صفحة 1
المقدمة
التاريخ يجري ويسهم في صياغته وتسجيل أحداثه البشر، وكل إنسان مهما كبر أو صغر له إسهام في تسجيل صفحات التاريخ، وقد تكتب تلك الصفحات أو تهمل، ولكن هناك سجل رباني يحفظ كل تحركات البشر ولا يزكي الأنفس إلا الله، وهو المجازي (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) [الزلزلة: 7 - 8].
واستجابة لرغبة بعض الأصدقاء عمدت إلى تسجيل (سيرتي) منذ أن كنت صبياً إلى أن بلغت من العمر عتياًً، اعتمدت فيما سجلته على ذاكرتي الواهنة فليس عندي وثائق ولا مدونات فظروف العمل الإسلامي التي عشناها لم تكن تسمح بالكتابة أو التدوين، وفي عملي السياسي في المؤتمر العام لأهل العراق وجبهة التوافق ومجلس النواب لم أكن حريصاً على الكتابة أو التدوين، وكل الوثائق والمدونات والحاسبات التي كانت في مقر مؤتمر أهل العراق في حي العدل في بغداد قد صودرت من قبل الجيش في المداهمة التي حصلت يوم: 29/11/2007.
وقد رتبت هذه السيرة حسب نشأتي ومشاركتي في العمل فبدأتها بالنشأة والانتماء والعمل في صفوف الإخوان المسلمين في الرمادي (لواء الدليم) وبغداد في كلية التربية- جامعة بغداد، وفي التدريس ثمّ العمل بعد حلّ تنظيم الإخوان المسلمين، والهجرة إلى الأردن والعمل في جامعة الزرقاء، ثمّ العودة بعد الإحتلال وسقوط بغداد والعمل في ديوان الوقف السني والمؤتمر العام لأهل العراق وجبهة التوافق، والعمل في مجلس النواب، وسميتها (آخر المطاف).
ولن يجد القارئ في هذه السيرة أيّ تفصيل عن حركة الإخوان المسلمين في العراق، حيث استغنيت عن ذلك بما كتبه الشيخ كاظم المشايخي عن الشيخ أمجد الزهاوي والأستاذ الصواف، وبما كتبته الأخت الفاضلة إيمان الدباغ فقد كتبت رسالتين (جمعية الأخوة الإسلامية) و(الإخوان المسلمون في العراق) نالت بهما شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة الموصل.
ولا يسعني إلا أن أشكر كلا ًمن حفيدتي (عائشة ضياء الحديثي) والأخ (خالد عيفان) وابنتي (الدكتورة أسماء عدنان) لمشاركتهم في إعداد مسودة هذا الكتاب على الحاسية.
وأرجو من كل من يقرأ هذه السيرة أن يدعو لي بالمغفرة والعفو من الله سبحانه وتعالى، فهو وليّ في الدنيا والآخرة .
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الدكتور
عدنان محمد سلمان الدليمي
صفحة 2
النشأة والانتماء
تنتمي أسرتي إلى عشيرة (البوعيثة) نسبة إلى جدنا الخامس (عيثة) وعشيرة البوعيثة الدليمية لا علاقة لها بعشيرة (البوعيثة) الساكنة جنوب الدورة, والمحاذية لعرب الجبور, وهو تشابه في الأسماء, فهم أيضا ينتسبون إلى جد اسمه (عيثة), ويتصلون بالنسب الهاشمي أما نحن فيتصل نسبنا (أعني الدليم) بقبيلة (الزبيد) اليمنية التي ينتسب إليها كثير من العشائر العربية العراقية, مثل الجبور والجنابيين والعبيد, فضلا عن الذين يسمون (الزبيد) في وسط العراق وجنوبه ,وتنتمي عشيرة البوعيثة إلى عشيرة أكبر وهي عشيرة (البوذياب) التي تسكن مقابل مدينة الرمادي, في الجانب الثاني من نهر الفرات.
وكانت محافظة الأنبار في العهد الملكي تسمى (لواء الدليم), وكان العراق مقسما يوم ذاك إلى أربعة عشر لواءً. والنجمتان اللتان كانتا في العلم العراقي سباعيتان, تمثل مجموع الألوية الأربعة عشر لواء.
وتعيش في محافظة الأنبار عشائر عربية غير عشيرة الدليم, مثل عشيرة (الجميلات) في منطقة الفلوجة والكرمة والبو عيسى في منطقة العامرية في الفلوجة, والبو فهد في منطقة الرمادي ويمتدون إلى منطقة الجزيرةوالخالدية, وعشيرة (البيات) في منطقة (حديثة), والمعاضيد جنوب (عنه), وهناك بيوتات كثيرة مبثوثة في مدن المحافظة تنتمي إلى عشائر عربية كثيرة مثل عشيرة العبيد والجبور واللهيب .
وينتسب سكان المدن إلى مدنهم مثل هيت وكبيسة وحديثة وعنه وراوه, بغض النظر عن منابتهم وأصولهم العشائرية, ولاسيما اذا كانوا خارج مدنهم أو خارج المحافظة, فيقولون العاني والراوي والحديثي والهيتي والكبيسي. أما سكان الرمادي والفلوجة والقائم فلا ينتسبون إلى هذه المدن بل ينتسبون إلى عشائرهم, مثل (المحمدي) نسبة إلى عشيرة المحامدة, التي تقطن منطقة الصقلاوية قضاء الفلوجة, علما بأنهم جزء من عشائر الدليم, وإذا كانوا خارج الانبار يحملون لقب (الدليمي).
صفحة 3
وتشكل محافظة الأنبار ثلث مساحة العراق, تعادل مساحة المملكة الأردنية الهاشمية وتحدها خمس محافظات عراقية هي نينوى وصلاح الدين وبغداد وبابل وكربلاء, وتتصل حدودها بثلاث دول عربية هي السعودية والأردن وسورية, وسكانها عرب سنة, ويمتهن سكان الريف الزراعة وهم يشكلون أعلى نسبة سكانية,أما سكان المدن, فيعملون بالتجارة والأعمال الحرة, ويشكل الموظفون نسبة عالية من سكان المحافظة, وأسهم المقاولون من أبناء هذه المحافظة في إعمار جميع المحافظات العراقية. ويشهد ريف المحافظة حركة عمرانية كبيرة, وأصبح السكن في الريف لا يختلف عن السكن في المدن, لاسيما بعد انتشار شبكة الكهرباء ومجمعات إسالة الماء, وتبليط الطرق وإنشاء الجسور, وبناء المدارس ونشرها في مختلف أرجاء المحافظة, وهذا كله جرى قبل الاحتلال زمن الحكم الملكي والجمهوري, ولما تأسست الدولة العراقية سنة 1921وأرادت الحكومة تشكيل قوات الشرطة اختارت للشرطة أشخاصا قليلين من أبناء العشائر, ليكونوا ضباطا في الشرطة بغض النظر عن تحصيلهم العلمي أو العسكري, فرشحت عشيرة (البوعساف) وهي عشيرة الشيخ علي سليمان شخصا منهم اسمه خلف عبد, والذي لقب فيما بعد بـ (خلف بيك) ورشحت عشيرة البوعيثة مطني العواد الحردان ابن اخي الشيخ مشحن الحردان, ووالد السيد مزهر مطني العواد, عضو قيادة حزب البعث المنحل, ورشحت عشيرة الجميله السيد عبد الجبار جسام, الذي استمر في خدمة الشرطة إلى أن رقي إلى رتبة مفتش عام, ثم أحيل إلى التقاعد وألف كتابا أظن عنوانه (ثلاثون سنة في الخدمة), ثم عزل كل من خلف بيك الذي عُيّن قائم مقام كبيسة ولم يحل محله شخص آخر, وعُزِلَ أيضاً مطني عواد الحردان وعيّن مكانه والدي وشغل ضابط شرطة عنه, ونائب قائد شرطة الهجانة, وكان القائد العام لهذه الشرطة الشيخ عجمي السعدون, وكانت الشرطة الهجانة وأغلبهم من أبناء العشائر, ولهم مقر غرب الرمادي في منطقة (البراذين) ويسمى مقرهم (البيرق), وهذا الاسم مأخوذ من كون تشكيلة الشرطة في مسيرها يتقدمها أحد أفرادها, يحمل علماوالعلم من أسمائه (البيرق).
وكان والدي مسؤولا عن إدارة شرطة الهجانة من منطقة الشيخ محروت الهذال في الرزازة إلى منطقة الرطبة, ثم عيّن ضابط شرطة الرمادي وأظن ذلك في حدود سنة 1926,ثم ترك الشرطة وإنتقل إلى العمل في مدينة البصرة. وهناك ولدت في سنة 1932 في محلة المشراق قرب بيت باشا إعيان, وكنت رابع مولود لأبوي بعد ثلاث بنات ماتت إحداهن في البصرة قبل أن ولِدتُ بقليل
صفحة 4
وتوفي والدي سنة 1936وبقينا في البصرة ستة أشهر ثم عدنا إلى الرمادي, ولم نذهب إلى الريف, بل سكنا في مدينة الرمادي, وربما تكون أسرتنا هي أول أسرة من عشيرتنا تسكن المدينة, أما بقية العشيرة فكانت تسكن الريف وغالب أفرادها يشتغلون في الفلاحة, والعشيرة على الرغم من قلة أفرادها إذا قيست ببقية عشائر الدليم ,إلّا أنها كانت تملك أراضي زراعية واسعة في منطقة الجزيرة( ) وهي من أغنى عشائر الدليم وأكثرها رفاهية.
ومشيخة عشائر الدليم منحصرة في بيتين, بيت من عشيرة (البوعساف) وهو بيت الشيخ علي سليمان و ورثه ابنه الشيخ عبد الرزاق الذي منح لقب باشا, وهو شيخ مجموع عشائر الدليم, والشيخ مشحن الحردان من عشيرتنا (البوعيثة), وكان لواء الدليم في العهد الملكي مقسما إلى ثلاث مناطق انتخابية, هي منطقة الرمادي وهيت ولها نائبان, يشغلهما بالتزكية كل من الشيخ عبد الرزاق علي سليمان والشيخ مشحن الحردان, ولما كبر مشحن الحردان حل محله ابنه المحامي محمد مشحن, الذي اسْتوزِرَ أكثر من مرة, ثم منطقة الفلوجة ولها نائب واحد يتنافس عليه في أغلب الأحيان كل من خليل كنه والسيد عبد العزيز عريم, ويفوز بالإنتخاب خليل كنه الذي شغل وزارة المعارف سنة 1952 وهو من السياسين العراقيين المرموقين, والمنطقة الثالثة منطقة عنه وراوه وحديثة ولها نائب واحد وكثيرا ما يتنافس على هذا المقعد الراويون والعانيون وتحدث بينهم مشاكل وإصطدامات .
ولما أصبح عمري مناسبا لدخول المدرسة الابتدائية ولم يكن عندي دفتر نفوس, وشك مدير المدرسة بعمري, إنتقلنا إلى قريتنا البوعيثة وسجلت في مدرستها, وسكنا أنا وأمي وأختيّ في بيت جدي لأمي من عشيرة الجنابيين, وكان متحالفا مع بيت مشحن الحردان وكان تاجراً قروياً, وبقينا أشهرا معدودة ثم عدنا إلى مدينة الرمادي والتحقت في المدرسة الابتدائية الثانية , وكانت في الرمادي مدرستان إبتدائيتان هي الأولى والثانية ومدرسة ابتدائية للبنات ومدرسة ثانوية للبنين ولم تكن هناك مدرسة ثانوية أو متوسطة للبنات وكانت البنت إذا أكملت الابتدائية إما أن تجلس في البيت أو تذهب إلى بغداد لتكمل دراستها عند أحد أقربائها وهذه حالات نادرة .
وكان دخولي المدرسة الابتدائية سنة 1938/1939 ولما كانت سجلاتنا المدنية في البصرة وتعذر علينا الذهاب إليها لإستخراج (دفتر نفوس) أي بطاقة الأحوال المدنية,استحصلنا على دفاتر نفوس من الرمادي, وسُجِلَتْ مكان الولادة في الرمادي خلافا للحقيقة إذ ولادتي كما ذكرت آنفا في البصرة .
صفحة 5
وفي هذه السنة وقع حادث هز الشعب العراقي وهو مقتل الملك الشاب (غازي), ولازلت أذكر ذلك اليوم ونحن جلوس في الصف, ويدرسنا المعلم ماجد محمد خالد القيسي (رحمه الله) أخو الدكتور عبد الرحمن القيسي وزير التربية أيام حكم عبد الرحمن عارف, وهو استاذ جامعي مرموق, وصاحب ميول عربية اسلامية, فجاء طالب أكبر سنا منا اسمه سعد الله البيار, الذي أصبح فيما بعد ضابط شرطة في المرور, ومدير شرطة المرور في بغداد, فأخبر المعلم ماجداً بنبأ مقتل الملك غازي, ولما عمّ الخبر المدرسة خرج المعلمون والطلاب في مظاهرة عفوية إلى الشارع, وخرجت جماهير الرمادي كلها وهي تبكي وتندب, وتهتف بشعارات كثيرة, أذكر منها هذا الشعار (مات الاسد) ويعنون الملك فيصل الأول (وابن الاسد) ويعنون الملك غازي (ظل الشبل يحمينا) ويعنون الملك فيصل الثاني الذي لم يكن عمره يتجاوز الرابعة. وقد عمت الأحزان جميع أنحاء العراق بل امتدت إلى دول الجوار ولاسيما سورية.
نشأتُ يتيما وأحطت برعاية والدتي وأضطررت أن أعمل وأنا طالب, ومارست أعمالا كثيرة على الرغم من صغر سني, فقد مررنا بأيام صعبة, فكنت أستيقظ قبل الشمس وأذهب إلى مخبزالجرك(الكعك), وآخذ منه كمية أحملها في طبق على رأسي وأتجول في المقاهي والحارات, وكان صاحب المخبز يعطينا 10% مما نبيع, واشتغلت عامل بناء ولاسيما في العطل الصيفية, واشتغلت في بيع المرطبات ويومها كان هناك شراب يسمى (السيفون), ولا أدري ما تعني هذه اللفظة, يعبأ بقناني تشبه قناني الببسي الآن, وكنت في بعض الأحيان أبيع بعض الحاجات المنزلية الخفيفة, وأحملها في زنبيل كبير وأتجول في الحارات, وكنا نسكن في غرفة مع أسرة معروفة في الرمادي, وفي مرة من المرات لم تستطع والدتي أن تدفع إيجار الغرفة, وكان مبلغ سبعمائة وخمسين فلسا ,فأخذت صاحبة البيت بدل ذلك قدراً من قدورنا, وكانت والدتي وجدتي لأمي تملكان دارا في وسط الرمادي, وهي دار واسعة بالنسبة إلى بيوت الرمادي, ويأخذون إيجار هذه الدار, وكان ستة دنانير وهو مبلغ كبير يتقاسمنه بينهما, ولما إضطر بيت جدي لأمي إلى الإنتقال من الريف إلى الرمادي, بعد أن فقد جدي بصره, وأصبح لا يستطيع أن يعمل فسكنا جميعا في بيت واحد, وكنا نتقاسم الايجار بيت جدي وأخوالي ونحن, وفي بعض الأحيان يصيب كل منا ربع دينار فقط, ومجموع إيجار البيت دينار واحد و كانت المعيشة سهلة على الرغم من الفقر الذي يعاني منه أغلب أبناء الشعب, وكانت الموارد ضعيفة والأسعار متدنية, فراتب المعلم أقل من عشرين ديناراً, وراتب الشرطي ستة دنانير, وإذا كان الشرطي من صنف الخيالة يدفع لحصانه راتب قدره سبعة دنانير شهريا, تكلفة رعاية وعلف الحصان وهو اكثر من راتبه .وفي سنة 1941 حدثت ثورة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة وتمركز جزء من الجيش العراقي في بساتين الرمادي, فأقلعت طائرات من مطار الحبانية, وقصفت مدينة الرمادي وأوقعت ضحايا قليلة وأصابت محطة البنزين فشبت بها النار كما هاجمت المحلات التجارية, فأضطرأهل الرمادي إلى النزوح إما إلى الريف أوإلى مدينة هيت فتوجهنا مع مجموعة من أسر أقربائنا صوب هيت, ومكثنا هناك شهراً ثم عدنا إلى الرمادي .
صفحة 6
وكنت أحظى برعاية ومحبة جميع من أشرفوا على تدريسي لِما كنت أتمتع به من إقبال على الدراسة, ولكوني يتيما, وكنت طالبا متميزاً لاسيما في اللغة العربية والحساب, الذي سمي فيما بعد (الرياضيات) وربما استَدْعَى وأنا في الصف الرابع لأحل لطلاب الصف السادس المسائل الحسابية التي يعجزون عن حلها, وهو نوع من التبكيت لهم من قبل المدرس, وعلى الرغم من ضعف الطلاب فكان هناك في المدرسة معلمون مقتدرون أذكر منهم الاستاذ كاظم فتحي عسكر الراوي الذي توفي مؤخرا في لندن, والاستاذ عبد الغفور حميد طه أبو حيدر معلم الحساب (الرياضيات) والاستاذ شفيق توفيق طه الهيتي مدرس اللغة العربية الذي إنتقل إلى بغداد وتولى إدارة المدرسة الفيصلية المشهورة في الكرخ.
وكانت الدراسة ضعيفة والإقبال على التعليم ضعيفا, وأذكر وأنا في الصف الرابع لم ينجح في الامتحان الوزاري النهائي في مدرستنا ولا طالب واحد, وفي السنة الثانية نجح طالب واحد في الدور الاول وهو طارق عواد علي الحسين, الذي أصبح طبيبا عسكريا مرموقا وهو من أسر الرمادي المرموقة وعمه عبد الستار علي الحسين الذي استوزر, أظن في وزارة العدل أيام الحكم العارفي لأنه كان من القوميين النشطاء وأظنه كان من حزب الاستقلال في العهد الملكي.
وفي السنة الدراسية 1945/1946كنا في الصف السادس وجاءت مجموعة من المعلمين الجدد أذكر منهم الدكتور عبد الرحمن حبيب الذي أصبح في العهد الجمهوري وزيراً للمالية والدكتور خطاب صكار الاستاذ القدير في كلية التربية فحركوا مسيرة التعليم, ودفعوا الطلبة إلى الدراسة الجدية, وكان عدد طلاب الصف إثنين وعشرين طالبا وكان مدير المدرسة حازما وهو المربي الفاضل مصلح خليل الراوي, فلم يوافق على تقديم كل الطلبة للإمتحان الوزاري بل سمح لاثني عشر طالبا منهم فقط, ولما ظهرت النتائج نجح عشرة في الدور الأول, والاثنان الآخران نجحا في الدور الثاني, ورغب بعض أصدقائي من الطلاب ان يتقدموا للدراسة في مدرسة دار المعلمين الريفية, التي كانت في الرستمية خلف معسكر الرشيد والدراسة فيها خمس سنوات بعد الابتدائية .وتُخَرِّجْ معلمين للمدارس الابتدائية, فشجعني أصدقائي أن أشاركهم في ذلك,وصادف أن جاء إلى الرمادي الدكتور عبد الرحمن القيسي وسمع من أحد أقاربه أني أريد أن ألتحق بهذه المدرسة, وكانت لنا صلة باسرتهِ, فطَلَبَ من قريبه هذا أن يتصل بوالدتي لتمنعني من التقديم إلى هذه المدرسة, وأن تحثني على إكمال الدراسة الثانوية وفعلاً قدمت أوراقي إلى المدرسة الثانوية والتحقت بها وكنت شغوفاً بالقراءة وأتردد على المكتبة العامة ومكتبة الإرشاد وهي من المكتبات التي أسستها السفارة البريطانية في مختلف أنحاء العراق وزودتها بكتب يسارية أدبية وقصصية وفكرية وذلك للوقوف في وجه الحركة النازية المتنامية في البلاد .
صفحة 7
وكنا شباباً نملك شعوراً وطنياً غير مسيس ولا منتمين لفكر ٍ معين نشارك في التظاهرات والحركات الوطنية وأذكر في إحدى التجمعات الجماهيرية في الرمادي هَتَفتُ لفلسطين العربية فأسكتني من هم أكبر مني سناً, وطلبوا أن أرفع شعاراً مطالباً بالخبز, وعرفتُ فيما بعد أنهم شيوعيون, كنت أحمل في أعماق نفسي شعوراً دينياً ويوم ذاك كان الالحاد متفشياً والأفكار المناهضة للدين مسيطرة على أذهان الشباب ولا سيما المثقفون, لم أكن أصلِ الأوقات الخمسة ولكنني أصلي الجمعة فقط, وكانت والدتي أمية ولكنها كانت تصلي الصلوات الخمس ولم يحثنا معلمو الدين على الإلتزام بالصلاة ولم يكن هناك مصلى في أي مدرسة, ولايوجد في الرمادي المحافظة سوى مسجد واحد في وسط السوق, ولا يأمه سوى نفر قليل من الموظفين ولا يتجاوز عددهم أصابع اليد, أما الشباب فلا أحد منهم يأم المسجد, وكان جميع المصلين من الكهول والشيوخ, وحال الريف أسوأ فلم تكن هناك مساجد في الريف إطلاقاً, وليس للعلماء أي نشاط ديني سوى أقامة الصلاة في المسجد وخطبة الجمعة, وليس هناك إقبال على التعليم الشرعي, وكان أغلب طلبة العلم الشرعي هم من الشباب الذين لايريدون أن يلتحقوا بخدمة العلم (التجنيد الاجباري), ولم تكن هناك دعوة دينية, ولا ثقافة إسلامية, ولا كتب دينية, أو فكرية إسلامية, ولا إعلام أوصحافة إسلامية, وكانت هناك جريدة واحدة تنشر شيئاً من ألأفكار الدينية وهي جريدة (السجل) لصاحبها محمد طه الفياض العاني, وتدافع عن مذهب أهل السنة, وكانت هناك جرائد سياسية تمثل إتجاهات مختلفة مثل جريدة الحرية لصاحبها قاسم حمودي والد القياديين في حزب البعث (جعفر وسعد حمودي), وهي تمثل التوجه القومي العربي, وجريدة الاستقلال الناطقة باسم حزب الاستقلال، وجريدة الأهالي الناطقة بلسان الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه كامل الجادرجي وتمثل التوجه اليساري وجريدة البلاد لصاحبها روفائيل بطي .
وكانت الأفكار الشيوعية واليسارية تغزو أذهان الشباب مع وجود حركة قومية عربية قوية يقودها حزب الاستقلال برئاسة محمد مهدي كبه, وليس غرضي أن اُفصّل القول في الحياة السياسية في تلك الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, والتي سبقت ثورة 14 تموز وإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية, ولكنني أريد فقط أن أبين ضعف الحركة الإسلامية سواء منها الجانب الديني التعبدي أو الجانب السياسي وكان الفكر الشيوعي واليساري قد تغلغل في أوساط الشباب المثقفين, ولما كنا طلاباً في المرحلة المتوسطة أي بعد الإبتدائية في ثانوية الرمادي, كان هناك مع قلة عدد المدرسين خمسة مدرسين شيوعيين أو يساريين, أذكر منهم الشاعر عبد الوهاب البياتي, والشاعر بدر شاكرالسياب, قبل أن يتحول إلى التوجه القومي العربي, والمدرس ممدوح الآلوسي الذي قتل صبيحة يوم 14رمضان سنة 1963لما حدث انقلاب عبد السلام عارف على الزعيم عبد الكريم قاسم, ومدرس الرسم نوري الراوي (وهو شخصية فنية معروفة، وهو غير نوري الراوي وزير الثقافة في حكومة الدكتور إياد علاوي ) وكان يأخذنا في درس الرسم خارج المدرسة, بحجة رسم الطبيعة, وعند ذلك يخلو بالطلاب ليحدثهم عن الديمقراطية والوطنية, دون أن يصرّح بالأفكار الشيوعية, وقد تأثر جل الطلاب به, وكنت ومجموعة من الطلبة لا يتجاوز عددنا أربعة طلبة, لا نشارك في الاستماع إلى المدرس أو المشاركة بالنقاش, فلم نتأثر بالأفكار السياسية اليسارية أو الشيوعية.
صفحة 8
وفي العام الدراسي 1947/1948 انتقَلْتُ إلى الفلوجة, وكانت مدينة الفلوجة قبل هذه السنة خالية من مدرسة رسمية لمرحلة المتوسطة أو الثانوية, اذ كانت المدرسة المتوسطة فيها تابعة لجمعية التفيّض في بغداد, وكانت في بغداد مدرستان أهليتان أحدهما سنية وهي مدرسة التفيّض ومدرسة شيعية هي مدرسة الجعفرية. وكان لجمعية التفيّض نشاط خارج بغداد مثل تكريت ولا أدري هل كانت هناك مدارس اخرى في بقية ألوية العراق أم لا؟ فداومت في متوسطة الفلوجة الرسمية و انتقل جميع طلاب التفيّض إليها لأن المدارس الرسمية مجانية ومدارس التفيّض يدفع الطالب اليها اجوراً سنوية.
اشترت والدتي بيتاً في أطراف الفلوجة بتسعين ديناراً وذلك لنكون قريبين من أختي التي تزوجت من أحد أقربائنا وهو الشيخ عبد إبراهيم الحردان وكان وكيل عمه الشيخ مشحن الحردان على مقاطعته في منطقة جداول الصقلاوية وكان مسكنه في ريف ناحية الكرمة وكان التيار الكهربائي غير ممتد إلى المنطقة التي نسكن فيها فعرض عليّ أحد الطلبة من معارفي أن أدرس معه في بيته الذي كان التيار الكهربائي يصل إليه, وهو الطالب بدري عويد العاني والده تاجر الدهن المعروف في الفلوجة الحاج عويد العاني, وكان جده من أمه أحد مشايخ الكتاتيب في الرمادي, وهو إبراهيم شهاب, وكانت في الرمادي عدة كتاتيب على رأس كل منها شيخ يسمى (الملا), وكنا ندرس في هذه الكتاتيب قبل أن ندخل المدرسة الابتدائية وكان لهذه الكتاتيب فضل كبير في نشر القراءة والكتابة ومحاربة الامية, وكنت ذا إهتمام فائق في الدراسة وأحظى بإحترام الاساتذه وحبهم لي, وأذكر أن مدرس الرياضيات وهو فلسطيني قد سأل طلاب المدرسة المتوسطة سؤالاً في الرياضيات, وبعد أن تلقى الأجوبة أعلن في الإصطفاف, أن السؤال لم يحله إلا إثنان, أب وابنه, وهما الطالب محمد سلمان, وكان طالباً في الثاني متوسط, وهو مازال حياً في الفلوجة, وعدنان محمد سلمان, وكان مدرس الانكليزية يعفيني من الإمتحان, ولما دخلنا الإمتحان الوزاري النهائي في المرحلة المتوسطة, وكان عددنا أكثر من ثلاثين طالباً, لم ينجح سوى خمسة طلاب, وكنت أنا الأول فيهم, ولما أنهيت المرحلة المتوسطة (الإعدادية), عزمت على التقديم إلى دار المعلمين الإبتدائية وكانت والدتي ترغب في أن أكمل الثانوية, و بعد محاولاتي المتعددة وافقت على تقديمي إلى دار المعلمين الإبتدائية في بغداد, وكانت تقبل حملة شهادة المتوسطة والدراسة فيها ثلاث سنوات, ويتخرج الطالب منها ليكون معلماً, وكانت هي المدرسة الوحيدة في العراق, إضافة إلى مدرسة دار المعلمين الريفية, التي تقبل خريجي المدارس الإبتدائية ومدة الدراسة فيها خمس سنوات, وكان دخولي إلى دار المعلمين الإبتدائية في السنة الدراسية 1949/1950, وبعد هذه السنة افتُتِحَت دار معلمين إبتدائية اُخرى في بعقوبة, وبعد سنوات افتُتِحَت مدارس دور المعلمين الإبتدائية في جميع ألوية العراق وقد أسهمت دار المعلمين بتخّريج جمهرة من قادة الفكر والتعليم في العراق وتضم طلاباً من جميع أنحاء العراق ففيها المسلم العربي السني والشيعي وفيها الكردي والتركماني والمسيحي والصابئي, وكنا نعيش إخوة متحابين متعاونين, ننام في مضاجع سوية, ونأكل على موائد طعام واحدة ونمارس الألعاب الرياضية سوية فقد كانت المدرسة تضم قسماً داخلياً مجاوراً للقسم الدراسي وتقع قرب المقبرة الملكية في منطقة الأعظمية, والآن هي مقر الجامعة الإسلامية, ومازلت ارتبط بعلاقات حميمية مع قسم من الإخوة الطلاب الذين مازالوا أحياء مثل الكاتب والاديب مصطفى صالح كريم من السليمانية, ومنهم من مات مثل الاستاذ فريدون علي امين الأديب الكردي من السليمانية, والدكتور كاصد ياسر الزيدي من الناصرية الاستاذ في جامعة بغداد ومحمد إبراهيم شوكت من الكاظمية ,وكانت دار المعلمين الإبتدائية تضم زمرة من المدرسين الذين أسهموا في تربية طبقات واسعة من المعلمين, أذكر منهم الاستاذ جمال الدين الآلوسي, والاستاذ احمد محمد المهنا مدرس الجغرافية, الذي أسهم مع أحمد سوسه في نشر أطلس العراق, والاستاذ عبد الهادي العمار مؤلف كتب الرياضيات للمدارس الثانوية, والدكتور نعيم صرافة الذي أصبح في ما بعد مدير التعليم الثانوي واستاذاً للتربية في كلية التربية, والدكتور يوسف العطّار استاذ الكيمياء والدكتور حسين الداقوقي مدرس الإجتماع, والاستاذ محمود يوسف المصري الذي أصبح فيما بعد استاذاً في كلية الآداب, وكانت المدرسة تضم قسمين قسم يسمى (المتوسط) وتدّرس فيه مناهج الثانوية بقسميها العلمي والادبي, وقسم الرياضة, الذي يشرف عليه جمهرة من أساتذة الرياضة مثل الأستاذ سالم جسار, والأستاذ نوري عبد الرزاق السامرائي مدرب الكشافة, والاستاذ محمد إسماعيل مدرب كرة القدم, وجلهم قد إنتقل إلى كلية التربية الرياضية فيما بعد, وكان مدير المدرسة الاستاذ ناجي عبد الصاحب الذي تزوج الدكتورة عاتكة الخزرجي, ثم افترقا, وأرسل في بعثة دراسية إلى الخارج, وجاء بعده الدكتور نوري الحافظ, الذي إنتقل فيما بعد إلى كلية التربية جامعة بغداد ليدرس فلسفة التربية.
صفحة 9
انتمائي لحركة الإخوان المسلمين
كنت طالباً في دار المعلمين في المرحلة الأولى لم أكن أصلي سوى الجمعة, وكنا نصليها في جامع الإمام الأعظم النعمان بن ثابت في الأعظمية في غالب الأحيان, وكان إمام المسجد وخطيبه هو العالم الشيخ عبد القادر الخطيب, ورأيت ظرفاً مناسباً للصلاة, في دار المعلمين فهناك مصلى بجنب المطعم, ومكان مهيأ للوضوء في القسم الداخلي, فحدثتُ نفسي في يوم من الأيام لماذا لا أصلي؟ فقررت أن اُصلي, فذهبت وقت صلاة المغرب إلى مكان الوضوء فتوضأت, وجئت إلى المصلى, وكانت الصلاة قائمة, فلم أنضم إلى صف المصلين, بل صليت منفرداً, فلما انتهت صلاة الجماعة جاءني أحد الطلاب من الرمادي, اسمه ثامر عارف العاني, وهو في مرحلة متقدمة على مرحلتي, فقال لي لماذا لم تنضم إلى صف المصلين؟ فقلت له أنا هذه أول مرة اُصلي ولا أعرف كيف أنضم إلى صف المصلين؟ فأرشدني جزاه الله خيراً وقررت بعد ذلك أن أشتري كتاباً أتعلم منه الصلاة فاشتريت كتاب تعليم الصلاة للأستاذ محمد محمود الصواف –رحمه الله- وكان ثمنه على ما أذكر ثمانين فلساً.
كانت دار المعلمين قرب المقبرة الملكية في الأعظمية وكانت مقابلها ثانوية الأعظمية وكانت في الأصل كلية الملك فيصل يُختار لها النخب المختارة المتميزة من الطلاب من ألوية العراق المختلفة, وانتشرت بينهم مبادئ الشيوعية, فهجم عليهم طلاب كلية الشريعة وأهالي الأعظمية المناؤين للشيوعية, فاُلغِيت وحلت محلها ثانوية الأعظمية, وتقع تقربياً مقابل دار المعلمين الإبتدائية في الشارع المتجه من منطقة (رأس الحواش) إلى المقبرة الملكية, وكانت هناك (فرصة) بين الدرس الثاني والدرس الثالث, مدتها عشرون دقيقة, ويسمح للطلاب أن يخرجوا إلى الشارع, فيختلط طلاب ثانوية الأعظمية بطلاب دار المعلمين, وفي أحد المرات خرجت في فرصة من الفرص إلى الشارع ,كعادة الطلاب, فرأيت مجموعة من الطلبة عددهم حوالي خمسة عشر طالباً من طلاب ثانوية الأعظمية وكان أحدهم يبدو أنه مسؤولهم, يشرح لهم سورة نوح ورأيت ضمنهم أحد أصدقائي من طلاب الثانوية من زملائي في الدراسة في الفلوجة, وهو الطالب بدري عويد العاني الذي سبق أن ذكرته أيام الدراسة في متوسطة الفلوجة فوقفت بجنبه أشاركهم في الاستماع إلى الشرح, سألت صديقي بدري عويد وقلت له ما هذا الذي رأيته وسمعته؟ وهذا جديد لم نعهده سابقاً في المدارس فقال لي: نحن مجموعة من الطلاب ننتمي إلى جمعية دينية اسمها جمعية الأخوة الإسلامية, وهذه الجمعية تعقد إجتماعات كل يوم خميس في جامع (الأزبك) المجاور لوزارة الدفاع في باب المعظم, فقلت له: ما اسم الطالب الذي كان يتحدث لكم ؟فقال اسمه عبد الجبار بكر, فقلت له من يرأس هذه الجمعية؟ فقال: عالم يسمى محمد محمود الصّواف, فقلت: إنني سبق لي أن سمعت هذا العالِم يتحدث في جامع الرمادي, وأنا لم أكن أصلي, وكنت أستمع إليه من خارج المسجد من الشباك, وأعجبتُ بكلامه وحماسته التي تدخل إلى القلوب فأحببته على الرغم من أنني لم ألتقِ بهِ, وأرغب في الإنضمام إليكم. وسأحضر الخميس القادم إلى المسجد,وفعلاً ذهبت وحضرت الاجتماع الذي كان يضم مجموعة من الشباب والرجال الكبار وتكرر حضوري وإزداد إعجابي بالاستاذ الصّواف وحبي له, وأصبحت جزءاً من الجماعة وكان ذلك أواخر سنة 1949 وأنا في الصف الاول, ثم بدأت أتصل بشباب الأعظمية من الإخوان وكان يتردد إلى ملعب الرياضة في دار المعلمين مجموعة من شباب الأعظمية ,وتبين لي من الاختلاط بهم أنهم من الإخوان و على رأسهم الاخ (منيب الدروبي) ( ) وكانت عندهم مكتبة في أحد أزقة الأعظمية مجاورة لبيت قارئ القرآن المعروف محمود عبد الوهاب يجتمعون في هذه المكتبة يقرؤون كتب دينية في أغلبها تتعلق بفكر الإخوان المسلمين, ثم علمت أن للجماعة مقراً في الأعظمية مقابل جامع أبي حنيفة مجاور السوق, وبعد ذلك جرى هدم للمنطقة لتوسيع الشارع, عند إنشاء جسر الأئمة الرابط بين الأعظمية والكاظمية سنة 1957, وكان الذي يربط بينهما جسر خشبي بإمتداد الشارع الذاهب من المقبرة الملكية بإتجاه نهر دجلة في منطقة السفينة. وقريب الآن من جامع صالح أفندي.
صفحة 10
وبدأت علاقتي بالاستاذ الصّواف والإخوان تتفاعل وتزداد, وفي السنة الثانية جاء صحفي سوري صاحب جريدة إسلامية اسمها (المنار) فدعاه الاستاذ الصّواف إلى مشاركتنا في رحلة إلى منطقة سلمان باك (المدائن)( ) وهو الصحفي السوري بشير العوف، وتعرفت على طالبين من طلاب دار المعلمين كانوا موجودين ضمن المشاركين في الرحلة, وهما سعيد أحمد السامرائي-رحمه الله- الذي أصبح بعد تخرجه مسؤول الإخوان في سامراء, وعبد الرحمن حجي علي الذي أصبح مسؤول الإخوان في المقدادية, والذي أصبح من المؤرخين المشهود لهم واساتذة الجامعات المرموقين واصبح متخصصاً بالتاريخ الإسلامي ولاسيما تاريخ الأندلس وهو الآن مقيم في إسبانيا, وقد نال الدكتوراه من جامعة كمبرج في بريطانيا, وكان كل منهما في المرحلة النهائية (الصف الثالث) وكنت في الصف الثاني وطلبت منهما أن نتعاون داخل المدرسة ولم يكن هناك طالب آخر في المدرسة يحمل فكر الإخوان سوانا نحن الثلاثة, وكان التوجه العام بين الطلاب هو التوجه الشيوعي ولم يكن هناك حركة للقوميين العرب عدا طالب واحد, وهو ناظم جواد, أخو حازم جواد القيادي في حزب البعث, والذي تولى أيام حكم البعثيين الأول وزارة الخارجية, وبعد التخرج وإزدياد نشاط البعثيين في العراق إنضم ناظم جواد إلى حزب البعث, ولما أصبحتُ في الصف الثالث من العام الدراسي 1951/1952 أصبح عددنا خمسة طلاب فقد التحق في السنة الأولى أربعة طلاب كانوا يحملون أفكار الإخوان وهم:
1. خليل فضيل الكبيسي -رحمه الله- وكان والده الحاج فضيل من كبار أهل كبيسه والمتكلم بإسمهم والمدافع عن حقوقهم أمام المسؤولين الحكوميين, وقد نال الأخ خليل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وأظن أنه كتب عن حلف بغداد, وأصبح استاذاً في كلية القانون والعلوم السياسية وتوفي في أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
2. خالد شريف العاني من الفلوجة ولا أدري اين هو الآن؟
3. قاسم عبد الكريم العاني -رحمه الله- من الفلوجة أيضاً وتعين معلماًً في الفلوجة إلى أن توفي.
4. عبد القادر إسماعيل خوشناو من إخواننا الأكراد, وتعين معلماًً في المنطقة الكردية, ولا أعرف عنه شيئاً الآن.
5. رشيد جلال تركماني من كركوك, ثم إلتحق بالجيش في القوة الجوية, ولا أعرف عنه شيئاً الآن.