَقَدِ انْتَهى كُلُّ شَيْءٍ، وَضَعْتُ لَهُ السُّمَّ في الطَّعامِ، نَعَمْ , دَفَنْتُهُ تَـحْتَ شَجَرَةِ الصَّنَوْبَرِ الَّتي تَقَعُ خَلْفَ الْبِنايَةِ، لا، لَـمْ يَرَني أَحَدٌ مِنَ الْجيرانِ".
ماذا؟ ماتَ، سُمٌّ، دَفَنْتُهُ، قَلْبي يَكادُ يَقْفِزُ مِنْ مَكانِهِ! هذِهِ جَريـمَةٌ بِالتَّأْكيدِ. إِنّي أَشُمٌّ رائِحَةً نَتِنَةً.
أَنا لَـمْ أَرْتَـحْ يَوماً إِلى جارِنا هذا، شَكْلُهُ مُريبٌ، لا يُكَلِّمُ أَحَداً مِنْ سُكَّانِ الْعِمارَةِ، وَيَسْكُنُ وَحْــــدَهُ في الشَّقَّةِ، لا أَحَدَ يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئاً، ولا نَرى أَحَداً يَزورُهُ، أَوْ يَسْأَلُ عَنْهُ.
( واللهِ وَقَعْتَ يا أَبا عليّانَ)..
 

صفحة 3

2

كَما أَتَذَكَّرُ مِنَ الأَفْلامِ الْبولِيسِيَّةِ الَّتي أُشاهِدُها:

أَوَّلاً: عَلَيَّ إِيجادُ أَداةِ الْـجَريمَةِ.

ثانياً: إِخْراجُ الْـجُثَّةِ، وَمِنْ ثُمَّ مُواجَهَةُ الْمُجْرِمِ، وَنَزْعُ الاعْتِرافِ مِنْهُ، حَسَناً، وَلكنْ كَيْفَ أَسْتَطيعُ إِيجادَ أَداةِ الْـجَريمَةِ؟ كَيْفَ؟!

صفحة 4

آهٍ.. لا بُدَّ أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ زُجاجَةِ السُّمِّ، وَرَماها في الْقُمامَةِ!!

بَعْدَ لَحَظاتٍ كُنْتُ أَقِفُ أَمامَ صَناديقِ الْقُمامَةِ.

الْـحَمْـــدُ للهِ، سَيَّـــارَةُ الْقُمامَــةِ لَـمْ تَأْتِ بَعْدُ، يَجِبُ أَنْ أُخْـرِجَ مُـحْتَوياتِها فَوْراً، وَأَنْ أُفْرِغَ الْأَكْياسَ كُلَّها قَبْلَ أَنْ يَراني أَحَدٌ، وَيَعْتَقِدَ أَنَّني أُصِبْتُ بِلَوْثَةٍ مِنَ الْـجُنونِ.

أُفٍّ، إِنَّ رائِحَةَ (الزُّبالَةِ) لَقاتِلَةٌ، وَلكِنْ مِنْ حُسْنِ الْـحَظِّ أَنَّني أَخَذْتُ احْتِياطي، وَأَحْضَرْتُ مَعِيَ قُفَّازَيْنِ وَقِطْعَتَيْ

صفحة 5

فَليَّنٍ لِسَدِّ أَنْفي، وَبَعْدَ انْقِضاءِ ساعَةٍ مِنَ الْبَحْثِ وَالتَّمْحيصِ لَـمْ أَجِدْ زُجاجَةَ السُّمِّ، رُبَّما كُنْتُ عَلى خَطَأٍ، الْـمُجْرِمُ لَـمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ أَداةِ الْـجَريمَةِ بَعْدُ، رُبَّما ما زالَتْ في مَنْزِلِِهِ.

إِذاً إِلى بَيْتِ أَبي عليّانَ. أَمامَ الْبابِ، وَبِيَدينِ مُرْتَعِشَتَيْنِ ضَغَطْتُ عَلى الْجَرَسِ، إِنَّني لَـمْ أَدْخُلْ هذِهِ الشَّقَّةَ مِنْ قَبْلُ. هَلْ يا تُرى سَيَشُكُّ بِيَ الْجارُ الـْمُجْرِمُ، وَيَقْتُلُني أَنا أَيْضاً! وَقَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ التَّراجُعِ، فُتِحَ الْبابُ، وَإِذا بِأَبي عليّانَ يَقِفُ أَمامي كَالْمارِدِ. شَعْرُ ذِقْنِهِ طَويلٌ، كَأَنَّ شَفْرَةَ الْحِلاقَةِ لَـمْ تَـمْسَسْهُ مُنْذُ أَيّامٍ، شَعْرُهُ مَنْكوشٌ، وَعَيْناهُ كَالْـجَمْرِ، كَأَنَّهُ لَـمْ يَنَمْ مُنْذُ قُرونٍ.

صفحة 6

- ماذا تُريدُ يا صَبِيُّ؟ قالَ أَبو عليّانَ، والانْزِعاجُ بادٍ عَلَيْهِ.

- آسِفٌ لإِزْعاجِكَ، لَكِنَّ الْهاتِفَ عِنْدَنا

قَدْ تَعَطَّلَ، فَهَلْ أَسْتطيعُ اسْتِعمالَ هاتِفِكَ؟

- حَسَناً، تَفَضَّلْ، ولكِنْ لا تَتَأَخَّرْ، سَوْفَ أَدْخُلُ لآخُذَ حَمَّاماً سَريعاً، فَأَنا على وَشْكِ الْـخُروجِ. لا تَنْسَ أَنْ تُغْلِقَ الْبابَ مِنْ خَلْفِكَ.

صفحة 7

3

نَظَرْتُ حَوْلي باسْتِغرابٍ، فَبَيْتُ أَبي عليّانَ نَظيفٌ وَمُرَتَّبٌ. كُلُّ شَيْءٍ في مَكانِهِ، إِلى دَرَجَةٍ تُشعِرُكَ بِالْكَآبَةِ وَالْوَحْدَةِ.

أَخَذْتُ أَبْحَثُ عَنْ زُجاجَةِ السُّمِّ في كُلِّ مَكانٍ، يَخْطُرُ أَوْ لا يَخْطُرُ عَلى بالٍ، وَلكِنْ بِلا فائِدَةٍ.

صفحة 8

أُصِبْتُ بِالْيَأْسِ وَالإِحْباطِ، وَكِدْتُ أَتَراجَعُ عَنْ خُطَّتي، لَوْلا شَيْءٌ أَوْعَزَ لي بِأَنَّ الْـمُجْرِمَ لَـمْ يُخَبِّىءْ أَداةَ الْـجَريمَةِ، وَإِنَّما أَعادَها إِلى مَكانِها. يالَهُ مِنْ مُـجْرِمٍ ذَكِيٍّ!.

وَبِسُرْعَةٍ خاطِفَةٍ ذَهَبْتُ إِلى الْـمَطْبَخِ، وَلِحُسْنِ الْـحَظِّ، وَجَدْتُ خِزانَةَ الأَدْوِيَةِ خَلْفَ الْبابِ، فَتَحْتُ الْخِزانَةَ، فَوَجَدْتُ فِيها عُلَباً عَديدَةً مِنَ الأَدْوِيَةِ مِنْ مُـخْتَلَفِ الأَشْكالِ وَالأَنْواعِ، وَوَجَدْتُ عَلى الرَّفِّ الْعُلْوِيِّ لِلْخِزانَةِ زُجاجَةً بُنِّيَّةَ اللَّوْنِ، مَكْتوبٌ عَلَيْها بِخَطٍّ واضِحٍ"سُمٌّ".

صفحة 9

أَخْرَجْتُ مِنْ جَيْبي قُفَّازَيْنِ مِنَ الْـمَطّاطِ، لَبِسْتُهُما، ثُمَّ أَمْسَكْتُ زُجاجَةَ السُّمِّ بِحَذَرٍ شَديدٍ، وَوَضَعْتُها في كيسٍ بلاستيكيٍّ، وَقُلْتُ بِافْتِخارٍ:" لَيْسَ مِنَ الْـمَعْقولِ أَنْ أَتْرُكَ بَصَماتي عَلى الزُّجاجَةِ. حَقّاً إِنّني نَابِغَةٌ!" اتَّجَهْتُ إِلى بابِ الشَّقَّةِ

وَوَضَعْتَ يَدَيَّ عَلى الْمِزْلاجِ الْبارِدِ لِفَتْحِهِ، فَجَأَةً شَعَرْتُ بِيَدٍ بارِدَةٍ لَزِجَةٍ تَقَعَ عَلى رَقَبَتي.

أَحْسَسْتُ بآلامٍ شَديدَةٍ في أَمْعائيَ الّتي تَقَلَّصَتْ مِنْ شِدَّةِ الْـخَوْفِ... وَبِصَوْتٍ أَجَشَّ قالَ أَبو عليّانَ:"هَلْ انْتَهَيْتَ؟" قُلْتُ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ:" نَعَمْ انْتَهَيْتُ" شُكْراً لَكَ، وَصَفَقْتُ الْبابَ خَلْفي، وَرُحْتُ أَصْعَدُ الدَّرَجَ، وَأَنا أَقْفِزُ كُلَّ دَرَجَتَيْنِ مَعاً.