صفحة 1
العلاقات الأوروبية المتوسطية، أحجية الشراكات النيوليبرالية
المتوسط هو في الآن عينه مهد الحضارات الكبيرة وأرض الفتوحات والإمبراطوريات المتعاقبة وميدان المواجهات الكبرى بين الأديان التوحيدية. وهو يتّسم بضروب الروعة التي شهدها التاريخ، مثلما يتّسم بتمزّقاته. وفي مرحلة العولمة النيوليبرالية، يبقى المتوسط نقطة حيوية على خريطة العالم، خطاً للانقسام الاقتصادي بين الشمال والجنوب، وكذلك بين شرق القارة الأوروبية (البلقان) وغربها. إنّه طريق للمبادلات بين المحيط الأطلسي والشرقين الأوسط والأدنى، كما أنّه يفتح للبلدان التي تقع على شاطئ البحر الأسود منفذاً إلى المحيطات، لكنّه أصبح الدرب الذي ينتهي فيه، في معسكرات الاحتجاز، اليأسُ البشري في أفريقيا السوداء والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. على هذه الشطآن، يتواصل حقّ الشعوب في تقرير مصيرها والغايات الإمبريالية، كما تتواصل أقدم الحروب الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.في التاريخ الطويل الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأدنى، تشير القوى الغربية منذ القرن التاسع عشر إلى البحر الأبيض المتوسط بتعبير: بحرنا (murtsoN eraM)، على غرار تسمية الرومان له. بالنسبة إلى فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة، أصبحت البلقان والمغرب والمشرق والشرق الأدنى مناطق استعمار أو إخضاع أو فرض ولاء.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدى التضافر بين حركات التحرر والتيارات القومية العربية إلى تعديل المعطيات الجيوسياسية في المنطقة تعديلاً جذرياً، من دون أن تفقد القوى الأساسية، التي تابعت انتهاج سياسة استعمارية جديدة تحت ستار المساعدة والتعاون، تحكّمها بمجمل حوض المتوسط. واليوم، تستخدَم العولمة الاقتصادية والمالية في تعزيز هذا التحكّم عبر شبكة من الهيئات والشراكات التي تربط بلدان جنوب المتوسط وشرقه مع الاتحاد الأوروبي، الأداة السياسية للنيوليبرالية، وكذلك مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذراع المسلحة للعالم الغربي.
أهداف كبيرة متتالية من دون وسائل
منذ ثمانينيات القرن العشرين، تشكّل تجمع للدول، يضم المغرب والجزائر وتونس ومصر من جانب، والبرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا واليونان وتركيا من جانب آخر، أُطلِق عليه اسم: «المنتدى المتوسطي». تأسس هذا المنتدى على تأكيد أنّنا نعثر في أشكال الشراكة التالية كلّها على لازمة متكرّرة، أن نجعل من المتوسّط، «حيث ولدت الحضارات، منطقة سلام وأمن وتسامح وتفاهم وتنمية وازدهار وتفهّم ومبادلات بين شعوب المنطقة، في إطار ترويج حكم القانون والديمقراطية التعدّدية وحقوق الإنسان».
في المنتدى المتوسّطي، الذي يتمحور اليوم حول مسائل الهجرة ومكافحة الإرهاب، أضيفت في التسعينيات شراكات مع «البلدان المتوسطية الثالثة»[2]. تسري هذه الشراكات في المجالات المالية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والثقافية، وهي تضم اليوم مجمل البلدان المتشاطئة. أقيم بداية مكان لقاءات أُطلقت عليه تسمية «5+5» بين موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا والبرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا. يحتفظ «5+5»، مثله في ذلك مثل المنتدى الأوروبي، بفائدته وهو يستخدَم مكاناً لعقد اللقاءات بين وزراء الداخلية.
أُنجِزت مرحلة جديدة في سياسة الشراكة في العام 1995 مع مسار برشلونة، الذي حدّد لنفسه هدف «خلق أكبر منطقة تبادل حرّ في العالم ببلوغ العام 2010».ولأوّل مرّة، انخرط الاتحاد الأوروبي، الذي أطلق المسار، انخراطاً مباشراً في المتوسط، وحدّد لنفسه هدف فرض القواعد النيوليبرالية المتمثّلة في اقتصاد السوق وضمّ مجمل حوض المتوسط إلى سياسة بسط نفوذ أوروبا إقليمياً[3]. من أجل تفضيل المصالح المالية والصناعية الخاصة بالبلدان الأعضاء في الاتحاد، يتم فتح منافذ للسلع والخدمات الأوروبية، وتسهيل إجراءات الاستثمارات والنفاذ إلى أسواق بلدان جنوبي المتوسط، والتزوّد بالمواد الأولية بأسعار زهيدة، من دون أن ننسى تلك المعطيات الأساسية، أي الغاز والنفط، وهو ما لا يتوانى عن التذكير به إعلان برشلونة الذي يشدّد على «الدور الأساسي لقطاع الطاقة في الشراكة الاقتصادية الأوروبية المتوسطية».
تشير الوقائع إلى أنّه لن يتم عقد اتفاقيات تبادل حرّ شاملة. فبسبب النزاعات التي تقسم المنطقة والتعارضات السياسية بين دول جنوب المتوسط والمصالح المتباينة بين القوى الأوروبية، لا يمكن عقد أي اتفاقية شاملة وسوف توقّع بلدان الاتحاد الأوروبي اتفاقيات منفصلة مع كلّ بلد من بلدان جنوبي المتوسّط على حدة. بالتالي، لم تصبح الشراكة الأوروبية المتوسطية أكبر منطقة تبادل حرّ في العالم، ولا حوّلت المنطقة اقتصادياً واجتماعياً.
هذه غاية مستحيلة إذا علمنا أنّ الاتحاد الأوروبي قد خصّص بين العامين 1995 و1999 لبرامج ADEM[4] مبلغ 6،4 مليار يورو، مجدولة على خمس سنوات، لإقامة «أكبر منطقة تبادل حرّ في العالم». وهذا المبلغ يعادل 13.5 دولاراً سنوياً لكلّ نسمة؛ وللمقارنة، تمنح الولايات المتحدة إسرائيل مساعدة تبلغ 1000 دولار سنوياً لكلّ نسمة. بين العامين 2000 و2006، جرى تقليص إضافيّ لمحفظة ADEM السنوية من 937 مليون يورو إلى 757 مليون يورو سنوياً.
صفحة 2
منافسة إمبريالية ـ إمبريالية مع الولايات المتحدة
في منطق الهيمنة الذي يحكم سياسة إدارة بوش، والذي يشهد عليه انخراطها العسكري بدءاً من يوغوسلافيا السابقة ووصولاً إلى أفغانستان، تنظر الولايات المتحدة إلى الشراكات الأوروبية المتوسطية بوصفها عقبة أمام تحقيق غاياتها في أوروبا والعالم العربي؛ وهذا ما دفع واشنطن إلى تقديم خطتها من أجل «شرق أوسط كبير» في العام 2004، أثناء اجتماع لمجموعة الثماني الكبار. بالنسبة إلى البيت الأبيض، يتعلّق الأمر بدمج المنطقة في عملية العولمة وضمان حرّية كاملة لتحرّك رؤوس الأموال والسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، ولاسيّما التحكّم بطرق النفط، وكذلك ضمان التحكم بالموارد المائية، وهو أحد الرهانات الجيوستراتيجية الأساسية في القرن الواحد والعشرين. تقوم الولايات المتحدة بذلك عبر تطبيق «الاستراتيجية القومية الأمنية الجديدة» المحدّدة في خريف العام 2002.
إنّ القوى الأوروبية، التي وجب عليها من جانب آخر الاعتراف بالنتائج الهزيلة لمسار برشلونة، قد أظهرت تحفّظات قويّة على هذا الهجوم المباشر الذي قامت به «الإمبراطورية» على ما تعدّه منطقة خاصّة بها. تفيد ملاحظة فرنسية ألمانية كتبت في شباط/فبراير 2004 بأنّه «يجب على الاتحاد الأوروبي تعريف مقاربة متمايزة تكمل مقاربة الولايات المتحدة، والعمل عبر مؤسساتها وأدواتها الخاصة».
تستثير المغالاة واحتقار الوقائع الثقافية الخاصّة بمشروع يمضي من موريتانيا إلى باكستان معارضة أكثر حدّة في العالم العربي. كتب جورج قرم، وزير المالية اللبناني الأسبق: «المشروع في جوهره مرتبك ويزرع الخوف والريبة لدى الحكّام والمحكومين معاً. فبالنسبة إلى الحكّام، تشجّع الولايات المتحدة عبر هذا المشروع مطالب السكان واستياءهم. ولا يجد فيه المحكومون إلّا نفاقاً إضافياً عبر سياسة الهيمنة التي ينتهجها الثنائي الإسرائيلي الأميركي»[5]. وبهدف حفظ ماء الوجه، تمّ تحويل المشروع الأميركي المتعثّر إلى حلف الناتو في قمّة اسطنبول. وقد أعلن تشاك هاغل (legaH kcuhC) في تلك القمّة ما يلي: «سوف يتحدّد مستقبل حلف الناتو على ضوء نتائج مبادرة الشرق الأوسط الكبير»، وخلص رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى أنّه «ينبغي أن تمتدّ قيم حلف الناتو من شمال أفريقيا إلى أوراسيا». اندرجت اتفاقيتا شراكة مباشرة ضمن امتداد خطة الشرق الأوسط الكبير: مبادرة اسطنبول للتعاون، التي شاركت فيها البحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، والحوار المتوسطي الذي سنعود إليه لاحقاً.
بعد تهميش المشروع الأميركي الهادف لتأسيس الشرق الأوسط الكبير، يبقى أن نلاحظ، كما كتبت صحيفة الحياة، بأنّ الشراكة الأوروبية المتوسطية لفظت أنفاسها، مع الاعتراف بأنّ هذا الفشل يعود جزئياً إلى «قدرة البلدان العربية على إفشال محاولات الإصلاح والعصرنة»[6]. وكانت أولى ردود الاتحاد الأوروبي إعلان «سياسة جوار أوروبية» (VEP) تتأسّس على أهداف «استراتيجية الأمن الأوروبي» التي تم تبنيها في كانون الأول/ديسمبر 2003. تنطبق سياسة الجوار الأوروبية على الجيران المباشرين للاتحاد الأوروبي على حدوده الشرقية (أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا والقوقاز) وعلى جيرانه جنوبي المتوسط وشرقه، من المغرب إلى سوريا.
من جانب، توجد ثابتة لهذه المبادرات المتتالية، وهي عدم قدرتها على حلّ المشكلات البنيوية بين شمال حوض المتوسط وجنوبه وكذلك بين شرقه وغربه، وهي مشكلات تختصر بمعطى بسيط يتمثّل في أنّ دخل الفرد يبقى لدى «الشركاء» المتوسّطيين أقل بنحو عشر مرّات منه في الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك فشل أوروبا السياسي في تقديم حلّ للعواقب الإنسانية للنزاعات التي تمزّق المنطقة، وعلى رأسها المسألة الفلسطينية، بالإضافة إلى حقوق الشعب الصحراوي ومسألة سبتة ومليلة وتلك النزاعات الناجمة عن تفكّك يوغوسلافيا السابقة.
في منطق الهيمنة الذي يحكم سياسة إدارة بوش، والذي يشهد عليه انخراطها العسكري بدءاً من يوغوسلافيا السابقة ووصولاً إلى أفغانستان، تنظر الولايات المتحدة إلى الشراكات الأوروبية المتوسطية بوصفها عقبة أمام تحقيق غاياتها في أوروبا والعالم العربي؛ وهذا ما دفع واشنطن إلى تقديم خطتها من أجل «شرق أوسط كبير» في العام 2004، أثناء اجتماع لمجموعة الثماني الكبار. بالنسبة إلى البيت الأبيض، يتعلّق الأمر بدمج المنطقة في عملية العولمة وضمان حرّية كاملة لتحرّك رؤوس الأموال والسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، ولاسيّما التحكّم بطرق النفط، وكذلك ضمان التحكم بالموارد المائية، وهو أحد الرهانات الجيوستراتيجية الأساسية في القرن الواحد والعشرين. تقوم الولايات المتحدة بذلك عبر تطبيق «الاستراتيجية القومية الأمنية الجديدة» المحدّدة في خريف العام 2002.
إنّ القوى الأوروبية، التي وجب عليها من جانب آخر الاعتراف بالنتائج الهزيلة لمسار برشلونة، قد أظهرت تحفّظات قويّة على هذا الهجوم المباشر الذي قامت به «الإمبراطورية» على ما تعدّه منطقة خاصّة بها. تفيد ملاحظة فرنسية ألمانية كتبت في شباط/فبراير 2004 بأنّه «يجب على الاتحاد الأوروبي تعريف مقاربة متمايزة تكمل مقاربة الولايات المتحدة، والعمل عبر مؤسساتها وأدواتها الخاصة».
تستثير المغالاة واحتقار الوقائع الثقافية الخاصّة بمشروع يمضي من موريتانيا إلى باكستان معارضة أكثر حدّة في العالم العربي. كتب جورج قرم، وزير المالية اللبناني الأسبق: «المشروع في جوهره مرتبك ويزرع الخوف والريبة لدى الحكّام والمحكومين معاً. فبالنسبة إلى الحكّام، تشجّع الولايات المتحدة عبر هذا المشروع مطالب السكان واستياءهم. ولا يجد فيه المحكومون إلّا نفاقاً إضافياً عبر سياسة الهيمنة التي ينتهجها الثنائي الإسرائيلي الأميركي»[5]. وبهدف حفظ ماء الوجه، تمّ تحويل المشروع الأميركي المتعثّر إلى حلف الناتو في قمّة اسطنبول. وقد أعلن تشاك هاغل (legaH kcuhC) في تلك القمّة ما يلي: «سوف يتحدّد مستقبل حلف الناتو على ضوء نتائج مبادرة الشرق الأوسط الكبير»، وخلص رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى أنّه «ينبغي أن تمتدّ قيم حلف الناتو من شمال أفريقيا إلى أوراسيا». اندرجت اتفاقيتا شراكة مباشرة ضمن امتداد خطة الشرق الأوسط الكبير: مبادرة اسطنبول للتعاون، التي شاركت فيها البحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، والحوار المتوسطي الذي سنعود إليه لاحقاً.
بعد تهميش المشروع الأميركي الهادف لتأسيس الشرق الأوسط الكبير، يبقى أن نلاحظ، كما كتبت صحيفة الحياة، بأنّ الشراكة الأوروبية المتوسطية لفظت أنفاسها، مع الاعتراف بأنّ هذا الفشل يعود جزئياً إلى «قدرة البلدان العربية على إفشال محاولات الإصلاح والعصرنة»[6]. وكانت أولى ردود الاتحاد الأوروبي إعلان «سياسة جوار أوروبية» (VEP) تتأسّس على أهداف «استراتيجية الأمن الأوروبي» التي تم تبنيها في كانون الأول/ديسمبر 2003. تنطبق سياسة الجوار الأوروبية على الجيران المباشرين للاتحاد الأوروبي على حدوده الشرقية (أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا والقوقاز) وعلى جيرانه جنوبي المتوسط وشرقه، من المغرب إلى سوريا.
من جانب، توجد ثابتة لهذه المبادرات المتتالية، وهي عدم قدرتها على حلّ المشكلات البنيوية بين شمال حوض المتوسط وجنوبه وكذلك بين شرقه وغربه، وهي مشكلات تختصر بمعطى بسيط يتمثّل في أنّ دخل الفرد يبقى لدى «الشركاء» المتوسّطيين أقل بنحو عشر مرّات منه في الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك فشل أوروبا السياسي في تقديم حلّ للعواقب الإنسانية للنزاعات التي تمزّق المنطقة، وعلى رأسها المسألة الفلسطينية، بالإضافة إلى حقوق الشعب الصحراوي ومسألة سبتة ومليلة وتلك النزاعات الناجمة عن تفكّك يوغوسلافيا السابقة.
صفحة 3
تفكيك مزاعم ساركوزي
في هذا السياق الجديد، أطلق نيكولا ساركوزي في العام 2007 خطته من أجل اتحاد متوسطي، ذلك بنية إحلاله محل الشراكة الأوروبية المتوسطية. تستثير هذه الغايات السياسوية، التي تستبعد الاتحاد الأوروبي، معارضة قوية من طرف بروكسل ودول شمال أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا. كما تبدي القوتان المتوسطيتان الرئيستان الأخريان، إسبانيا وإيطاليا، تحفظات قوية، فهما تريان فيها رغبة فرنسية في ضمان زعامة المنطقة، وتضاف إلى ذلك تحفظات الجزائر ومعارضة واضحة من تركيا وليبيا.
إبراز العضلات مجرّد استعراض، لكنه ليس سياسية أبداً، لذا لا يبقى أمام ساركوزي سوى حلّ، يتمثّل في التراجع وإعادة إدراج مشروع الاتحاد المتوسطي في إطار الاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى تحوّله في العام 2008 إلى الاتحاد من أجل المتوسط، وهو انزلاق دلالي يعني عودة إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية الموسعة لتضمّ البلدان السبعة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وإلى المرشحين للانضمام (كرواتيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وألبانيا وتركيا)، بالإضافة إلى موناكو، ومنح مقعد للجامعة العربية في حين لم تكن حتّى ذلك الحين تتمتّع سوى بصفة مراقب. يتمثّل «الابتكار» الوحيد في إقامة رئاسة مشتركة، مع رئيس من الاتحاد الأوروبي ورئيس يمثّل الشركاء المتوسطيين، لكنّ الأمر هنا لا يتعدّى كونه توافقات دبلوماسية.
يكفي تعداد الأهداف التي حددها الاتحاد من أجل المتوسط لإقامة دليل للأمراض التي تعانيها المنطقة:
- البيئة وإدارة المياه: إزالة تلوّث البحر المتوسط[7]، تطوير الحصول على مياه الشفة، إعادة ملء طبقات المياه الجوفية وتحسين أنظمة الري، حماية الثروة السمكية، الحفاظ على السواحل واستثمار الطاقة الشمسية؛
- تبادل المعارف: تعزيز تأهيل الشباب والمبادلات الجامعية، خلق فضاء علميّ متوسطي، إقامة معهد جامعي أوروبي ـ متوسطي؛
- تطوير المبادلات ودعم إقامة مشاريع جديدة: تطوير «طرق بحرية سريعة»، إنشاء صندوق ضمان وصناديق خاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، إطلاق صندوق متوسطي لتنمية البنى التحتية على نحو مشترك؛
- الأمن: خلق آلية حماية مدنية لتطوير التضامن في مواجهة المخاطر الطبيعية...
لكن إذا نظرنا إلى الميزانية التي منحها الاتحاد الأوروبي، أي 1،6 مليار يورو سنوياً، نجد أنّ الفشل حتمي، وهذا ما يؤكده تأجيل انعقاد قمة الاتحاد من أجل المتوسط من حزيران/يونيو 2010 إلى تشرين الثاني/نوفمبر وتأجيله ثانية إلى تاريخ غير محدّد. لم يكن ممكناً أن يكون مشروع ساركوزي الكبير، الذي مات اليوم ودفن، إلّا لعبة مخادع جديدة تجاه شعوب لم تعد، ومنذ زمن بعيد، تنتظر شيئاً من الشركاء الأوروبيين المتوسطيين.
الحوار المخادع بين البلدان العربية وحلف الناتو
ضمن شبكة الشراكات التي تربط البلدان المتوسطية بالاتحاد الأوروبي، يضاف الحوار المتوسطي الذي يضمها إلى حلف الناتو. هدف الحلف الأطلسي هو التحول إلى منظمة عسكرية عالمية. وهذه الخطة التي تمتد خارج منطقتها التاريخية، أي أوروبا والمحيط الأطلسي، تتم عبر السعي إلى «إقامة مزيد من الشراكات العالمية مع بلدان تتمتع بالحساسية عينها»[8] لجعلها القوة المسلحة الضاربة لاقتصاد السوق النيوليبرالية وللدفاع في الاتجاهات كلها عن مصالح العالم الغربي. الحوار المتوسطي هو إحدى تلك الشراكات، وتشارك فيه موريتانيا والمغرب وتونس ومصر والأردن و... إسرائيل. تلتقي هذه البلدان في اجتماعات عسكرية مشتركة مع قيادة الأركان العامة في الحلف الأطلسي، وإحدى العواقب الأولى لهذا الالتزام هي اندماج جيوشها وتسلحها وفق معايير الحلف.
في هذا السياق الجديد، أطلق نيكولا ساركوزي في العام 2007 خطته من أجل اتحاد متوسطي، ذلك بنية إحلاله محل الشراكة الأوروبية المتوسطية. تستثير هذه الغايات السياسوية، التي تستبعد الاتحاد الأوروبي، معارضة قوية من طرف بروكسل ودول شمال أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا. كما تبدي القوتان المتوسطيتان الرئيستان الأخريان، إسبانيا وإيطاليا، تحفظات قوية، فهما تريان فيها رغبة فرنسية في ضمان زعامة المنطقة، وتضاف إلى ذلك تحفظات الجزائر ومعارضة واضحة من تركيا وليبيا.
إبراز العضلات مجرّد استعراض، لكنه ليس سياسية أبداً، لذا لا يبقى أمام ساركوزي سوى حلّ، يتمثّل في التراجع وإعادة إدراج مشروع الاتحاد المتوسطي في إطار الاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى تحوّله في العام 2008 إلى الاتحاد من أجل المتوسط، وهو انزلاق دلالي يعني عودة إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية الموسعة لتضمّ البلدان السبعة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وإلى المرشحين للانضمام (كرواتيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وألبانيا وتركيا)، بالإضافة إلى موناكو، ومنح مقعد للجامعة العربية في حين لم تكن حتّى ذلك الحين تتمتّع سوى بصفة مراقب. يتمثّل «الابتكار» الوحيد في إقامة رئاسة مشتركة، مع رئيس من الاتحاد الأوروبي ورئيس يمثّل الشركاء المتوسطيين، لكنّ الأمر هنا لا يتعدّى كونه توافقات دبلوماسية.
يكفي تعداد الأهداف التي حددها الاتحاد من أجل المتوسط لإقامة دليل للأمراض التي تعانيها المنطقة:
- البيئة وإدارة المياه: إزالة تلوّث البحر المتوسط[7]، تطوير الحصول على مياه الشفة، إعادة ملء طبقات المياه الجوفية وتحسين أنظمة الري، حماية الثروة السمكية، الحفاظ على السواحل واستثمار الطاقة الشمسية؛
- تبادل المعارف: تعزيز تأهيل الشباب والمبادلات الجامعية، خلق فضاء علميّ متوسطي، إقامة معهد جامعي أوروبي ـ متوسطي؛
- تطوير المبادلات ودعم إقامة مشاريع جديدة: تطوير «طرق بحرية سريعة»، إنشاء صندوق ضمان وصناديق خاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، إطلاق صندوق متوسطي لتنمية البنى التحتية على نحو مشترك؛
- الأمن: خلق آلية حماية مدنية لتطوير التضامن في مواجهة المخاطر الطبيعية...
لكن إذا نظرنا إلى الميزانية التي منحها الاتحاد الأوروبي، أي 1،6 مليار يورو سنوياً، نجد أنّ الفشل حتمي، وهذا ما يؤكده تأجيل انعقاد قمة الاتحاد من أجل المتوسط من حزيران/يونيو 2010 إلى تشرين الثاني/نوفمبر وتأجيله ثانية إلى تاريخ غير محدّد. لم يكن ممكناً أن يكون مشروع ساركوزي الكبير، الذي مات اليوم ودفن، إلّا لعبة مخادع جديدة تجاه شعوب لم تعد، ومنذ زمن بعيد، تنتظر شيئاً من الشركاء الأوروبيين المتوسطيين.
الحوار المخادع بين البلدان العربية وحلف الناتو
ضمن شبكة الشراكات التي تربط البلدان المتوسطية بالاتحاد الأوروبي، يضاف الحوار المتوسطي الذي يضمها إلى حلف الناتو. هدف الحلف الأطلسي هو التحول إلى منظمة عسكرية عالمية. وهذه الخطة التي تمتد خارج منطقتها التاريخية، أي أوروبا والمحيط الأطلسي، تتم عبر السعي إلى «إقامة مزيد من الشراكات العالمية مع بلدان تتمتع بالحساسية عينها»[8] لجعلها القوة المسلحة الضاربة لاقتصاد السوق النيوليبرالية وللدفاع في الاتجاهات كلها عن مصالح العالم الغربي. الحوار المتوسطي هو إحدى تلك الشراكات، وتشارك فيه موريتانيا والمغرب وتونس ومصر والأردن و... إسرائيل. تلتقي هذه البلدان في اجتماعات عسكرية مشتركة مع قيادة الأركان العامة في الحلف الأطلسي، وإحدى العواقب الأولى لهذا الالتزام هي اندماج جيوشها وتسلحها وفق معايير الحلف.
صفحة 4
سياسة أنذال تغيب عنها الشعوب
تبدو عواقب سياسات الشراكة هذه، وكلها ممهورة بختم النيوليبرالية، جلية لشعوب جنوبي المتوسط (وكذلك لشعوب البلقان).في المجال الاقتصادي، تستقي المصالح الرأسمالية الأوروبية فوائد واضحة من تلك السياسات. إنّ اتفاقيات التبادل الحر هي بالكامل لمصلحة بلدان الاتحاد الأوروبي. فلنأخذ على سبيل المثال إلغاء الرسوم الجمركية: تلغى أساساً الرسوم المفروضة على المنتجات الصناعية في حين أنّ من مصلحة بلدان الجنوب أن تمنح مزايا تسعيرية في المجال الزراعي. كما أنّ من نتائج هذه الاتفاقيات مزيد من إضعاف القطاع الصناعي في تلك البلدان، في ظلّ عجزها عن منافسة المنتجات الأوروبية، كما أنّها فضلاً عن ذلك تسهّل الاستثمارات الأجنبية التي تضمن بذلك السيطرة على وسائل الإنتاج، بعد أن أصبحت اقتصادات تلك البلدان تخضع خضوعاً مهيناً للشركات متعددة القومية.
وبصدد مشكلات الهجرة، تقلّص أوروبا بالتعاون مع دول الجنوب الهجرة الإرادية باللجوء إلى أكثر الوسائل وحشية، كما أنها تريد أن تحلّ محلّها سياسة الهجرة المختارة، وذلك دائماً لمصلحة الرأسمالية الأوروبية التي تقلّص نتيجة لذلك، عبر استنزاف الموارد البشرية والفكرية في بلدان الجنوب، إمكانيات تلك البلدان وتفاقم من إعاقة تنميتها.
أما في ما يخصّ المسائل الأمنية، فإنّ سياسة أوروبا (والغرب عموماً) تتلخّص في أولوية ضمان أمنها، مثلما تشهد على ذلك عملية السعي الحثيث لمكافحة الإرهاب (evitcA ruovaednE)، وهي أكبر عملية عسكرية في المنطقة، وتساهم فيها بلدان الحوار المتوسطي. لكنّ أوروبا لا تقدّم حلًّا للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني أو لمسألة الصحراء الغربية.
أخيراً، وعلى الصعيد الإنساني، تبدو الأمور غائبة تماماً: خلف التصريحات المبدئية الموسومة بالإنسانية، يتم الاجتماع وتمرر الاتفاقيات والعقود مع السلطات الكمبرادورية. ما الذي يفعله الاتحاد الأوروبي لإيجاد وفرض حلول عادلة ومنصفة للحروب والمآسي التي تخضع لها شعوب هذه المنطقة منذ أجيال؟ إنّ حقوق الإنسان هي كبرى منسيات سياسات الشراكات.
دعونا نعود إلى الأهداف التي أعلنها المنتدى الأوروبي قبل ربع قرن: جعل المنطقة «منطقة سلام وأمن وتسامح وتفاهم مشترك، وتنمية وازدهار، وفهم ومبادلات بين شعوب المنطقة، في إطار ترويج سيادة القانون، والديمقراطية التعددية وحقوق الإنسان». الفشل صارخ ولم يكن ممكناً أن يكون الأمر مغايراً لذلك، إذ إن مصالح شعوب المنطقة ليست هي التي تحثّ على سياسات الاتحاد الأوروبي المتوسطية وتقررها، بل مصالح رأس المال المالي والصناعي والمنافسة بين الإمبرياليين.
يهدف هذا الكتاب إلى تقديم بعض مفاتيح فهم الرهانات الكبرى في العلاقات بين شمال المتوسط وجنوبه، واستراتيجية القوى العظمى، ومفاعيل السياسات النيوليبرالية وعواقبها في إحدى أكثر مناطق التبادل الحر حساسية في العالم.
تسمح لنا عودة إلى التاريخ (الفصل الأول) بالتذكير بأنّه بعد قرون من العلاقات التي تناوبت فيها بالتأكيد النزاعات والمبادلات، الاتحادات الإمبريالية والتجزئة السياسية، أقامت الثورة الصناعية وبدايات الاستعمار علاقة دائمة من السيطرة، لم يسمح الاستقلال اللاحق بتجاوزها.
غداة الحرب العالمية الثانية، بسطت الولايات المتحدة هيمنتها العسكرية على العالم، على أوروبا وعلى المتوسط. تحاول أوروبا عبثاً استعادة مكانها، غير أنّ ذلك لا يمنعها من أن تلعب بدورها على النزاعات الإقليمية، من فلسطين إلى الصحراء الغربية (الفصل الثاني).
لقد هدفت الشراكة الأوروبية المتوسطية (الفصل الثالث)، التي أطلقت في برشلونة في العام 1995، إلى إقامة منطقة تبادل حرّ واسعة وبنت الأدوات التي تسمح في الآن عينه بفرض قيد السياسات النيوليبرالية على «البلدان المتوسطية الثالثة» والتحكم بتدفقات الهجرة، تحت غطاء مشروع إقامة منطقة سلام وازدهار لم تبصر النور حتى الآن.
صفحة 5
تعالج الفصول الخمسة التالية على التتالي مسائل تعبر الضفتين، عبر إظهار مساوئ السياسات النيوليبرالية، وتظهر كذلك مختلف آثارها في مختلف الأماكن. لا يمكن أن يؤدي فرط استغلال الموارد (الفصل الرابع) إلّا إلى تدمير البيئة، في البحر كما في البر، في حين أنّ شحّ المياه الذي يصيب الضفاف الجنوبية هو مصدر نزاعات بين الشعوب والدول، ونجد في الوضع في فلسطين المثال الأكثر مأسوية على ذلك.
أمّا الزراعة (الفصل الخامس)، التي كانت لا تزال حتى وقت قريب تشغل نحو نصف سكان بلدان الجنوب، فهي تشهد اليوم عملية لا تقاوم من التحوّل والمركزة والإخضاع للمنطق الرأسمالي «كل شيء للتصدير» الذي يلقي بالريفيين على الطرقات، طرقات المدن الكبرى أو طرق الهجرة.
تخضع الثقافة نفسها لعملية إفقار وتوحيد للشكل من الأسفل، ما يمكن أن يؤدي إلى إلغاء تنوع يكسب الفضاء المتوسطي ثراءه (الفصل السادس)، في حين تتفاقم التفاوتات الاجتماعية (الفصل السابع).
يعود الفصل الثامن إلى مسألة الهجرة ويلقي الضوء على سياسات بلدان الشمال والجنوب، عبر التركيز على تطور السياسات الأوروبية وتحوّل أوروبا إلى قلعة، مع العواقب المأسوية التي نعرفها، لكن أيضاً مع ما نعرفه من مقاومات.
في مواجهة هذه التطورات، سوف نظهر أنّ شراكة أخرى ممكنة، تحترم حقوق الشعوب.
ساهم في هذا الكتاب:
نيلز أندرسون (nosrednAِِ sliN)، عضو المجلس العلمي لأتاك فرنسا،
(Jacqueline Blavet) جاكلين بالفيه،عضو أتاك فرنسا
(Lucile Daumas) لوسيل دوما، عضو أتاك المغرب
(Constant Kaïmakis) كونستان كايماكيس، عضو أتاك فرنسا
إليزابيث لونغنيس (esseneugnoL htebasilÉ)، مديرة القسم العلمي للدراسات الأدنى المعاصرة، عضو المجلس العلمي لأتاك فرنسا، المعهد الفرنسي للشرق الأدنى،
(Horiya Mekrelouf) حورية ميكريلوف، مسيرة النساء العالمية،
مارك أوليفييه (reivillO craM) باحث في العلوم الاجتماعية في المركز الوطني للدراسات العلمية، عضو أتاك فرنسا،
عضو الفيدرالية الفلاحية،Pascal Pavie) باسكال بافي
Henri Saint-Jean) هنري سان جان، عضو أتاك فرنسا
Marcel Siguret) مارسيل سيغوريه، عضو أتاك فرنسا
Véronique Vilmont) فيرونيك فيلمون، عضو أتاك فرنسا
نشكر جان ماري هاريبيه (yabirraH eiraM-naeJ) وجان توستي (itsoT naeJ)، عضوي المجلس العلمي لأتاك فرنسا، لنصائحهم.
أمّا الزراعة (الفصل الخامس)، التي كانت لا تزال حتى وقت قريب تشغل نحو نصف سكان بلدان الجنوب، فهي تشهد اليوم عملية لا تقاوم من التحوّل والمركزة والإخضاع للمنطق الرأسمالي «كل شيء للتصدير» الذي يلقي بالريفيين على الطرقات، طرقات المدن الكبرى أو طرق الهجرة.
تخضع الثقافة نفسها لعملية إفقار وتوحيد للشكل من الأسفل، ما يمكن أن يؤدي إلى إلغاء تنوع يكسب الفضاء المتوسطي ثراءه (الفصل السادس)، في حين تتفاقم التفاوتات الاجتماعية (الفصل السابع).
يعود الفصل الثامن إلى مسألة الهجرة ويلقي الضوء على سياسات بلدان الشمال والجنوب، عبر التركيز على تطور السياسات الأوروبية وتحوّل أوروبا إلى قلعة، مع العواقب المأسوية التي نعرفها، لكن أيضاً مع ما نعرفه من مقاومات.
في مواجهة هذه التطورات، سوف نظهر أنّ شراكة أخرى ممكنة، تحترم حقوق الشعوب.
ساهم في هذا الكتاب:
نيلز أندرسون (nosrednAِِ sliN)، عضو المجلس العلمي لأتاك فرنسا،
(Jacqueline Blavet) جاكلين بالفيه،عضو أتاك فرنسا
(Lucile Daumas) لوسيل دوما، عضو أتاك المغرب
(Constant Kaïmakis) كونستان كايماكيس، عضو أتاك فرنسا
إليزابيث لونغنيس (esseneugnoL htebasilÉ)، مديرة القسم العلمي للدراسات الأدنى المعاصرة، عضو المجلس العلمي لأتاك فرنسا، المعهد الفرنسي للشرق الأدنى،
(Horiya Mekrelouf) حورية ميكريلوف، مسيرة النساء العالمية،
مارك أوليفييه (reivillO craM) باحث في العلوم الاجتماعية في المركز الوطني للدراسات العلمية، عضو أتاك فرنسا،
عضو الفيدرالية الفلاحية،Pascal Pavie) باسكال بافي
Henri Saint-Jean) هنري سان جان، عضو أتاك فرنسا
Marcel Siguret) مارسيل سيغوريه، عضو أتاك فرنسا
Véronique Vilmont) فيرونيك فيلمون، عضو أتاك فرنسا
نشكر جان ماري هاريبيه (yabirraH eiraM-naeJ) وجان توستي (itsoT naeJ)، عضوي المجلس العلمي لأتاك فرنسا، لنصائحهم.
صفحة 6
الفصل الأول
شيء من التاريخ
لإلقاء الضوء على آفاق العلاقات بين ضفاف المتوسط ورهاناتها، لابدّّ من وضعها ضمن سياقها الزمني، وأن نبقي في أذهاننا القطيعة التي مثلتها الثورة الصناعية والمشروع الاستعماري الذي رافقها.لقد توافقت النهضة الأوروبية، المتزامنة مع أوج الإمبراطورية العثمانية والمبادلات بين الضفتين، مع منعطف أدى إليه اكتشاف أميركا وإعادة توجيه الطرق التجارية، كذلك أصبح انزياح التجارة والتمويل نحو بحر الشمال، الذي بدأ أواخر القرن السادس عشر، نهائياً مع الثورة الصناعية والاستعمار، اللذين آذنا بحركات الهجرة الحديثة. وقد تزايد الخلل بين الضفتين الشمالية والجنوبية، وبين أوروبا الصناعية والبلدان المتوسطية، فظهرت آثار قطيعات التاريخ الكبرى والاضطرابات الكبيرة في كل مكان، لكن على نحو غير متساو، ما فاقم التفاوتات. ولئن كانت حركات إنهاء الاستعمار قد أثارت آمالاً كبرى طوال عقد أو اثنين، فإنّ السياسات النيوليبرالية المطبقة بدءاً من الثمانينيات تكشف حدود تلك الآمال وتفاقم المسافات الاجتماعية ضمن مجتمعات الشمال والجنوب على سواء، بين المجموعات الاجتماعية وبين البلدان.
من العصور القديمة إلى النهضة:ضروب التجوال والتبادل والمواجهة
من العصور القديمة إلى النهضة، لم يكن البحر الأبيض المتوسط حاجزاً، بل فضاءً للتبادلات والتجوال، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وكذلك فضاءً للاحتلال والاستعمار، تتالت فيه الحضارات، من فينيقية ويونانية، ثم توحدت نسبياً لمدة خمسة قرون مع الإمبراطورية اليونانية الرومانية، وانتشرت فيه اليهودية في منعطف العصر المسيحي في مصر وشمال أفريقيا وإسبانيا وأوروبا المتوسطية. منح قبائل الوندال (seladneV) اسمهم للأندلس قبل أن يؤسسوا مملكة في تونس في القرن الخامس ثم يعودوا لعبور البحر ليحتلوا سردينيا وكورسيكا ويغزوا روما. ومنذ القرن الثامن، احتل العرب كامل مملكة الويزيغوث (htogisiW) في إسبانيا تقريباً بعد الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، ثم احتلوا صقلّية التي عادت لتصبح بيزنطية في القرن التاسع.
أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين لها في العام 312م وتنصرت تونس (أفريكا الرومانية) قبل بلاد الغال، كما أعقبت ولادةَ الإسلام في شبه الجزيرة العربية وتأسيس أول مدينة إسلامية في المدينة في العام 622م حركةُ توسع وفتح. لكن، لئن كان الفتح العسكري قد أدى إلى سيطرة سياسية وخضوع لسلطة إسلامية، فإنّ اعتناق الإسلام لم يُفرَض وكان أبطأ بكثير. وتمتعت الأقليات الدينية، ولاسيّما أهل الكتاب (المسيحيون واليهود، الذين عُدّوا مبشّرين بالإسلام، وكذلك في الشرق الزرادشتيون والهندوس) بوضع «ذمّيين»، عبر دفع ضريبة خاصة. وقد استقبل اليهود والمسيحيون الفاتحين بترحاب لأنهم كانوا كثيراً ما يتعرضون للاضطهاد في الإمبراطورية البيزنطية.
تعرّب المسيحيون واليهود، لكنهم قاوموا الأسلمة لوقت طويل، وبقي المسيحيون أغلبية في مصر وسوريا قروناً عديدة، في حين تبنوا اللغة العربية منذ وقت طويل. اختفت المسيحية من أفريقيا الشمالية في وقت أبكر، في حين صمدت اليهودية، وأخذت تنشأ حضارة جديدة، تستند إلى الحضارات التي سبقتها وتستوعب عناصر عديدة جداً منها، وطورت توليفة حضرية جديدة، تجارية وعلمية. شارك عدد كبير من اليهود والمسيحيين في الفورة الفكرية والفنية. وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي، أصبحت إمارة قرطبة في إسبانيا قلعة لتلك الحضارة التي يتجاور فيها ويتناقش الفلاسفة والفنانون المسلمون والأقلويون، من مسلمين ومسيحيين.
في تخوم العام1000م انقسم المتوسط بين ثلاث دوائر نفوذ غير متساوية، فكانت ضفتها الشمالية الغربية كاثوليكية رومانية، مثلها مثل الجزء الغربي من أوروبا، وكان القسم الشرقي أرثوذوكسياً وبيزنطياً، في حين كانت الضفة الجنوبية، التي تفيض شرقاً في الشاطئ السوري وغرباً في إسبانيا، إسلامية وعربية. وكانت إيطاليا، التي تقع في وسط حوض المتوسط، في ملتقى تلك الفضاءات الثلاثة. فصقلية إسلامية، وجنوب الجزمة[9]* بيزنطي، والشمال كاثوليكي روماني. لكن، في حين استقر الوضع في أوروبا بعد انتهاء الغزوات الكبيرة، تقلصت الإمبراطورية البيزنطية في مواجهة تقدم الأتراك، وتشظّت دار الإسلام. فالحروب الصليبية تعبير عن الاضطرابات التي أثارتها التحولات الكبيرة التي شهدتها المجتمعات الأوروبيةن واختلّ ميزان القوى في أواخر القرن الحادي عشر لمصلحة المسيحيّة الرومانية. وفي إسبانيا، استعاد الملوك المسيحيون المبادرة وجعلوا المسلمين يتراجعون تدريجاً.
يعد القرن الخامس عشر أوج عصر وبداية منعطف. فمن جانب، سقطت القسطنطينية في العام 1453م في يد الأتراك العثمانيين، الذين فرضوا أنفسهم في الأناضول ثم في مجمل الشرق الأوسط وبعد مدة وجيزة في أفريقيا الشمالية، باستثناء المغرب. ومن جانب آخر، عيّن سقوط مملكة غرناطة في العام 1492م نهاية إعادة الفتح (atsiuqnoceR) البطيء لإسبانيا، وطرد اليهود والمسلمين، واكتشاف أميركا.
جلبت التجارة في المتوسط بضائع الشرق إلى الغرب. ولمعت البندقية وجنوا واسطنبول – القسطنطينية بكل أنوارها. امتلأ طريق الحرير بقوافل البضائع القادمة من الشرق الأقصى؛ واخترع بحارة المتوسط لغة تمتزج فيها الإيطالية والإسبانية واليونانية والتركية والعربية. ولئن كانت المسيحية والإسلام يتواجهان سياسياً وعسكرياً، فإن المسلمين والمسيحيين امتزجوا في الموانئ والأصقاع البعيدة، وأخذ الأسرى يهتدون ثم يعودون إلى دين آبائهم، وفق ضروب التنافس على التحكم بالبحر.
احتل العثمانيون اليونان وبلغاريا وصربيا، لكنهم فشلوا أمام فيينّا. ووجد اليهود المطرودون من إسبانيا ملجأً في وهران وتونس واسطنبول وتسالونيكا. وتعيّن هزيمة العثمانيين في معركة ليبانت (etnapeL) البحرية في العام 1571م نهاية توسعهم في المتوسط.
في العام 1536، قام فرانسوا الأول وسليمان العظيم (سليمان القانوني) بالتوقيع على أول اتفاقيات «الامتيازات». التي بالاستناد إليها يستفيد رعايا ملك فرنسا بحماية سفيرهم وقناصلهم، وفي حال حدوث نزاع، لا يخضعون إلّا لقضائهم الوطني. ونال البريطانيون والهولنديون على المزايا عينها تقريباً. كانت تلك الاتفاقيات جيدة للإمبراطورية العثمانية في عصرها الذهبي الذي كان يشجع حرية التجارة، سواء بالنسبة إليها أم بالنسبة إلى الأجانب. تدريجاً، ومع صعود الرأسمالية التجارية في القرن الثامن عشر، أصبحت الامتيازات تستخدم لمصلحة التجار الأجانب، وبعد وقت قصير، أصبحت تطال أيضاً وسطاءهم المحليين، من يونانيين ويهود وأرمن وسوريين مسيحيين، وضعوا أنفسهم تحت حماية القناصل الأجانب، فوسّع هؤلاء بذلك عدد الممتنين لهم، وشهد تطور الرأسمالية التجارية الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر تعميم الامتيازات على معظم بلدان أوروبا.
لقد أعادت الاكتشافات الكبيرة وتطور الملاحة البحرية توجيه الطرق التجارية، وأصبحت التجارة نحو الشرق تتم بحراً عبر الدوران حول جنوب أفريقيا، وتوقف البحر الأبيض المتوسط عن كونه مركز العالم.
صفحة 7
الثورة الصناعية، بدايات الاستعماروصعود النزعات القومية
شهدت الثورة الصناعية نشوء «المسألة الاجتماعية» وولادة الحركة العمالية في أوروبا. لقد كرست هذه الثورة تفوّق أوروبا، الذي تجلّى أيضاً عسكرياً. وفي حين تراجع العثمانيون أمام القوة الروسية في العام 1798، احتلت إنجلترا مالطة ومضى بونابرت إلى وقد أثار الاحتلال الفرنسي لمصر، الذي لم يدم سوى بضع سنوات (1802-1798) مزيجاً من المقاومة والانبهار، واستلهم محمد علي (1805–1848) الذي أصبح باشا (حاكم) مصر في العام 1805 الإصلاحات التي أدخلها الفرنسيون لإطلاق سياسة عصرنة اقتصادية حثيثة لمصر.أصبحت أوروبا تصدّر منتجاتها المصنعة إلى الإمبراطورية العثمانية ووضعت الإنتاج المحلّي موضع الخطر، وغزت المنسوجات البريطانية أسواق الشرق الأوسط، واستندت الشركات التجارية إلى وكلاء محليّين كثيراً ما كانوا من الأقليّات. وفي المقابل، نشّط الطلب على الصناعة الأوروبية الزراعة التصديرية: القطن والقمح في مصر، القمح والتبغ والحرير في لبنان وسوريا، والحمضيات في فلسطين. في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت مصر أحد أكبر منتجي القطن عالمياً، وأول مورّد للصناعة الأوروبية بهذه المادة، في حين أصبح صانعو الحرير من مدينة ليون يتزودون بكميات كبيرة منه من جبل لبنان. وفي مصر، كان الإنجاز الأكبر هو قناة السويس التي تم تدشينها في العام 1869: كانت شركة القناة فرنسية، لكن البريطانيين امتلكوا أغلبية أسهمها في العام 1875 بفضل شراء حصص العاهل المصري. ولتمويل الأشغال الكبيرة، كان العاهلان المصري والعثماني يلجآن إلى اقتراض مبالغ ضخمة. ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، لم تعد الحكومتان في اسطنبول والقاهرة تستطيعان ضمان خدمة الديون السنوية. في العام 1881، أقام الدائنون هيئة مكلفة بإدارة الديون العثمانية، يرأسها بريطاني وفرنسي على التعاقبن فكانت تقتطع الضرائب مباشرة في المقاطعات وسرعان ما أصبحت تتحكم بنسبة 30% من موارد الدولة، في حين كانت القوى العظمى قد وضعت السلطنة العثمانية تحت الوصاية إيذاناً بنهايتها الوشيكة. تحولت الأزمة المالية إلى أزمة سياسية. وبعد احتلال الجيش البريطاني لمصر في العام 1882، كانت الهزيمة العثمانية وتفكك الإمبراطورية غداة الحرب العالمية المآل المنطقي لمشروع السيطرة الذي أدارته القوى الأوروبية. وقد أدى تقسيم الأراضي الناجم عن ذلك التفكك وتوزيعها بين القوتين المنتصرتين، فرنسا والمملكة المتحدة، إلى مزيد من تكريس خضوع اقتصاد الدول الجديدة إلى المصالح الأجنبية.
في موازاة ذلك، تقدّم الاستعمار في بقية أفريقيا المتوسطية. فقد غزا الفرنسيون الجزائر واحتلوها و«بسطوا السلام» عليها بدءاً من العام 1832، مستخدمين القوة المطلقة التي تُبرزها عمليات «نفث الغاز» في المغارات التي سجن فيها آلاف القرويين. مرّ استصلاح الأراضي بالمصادرة وباستقرار عشرات آلاف المستعمرين، من فرنسيي البلد الأم، اللاجئين من الألزاس واللورين، ثم الإسبانيين والإيطاليين والمالطيين... وبعد احتلال تونس في العام 1882، تلاه احتلال المغرب في العام 1912، مقسماً بين فرنسا وإسبانيا، وكانت إيطاليا قد احتلت ليبيا في العام 1911. اكتسب ليوتيي (yetuayL)، حاكم المغرب من العام 1912 إلى العام 1925، سمعة حاكم متنور يحترم هوية البلد ويعرف كيف يستند إلى وجهائه. غير أنه أدار فتح المغرب بدءاً من العام 1907، قامعاً بشدة محاولات المقاومة الشعبية، ما منحه لقب «المقيم العام» في العام 1912ن فتمدَّدت حرب الفتح من دون نهاية حتى العام 1934، وفقد فيها 100 ألف مغربي حياتهم.
لقد كان القرن التاسع عشر في الوقت عينه قرن الفتوحات الاستعمارية وصعود النزعات القومية في آن معاً. في أوروبا، أثارت فتوحات نابليون ردود فعل قومية وطنية، في حين تزعزعت الإمبراطورية النمساوية المجرية بسبب صعود مطالب الشعوب التي تشكّلها. ووجب على الإمبراطورية العثمانية أن تواجه بدورها الصراعات من أجل استقلال شعوب البلقان. استقلت اليونان، بدعم من الإنجليز، منذ العام 1829، ورومانيا في العام 1858، وبلغاريا وصربيا في العام 1878، وكانت الشعوب الأوروبية التي انفصلت عن الإمبراطورية مسيحية على نحو رئيسي. في هذا السياق تندرج الإبادة الأولى في القرن العشرين، إبادة الأرمن، في العام 1905 وبخاصة في العام 1915.
كان العرب، وغالبيتهم العظمى من المسلمين السنّة، آخر من أكدوا هوية قومية، تجمع المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد تزامن صعودهم مع التغلغل الاقتصادي الأوروبي، الذي سرعان ما تبعه احتلال عسكري، تكرس بمعاهدة حماية بين المملكة المتحدة ومصر، ثم عبر الانتداب برعاية عصبة الأمم: أوكل لبنان وسوريا إلى فرنسا، وأوكلت فلسطين والأردن والعراق إلى المملكة المتحدة.
نادراً ما تتم مشاركة هذين الوجهين للمسألة القومية مثلما ترتسم في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من ذلك، فإن تزامنهما ليس عرضياً، وهذا ما ستشهد عليه الصهيونية، في فرادتها. فقد ولدت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، في خضم صعود النزعات القومية في أوروبا المركزية، وسرعان ما استغلتها القوة الاستعمارية البريطانية.
صفحة 8
بين حربين: أزمة اقتصادية وصعود النازيةفي الشمال، استغلال استعماري وفتنة قومية في الجنوب
أدت الحرب العالمية الأولى إلى اضطرابات جيوسياسية كبرى على مستوى الكوكب، وإلى تقسيم جديد للعالم بين القوى الإمبريالية. ومع هزيمة ألمانيا واختفاء الإمبراطورية النمساوية المجرية والثورة الروسية، بدا انتصار فرنسا والمملكة المتحدة كاملاً. تبع انهيار الإمبراطورية العثمانية تقسيم للشرق الأوسط بين قوتين منتصرتين، غير أنّ الولايات المتحدة ظهرت كقوة جديدة صاعدة.خرجت أوروبا من الحرب مفلسة، واندلعت حركات اجتماعية وانتفاضات شعبية في كل مكان في مطلع العشرينيات، متشجعة بالثورة البلشفية، وأفضت إلى ثورات اجتماعية في ألمانيا وهنغاريا، لكنها فتحت في إيطاليا الدرب أمام الفاشية. كان أثر أزمة العام 1929 ملموساً بشدة في شمال المتوسط وجنوبه، وأدى صعود البطالة والأزمة الاجتماعية إلى تزايد الحركات الاجتماعية في كل مكان. في الشمال، تسارع صعود حركات اليمين المتطرف، ووصل الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا في العام 1933، في حين ربحت جبهات شعبية الانتخابات في إسبانيا وفرنسا. في العام 1936، احتلت إيطاليا إثيوبيا. في البلدان الخاضعة للسيطرة الاستعمارية، ترابطت المطالب القومية والاجتماعية ترابطاً وثيقاً، وفي مواجهة صعود النازية، اضطرت القوى الاستعمارية إلى تقديم تنازلات للحركات القومية.
أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى تحوّل البلدان الخاضعة للاستعمار أو الحماية أو الانتداب إلى أماكن المجابهة بين ألمانيا النازية وبين القوى الغربية (وبالنسبة إلى الأراضي التي تحتلها فرنسا، بين حكومة فيشي وفرنسا الحرة). أمّا تركيا الكمالية، فقد أنهت ترددها بالاصطفاف إلى جانب الحلفاء. غير أنّ بعض الحركات القومية العربية تورطت مع ألمانيا النازية تورطاً خطيراً.
بين الحربين، كان المتوسط أوروبياً، باستثناء تركيا. أصبح استغلال المستعمرات يتوسع ليطال الأراضي الخاضعة للانتداب، التي أصبح اقتصادها موضوعاً في خدمة مصالح القوى الاستعمارية. في مصر، تواصل توسّع زراعة القطن، وفي سوريا، تطورت هذه الزراعة بدءاً من الثلاثينيات. في المقابل وفي الوقت عينه، تدهور إنتاج الحرير الذي لعب دوراً شديد الأهمية في التحولات الاقتصادية في لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتم منح امتيازات لاستثمار الموانئ والسكك الحديدية والبرق لشركات فرنسية أو إنجليزية. كما كان النفط رهاناً هائلاً في وقت مبكر جداً بسبب أهميته المتزايدة للجيوش الأوروبية. بالنسبة إلى فرنسا وإنجلترا معاً، كانت أهمية الاحتلال استراتيجية أولاً: التحكم بفضاء وسيط، بمنطقة تعدّ محطة نحو الشرق الأقصى، حماية الطرق التجارية والمنفذ إلى النفط. وشهدنا بروز اقتصاد ثنائي، يتجاور فيه قطاع حديث رأسمالي موجه إلى الخارج ويخضع للمصالح الأجنبية، وقطاع تقليدي، إنتاجه مكرّس للسوق المحلية.
وفي المغرب، تطورت رأسمالية استعمارية، مكونة من نهب السكان الأصليين والعمل القسري وتطوير زراعة تجارية (كرمة، زيتون، حبوب) والاستثمار المنجمي (فوسفات تونس، الحديد والكوبالت والمنغنيز في المغرب ثم النفط في الجزائر) والانتفاع والفضائح السياسية –النفعية. في العام 1935، كانت الجزائر ثاني أكبر منتج للنبيذ عالمياً، فاستحوذ 26 ألف مستثمر أوروبي على 2.3 مليون هكتار، أي 25% من الأراضي الخصبة (وأفضل الأراضي)، مقابل 617 ألفاً من صغار الملاكين. وفي تونس، كانت أرباح فوسفات قفصة هائلة. أما في المغرب، فقد استثمرت الشركة التجارية العمومية الشمال أفريقية (ANO) في الموانئ والنقل. بين الحربين، لعب المغرب العربي دور منطقة التعويض بالنسبة إلى الرأسمالية الفرنسية التي حُرمت من السوقين الروسية والعثمانية. بالتوازي مع ذلك، أخذ العالم الريفي يعاني الفقر واختفت المهن المدينية الصغيرة وتحولت الهجرة من الريف إلى المدينة إلى هجرة نحو البلد المستعمِر. ففي العام 1929، بلغ عدد الجزائريين المهاجرين إلى فرنسا 105 آلاف نسمة. وغداة الحرب، سرعان ما وصل عددهم إلى 300 ألف. وأخذ رجال الأعمال يذهبون إلى المغرب بحثاً عن اليد العاملة.
كانت حصيلة الثمن الذي دفعته الشعوب الخاضعة للاستعمار بين الحربين ثقيلة جداً. ففي الجزائر وحدها، تم وضع 173 ألف جندي، من بينهم 87 ألف متطوع و129 ألف عامل مدني، في الصفوف الخلفية في فرنسا، ومات 25 ألفاً أثناء القتال.
انطلقت تركيا الكمالية، البلد الإسلامي المتوسطي المستقل الوحيد، بسياسة عصرنة وعلمنة قسرية وتسلطية. وبعد إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة ونشر دستور، تم انتهاج سياسة اقتصادية رغبوية هدفت إلى تطوير صناعة قومية. مرّت عصرنة المجتمع بتبني الزواج المدني وإلغاء تعدد الزوجات وإعلان المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء وتبني التقويم الغربي والأبجدية اللاتينية. لم تمرّ العلمنة من دون التباس؛ فقد تجاوز الأمر الفصل بين الدولة والدين إلى مشروع إصلاح للإسلام برعاية الدولة. أصبح التعليم الديني يخضع لوزارة التعليم وأعلن الدستور الإسلام ديناً للدولة التركية.
صفحة 9
الحرب والتحرر من الاستعمار
أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت المستعمرات أرض مواجهة بين قوات المحور والحلفاء، وبين حكومة فيشي وفرنسا الحرة. تمّ وقف الجيوش النازية في العلمين في العام 1942. وبعد نزول قوات الحلفاء في المغرب، أصبح ذلك البلد قاعدة أنجلو أميركية، في حين سيطرت القوات الفرنسية الحرّة بقيادة الجنرال ديغول على الجزائر. وفي الشرق الأدنى، سيطرت قوات فرنسا الحرة على لبنان وسوريا. اضطر ديغول إلى منح الاستقلال لسوريا ولبنان في العام 1943، لكنّ الفرنسيين لم يغادروا سوريا إلّا في العام 1946، بعد قصف أخير لدمشق. استقل الأردن في العام 1945، لكنّ جيشه بقي خاضعاً للقيادة البريطانية. أما في المغرب العربي، فقد تمّ سحق آمال الاستقلال بالدم.في فلسطين، تطوعت الميليشيات اليهودية في الجيش البريطاني، في حين تورّط بعض الزعماء العرب، ومنهم مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، مع النازيين على أساس أنّ عدوّ عدوّك لا يمكن أن يكون إلّا صديقاً لك. حدث انقلاب محاب للنازية في بغداد في العام 1941، قمعه البريطانيون.
غداة الحرب، تعرضت أوروبا للاجتياح والتقسيم بموجب اتفاقيات يالطا. في العام 1947، أطلقت الولايات المتحدة خطة مارشال لمساعدة أوروبا على إعادة بنائها ولمحاصرة نفوذ الاتحاد السوفييتي. كانت تلك بداية الحرب الباردة، التي كانت عواقبها متعددة ومتناقضة. دعم الاتحاد السوفييتي نضال التحرر الوطني والحركات الاجتماعية في الغرب. أما المملكة المتحدة، فقد حافظت على سيطرتها، عبر وجودها العسكري، والتحكم بالقوات المسلحة المحلية. وكانت هي المبادرة لعقد حلف بغداد في العام 1955، الذي وقّع عليه العراق وتركيا وباكستان وإيران، بدعم من جهات أميركية شبه رسمية، بهدف احتواء النفوذ السوفييتي. في المقابل، لم تغادر فرنسا، التي منحت لبنان وسوريا استقلالهما، تونس والمغرب إلا في العام 1956، وانخرطت في حرب قاتلة ضد المقاومة الوطنية الجزائرية.
لقد دفعت فلسطين ثمن التسويات بين القوى المنتصرة وجُبن الغربيين في مواجهة الإبادة التي ارتُكبت ضد اليهود. كان استقلال فلسطين مظهراً خدّاعاً. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، حلّ الاستعمار اليهودي وخلق دولة إسرائيل وتفكيك أراضي فلسطين وطرد نصف سكانها محل الاحتلال البريطاني.
غداة الحرب العالمية الثانية، تكثفت نضالات التحرر الوطني وأصبحت تندرج في سياق الحرب الباردة. وسرعان ما انقسمت أوروبا إلى اثنتين بما يمكن أن نطلق عليه تسمية الستار الحديدي. وتحملت إسبانيا والبرتغال نير الفاشية لبضعة عقود أخرى. أما في المغرب العربي، فقد تشبثت فرنسا بالجزائر ودامت الحرب التي بدأت في العام 1954 ثماني سنوات، قبل أن تعترف اتفاقيات إيفيان (naivÉ) أخيراً للشعب الجزائري بالحق في سيادته على أرضه، كذلك كان الشرق الأدنى إحدى جبهات الحرب الباردة.
صفحة 10
النفط والسيطرة الإمبريالية
في وقت مبكر جداً، أصبح النفط رهاناً رائعاً بفعل أهميته المتزايدة للجيوش الأوروبية. في الشرق الأوسط، ظهر النفط لأول مرة في إيران في العام 1909؛ وكان الشاه قد منح في العام 1901 امتيازاً لشركة بريطانية، أصبح اسمها فيما بعد بريتيش بتروليوم (PB). وفي الإمبراطورية العثمانية، جرت عمليات تنقيب في منطقة الموصل الكردية منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء تلك الحرب، دارت المساومات الإنجليزية الفرنسية بصدد تلك المنطقة حول النفط؛ منحت اتفاقيات سان ريمو (1920) المصالح الألمانية لفرنسا التي أسست الشركة الفرنسية للنفط. وضمت شركة نفط العراق (CPI) رؤوس أموال أميركية وبريطانية وهولندية وفرنسية. وهكذا، وفي وقت مبكر جداً، سيطرت الشركات النفطية الكبيرة على السوق، وأضحى النفط رهاناً لتقسيم أشلاء الإمبراطورية العثمانية ـ والسبب الحقيقي في عدم خلق الدولة الكردية. في العام 4391-1935، بنت شركة نفط العراق أنبوباً نفطياً يصل إلى حيفا (فلسطين)، تم إغلاقه في العام 1948، وآخر يصل إلى طرابلس (لبنان)، تم إغلاقه في بداية الحرب الأهلية التي عاشها ذلك البلد. وبعد الحرب العالمية الثانية، تم بناء أنبوب نفط ثالث، هو الوحيد العامل حالياً، ينقل النفط إلى بانياس، في سوريا.وفي الجزائر، يعود اكتشاف النفط إلى الثلاثينيات، وبدأ استثماره في العام 1949. كانت واحدة من منشآته الرئيسة هي منشأة حاسي مسعود، التي اكتشف فيها النفط في حزيران/يونيو 1956. في العقود الأولى، تحكّمت الشركات باستكشاف النفط واستثماره وتوزيعه ودفعت نسبة مئوية ضئيلة جداً من أرباحها إلى البلد المنتِج. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، حصلت فنزويلا (منذ ذلك الحين!) من الشركات الكبيرة على تقاسم في الأرباح بنسبة 50/50، وحذت حذوها بعض بلدان الشرق الأوسط. وأذعنت الشركات الأميركية العاملة في شبه الجزيرة العربية (في سياق الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تحتاج المملكة العربية السعودية). تردّد صدى ذلك الاتفاق في الكويت والبحرين والعراق. وحدها الشركة الأنجلو ـ إيرانية رفضت، فأممها مصدّق في العام 1951، لكنه أطيح بعد عامين بانقلاب دبّرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وكان ذلك الانقلاب نهاية الاحتكار البريطاني، إذ أصبح الأميركيون يفرضون شروطهم.
في الستينيات، أصبح النفط حاسماً في الاقتصادات الصناعية. فعلى إثر هبوط الأسعار الناجم عن إجراءات الحكومة الأميركية، الهادفة إلى حماية صغار منتجيها، اجتمع كبار المصدرين (شبه الجزيرة العربية وفنزويلا والكويت وإيران والعراق) في بغداد في أيلول/سبتمبر 1960 وأسسوا منظمة البلدان المصدرة للنفط (الأوبك)، التي سرعان ما نجحت في الحصول على تجميد للأسعار. في الستينيات، ثم بخاصة في السبعينيات، شهدنا حركة استعادة البلدان المنتجة لثرواتها النفطية. تأسست في العام 1968 منظمة البلدان العربية المصدرة للنفط، بمبادرة من المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا، بهدف سياسي صريح: جعل النفط سلاحاً في يد الجامعة العربية في صراعها مع إسرائيل.
أما الجزائر، التي اضطرت للموافقة في اتفاقيات إيفيان على الحفاظ على مصالح الشركات الفرنسية في نفطها، فقد كسرت هيمنة تلك الشركات في العام 1965 حين فرضت احتكار شركتها الوطنية (سوناطراك، التي تأسست في العام 1963) لنقل الغاز والمشتقات النفطية واستكشافها. في العام 1971، أممت الجزائر مكامن الغاز وفرضت مساهمة بنسبة 51% في الشركات النفطية الفرنسية العاملة على أراضيها. لكن بعد وصول الشاذلي بن جديد إلى السلطة، تجلى فساد السلطة وزبائنيتها في عزل الكوادر التقنية في سوناطراك، وفي مبالغ غير نظامية صارت تقتطعها المافيا المحيطة بالسلطة من الصناعة النفطية وتختلسها على نطاق واسع.
هل كان ذلك الأمر من الحسنات أم من المصائب؟ لئن كانت أرباح الصناعة النفطية قد موّلت في البداية سياسات تنموية طموحة وأشغالاً كبيرة في مجال التنظيم والتجهيزات، وكذلك سياسات تربوية واجتماعية، فإنّ المفاعيل المنحرفة للاستحواذ على مثل ذلك الريع على يد الطغم الحاكمة قد ظهرت بسرعة. فبعد تحسين الشروط المادية للسكان، بدأت تنفجر بدءاً من السبعينيات التفاوتات والاستهلاك المتباهي لدى نخبة من المستفيدين القريبين من السلطات القائمة. وقد أدى التحول الفظ لأساليب الحياة إلى إضعاف المجتمع عبر خفض قيمة منظومات القيم القديمة.