صفحة 1
ظل الانسان باقياً حتى الآن لأنه من فرط جهله لم يكن قادراً على تحقيق رغباته. والآن وقد بات قادراً على تحقيقها، عليه أن يبدلها أو يهلك.
وليم كرلوس وليامز(1883 ــــــ 1963)
دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة.
لقد أخذت تحصل منذ الأشهر الأولى أحداث مقلقة تحمل على الظن بأن العالم يعاني اختلالاً كبيراً، وفي عدة ميادين معاً ــــــ اختلالاً فكرياً، اختلالاً مالياً، اختلالاً مناخياً، اختلالاً جيوسياسياً، اختلالاً أخلاقياً.
صحيح أننا نشهد، بين حين وآخر، تحولات غير مأمولة؛ فنروح نحسب أن البشر، وقد وصلوا إلى المأزق، لا بد لهم من أن يكتشفوا وسائل الخروج منه، كما بمعجزة. إلا أنه سرعان ما تبرز اضطرابات جديدة، تميط اللثام عن نوازع بشرية مختلفة جداً، أشد غموضاً، أكثر اعتيادية، فنروح نتساءل عما إذا لم يكن جنسنا البشري قد بلغ، بمعنى ما، عتبة قصوره الخلقي، وما إذا كان لا يزال قادراً على التقدم، وما إذا كان قد باشر تواً حركة تقهقرية تنذر بالتنكر لما جهدت أجيال متعاقبة في العمل على بنائه.
لست هنا بصدد حالات الجزع اللاعقلانية التي رافقت الانتقال من ألفية إلى أخرى، ولا بصدد صيحات الويل المتكررة التي يطلقها دوماً أولئك الذين يخشون التغيير أو يفزعون من وتيرته. إن مصدر قلقي هو من نوع آخر؛ إنه قلق نصير للأنوار ، يراها تترنح، وتشحب، وفي بعض البلدان، تشرف على الانطفاء؛ إنه قلق مولع بالحرية، التي كان يحسبها سائرة إلى الانتشار في كل أنحاء المعمورة وهو الآن يشهد ارتسام ملامح عالم لا مكان لها فيه؛ إنه قلق نصير للتنوع المتناسق يجد نفسه مكرهاً على أن يشهد، عاجزاً، صعود التعصب، والعنف، والنبذ، واليأس؛ إنه أولاً، وبكل بساطة قلق عاشق للحياة، لا يقبل التسليم بالفناء الذي يتربص بها.
دفعاً لكل التباس، أصر على القول إنني لست من أولئك الناقمين على الزمن الحاضر؛ وإنما أنا مفتون بما يأتينا به عصرنا، مترصد لآخر مخترعاته، التي أسارع إلى إدراجها في حياتي اليومية؛ وأنا مدرك لانتسابي، بسبب الخطوات المتقدمة في الطب وفي المعلوماتية على الأقل، إلى جيل محظوظ جداً بالنسبة إلى الأجيال التي سبقته. غير أنه لا يسعني أن أتذوق ثمار الحداثة بكل اطمئنان ما لم أكن واثقاً بأن الأجيال القادمة ستتذوقها بالاطمئنان إياه.
أتراني أبالغ في المخاوف؟ لا أظن، لسوء الطالع. فهي، على عكس ذلك، تبدو لي مخاوف لها مبرراتها، الأمر الذي سأعمل على تبيانه في الصفحات التالية؛ لا أبغي من وراء هذا مراكمة وثائق في ملف، ولا الدفاع عن فرضية قد تخصني، مدفوعاً بحب الذات، وإنما إيصال صرخة الانذار هذه إلى الأسماع؛ وما أطمح إليه بالدرجة الأولى هو إيجاد الكلمات الصائبة لإقناع معاصريّ، «رفاقي في السفر»، بأن المركب الذي نحن على متنه بات بعد الآن هائماً على وجهه، بلا طريق، ولا مقصد، ولا رؤية، ولا بوصلة، في بحر هائج، وأنه لا بد من صحوة، ومن حالة طوارىء تفادياً للغرق. لن يكون كافياً أن نواصل السير في الوثبة التي بدأناها، كيفما اتفق، مبحرين اتكالاً على البصر، متحاشين بعض العوائق، مسلمين أمرنا للزمن. فالزمن ليس حليفنا، وإنما هو القاضي الذي يحاكمنا، ونحن منذ الآن محكومون مع وقف التنفيذ.
إذا كانت الصورة البحرية تحضر إلى الذهن عفو الخاطر، فلربما كان من واجبي أولاً أن أعبر عن مخاوفي بهذه المعاينة البسيطة والجافة: تواجه الانسانية، في مرحلة تطورها الراهنة، أخطاراً جديدة، لا مثيل لها في التاريخ، وتتطلب حلولاً شاملة مبتكرة؛ وإذا لم تتوافر هذه الحلول في مستقبل قريب، فلن يكون بالامكان أن نحافظ على شيء من كل ما صنع عظمة حضارتنا وجمالها؛ والحال أنه لا توجد حتى اليوم سوى مؤشرات قليلة تسمح بالأمل بأن يحسن البشر التغلب على تبايناتهم واستنباط حلول يسيرة التصور، ثم أن يتحدوا ويعبئوا جهودهم لوضعها موضع التنفيذ؛ هناك علامات كثيرة تحمل على الظن بأن اختلال العالم وصل إلى طور متقدم وبأن الحؤول دون التقهقر سيكون أمراً عسيراً.
في الصفحات التي تلي، لن أعالج الاضطرابات المختلفة كملفات منفصل بعضها عن بعض، ولا على نحو منهجي. سيكون مسعاي أقرب إلى مسعى ناطور ليلي لبستان غداة مرور عاصفة، وفيما تنذر بالهبوب عاصفة أخرى أشد عنفاً. يجول الرجل بقدمين حذرتين. حاملاً مصباحه، ناقلاً ضوءه من مكان إلى آخر، مستكشفاً الممرات، منحنياً فوق شجرة عتيقة اقتلعتها العاصفة؛ ثم يتوجه إلى مرتفع، ويطفىء مصباحه، ويحاول إلقاء نظرة شاملة على المشهد بكامله.
إنه ليس عالم نبات، ولا مهندساً زراعياً، ولا رساماً لمناظر الطبيعة، ولا يملك شيئاً في هذا البستان. إلا أنه هنا يقيم، مع الأشخاص الأعزاء عليه، وكل ما يمكن أن يمس هذه الأرض يمسه عن كثب.
وليم كرلوس وليامز(1883 ــــــ 1963)
دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة.
لقد أخذت تحصل منذ الأشهر الأولى أحداث مقلقة تحمل على الظن بأن العالم يعاني اختلالاً كبيراً، وفي عدة ميادين معاً ــــــ اختلالاً فكرياً، اختلالاً مالياً، اختلالاً مناخياً، اختلالاً جيوسياسياً، اختلالاً أخلاقياً.
صحيح أننا نشهد، بين حين وآخر، تحولات غير مأمولة؛ فنروح نحسب أن البشر، وقد وصلوا إلى المأزق، لا بد لهم من أن يكتشفوا وسائل الخروج منه، كما بمعجزة. إلا أنه سرعان ما تبرز اضطرابات جديدة، تميط اللثام عن نوازع بشرية مختلفة جداً، أشد غموضاً، أكثر اعتيادية، فنروح نتساءل عما إذا لم يكن جنسنا البشري قد بلغ، بمعنى ما، عتبة قصوره الخلقي، وما إذا كان لا يزال قادراً على التقدم، وما إذا كان قد باشر تواً حركة تقهقرية تنذر بالتنكر لما جهدت أجيال متعاقبة في العمل على بنائه.
لست هنا بصدد حالات الجزع اللاعقلانية التي رافقت الانتقال من ألفية إلى أخرى، ولا بصدد صيحات الويل المتكررة التي يطلقها دوماً أولئك الذين يخشون التغيير أو يفزعون من وتيرته. إن مصدر قلقي هو من نوع آخر؛ إنه قلق نصير للأنوار ، يراها تترنح، وتشحب، وفي بعض البلدان، تشرف على الانطفاء؛ إنه قلق مولع بالحرية، التي كان يحسبها سائرة إلى الانتشار في كل أنحاء المعمورة وهو الآن يشهد ارتسام ملامح عالم لا مكان لها فيه؛ إنه قلق نصير للتنوع المتناسق يجد نفسه مكرهاً على أن يشهد، عاجزاً، صعود التعصب، والعنف، والنبذ، واليأس؛ إنه أولاً، وبكل بساطة قلق عاشق للحياة، لا يقبل التسليم بالفناء الذي يتربص بها.
دفعاً لكل التباس، أصر على القول إنني لست من أولئك الناقمين على الزمن الحاضر؛ وإنما أنا مفتون بما يأتينا به عصرنا، مترصد لآخر مخترعاته، التي أسارع إلى إدراجها في حياتي اليومية؛ وأنا مدرك لانتسابي، بسبب الخطوات المتقدمة في الطب وفي المعلوماتية على الأقل، إلى جيل محظوظ جداً بالنسبة إلى الأجيال التي سبقته. غير أنه لا يسعني أن أتذوق ثمار الحداثة بكل اطمئنان ما لم أكن واثقاً بأن الأجيال القادمة ستتذوقها بالاطمئنان إياه.
أتراني أبالغ في المخاوف؟ لا أظن، لسوء الطالع. فهي، على عكس ذلك، تبدو لي مخاوف لها مبرراتها، الأمر الذي سأعمل على تبيانه في الصفحات التالية؛ لا أبغي من وراء هذا مراكمة وثائق في ملف، ولا الدفاع عن فرضية قد تخصني، مدفوعاً بحب الذات، وإنما إيصال صرخة الانذار هذه إلى الأسماع؛ وما أطمح إليه بالدرجة الأولى هو إيجاد الكلمات الصائبة لإقناع معاصريّ، «رفاقي في السفر»، بأن المركب الذي نحن على متنه بات بعد الآن هائماً على وجهه، بلا طريق، ولا مقصد، ولا رؤية، ولا بوصلة، في بحر هائج، وأنه لا بد من صحوة، ومن حالة طوارىء تفادياً للغرق. لن يكون كافياً أن نواصل السير في الوثبة التي بدأناها، كيفما اتفق، مبحرين اتكالاً على البصر، متحاشين بعض العوائق، مسلمين أمرنا للزمن. فالزمن ليس حليفنا، وإنما هو القاضي الذي يحاكمنا، ونحن منذ الآن محكومون مع وقف التنفيذ.
إذا كانت الصورة البحرية تحضر إلى الذهن عفو الخاطر، فلربما كان من واجبي أولاً أن أعبر عن مخاوفي بهذه المعاينة البسيطة والجافة: تواجه الانسانية، في مرحلة تطورها الراهنة، أخطاراً جديدة، لا مثيل لها في التاريخ، وتتطلب حلولاً شاملة مبتكرة؛ وإذا لم تتوافر هذه الحلول في مستقبل قريب، فلن يكون بالامكان أن نحافظ على شيء من كل ما صنع عظمة حضارتنا وجمالها؛ والحال أنه لا توجد حتى اليوم سوى مؤشرات قليلة تسمح بالأمل بأن يحسن البشر التغلب على تبايناتهم واستنباط حلول يسيرة التصور، ثم أن يتحدوا ويعبئوا جهودهم لوضعها موضع التنفيذ؛ هناك علامات كثيرة تحمل على الظن بأن اختلال العالم وصل إلى طور متقدم وبأن الحؤول دون التقهقر سيكون أمراً عسيراً.
في الصفحات التي تلي، لن أعالج الاضطرابات المختلفة كملفات منفصل بعضها عن بعض، ولا على نحو منهجي. سيكون مسعاي أقرب إلى مسعى ناطور ليلي لبستان غداة مرور عاصفة، وفيما تنذر بالهبوب عاصفة أخرى أشد عنفاً. يجول الرجل بقدمين حذرتين. حاملاً مصباحه، ناقلاً ضوءه من مكان إلى آخر، مستكشفاً الممرات، منحنياً فوق شجرة عتيقة اقتلعتها العاصفة؛ ثم يتوجه إلى مرتفع، ويطفىء مصباحه، ويحاول إلقاء نظرة شاملة على المشهد بكامله.
إنه ليس عالم نبات، ولا مهندساً زراعياً، ولا رساماً لمناظر الطبيعة، ولا يملك شيئاً في هذا البستان. إلا أنه هنا يقيم، مع الأشخاص الأعزاء عليه، وكل ما يمكن أن يمس هذه الأرض يمسه عن كثب.
صفحة 2
الفصل الأول :الانتصارات الكاذبة
1
عندما سقط جدار برلين اجتاحت العالم موجة من الأمل. فانتهاء المجابهة بين الغرب والاتحاد السوفياتي أبعد خطر حصول زلزال نووي كان معلقاً فوق رؤوسنا منذ نحو أربعين سنة؛ وكان ينتظر بعد ذلك أن تنتشر الديموقراطية شيئاً فشيئاً، حسب اعتقادنا، حتى تعم أرجاء المعمورة بمجملها؛ وأن تزول الحواجز بين مختلف أصقاع الكرة الأرضية، وأن يتطور تداول الناس والسلع والصور والأفكار دون عوائق، مدشناً بذلك عهداً من التقدم والازدهار. لقد تحققت بضع خطوات مرموقة في كل من هذه الميادين، بادىء الأمر. لكننا كنا نزداد ضياعاً كلما ازددنا تقدماً.
لدينا، من هذا القبيل، مثال ساطع هو مثال الاتحاد الأوروبي . كان تفكك الكتلة السوفياتية انتصاراً في نظر هذا الاتحاد. فإنه بين الطريقين المعروضتين على شعوب القارة، تبين أن إحداهما مغلقة، فيما الثانية مفتوحة حتى الأفق. فجاءت بلدان أوروبا الشرقية السابقة تطرق باب الاتحاد ؛ ومن لم يحظ من بينها بالاستقبال ما برح يحلم به.
على أن أوروبا ضيعت معالم طريقها لحظة انتصارها وفيما كان كثير من الشعوب يتقرب منها، مبهوراً بها، كما لو أنها جنة الله على الأرض. فمن كان عليها أن تضم بعد، ولأي غرض؟ ومن كان عليها أن ترفض، ولأي سبب؟ إنها اليوم، أكثر منها في الماضي، تسائل نفسها عن هويتها، وحدودها، ومؤسساتها المستقبلية، وموقعها في العالم، غير واثقة بالأجوبة.
وإذا كانت أوروبا تعرف تماماً من أين أتت، وتعرف أية فواجع أقنعت شعوبها بضرورة التوحد، فإنها لم تعد تعرف جيداً وجهة سيرها. هل عليها أن تنبني كاتحاد فدرالي شبيه باتحاد الولايات المتحدة الأميركية، تحركه «وطنية قارية» تسمو وتستوعب وطنية الأمم التي تتألف منها، ويتمتع بمكانة دولة عالمية ليس على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي فحسب، بل السياسي والعسكري أيضاً؟ هل هي جاهزة للاضطلاع بمثل هذا الدور، كما بالتبعات والتضحيات التي تصاحبه؟ أم أن عليها أن تكتفي بشراكة مرنة بين أمم متمسكة بسيادتها، فتبقى قوة تكميلية على الصعيد العالمي؟
هذه المآزق كانت غير موجودة في ظل انقسام القارة إلى معسكرين عدوين. أما الآن فهي مطروحة بأكبر قدر من اللجاجة. أكيد أن القارة لن تعود إلى عصر الحروب الكبيرة ولا إلى زمن «الستار الحديدي». غير أنه من الخطأ الظن بأن في الأمر خصاماً بين سياسيين أو بين علماء سياسة؛ فما في الأمر هو مصير القارة بالذات.
سأعود بمزيد من الإسهاب إلى هذه المسألة، الجوهرية في نظري، وليس في نظر شعوب أوروبا وحدها. فما توخيته هنا خصوصاً، هو اتخاذ الاتحاد الأوروبي كمثال، لأنه أحد مظاهر حالة الضياع هذه، حالة فقدان التوجه، حالة الاختلال، التي تصيب البشرية بالإجمال كما تصيب كل واحد من مكوناتها.
في الحقيقة، حين أجول ببصري على مختلف مناطق الكرة الأرضية، فإنما أنا أقلق على أوروبا أقل من قلقي على غيرها، لأنها، كما يلوح لي، تقدر، خيراً من غيرها، ضخامة التحديات التي يجب أن تواجهها البشرية؛ لأنها تحوز الرجال والمرجعيات اللازمة لمناقشة هذه التحديات مناقشة مجدية، بغية استنباط حلول؛ لأنها حاملة مشروع تجميعي وانشغال أخلاقي شديد ــــــ وإن كانت تترك بعض الأحيان انطباعاً بأنها تضطلع بهما دون اكتراث.
للأسف، لا يوجد شيء كهذا في أماكن أخرى. فالعالم العربي ــــــ الاسلامي يغوص أكثر فأكثر في «بئر» تاريخية يبدو عاجزاً عن الصعود منها؛ وهو حاقد على الأرض كلها ــــــ الغربيين، الروس، الصينيين، الهنود، اليهود، الخ ــــــ وعلى ذاته بالدرجة الأولى. والبلدان الأفريقية، هي، باستثناء حالات نادرة، غارقة في حروب أهلية، وأوبئة، ومتاجرات قذرة، وفساد شامل، وانحطاط للمؤسسات، وتفكك للنسيج الاجتماعي، والبطالة الكثيفة، والقنوط. وتعمل روسيا بشق النفس على الإبرء من سبعين سنة من الشيوعية ومن الطريقة الفوضوية لخروجها منها؛ ويحلم قادتها باستعادة قدرتهم، فيما يذوق سكانها طعم الخذلان. أما الولايات المتحدة، فبعد أن صرعت عدوها العالمي الرئيسي، وجدت نفسها تخوض غمار مشروع هائل ينهكها ويدفع بها إلى التيه: أن تروض بمفردها، أو تقريباً بمفردها، كوكباً يستحيل ترويضه.
وحتى الصين، التي تصعد بصورة مسرحية، لديها أسباب للقلق؛ ذلك أنه إذا كانت طريقها، في مطلع هذا القرن، تبدو مرسومة ــــــ مواصلة نموها الاقتصادي بلا هوادة إلى جانب الحرص على صون التماسك الاجتماعي والوطني ــــــ فإن دورها المستقبلي كدولة كبرى سياسياً وعسكرياً تكتنفه شكوك خطيرة، بالنسبة إليها بالذات كما بالنسبة إلى جيرانها وإلى بقية العالم أيضاً. لا يزال العملاق الآسيوي هذا يمسك ببوصلة يمكن الوثوق بها تقريباً، إلا أنه يقترب بسرعة كبيرة من بقعة لن تعود آلته فيها بذات نفع.
إن جميع شعوب الأرض في مهب العاصفة بشكل أو بآخر. سواء كنا أغنياء أو فقراء، مستكبرين أو خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعاً على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق معاً. لكننا مع ذلك لا نكفّ عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين لتعاظم أمواج البحر.
ولعلنا حتى قادرون على الترحيب بالموجة القاتلة إذا ما ابتلعت أعداءنا أولاً إبان صعودها نحونا.
1
عندما سقط جدار برلين اجتاحت العالم موجة من الأمل. فانتهاء المجابهة بين الغرب والاتحاد السوفياتي أبعد خطر حصول زلزال نووي كان معلقاً فوق رؤوسنا منذ نحو أربعين سنة؛ وكان ينتظر بعد ذلك أن تنتشر الديموقراطية شيئاً فشيئاً، حسب اعتقادنا، حتى تعم أرجاء المعمورة بمجملها؛ وأن تزول الحواجز بين مختلف أصقاع الكرة الأرضية، وأن يتطور تداول الناس والسلع والصور والأفكار دون عوائق، مدشناً بذلك عهداً من التقدم والازدهار. لقد تحققت بضع خطوات مرموقة في كل من هذه الميادين، بادىء الأمر. لكننا كنا نزداد ضياعاً كلما ازددنا تقدماً.
لدينا، من هذا القبيل، مثال ساطع هو مثال الاتحاد الأوروبي . كان تفكك الكتلة السوفياتية انتصاراً في نظر هذا الاتحاد. فإنه بين الطريقين المعروضتين على شعوب القارة، تبين أن إحداهما مغلقة، فيما الثانية مفتوحة حتى الأفق. فجاءت بلدان أوروبا الشرقية السابقة تطرق باب الاتحاد ؛ ومن لم يحظ من بينها بالاستقبال ما برح يحلم به.
على أن أوروبا ضيعت معالم طريقها لحظة انتصارها وفيما كان كثير من الشعوب يتقرب منها، مبهوراً بها، كما لو أنها جنة الله على الأرض. فمن كان عليها أن تضم بعد، ولأي غرض؟ ومن كان عليها أن ترفض، ولأي سبب؟ إنها اليوم، أكثر منها في الماضي، تسائل نفسها عن هويتها، وحدودها، ومؤسساتها المستقبلية، وموقعها في العالم، غير واثقة بالأجوبة.
وإذا كانت أوروبا تعرف تماماً من أين أتت، وتعرف أية فواجع أقنعت شعوبها بضرورة التوحد، فإنها لم تعد تعرف جيداً وجهة سيرها. هل عليها أن تنبني كاتحاد فدرالي شبيه باتحاد الولايات المتحدة الأميركية، تحركه «وطنية قارية» تسمو وتستوعب وطنية الأمم التي تتألف منها، ويتمتع بمكانة دولة عالمية ليس على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي فحسب، بل السياسي والعسكري أيضاً؟ هل هي جاهزة للاضطلاع بمثل هذا الدور، كما بالتبعات والتضحيات التي تصاحبه؟ أم أن عليها أن تكتفي بشراكة مرنة بين أمم متمسكة بسيادتها، فتبقى قوة تكميلية على الصعيد العالمي؟
هذه المآزق كانت غير موجودة في ظل انقسام القارة إلى معسكرين عدوين. أما الآن فهي مطروحة بأكبر قدر من اللجاجة. أكيد أن القارة لن تعود إلى عصر الحروب الكبيرة ولا إلى زمن «الستار الحديدي». غير أنه من الخطأ الظن بأن في الأمر خصاماً بين سياسيين أو بين علماء سياسة؛ فما في الأمر هو مصير القارة بالذات.
سأعود بمزيد من الإسهاب إلى هذه المسألة، الجوهرية في نظري، وليس في نظر شعوب أوروبا وحدها. فما توخيته هنا خصوصاً، هو اتخاذ الاتحاد الأوروبي كمثال، لأنه أحد مظاهر حالة الضياع هذه، حالة فقدان التوجه، حالة الاختلال، التي تصيب البشرية بالإجمال كما تصيب كل واحد من مكوناتها.
في الحقيقة، حين أجول ببصري على مختلف مناطق الكرة الأرضية، فإنما أنا أقلق على أوروبا أقل من قلقي على غيرها، لأنها، كما يلوح لي، تقدر، خيراً من غيرها، ضخامة التحديات التي يجب أن تواجهها البشرية؛ لأنها تحوز الرجال والمرجعيات اللازمة لمناقشة هذه التحديات مناقشة مجدية، بغية استنباط حلول؛ لأنها حاملة مشروع تجميعي وانشغال أخلاقي شديد ــــــ وإن كانت تترك بعض الأحيان انطباعاً بأنها تضطلع بهما دون اكتراث.
للأسف، لا يوجد شيء كهذا في أماكن أخرى. فالعالم العربي ــــــ الاسلامي يغوص أكثر فأكثر في «بئر» تاريخية يبدو عاجزاً عن الصعود منها؛ وهو حاقد على الأرض كلها ــــــ الغربيين، الروس، الصينيين، الهنود، اليهود، الخ ــــــ وعلى ذاته بالدرجة الأولى. والبلدان الأفريقية، هي، باستثناء حالات نادرة، غارقة في حروب أهلية، وأوبئة، ومتاجرات قذرة، وفساد شامل، وانحطاط للمؤسسات، وتفكك للنسيج الاجتماعي، والبطالة الكثيفة، والقنوط. وتعمل روسيا بشق النفس على الإبرء من سبعين سنة من الشيوعية ومن الطريقة الفوضوية لخروجها منها؛ ويحلم قادتها باستعادة قدرتهم، فيما يذوق سكانها طعم الخذلان. أما الولايات المتحدة، فبعد أن صرعت عدوها العالمي الرئيسي، وجدت نفسها تخوض غمار مشروع هائل ينهكها ويدفع بها إلى التيه: أن تروض بمفردها، أو تقريباً بمفردها، كوكباً يستحيل ترويضه.
وحتى الصين، التي تصعد بصورة مسرحية، لديها أسباب للقلق؛ ذلك أنه إذا كانت طريقها، في مطلع هذا القرن، تبدو مرسومة ــــــ مواصلة نموها الاقتصادي بلا هوادة إلى جانب الحرص على صون التماسك الاجتماعي والوطني ــــــ فإن دورها المستقبلي كدولة كبرى سياسياً وعسكرياً تكتنفه شكوك خطيرة، بالنسبة إليها بالذات كما بالنسبة إلى جيرانها وإلى بقية العالم أيضاً. لا يزال العملاق الآسيوي هذا يمسك ببوصلة يمكن الوثوق بها تقريباً، إلا أنه يقترب بسرعة كبيرة من بقعة لن تعود آلته فيها بذات نفع.
إن جميع شعوب الأرض في مهب العاصفة بشكل أو بآخر. سواء كنا أغنياء أو فقراء، مستكبرين أو خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعاً على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق معاً. لكننا مع ذلك لا نكفّ عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين لتعاظم أمواج البحر.
ولعلنا حتى قادرون على الترحيب بالموجة القاتلة إذا ما ابتلعت أعداءنا أولاً إبان صعودها نحونا.
صفحة 3
2
لكن هناك سبباً آخر أيضاً لإيراد مثال الاتحاد الأوروبي ، وهو أنه يصور جيداً هذه الظاهرة التي يعرفها المؤرخون والتي يتثبت منها كل كائن بشري في مجرى حياته الخاصة، وهي أن الفشل قد يتبدى منقذاً، بعد حين، فيما قد يتبدى النجاح وبيلاً؛ إن انتهاء الحرب الباردة يدخل، كما يلوح لي، في عداد هذا النوع من الأحداث الخادعة.
أن تفقد أوروبا معالم الطريق من جراء انتصارها، فهذه ليست أول مفارقة في عصرنا. وقد يكون في وسعنا أن نقول بالطريقة ذاتها إن انتصار الغرب الاستراتيجي، الذي كان من شأنه أن يعزز تفوقه، قد عجل في انحداره؛ وإن انتصار الرأسمالية قد عجل في زجها في أسوأ أزمة عرفها تاريخها؛ وإن «توازن الرعب» قد خلق عالماً مهجوساً بــــــ «الارهاب»؛ وإن هزيمة نظام سوفياتي اشتهر بالقمع ومعاداة الديموقراطية قد أدى إلى تراجع النقاش الديموقراطي في العالم كله.
سأتوقف أولاً عند هذه النقطة، لكي أشدد على أننا انتقلنا، بعد انتهاء المجابهة بين الكتلتين، من عالم كانت فيه الانشطارات إيديولوجية بالدرجة الأولى وكان النقاش فيه متواصلاً، إلى عالم باتت فيه الانشطارات هووية بالدرجة الأولى وللنقاش فيه حيز صغير. فراح كل واحد ينادي بانتماءاته في وجه الآخرين، ويطلق لعناته، ويحشد أهله، ويؤبلس أعداءه ــــــ هل لديه ما يقول غير هذا؟ ما أقل المراجع المشتركة بين أعداء اليوم!
هذا لا يعني تأسفاً على المناخ الفكري الذي كان سائداً في زمن الحرب الباردة.
فهذه لم تكن باردة في كل مكان، وقد تجلت، على العكس، في تفجرات جانبية عديدة أودت بحياة عشرات الملايين من الكائنات البشرية، في كوريا، وفي أفغانستان، وفي المجر، وفي أندونيسيا، كما في فييتنام وفي شيلي وفي الأرجنتين. بيد أنه يبدو لي من المشروع أن نأسف لكون العالم خرج منها «بالباب التحتي» أعني أنه خرج نحو تدنّ في المسكونية، تدنّ في العقلانية، تدن في العلمانية؛ نحو تعزيز للانتماءات الوراثية على حساب الآراء المكتسبة؛ وبالتالي نحو تدن للنقاش الحر.
كانت الأرض كلها أشبه بمدرج رحب طالما كانت المجابهة الايديولوجية قائمة بين أنصار الماركسية وخصومها.
وفي الصحف، والجامعات، والمكاتب، والمصانع، والمقاهي، والبيوت، في معظم المجتمعات البشرية، كانت تدور مناقشات لا نهاية لها حول محاسن ومساوىء هذا النموذج الاقتصادي أو ذاك، وهذا الفكر الفلسفي أو ذاك، وهذا التنظيم الاجتماعي أو ذاك. وبعد هزيمة الشيوعية، بعد أن توقفت عن عرض بديل ذي صدقية، أمست هذه المبادلات بلا موضوع. ألهذا السبب أقلع مثل هذا العدد من الناس عن طوباوياتهم المهزومة ولجأوا إلى تحت سقف طائفة يشعرهم بالأمان؟ نستطيع أن نفترض أيضاً أن الافلاس السياسي والمعنوي الذي أصاب ماركسية متمسكة بالالحاد قد أعاد الاعتبار إلى المعتقدات والتضامنات التي أرادت تلك الماركسية استئصالها.
إننا لنجد أنفسنا، على كل حال، منذ سقوط جدار برلين، في عالم استشرت فيه الانتماءات، ومن بينها خصوصاً تلك المتعلقة بالدين، بحيث أن التعايش بين مختلف الجماعات البشرية بات يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، وحيث أمست الديموقراطية تحت رحمة المزايدات الهووية على الدوام.
وكان لهذا الانزلاق من الايديولوجيا نحو فكر الهوية عواقب مدمرة على الكرة بمجملها، لكن هذا الدمار لم يبلغ في أي مكان القدر الذي بلغه في المحيط الثقافي العربي ــــــ الاسلامي، حيث اكتسبت الأصولية الدينية، التي ظلت أقلوية ومضطهدة زماناً طويلاً، أعلوية فكرية جماهيرية داخل معظم المجتمعات، كما في الشتات؛ وراحت هذه الحركة تعتمد خلال صعودها نهجاً معادياً للغرب بعنف.
بعد أن ابتدأ هذا التطور مع صعود آية الله الخميني سنة 1979، راح يتفاقم مع نهاية الحرب الباردة. كانت الحركات الاسلاموية، على مدى المجابهة بين الكتلتين، تبدو بالاجمال أكثر معاداة بوضوح للشيوعية منها للرأسمالية. لا شك في أنها لم تكنَّ أدنى تعاطف مع الغرب، وسياسته، ونمط عيشه، وقيمه؛ غير أن إلحادية الماركسيين المناضلة كانت تجعل من تلك الحركات أعداء أكثر جذرية. وبموازاة ذلك، فإن الخصوم المحليين للاسلامويين، ومن بينهم القوميون العرب كما الأحزاب اليسارية، سلكوا وجهة مضادة، فوجدوا أنفسهم حلفاء أو زبائن للاتحاد السوفياتي. وقد عاد عليهم هذا الاصطفاف بعواقب وخيمة، لكن كان يفرضها التاريخ بمعنى ما.
كانت النخب الحداثية في العالم العربي ــــــ الاسلامي تسعى عبثاً منذ أجيال إلى تربيع الدائرة، أي: كيف يمكن التأَورب دون خضوع لسيطرة الدول الأوروبية التي كانت مسيطرة على بلدانها، من جاوا إلى المغرب، وكانت تهيمن على مواردها؟ وكان كفاحها في سبيل الاستقلال يخاض ضد البريطانيين والفرنسيين والهولنديين، وكلما عمدت بلدانها إلى أخذ زمام السيطرة على قطاعات جوهرية في اقتصادها، اصطدمت بشركات النفط الغربية أو بالشركة الفرنسية ــــــ البريطانية لقناة السويس، فيما خص مصر. وحينما برزت في شرق أوروبا كتلة قوية، تدعو إلى تصنيع متسارع، وترفع شعار «الصداقة بين الشعوب»، وتتصدى بحزم للدول الاستعمارية، رأى كثيرون في ذلك حلاً لهذه المعضلة.
في سياق الكفاح من أجل الاستقلال، كان مثل هذا التوجه يبدو معقولاً وواعداً. إلا أنه مع مرور الزمن لا بد أن نعاين أنه كان مشحوناً بالبلايا. فلم تحصل نخب العالم العربي ــــــ الاسلامي لا على تطور، ولا على تحرر وطني، ولا على ديموقراطية، ولا على حداثة اجتماعية، وجل ما حصلت عليه نسخة محلية عن ستالينية قومية لا تحوز شيئاً مما جعل للنظام السوفياتي إشعاعه العالمي ــــــ لا خطابه الأممي، ولا إسهامه الكثيف في دحر النازية خلال 1941 ــــــ 1945، ولا قدرته على بناء قدرة عسكرية من الطراز الأول؛ بل نسخة أمينة لأسوأ عوراته ــــــ انزلاقاته في كره الأجانب، عنفه البوليسي، إدارته الاقتصادية التي أثبتت عقمها، واحتكار الحكم لمصلحة حزب، أو فئة، أو زعيم. كان نظام صدام حسين «العلماني» مثالاً بليغاً من هذا القبيل.
ليس مهماً اليوم أن نعرف ما إذا كان يجب توجيه اللوم إلى عمى المجتمعات العربية المزمن أم إلى جشع الدول الغربية المزمن. فالدفاع ممكن عن كل من الفرضيتين، وسأعود إلى هذا الموضوع لاحقاً. على أن ما هو أكيد، وما يلقي بثقله على عالم اليوم، هو أن العناصر ذات الطاقة الحداثية، العلمانية، في العالم العربي ــــــ الاسلامي، قد قاتلت الغرب مدى عقود عدة، وأنها كانت بذلك تسير على غير هدى، مادياً ومعنوياً، في طريق مسدود، وأن الغرب حاربها، بفاعلية رهيبة في الغالب، وبمساندة من الحركات الدينية أحياناً.
لم يكن هذا تحالفاً حقيقياً، وإنما كان مجرد تلاقٍ تكتيكي لأجل مواجهة عدو قوي مشترك. غير أنه نتيجة لذلك، كان الاسلامويون عند انتهاء الحرب الباردة في عداد المنتصرين. وبات تأثيرهم في الحياة اليومية واضحاً وعميقاً في كل الميادين. وبات قسم كبير من السكان بعد ذلك يكتشف نفسه فيهم، لا سيما وأنهم كانوا قد تبنوا جميع المطالب الاجتماعية والوطنية التي كان ينادي بها اليسار والحركات المنبثقة من الكفاح في سبيل الاستقلال تقليدياً. ومع بقاء الخطاب الاسلاموي مرتكزاً على التطبيق الحسي لتعاليم الايمان، التي تفسر بصورة محافظة في الغالب، فإنه كان يتجه إلى أن يصير خطاباً أصولياً في الحقل السياسي ــــــ أكثر مساواتياً، أكثر عالمثالثياً، أكثر ثورية، أكثر قومية، وبات ابتداءً من آخر سنوات القرن العشرين موجهاً بحزم ضد الغرب ومن يحميهم هذا الغرب.
في ما خص هذه النقطة الأخيرة، تخطر في البال مقارنة: إن الديموقراطيين اليمينيين والشيوعيين، الذين تحالفوا ضد النازية في الحرب العالمية الثانية في أوروبا، أمسوا أعداءً منذ سنة 1954؛ كذلك كان من المتوقع أنه عند انتهاء الحرب الباردة سيتواجه الغربيون والاسلامويون في صراع بلا هوادة. وإذا كان المطلوب حقلاً مؤاتياً لإشعال الفتيل، فقد كان هذا الحقل جاهزاً: أفغانستان. هنا كان حلفاء الأمس قد خاضوا كفاحهم المشترك ضد السوفياتيين؛ وهنا اكتملت القطيعة بينهم في العقد الأخير من القرن، بعد أن كانوا قد انتصروا؛ ومن هنا أُلقي في 11 أيلول/سبتمبر 2001 قفاز فتاكفي وجه الولايات المتحدة الأميركية، وقد شهدنا ردود الفعل المتسلسلة على ذلك ــــــ غزوات، انتفاضات، إعدامات، مجازر، حروباً أهلية ــــــ واعتداءات عديدة أخرى.
لكن هناك سبباً آخر أيضاً لإيراد مثال الاتحاد الأوروبي ، وهو أنه يصور جيداً هذه الظاهرة التي يعرفها المؤرخون والتي يتثبت منها كل كائن بشري في مجرى حياته الخاصة، وهي أن الفشل قد يتبدى منقذاً، بعد حين، فيما قد يتبدى النجاح وبيلاً؛ إن انتهاء الحرب الباردة يدخل، كما يلوح لي، في عداد هذا النوع من الأحداث الخادعة.
أن تفقد أوروبا معالم الطريق من جراء انتصارها، فهذه ليست أول مفارقة في عصرنا. وقد يكون في وسعنا أن نقول بالطريقة ذاتها إن انتصار الغرب الاستراتيجي، الذي كان من شأنه أن يعزز تفوقه، قد عجل في انحداره؛ وإن انتصار الرأسمالية قد عجل في زجها في أسوأ أزمة عرفها تاريخها؛ وإن «توازن الرعب» قد خلق عالماً مهجوساً بــــــ «الارهاب»؛ وإن هزيمة نظام سوفياتي اشتهر بالقمع ومعاداة الديموقراطية قد أدى إلى تراجع النقاش الديموقراطي في العالم كله.
سأتوقف أولاً عند هذه النقطة، لكي أشدد على أننا انتقلنا، بعد انتهاء المجابهة بين الكتلتين، من عالم كانت فيه الانشطارات إيديولوجية بالدرجة الأولى وكان النقاش فيه متواصلاً، إلى عالم باتت فيه الانشطارات هووية بالدرجة الأولى وللنقاش فيه حيز صغير. فراح كل واحد ينادي بانتماءاته في وجه الآخرين، ويطلق لعناته، ويحشد أهله، ويؤبلس أعداءه ــــــ هل لديه ما يقول غير هذا؟ ما أقل المراجع المشتركة بين أعداء اليوم!
هذا لا يعني تأسفاً على المناخ الفكري الذي كان سائداً في زمن الحرب الباردة.
فهذه لم تكن باردة في كل مكان، وقد تجلت، على العكس، في تفجرات جانبية عديدة أودت بحياة عشرات الملايين من الكائنات البشرية، في كوريا، وفي أفغانستان، وفي المجر، وفي أندونيسيا، كما في فييتنام وفي شيلي وفي الأرجنتين. بيد أنه يبدو لي من المشروع أن نأسف لكون العالم خرج منها «بالباب التحتي» أعني أنه خرج نحو تدنّ في المسكونية، تدنّ في العقلانية، تدن في العلمانية؛ نحو تعزيز للانتماءات الوراثية على حساب الآراء المكتسبة؛ وبالتالي نحو تدن للنقاش الحر.
كانت الأرض كلها أشبه بمدرج رحب طالما كانت المجابهة الايديولوجية قائمة بين أنصار الماركسية وخصومها.
وفي الصحف، والجامعات، والمكاتب، والمصانع، والمقاهي، والبيوت، في معظم المجتمعات البشرية، كانت تدور مناقشات لا نهاية لها حول محاسن ومساوىء هذا النموذج الاقتصادي أو ذاك، وهذا الفكر الفلسفي أو ذاك، وهذا التنظيم الاجتماعي أو ذاك. وبعد هزيمة الشيوعية، بعد أن توقفت عن عرض بديل ذي صدقية، أمست هذه المبادلات بلا موضوع. ألهذا السبب أقلع مثل هذا العدد من الناس عن طوباوياتهم المهزومة ولجأوا إلى تحت سقف طائفة يشعرهم بالأمان؟ نستطيع أن نفترض أيضاً أن الافلاس السياسي والمعنوي الذي أصاب ماركسية متمسكة بالالحاد قد أعاد الاعتبار إلى المعتقدات والتضامنات التي أرادت تلك الماركسية استئصالها.
إننا لنجد أنفسنا، على كل حال، منذ سقوط جدار برلين، في عالم استشرت فيه الانتماءات، ومن بينها خصوصاً تلك المتعلقة بالدين، بحيث أن التعايش بين مختلف الجماعات البشرية بات يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، وحيث أمست الديموقراطية تحت رحمة المزايدات الهووية على الدوام.
وكان لهذا الانزلاق من الايديولوجيا نحو فكر الهوية عواقب مدمرة على الكرة بمجملها، لكن هذا الدمار لم يبلغ في أي مكان القدر الذي بلغه في المحيط الثقافي العربي ــــــ الاسلامي، حيث اكتسبت الأصولية الدينية، التي ظلت أقلوية ومضطهدة زماناً طويلاً، أعلوية فكرية جماهيرية داخل معظم المجتمعات، كما في الشتات؛ وراحت هذه الحركة تعتمد خلال صعودها نهجاً معادياً للغرب بعنف.
بعد أن ابتدأ هذا التطور مع صعود آية الله الخميني سنة 1979، راح يتفاقم مع نهاية الحرب الباردة. كانت الحركات الاسلاموية، على مدى المجابهة بين الكتلتين، تبدو بالاجمال أكثر معاداة بوضوح للشيوعية منها للرأسمالية. لا شك في أنها لم تكنَّ أدنى تعاطف مع الغرب، وسياسته، ونمط عيشه، وقيمه؛ غير أن إلحادية الماركسيين المناضلة كانت تجعل من تلك الحركات أعداء أكثر جذرية. وبموازاة ذلك، فإن الخصوم المحليين للاسلامويين، ومن بينهم القوميون العرب كما الأحزاب اليسارية، سلكوا وجهة مضادة، فوجدوا أنفسهم حلفاء أو زبائن للاتحاد السوفياتي. وقد عاد عليهم هذا الاصطفاف بعواقب وخيمة، لكن كان يفرضها التاريخ بمعنى ما.
كانت النخب الحداثية في العالم العربي ــــــ الاسلامي تسعى عبثاً منذ أجيال إلى تربيع الدائرة، أي: كيف يمكن التأَورب دون خضوع لسيطرة الدول الأوروبية التي كانت مسيطرة على بلدانها، من جاوا إلى المغرب، وكانت تهيمن على مواردها؟ وكان كفاحها في سبيل الاستقلال يخاض ضد البريطانيين والفرنسيين والهولنديين، وكلما عمدت بلدانها إلى أخذ زمام السيطرة على قطاعات جوهرية في اقتصادها، اصطدمت بشركات النفط الغربية أو بالشركة الفرنسية ــــــ البريطانية لقناة السويس، فيما خص مصر. وحينما برزت في شرق أوروبا كتلة قوية، تدعو إلى تصنيع متسارع، وترفع شعار «الصداقة بين الشعوب»، وتتصدى بحزم للدول الاستعمارية، رأى كثيرون في ذلك حلاً لهذه المعضلة.
في سياق الكفاح من أجل الاستقلال، كان مثل هذا التوجه يبدو معقولاً وواعداً. إلا أنه مع مرور الزمن لا بد أن نعاين أنه كان مشحوناً بالبلايا. فلم تحصل نخب العالم العربي ــــــ الاسلامي لا على تطور، ولا على تحرر وطني، ولا على ديموقراطية، ولا على حداثة اجتماعية، وجل ما حصلت عليه نسخة محلية عن ستالينية قومية لا تحوز شيئاً مما جعل للنظام السوفياتي إشعاعه العالمي ــــــ لا خطابه الأممي، ولا إسهامه الكثيف في دحر النازية خلال 1941 ــــــ 1945، ولا قدرته على بناء قدرة عسكرية من الطراز الأول؛ بل نسخة أمينة لأسوأ عوراته ــــــ انزلاقاته في كره الأجانب، عنفه البوليسي، إدارته الاقتصادية التي أثبتت عقمها، واحتكار الحكم لمصلحة حزب، أو فئة، أو زعيم. كان نظام صدام حسين «العلماني» مثالاً بليغاً من هذا القبيل.
ليس مهماً اليوم أن نعرف ما إذا كان يجب توجيه اللوم إلى عمى المجتمعات العربية المزمن أم إلى جشع الدول الغربية المزمن. فالدفاع ممكن عن كل من الفرضيتين، وسأعود إلى هذا الموضوع لاحقاً. على أن ما هو أكيد، وما يلقي بثقله على عالم اليوم، هو أن العناصر ذات الطاقة الحداثية، العلمانية، في العالم العربي ــــــ الاسلامي، قد قاتلت الغرب مدى عقود عدة، وأنها كانت بذلك تسير على غير هدى، مادياً ومعنوياً، في طريق مسدود، وأن الغرب حاربها، بفاعلية رهيبة في الغالب، وبمساندة من الحركات الدينية أحياناً.
لم يكن هذا تحالفاً حقيقياً، وإنما كان مجرد تلاقٍ تكتيكي لأجل مواجهة عدو قوي مشترك. غير أنه نتيجة لذلك، كان الاسلامويون عند انتهاء الحرب الباردة في عداد المنتصرين. وبات تأثيرهم في الحياة اليومية واضحاً وعميقاً في كل الميادين. وبات قسم كبير من السكان بعد ذلك يكتشف نفسه فيهم، لا سيما وأنهم كانوا قد تبنوا جميع المطالب الاجتماعية والوطنية التي كان ينادي بها اليسار والحركات المنبثقة من الكفاح في سبيل الاستقلال تقليدياً. ومع بقاء الخطاب الاسلاموي مرتكزاً على التطبيق الحسي لتعاليم الايمان، التي تفسر بصورة محافظة في الغالب، فإنه كان يتجه إلى أن يصير خطاباً أصولياً في الحقل السياسي ــــــ أكثر مساواتياً، أكثر عالمثالثياً، أكثر ثورية، أكثر قومية، وبات ابتداءً من آخر سنوات القرن العشرين موجهاً بحزم ضد الغرب ومن يحميهم هذا الغرب.
في ما خص هذه النقطة الأخيرة، تخطر في البال مقارنة: إن الديموقراطيين اليمينيين والشيوعيين، الذين تحالفوا ضد النازية في الحرب العالمية الثانية في أوروبا، أمسوا أعداءً منذ سنة 1954؛ كذلك كان من المتوقع أنه عند انتهاء الحرب الباردة سيتواجه الغربيون والاسلامويون في صراع بلا هوادة. وإذا كان المطلوب حقلاً مؤاتياً لإشعال الفتيل، فقد كان هذا الحقل جاهزاً: أفغانستان. هنا كان حلفاء الأمس قد خاضوا كفاحهم المشترك ضد السوفياتيين؛ وهنا اكتملت القطيعة بينهم في العقد الأخير من القرن، بعد أن كانوا قد انتصروا؛ ومن هنا أُلقي في 11 أيلول/سبتمبر 2001 قفاز فتاكفي وجه الولايات المتحدة الأميركية، وقد شهدنا ردود الفعل المتسلسلة على ذلك ــــــ غزوات، انتفاضات، إعدامات، مجازر، حروباً أهلية ــــــ واعتداءات عديدة أخرى.
صفحة 4
3
إن الفكرة القائلة بأن الغرب يواجه حفنة من إرهابيين يتحدثون زوراً باسم الاسلام وأن أعمالهم تقابل بالشجب من جانب الكثرة الكبرى من المؤمنين، لا تتفق مع الواقع دائماً. صحيح أن المذابح الشديدة الفظاعة، كمذبحة مدريد في آذار/مارس 2004، تثير اشمئزاز العالم الاسلامي، وتربكه، وتلقى منه إدانات صادقة. إلا أننا، إذا رصدنا عن كثب «القبائل الكروية» التي تؤلف بشرية اليوم، لوجدنا أن ردود فعلها على الاعتداءات، كما على النزاعات المسلحة أو المنازلات السياسية، نادراً ما تكون متماثلة: ما يندد به بعضهم يبرره آخرون ويعذرونه، بل يصفقون له أحياناً.
نحن بوضوح أمام تفسيرين للتاريخ تبلورا حول مفهومين لــــــ «العدو». فبعضهم يرى أن الاسلام أظهر عجزه عن تبني القيم المسكونية التي ينادي بها الغرب؛ ويرى البعض الآخر أن الغرب يطمح خصوصاً إلى سيطرة عالمية يجهد المسلمون لأجل مقاومتها بما بقي لديهم من وسائل محدودة.
إن هذا المشهد، في نظر من يستطيع الاستماع إلى كل «قبيلة» بلغتها، الأمر الذي تعودته منذ سنين طويلة، هو مشهد غني بالعبر، ساحر ومثير للأسى في آن واحد. ذلك أنه منذ أن نطرح بعضاً من المقدمات نتوصل إلى تفسير لكل الأحداث على نحو متجانس دونما حاجة إلى سماع رأي «الآخرين».
فإذا سلمنا مثلاً بمقولة أن بلية عصرنا هي «بربرية العالم الاسلامي»، فلا يمكن لما نشهده في العراق إلا أن يعزز هذا الانطباع. لقد كان هناك طاغية دموي حكم البلاد بواسطة الارهاب طوال ثلث قرن، وأثخن شعبه بالجراح، وبذر أموال النفط في نفقات عسكرية أو بذخية؛ وغزا جيرانه، وتحدى الدول، وأكثر من العنتريات، وسط تصفيق الاعجاب من جانب الجماهير العربية، قبل أن ينهار دون قتال حقيقي؛ ثم لم يكد الرجل يسقط حتى غرقت البلاد في الفوضى، وراحت الطوائف المختلفة تتذابح، كما لو كان يراد القول: أنظروا، كان لا بد من حكم دكتاتوري لضبط شعب كهذا!
وإذا سلمنا، على العكس، بمقولة «وقاحة الغرب»، فيمكن تفسير الأحداث على نحو مماثل من التماسك: كان هناك في البداية حصار أوقع شعباً بكامله في البؤس، وأودى بحياة مئات الآلاف من الأطفال، دون أن يحرم الدكتاتور من تدخين سيكاره؛ ثم كان هناك غزو تقرر تحت ذرائع كاذبة ولم يأبه للرأي العام ولا للمؤسسات الدولية، وكان من بين دوافعه الطمع بالسيطرة على الثروات النفطية؛ ولم يكد النصر الأميركي يتحقق حتى تقرر التعجيل بشكل اعتباطي في حل الجيش العراقي وجهاز الدولة، وأُدخلت الطائفية صراحة إلى قلب المؤسسات، كما لو أنهم تعمدوا إغراق البلاد في حالة دائمة من عدم الاستقرار؛ وعلاوة على ذلك، كانت أعمال التنكيل في سجن أبو غريب، والتعذيب المنهجي، والاهانات المتواصلة، و «الأضرار الجانبية»، والتجاوزات العديدة التي ظلت بلا عقاب، وأعمال النهب، والفوضى الادارية والمالية...
يرى البعض أن حالة العراق تثبت عدم قابلية العالم الاسلامي للديموقراطية؛ ويرى الآخرون أنها تميط اللثام عن حقيقة وجه «نشر الديموقراطية» حسب الطريقة الغربية. يمكن أن نرى حتى في شريط موت صدام حسين مدى ضراوة الأميركيين والعرب على السواء.
الخطابان، في نظري، صائبان، كما أنهما باطلان. فكل واحد منهما يدور في مداره، أمام جمهوره، الذي يفهمه بالتلميح، والذي لا يسمع الخطاب المضاد. ويُفترض بي، من حيث أصولي، ومن حيث مسيرتي، أن أكون منتمياً إلى هذين المدارين معاً، لكنني أحس بالابتعاد عن الاثنين أكثر فأكثر كل يوم.
إن هذا الاحساس بالابتعاد ليس وليد رغبة في إقامة توازن من الملامات بين مكونات هويتي هذه، ولا فقط وليد نقمتي حيال هذه المعاندات الثقافية التي تسمم بداية هذا القرن، والتي تسهم عرضياً في هدم البلد الذي جئت منه. وإنما انتقادي يتناول الممارسة المزمنة لهذين «الميدانين الحضاريين»، ويمس حتى، كما أخشى، علة وجودهما بالذات. ذلك أن جوهر تفكيري هو أن هذه الحضارات الجديرة بالتبجيل وصلت إلى حدودها؛ ولم تعد تجلب للعالم إلا تشنجاتها المدمرة؛ وأنها أفلست أخلاقياً، أسوة، على كل حال، بجميع الحضارات الخاصة التي ما برحت تفرق الانسانية؛ وأن الوقت قد حان للارتقاء إلى ما فوقها. فإما أننا سنعرف كيف نبني في هذا القرن حضارة مشتركة يقدر كل فرد أن يتماهى معها، حضارة ترسخها قيم مسكونية واحدة، ويرشدها إيمان قوي بالمغامرة البشرية، وتزيد من ثرائها كل تنوعاتنا الثقافية؛ وإما أن نغرق جميعاً في بربرية مشتركة.
ما آخذه على العالم العربي اليوم هو فقر وعيه الخلقي، وما آخذه على الغرب هو ميله إلى تحويل وعيه الخلقي إلى أداة للسيطرة. هذان الاتهامان خطيران، وهما موجعان بقدر مضاعف بالنسبة إلي. لكنني لا أستطيع السكوت عنهما في كتاب يدعي التصدي لأسباب التقهقر الذي ذر قرنه. قد نبحث عبثاً في خطاب بعضهم عن آثار انشغال أخلاقي ما أو عن الرجوع إلى قيم مسكونية؛ أما في خطاب الآخرين، فهذه الانشغالات وهذه المراجع حاضرة في كل مكان، إلا أنها تُستعمل بصورة انتقائية، وتوضع دائماً في خدمة سياسة ما. ونتيجة لذلك، فإن الغرب لا يكف عن فقدان صدقيته الخلقية، فيما لا يحوز مناوئوه أية صدقية من هذا النوع.
بيد أنني لا أضع أزمات هذين العالمين الثقافيين في مستوى واحد. فبالمقارنة مع ما كان عليه الغرب قبل ألف سنة، أو ثلاثماية سنة، أو حتى خمسين سنة، فمما لا شك فيه أنه أحرز تقدماً ساطعاً، وما زال هذا التقدم يتواصل ويتسارع حتى في بعض الحقول. هذا فيما العالم العربي اليوم في الدرك الأسفل، الأمر الذي يندى له جبين أبنائه، وأصدقائه، ويخجل منه تاريخه.
لنأخذ من بين أمثلة كثيرة مثالاً بليغ الدلالة، أي مثال القدرة على تنظيم العيش المشترك: في زمن فتوتي، كانت العلاقات بين مختلف الطوائف في الشرق الأدنى لا تزال علاقات لباقة ولطف إن لم تكن علاقات مساواة وإخاء. كان السنة والشيعة يتبادلون نظرات الارتياب أحياناً، لكن حالات الزواج المختلط كانت متواترة، وهذه المجازر اليومية المتبادلة، التي سخفتها المأساة العراقية، ما كانت لتخطر ببال أحد.
أما في ما خص الأقليات المسيحية، فإن وضعها لم يكن مثالياً يوماً، لكنها كانت تتوصل عموماً إلى الحفاظ على البقاء، في ظل جميع الأنظمة، وحتى إلى الازدهار؛ لم يسبق لها في أية لحظة، منذ فجر الاسلام، أن تحس بأنها مهمشة إلى هذا الحد، مقهورة، وحتى مدفوعة إلى الرحيل كما هي حالها اليوم في العراق وفي بضعة بلدان أخرى وبعد أن أمست هذه الطوائف غريبة في أرضها، التي تقيم فيها منذ قرون، وأحياناً منذ آلاف السنين، فإن بعضاً منها سينقرض خلال العشرين سنة القادمة دون أن يثير هذا كثيراً من الانفعال عند مواطنيها المسلمين أو عند أبناء دينها في الغرب.
وأما الطوائف اليهودية في العالم العربي، فإن انقراضها بات من قبل أمراً واقعاً؛ ولم يعد هناك سوى بضعة ناجين متفرقين صامدين تجهد السلطات والسكان أحياناً في إهانتهم واضطهادهم.
رب سائل يقول أليس هناك مسؤولية أكيدة لأميركا وإسرائيل عن واقع الأمور هذا؟ بلى، دون شك؛ لكن في ذلك عذراً بائساً للعالم العربي. لنستعد المثال الذي هو تحت أنظارنا بصورة دائمة اليوم، أي مثال العراق. أنا مؤمن بأن السلوك الخاطىء للمحتل الأميركي قد أسهم في إغراق البلاد في العنف الطائفي؛ وربما كنت على استعداد للتسليم بأن بعض المتمرنين على السحر في واشنطن وغيرها قد وجدوا منافع لحمّام الدم هذا، مع أن مثل هذه الوقاحة تبدو لي من فعل مسوخ. لكن، حين يقعد ناشط سني وراء مقود شاحنته الملغومة ويمضي ليفجر نفسه في سوق شعبي ترتاده عائلات شيعية، ثم يوصف هذا القاتل بــــــ «المقاوم» و «البطل» و «الشهيد» من قبل خطباء متزمتين، فلا تعود هناك فائدة من اتهام «الآخرين»، بل يتوجب على العالم العربي بالذات أن يقوم بفحص ضميره. أي كفاح يخوض؟ عن أية قيم يذود؟ أي معنى يعطيه لمعتقداته؟
ينقل عن النبي قوله: «خير الناس أنفعهم للناس»؛ هذا شعار سام ينبغي له اليوم أن يثير أسئلة مؤلمة، عند الأفراد، والقادة، والشعوب: ماذا نجلب الآن للآخرين ولنا نحن؟ بأي شيء نحن «نافعون للناس»؟ هل هناك من مرشد لنا غير اليأس الانتحاري، الذي هو أدهى من الكفر؟
إن الفكرة القائلة بأن الغرب يواجه حفنة من إرهابيين يتحدثون زوراً باسم الاسلام وأن أعمالهم تقابل بالشجب من جانب الكثرة الكبرى من المؤمنين، لا تتفق مع الواقع دائماً. صحيح أن المذابح الشديدة الفظاعة، كمذبحة مدريد في آذار/مارس 2004، تثير اشمئزاز العالم الاسلامي، وتربكه، وتلقى منه إدانات صادقة. إلا أننا، إذا رصدنا عن كثب «القبائل الكروية» التي تؤلف بشرية اليوم، لوجدنا أن ردود فعلها على الاعتداءات، كما على النزاعات المسلحة أو المنازلات السياسية، نادراً ما تكون متماثلة: ما يندد به بعضهم يبرره آخرون ويعذرونه، بل يصفقون له أحياناً.
نحن بوضوح أمام تفسيرين للتاريخ تبلورا حول مفهومين لــــــ «العدو». فبعضهم يرى أن الاسلام أظهر عجزه عن تبني القيم المسكونية التي ينادي بها الغرب؛ ويرى البعض الآخر أن الغرب يطمح خصوصاً إلى سيطرة عالمية يجهد المسلمون لأجل مقاومتها بما بقي لديهم من وسائل محدودة.
إن هذا المشهد، في نظر من يستطيع الاستماع إلى كل «قبيلة» بلغتها، الأمر الذي تعودته منذ سنين طويلة، هو مشهد غني بالعبر، ساحر ومثير للأسى في آن واحد. ذلك أنه منذ أن نطرح بعضاً من المقدمات نتوصل إلى تفسير لكل الأحداث على نحو متجانس دونما حاجة إلى سماع رأي «الآخرين».
فإذا سلمنا مثلاً بمقولة أن بلية عصرنا هي «بربرية العالم الاسلامي»، فلا يمكن لما نشهده في العراق إلا أن يعزز هذا الانطباع. لقد كان هناك طاغية دموي حكم البلاد بواسطة الارهاب طوال ثلث قرن، وأثخن شعبه بالجراح، وبذر أموال النفط في نفقات عسكرية أو بذخية؛ وغزا جيرانه، وتحدى الدول، وأكثر من العنتريات، وسط تصفيق الاعجاب من جانب الجماهير العربية، قبل أن ينهار دون قتال حقيقي؛ ثم لم يكد الرجل يسقط حتى غرقت البلاد في الفوضى، وراحت الطوائف المختلفة تتذابح، كما لو كان يراد القول: أنظروا، كان لا بد من حكم دكتاتوري لضبط شعب كهذا!
وإذا سلمنا، على العكس، بمقولة «وقاحة الغرب»، فيمكن تفسير الأحداث على نحو مماثل من التماسك: كان هناك في البداية حصار أوقع شعباً بكامله في البؤس، وأودى بحياة مئات الآلاف من الأطفال، دون أن يحرم الدكتاتور من تدخين سيكاره؛ ثم كان هناك غزو تقرر تحت ذرائع كاذبة ولم يأبه للرأي العام ولا للمؤسسات الدولية، وكان من بين دوافعه الطمع بالسيطرة على الثروات النفطية؛ ولم يكد النصر الأميركي يتحقق حتى تقرر التعجيل بشكل اعتباطي في حل الجيش العراقي وجهاز الدولة، وأُدخلت الطائفية صراحة إلى قلب المؤسسات، كما لو أنهم تعمدوا إغراق البلاد في حالة دائمة من عدم الاستقرار؛ وعلاوة على ذلك، كانت أعمال التنكيل في سجن أبو غريب، والتعذيب المنهجي، والاهانات المتواصلة، و «الأضرار الجانبية»، والتجاوزات العديدة التي ظلت بلا عقاب، وأعمال النهب، والفوضى الادارية والمالية...
يرى البعض أن حالة العراق تثبت عدم قابلية العالم الاسلامي للديموقراطية؛ ويرى الآخرون أنها تميط اللثام عن حقيقة وجه «نشر الديموقراطية» حسب الطريقة الغربية. يمكن أن نرى حتى في شريط موت صدام حسين مدى ضراوة الأميركيين والعرب على السواء.
الخطابان، في نظري، صائبان، كما أنهما باطلان. فكل واحد منهما يدور في مداره، أمام جمهوره، الذي يفهمه بالتلميح، والذي لا يسمع الخطاب المضاد. ويُفترض بي، من حيث أصولي، ومن حيث مسيرتي، أن أكون منتمياً إلى هذين المدارين معاً، لكنني أحس بالابتعاد عن الاثنين أكثر فأكثر كل يوم.
إن هذا الاحساس بالابتعاد ليس وليد رغبة في إقامة توازن من الملامات بين مكونات هويتي هذه، ولا فقط وليد نقمتي حيال هذه المعاندات الثقافية التي تسمم بداية هذا القرن، والتي تسهم عرضياً في هدم البلد الذي جئت منه. وإنما انتقادي يتناول الممارسة المزمنة لهذين «الميدانين الحضاريين»، ويمس حتى، كما أخشى، علة وجودهما بالذات. ذلك أن جوهر تفكيري هو أن هذه الحضارات الجديرة بالتبجيل وصلت إلى حدودها؛ ولم تعد تجلب للعالم إلا تشنجاتها المدمرة؛ وأنها أفلست أخلاقياً، أسوة، على كل حال، بجميع الحضارات الخاصة التي ما برحت تفرق الانسانية؛ وأن الوقت قد حان للارتقاء إلى ما فوقها. فإما أننا سنعرف كيف نبني في هذا القرن حضارة مشتركة يقدر كل فرد أن يتماهى معها، حضارة ترسخها قيم مسكونية واحدة، ويرشدها إيمان قوي بالمغامرة البشرية، وتزيد من ثرائها كل تنوعاتنا الثقافية؛ وإما أن نغرق جميعاً في بربرية مشتركة.
ما آخذه على العالم العربي اليوم هو فقر وعيه الخلقي، وما آخذه على الغرب هو ميله إلى تحويل وعيه الخلقي إلى أداة للسيطرة. هذان الاتهامان خطيران، وهما موجعان بقدر مضاعف بالنسبة إلي. لكنني لا أستطيع السكوت عنهما في كتاب يدعي التصدي لأسباب التقهقر الذي ذر قرنه. قد نبحث عبثاً في خطاب بعضهم عن آثار انشغال أخلاقي ما أو عن الرجوع إلى قيم مسكونية؛ أما في خطاب الآخرين، فهذه الانشغالات وهذه المراجع حاضرة في كل مكان، إلا أنها تُستعمل بصورة انتقائية، وتوضع دائماً في خدمة سياسة ما. ونتيجة لذلك، فإن الغرب لا يكف عن فقدان صدقيته الخلقية، فيما لا يحوز مناوئوه أية صدقية من هذا النوع.
بيد أنني لا أضع أزمات هذين العالمين الثقافيين في مستوى واحد. فبالمقارنة مع ما كان عليه الغرب قبل ألف سنة، أو ثلاثماية سنة، أو حتى خمسين سنة، فمما لا شك فيه أنه أحرز تقدماً ساطعاً، وما زال هذا التقدم يتواصل ويتسارع حتى في بعض الحقول. هذا فيما العالم العربي اليوم في الدرك الأسفل، الأمر الذي يندى له جبين أبنائه، وأصدقائه، ويخجل منه تاريخه.
لنأخذ من بين أمثلة كثيرة مثالاً بليغ الدلالة، أي مثال القدرة على تنظيم العيش المشترك: في زمن فتوتي، كانت العلاقات بين مختلف الطوائف في الشرق الأدنى لا تزال علاقات لباقة ولطف إن لم تكن علاقات مساواة وإخاء. كان السنة والشيعة يتبادلون نظرات الارتياب أحياناً، لكن حالات الزواج المختلط كانت متواترة، وهذه المجازر اليومية المتبادلة، التي سخفتها المأساة العراقية، ما كانت لتخطر ببال أحد.
أما في ما خص الأقليات المسيحية، فإن وضعها لم يكن مثالياً يوماً، لكنها كانت تتوصل عموماً إلى الحفاظ على البقاء، في ظل جميع الأنظمة، وحتى إلى الازدهار؛ لم يسبق لها في أية لحظة، منذ فجر الاسلام، أن تحس بأنها مهمشة إلى هذا الحد، مقهورة، وحتى مدفوعة إلى الرحيل كما هي حالها اليوم في العراق وفي بضعة بلدان أخرى وبعد أن أمست هذه الطوائف غريبة في أرضها، التي تقيم فيها منذ قرون، وأحياناً منذ آلاف السنين، فإن بعضاً منها سينقرض خلال العشرين سنة القادمة دون أن يثير هذا كثيراً من الانفعال عند مواطنيها المسلمين أو عند أبناء دينها في الغرب.
وأما الطوائف اليهودية في العالم العربي، فإن انقراضها بات من قبل أمراً واقعاً؛ ولم يعد هناك سوى بضعة ناجين متفرقين صامدين تجهد السلطات والسكان أحياناً في إهانتهم واضطهادهم.
رب سائل يقول أليس هناك مسؤولية أكيدة لأميركا وإسرائيل عن واقع الأمور هذا؟ بلى، دون شك؛ لكن في ذلك عذراً بائساً للعالم العربي. لنستعد المثال الذي هو تحت أنظارنا بصورة دائمة اليوم، أي مثال العراق. أنا مؤمن بأن السلوك الخاطىء للمحتل الأميركي قد أسهم في إغراق البلاد في العنف الطائفي؛ وربما كنت على استعداد للتسليم بأن بعض المتمرنين على السحر في واشنطن وغيرها قد وجدوا منافع لحمّام الدم هذا، مع أن مثل هذه الوقاحة تبدو لي من فعل مسوخ. لكن، حين يقعد ناشط سني وراء مقود شاحنته الملغومة ويمضي ليفجر نفسه في سوق شعبي ترتاده عائلات شيعية، ثم يوصف هذا القاتل بــــــ «المقاوم» و «البطل» و «الشهيد» من قبل خطباء متزمتين، فلا تعود هناك فائدة من اتهام «الآخرين»، بل يتوجب على العالم العربي بالذات أن يقوم بفحص ضميره. أي كفاح يخوض؟ عن أية قيم يذود؟ أي معنى يعطيه لمعتقداته؟
ينقل عن النبي قوله: «خير الناس أنفعهم للناس»؛ هذا شعار سام ينبغي له اليوم أن يثير أسئلة مؤلمة، عند الأفراد، والقادة، والشعوب: ماذا نجلب الآن للآخرين ولنا نحن؟ بأي شيء نحن «نافعون للناس»؟ هل هناك من مرشد لنا غير اليأس الانتحاري، الذي هو أدهى من الكفر؟
صفحة 5
4
فيما خص الحضارة الأخرى التي أعدها حضارتي، حضارة الغرب، فإنها لا تعاني هذه الضلالات، إذ إنها تبقى القدوة بالنسبة إلى الانسانية جمعاء، أو المرجعية الرئيسية في كل حال. على أنها تجد نفسها اليوم، هي أيضاً، وعلى طريقتها، في مأزق تاريخي يؤثر في سلوكها ويسهم في اختلال العالم.
إذا وجد في مطلع هذا القرن «مسألة شرقية» وخازة لا تبدو حتى الآن سائرة نحو الحل، فمما لا شك فيه أن هناك «مسألة غربية» أيضاً؛ وإذا كانت مأساة العرب هي كونهم فقدوا مكانهم بين الأمم وشعورهم بعدم القدرة على استعادته، فإن مأساة الغربيين هي اضطلاعهم بدور كروي مبالغ فيه باتوا غير قادرين على المضي في ممارسته بشكل كامل، ولكنهم عاجزون أيضاً عن التخلي عنه.
غني عن القول أن الغرب أعطى البشرية أكثر مما أعطتها أية حضارة أخرى. فمنذ «المعجزة» الأثينية التي جرت قبل ألفيتين ونصف من السنين، وخصوصاً في خلال القرون الستة الأخيرة، لا يوجد حقل واحد من حقول المعرفة، والابداع، والانتاج، والتنظيم الاجتماعي، لا يحمل اليوم سمة أوروبا وامتدادها الافريقي الشمالي. وذلك في سبيل الأفضل كما في سبيل الأسوأ. لقد أمسى علم الغرب هو العلم وكفى؛ وأمسى طبه هو الطب ؛ وفلسفته هي الفلسفة؛ وعرفت مذاهبه المتنوعة، من الأكثر تحريراً إلى الأكثر شمولية، أشكالاً متحولة في أنأى الأصقاع. حتى الناس الذين يقاتلون سيطرة الغرب، إنما يقاتلونها أولاً بالآلات المادية أو الفكرية التي استنبطها الغرب إياه ونشرها في بقية العالم.
ومع انتهاء الحرب الباردة، بدا أن أعلوية الدول الغربية ارتقت إلى مستوى جديد. فقد برهن نظامها الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي تواً عن تفوقه، ولاح أنه على وشك الامتداد على كامل مساحة الكرة الأرضية؛ وراح بعضهم يتحدث عن «نهاية التاريخ»، لأن العالم بكامله يزمع أن يذوب سلمياً في قالب الغرب الظافر.
لكن التاريخ ليس العذراء الطيعة والعاقلة التي يحلم بها الايديولوجيون.
وهكذا، أدى انتصار الغرب، في الميدان الاقتصادي، ويا للمفارقة، إلى إضعاف هذا الغرب.
فقد انطلقت الصين ثم الهند بسرعة وقوة في هذا الميدان، بعد أن انعتقت من نير الاقتصاد الموجه؛ حصلت ثورتان هادئتان ودون ضجيج على يد شخصيات متحفظة ولكنها ماضية الآن في تعديل توازنات العالم بشكل مديد.
في سنة 1978، بعد مرور سنين على وفاة ماو تسي تونغ، انتقل الحكم إلى رجل قصير القامة في الرابعة والسبعين من العمر كان نجا بأعجوبة من حملات تطهير الثورة الثقافية، ويدعى دنغ كسياو بنغ؛ بادر الرجل على الفور إلى توزيع أراضٍ كانت ملكية جماعية على بعض الفلاحين، وسمح لهؤلاء بأن يبيعوا قسماً من غلالهم. وجاءت النتيجة مثبتة لصوابية هذا التدبير؛ فازداد الانتاج مقدار الضعف أو الضعفين أو الثلاثة أو الأربعة، حسب القرى. وخطا الزعيم الصيني خطوة ثانية، فقرر أن من حق الفلاحين بعد الآن أن يقرروا ما يريدون أن يزرعوا، بعد أن كان هذا القرار يعود إلى السلطات المحلية. وازداد الانتاج مجدداً. هكذا ابتدأ كل شيء، بلمسات صغيرة، دون إعلانات مدوية، دون حشود جماهيرية، أخذ النظام السابق غير المنتج يتلاشى تدريجاً. تدريجاً نعم، لكن بسرعة الضوء مع ذلك، وتحت تأثير الفعل المضاعف بلا ريب، المرتبط بأبعاد البلاد الديموغرافية. وهكذا، حين رفعت السلطات الحظر عن المشاريع العائلية الصغيرة في الريف ــــــ محالّ البقالة، الحوانيت، مشاغل التصليح، الخ ــــــ نشأ منها اثنان وعشرون مليوناً يعمل فيها خمسة وثلاثون مليون شخص. حين نتحدث عن الصين يخيل لنا دائماً أننا نتصفح كتاب أرقام قياسية؛ من ذلك مثلاً عدد ناطحات السحاب في شانغاي ــــــ كان خمساً سنة 1988، ثم ارتفع بعد ذلك إلى حوالى خمسة آلاف بعد مرور عشرين سنة، أي ما يعادل نيويورك ولوس أنجيليس معاً.
إلا أن هناك ظاهرات لا تتوقف على العملقة وكان من شأن هذه حتى أن تجعلها أكثر مشقة، كنمو الانتاج الداخلي الخام، هذا الذي ظل طوال ثلاثين سنة يدور حول العشرة بالمئة وسطياً، ما أتاح للاقتصاد الصيني أن يتجاوز على التوالي مستوى فرنسا، وانكلترا، ثم ألمانيا منذ العقد الأول في القرن الواحد والعشرين.
وجرى تفكيك الاقتصاد الموجه في الهند بمثل هذا الهدوء أيضاً، وبنتائج مماثلة في الإدهاش. لقد واجهت الحكومة في تموز/يوليو 1991 أزمة مالية كبرى كانت تهدد بإحداث إفلاس. فقرر وزير المالية ماغوهان سينغ أن يعالجها بواسطة التخفيف من القيود التي كانت تكبل المؤسسات. كانت البلاد قبل ذلك خاضعة لقوانين كثيرة القيود تفرض الحصول على إذن مسبق لإجراء كل صفقة اقتصادية: رخصة استيراد، رخصة قطع، رخصة تمويل، رخصة زيادة الانتاج، الخ. وحالما تحرر الاقتصاد من هذه القيود، اندفع بسرعة إلى الأمام.
إن ما ذكرته هنا في بضعة مقاطع مختصرة يشكل بالنسبة إلى البشرية جمعاء خطوة عملاقة وغير مأمولة، خطوة من أكثر الخطى إثارة للحماسة في التاريخ. فالبلدان الأكثر سكاناً في العالم، اللذان يمثلان نصف سكان ما درجنا على تسميته «بالعالم الثالث»، أخذا يخرجان من التخلف؛ وهناك في كل من آسيا وأميركا اللاتينية بلدان أخرى يبدو أنها سلكت السبيل الصاعد إياه؛ وأخذ يتلاشى شيئاً فشيئاً التقسيم التقليدي للكرة الأرضية بين شمال صناعي وجنوب بائس...
ومع مرور الزمن ستتبدى اليقظة الاقتصادية عند أمم الشرق العظيمة هذه على أنها دون ريب النتيجة الأكثر مسرحية لإفلاس الاشتراكية البيروقراطية. ولا يسعنا إلا أن نفرح بذلك، من وجهة نظر المغامرة الانسانية. أما من وجهة نظر الغرب، فالفرح ممزوج بالتخوف، إذ إن العملاقين الصناعيين الجديدين ليسا فقط شريكين تجاريين، بل إنهما يمثلان مزاحمين مخيفين وعدوين محتملين.
لقد انتهينا من الصورة التقليدية لجنوب يقدم يداً عاملة رخيصة لكن قليلة الفاعلية. وإذا كان الشغيلة الصينيون أو الهنود باقين ــــــ وسيبقون فترة ما أيضاً ــــــ أقل تطلباً، فإنهم أكثر فأكثر إنصافاً ولديهم حوافز قوية. هل هم أقل ابتكاراً كما يردد الغرب، مع أفكار مضمرة أحياناً تشوبها أحكام مسبقة ثقافية أو إثنية؟ إذا كان هذا لا يزال موجوداً اليوم، فيجب أن نتوقع أن يتغير الوضع كلما ازداد شعور نساء ورجال الجنوب ثقةً بأنفسهم، بأنهم أكثر حرية، وأقل تقييداً من جانب التراتبيات والامتثاليات الفكرية؛ حينذاك سيكون بالامكان الانتقال، مدى جيل أو جيلين، من التقليد إلى التكييف، ثم إلى الابداع. إن تاريخ هذين الشعبين العظيمين يبين أنهما مؤهلان لذلك ــــــ البرصلان، البارود، الورق، الدفة، البوصلة، التلقيح، واختراع الصفر، هي برهان على ذلك. ما كان ينقص هذين المجتمعين الآسيويين اكتسباه الآن أو أنهما يقومان باكتسابه في مدرسة الغرب؛ وبعد أن خرجا من التعسف ومن الجمود، واكتويا بنار الهزائم والاهانات والبؤس، بات يبدو أنهما أصبحا جاهزين لمواجهة المستقبل.
فيما خص الحضارة الأخرى التي أعدها حضارتي، حضارة الغرب، فإنها لا تعاني هذه الضلالات، إذ إنها تبقى القدوة بالنسبة إلى الانسانية جمعاء، أو المرجعية الرئيسية في كل حال. على أنها تجد نفسها اليوم، هي أيضاً، وعلى طريقتها، في مأزق تاريخي يؤثر في سلوكها ويسهم في اختلال العالم.
إذا وجد في مطلع هذا القرن «مسألة شرقية» وخازة لا تبدو حتى الآن سائرة نحو الحل، فمما لا شك فيه أن هناك «مسألة غربية» أيضاً؛ وإذا كانت مأساة العرب هي كونهم فقدوا مكانهم بين الأمم وشعورهم بعدم القدرة على استعادته، فإن مأساة الغربيين هي اضطلاعهم بدور كروي مبالغ فيه باتوا غير قادرين على المضي في ممارسته بشكل كامل، ولكنهم عاجزون أيضاً عن التخلي عنه.
غني عن القول أن الغرب أعطى البشرية أكثر مما أعطتها أية حضارة أخرى. فمنذ «المعجزة» الأثينية التي جرت قبل ألفيتين ونصف من السنين، وخصوصاً في خلال القرون الستة الأخيرة، لا يوجد حقل واحد من حقول المعرفة، والابداع، والانتاج، والتنظيم الاجتماعي، لا يحمل اليوم سمة أوروبا وامتدادها الافريقي الشمالي. وذلك في سبيل الأفضل كما في سبيل الأسوأ. لقد أمسى علم الغرب هو العلم وكفى؛ وأمسى طبه هو الطب ؛ وفلسفته هي الفلسفة؛ وعرفت مذاهبه المتنوعة، من الأكثر تحريراً إلى الأكثر شمولية، أشكالاً متحولة في أنأى الأصقاع. حتى الناس الذين يقاتلون سيطرة الغرب، إنما يقاتلونها أولاً بالآلات المادية أو الفكرية التي استنبطها الغرب إياه ونشرها في بقية العالم.
ومع انتهاء الحرب الباردة، بدا أن أعلوية الدول الغربية ارتقت إلى مستوى جديد. فقد برهن نظامها الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي تواً عن تفوقه، ولاح أنه على وشك الامتداد على كامل مساحة الكرة الأرضية؛ وراح بعضهم يتحدث عن «نهاية التاريخ»، لأن العالم بكامله يزمع أن يذوب سلمياً في قالب الغرب الظافر.
لكن التاريخ ليس العذراء الطيعة والعاقلة التي يحلم بها الايديولوجيون.
وهكذا، أدى انتصار الغرب، في الميدان الاقتصادي، ويا للمفارقة، إلى إضعاف هذا الغرب.
فقد انطلقت الصين ثم الهند بسرعة وقوة في هذا الميدان، بعد أن انعتقت من نير الاقتصاد الموجه؛ حصلت ثورتان هادئتان ودون ضجيج على يد شخصيات متحفظة ولكنها ماضية الآن في تعديل توازنات العالم بشكل مديد.
في سنة 1978، بعد مرور سنين على وفاة ماو تسي تونغ، انتقل الحكم إلى رجل قصير القامة في الرابعة والسبعين من العمر كان نجا بأعجوبة من حملات تطهير الثورة الثقافية، ويدعى دنغ كسياو بنغ؛ بادر الرجل على الفور إلى توزيع أراضٍ كانت ملكية جماعية على بعض الفلاحين، وسمح لهؤلاء بأن يبيعوا قسماً من غلالهم. وجاءت النتيجة مثبتة لصوابية هذا التدبير؛ فازداد الانتاج مقدار الضعف أو الضعفين أو الثلاثة أو الأربعة، حسب القرى. وخطا الزعيم الصيني خطوة ثانية، فقرر أن من حق الفلاحين بعد الآن أن يقرروا ما يريدون أن يزرعوا، بعد أن كان هذا القرار يعود إلى السلطات المحلية. وازداد الانتاج مجدداً. هكذا ابتدأ كل شيء، بلمسات صغيرة، دون إعلانات مدوية، دون حشود جماهيرية، أخذ النظام السابق غير المنتج يتلاشى تدريجاً. تدريجاً نعم، لكن بسرعة الضوء مع ذلك، وتحت تأثير الفعل المضاعف بلا ريب، المرتبط بأبعاد البلاد الديموغرافية. وهكذا، حين رفعت السلطات الحظر عن المشاريع العائلية الصغيرة في الريف ــــــ محالّ البقالة، الحوانيت، مشاغل التصليح، الخ ــــــ نشأ منها اثنان وعشرون مليوناً يعمل فيها خمسة وثلاثون مليون شخص. حين نتحدث عن الصين يخيل لنا دائماً أننا نتصفح كتاب أرقام قياسية؛ من ذلك مثلاً عدد ناطحات السحاب في شانغاي ــــــ كان خمساً سنة 1988، ثم ارتفع بعد ذلك إلى حوالى خمسة آلاف بعد مرور عشرين سنة، أي ما يعادل نيويورك ولوس أنجيليس معاً.
إلا أن هناك ظاهرات لا تتوقف على العملقة وكان من شأن هذه حتى أن تجعلها أكثر مشقة، كنمو الانتاج الداخلي الخام، هذا الذي ظل طوال ثلاثين سنة يدور حول العشرة بالمئة وسطياً، ما أتاح للاقتصاد الصيني أن يتجاوز على التوالي مستوى فرنسا، وانكلترا، ثم ألمانيا منذ العقد الأول في القرن الواحد والعشرين.
وجرى تفكيك الاقتصاد الموجه في الهند بمثل هذا الهدوء أيضاً، وبنتائج مماثلة في الإدهاش. لقد واجهت الحكومة في تموز/يوليو 1991 أزمة مالية كبرى كانت تهدد بإحداث إفلاس. فقرر وزير المالية ماغوهان سينغ أن يعالجها بواسطة التخفيف من القيود التي كانت تكبل المؤسسات. كانت البلاد قبل ذلك خاضعة لقوانين كثيرة القيود تفرض الحصول على إذن مسبق لإجراء كل صفقة اقتصادية: رخصة استيراد، رخصة قطع، رخصة تمويل، رخصة زيادة الانتاج، الخ. وحالما تحرر الاقتصاد من هذه القيود، اندفع بسرعة إلى الأمام.
إن ما ذكرته هنا في بضعة مقاطع مختصرة يشكل بالنسبة إلى البشرية جمعاء خطوة عملاقة وغير مأمولة، خطوة من أكثر الخطى إثارة للحماسة في التاريخ. فالبلدان الأكثر سكاناً في العالم، اللذان يمثلان نصف سكان ما درجنا على تسميته «بالعالم الثالث»، أخذا يخرجان من التخلف؛ وهناك في كل من آسيا وأميركا اللاتينية بلدان أخرى يبدو أنها سلكت السبيل الصاعد إياه؛ وأخذ يتلاشى شيئاً فشيئاً التقسيم التقليدي للكرة الأرضية بين شمال صناعي وجنوب بائس...
ومع مرور الزمن ستتبدى اليقظة الاقتصادية عند أمم الشرق العظيمة هذه على أنها دون ريب النتيجة الأكثر مسرحية لإفلاس الاشتراكية البيروقراطية. ولا يسعنا إلا أن نفرح بذلك، من وجهة نظر المغامرة الانسانية. أما من وجهة نظر الغرب، فالفرح ممزوج بالتخوف، إذ إن العملاقين الصناعيين الجديدين ليسا فقط شريكين تجاريين، بل إنهما يمثلان مزاحمين مخيفين وعدوين محتملين.
لقد انتهينا من الصورة التقليدية لجنوب يقدم يداً عاملة رخيصة لكن قليلة الفاعلية. وإذا كان الشغيلة الصينيون أو الهنود باقين ــــــ وسيبقون فترة ما أيضاً ــــــ أقل تطلباً، فإنهم أكثر فأكثر إنصافاً ولديهم حوافز قوية. هل هم أقل ابتكاراً كما يردد الغرب، مع أفكار مضمرة أحياناً تشوبها أحكام مسبقة ثقافية أو إثنية؟ إذا كان هذا لا يزال موجوداً اليوم، فيجب أن نتوقع أن يتغير الوضع كلما ازداد شعور نساء ورجال الجنوب ثقةً بأنفسهم، بأنهم أكثر حرية، وأقل تقييداً من جانب التراتبيات والامتثاليات الفكرية؛ حينذاك سيكون بالامكان الانتقال، مدى جيل أو جيلين، من التقليد إلى التكييف، ثم إلى الابداع. إن تاريخ هذين الشعبين العظيمين يبين أنهما مؤهلان لذلك ــــــ البرصلان، البارود، الورق، الدفة، البوصلة، التلقيح، واختراع الصفر، هي برهان على ذلك. ما كان ينقص هذين المجتمعين الآسيويين اكتسباه الآن أو أنهما يقومان باكتسابه في مدرسة الغرب؛ وبعد أن خرجا من التعسف ومن الجمود، واكتويا بنار الهزائم والاهانات والبؤس، بات يبدو أنهما أصبحا جاهزين لمواجهة المستقبل.
صفحة 6
لقد فاز الغرب، وفرض نموذجه؛ إلا أنه بفوزه هذا بالذات قد خسر.
لعل من الواجب أن ندرج هنا تمييزاً بين الغرب المسكوني، غير الواضح، الضمني، الذي نفذ إلى روح كل أمم الأرض، والغرب الخاص، الجغرافي، السياسي، الاثني، غرب الأمم البيضاء الأوروبية والأميركية الشمالية. هذا الغرب الثاني هو الذي في مأزق اليوم، ليس لأن حضارته قد تكون أمست مقصرة عن حضارات الآخرين، بل لأن الآخرين تبنوا حضارته فحرموه مما كان يشكل نوعيته وتفوقه.
مع تباعد الزمن، سنقول ربما إن الجاذبية التي مارسها النظام السوفياتي على بلدان الجنوب قد ساعدت ــــــ يا للمفارقة ــــــ في تأخير أفول نجم الغرب. فإنه طالما كانت الصين والهند وغيرهما من بلدان الاقتصاد الموجه في العالم الثالث باقية أسرى نموذج اقتصادي عديم الفاعلية، فقد كانت لا تشكل خطراً على تفوق الغرب الاقتصادي بينما كانت بالضبط تظن أنها تقاتله؛ لقد كان ينبغي لها أن تتخلص من هذا الوهم، وأن تسير بقدم ثابتة في طريق الرأسمالية الدينامية، قبل أن تباشر زعزعة عرش «الرجل الأبيض» بصورة جدية.
أخيراً، كانت الأمم الغربية تحيي عصراً ذهبياً دون أن تدري، حين كانت تحوز وحدها نظاماً اقتصادياً مجلياً، بينما أنها، في البيئة التنافسية الكروية التي سعت بكل ما أوتيت من قوة كي تقيمها حولها، تبدو محكومة بتفكيك قطاعات بكاملها من اقتصادها ــــــ الصناعة اليدوية كلها تقريباً، وقسم متزايد من قطاع الخدمات.
والوضع دقيق بنوع خاص بالنسبة لأوروبا، هذه الواقعة بين نارين، بمعنى ما، نار آسيا ونار أميركا، كي تتقدم بسرعة. أعني بذلك بين المنافسة التجارية من جانب الأمم الصاعدة، والمنافسة الاستراتيجية من جانب الولايات المتحدة التي تظهر آثارها في القطاعات الطليعية كالطيران ومجمل الصناعات التي تنتج أدوات حربية. تضاف إلى هذا عقبة كبيرة تتمثل في عجز أوروبا عن الهيمنة على مصادر التموين بالنفط والغاز، المتمركزة في الشرق الأدنى وفي روسيا بصورة أساسية.
وهناك نتيجة هامة أخرى لانطلاق الدول الآسيوية الكبيرة في الميدان الاقتصادي، ألا وهي ولوج مئات الملايين من الأشخاص إلى نمط استهلاكي كانت مقصاة عنه حتى الآن.
لكل فرد أن يبتسم أو يستنكر بعض التجاوزات، لكن لا يحق لأحد أن ينكر على هذه الشعوب حقها في امتلاك ما تمتلكه شعوب البلدان الغنية منذ زمان طويل ــــــ الثلاجة، غسالة الثياب، غسالة أدوات المائدة، وكل المنتجات المصاحبة لها؛ السيارة العائلية، الحساب الفردي؛ الماء الساخن، الماء النظيف، الغذاء الوفير؛ وكذلك الطبابة، والدروس، ووسائل التسلية، والأسفار، الخ.
لا يحق أخلاقياً لأحد اليوم، ولن يكون لأحد القدرة الفعلية غداً، أن يحرم هذه الشعوب من كل هذا، لا حكامها ولا الدولة العظمى، ولا غيرها. وما لم يرد بعضهم أن يفرض في طول الأرض وعرضها أنظمة حكم استبدادية دموية وعبثية بغية إرجاع هذه الشعوب إلى حال الفقر والقنانة، لست أرى كيف يمكن منعها من أن تفعل ما كان يطلب منها، منذ عقود، أن تفعل: أن تشتغل على نحو أفضل، وأن تكسب مالاً، وأن تحسن ظروف عيشها، وأن تستهلك، وتستهلك، وتستهلك.
لقد كان النضال ضد التخلف استكمالاً منطقياً للنضال من أجل الاستقلال، في نظر عدة أجيال متعاقبة، ومنها جيلي، خصوصاً بالنسبة إلى المولودين منا في أصقاع الجنوب. وكان النضال من أجل الاستقلال يبدو حتى يسيراً بالمقارنة مع النضال ضد التخلف. كان يبدو أن محاربة الفقر، والجهل، والاهمال، والركود الاجتماعي، أو الأوبئة، يجب أن تمتد قروناً. لذا فأن تتمكن الأمم الأكثر سكاناً من الانطلاق أمام أعيننا، لهو أمر بمثابة معجزة لا أنفك أحس بالاعجاب به.
وبعد، أرى من واجبي أن أضيف، بنبرة أقل ذاتية، أن النمو العاصف للطبقات الوسطى في كل من الصين والهند وروسيا والبرازيل، كما في مجمل الكرة، هو واقع يبدو معه العالم، حسب أدائه الراهن، غير قادر على التكيف معه. فإذا راح ثلاثة أو أربعة مليارات إنسان يستهلكون قريباً، بمعدل الفرد، قدر ما يستهلك الأوروبيون أو اليابانيون، ناهيك عن الأميركيين، فغني عن القول إننا سنشهد اختلالات كبرى، بيئوية واقتصادية على السواء. وهل من حاجة إلى إضافة أن ما اتحدث عنه هنا ليس المستقبل البعيد، بل المستقبل المباشر، وحتى الحاضر تقريباً؟ إن الضغط على الموارد الطبيعية ــــــ بما فيها النفط، والماء العذب، والمواد الأولية، واللحم، والسمك، والحبوب، وغيرها ــــــ والكفاح لأجل السيطرة على مناطق انتاجية؛ واستماتة بعضهم في الاحتفاظ بحصة في الثروات الطبيعية، واستماتة غيرهم في الحصول على حصته؛ كل هذه أمور تغذي نزاعات فتاكة عديدة.
لا شك في أن من شأن هذه التوترات أن تتدنى حدتها في مرحلة انكماش اقتصادي شامل، حيث ينخفض الاستهلاك ويتدنى الانتاج ويخف القلق على نفاد الموارد. إلا أن هذا الانفراج النسبي «ستعوض عنه» وتزيد، للأسف، التوترات الناجمة عن الأزمة بالذات. كيف ستتصرف هذه الأمة أو تلك إذا تعرضت آمالها بالتطور الاقتصادي لكبح فظ. إلى أية انقلابات اجتماعية، وأية ضلالات إيديولوجية أو سياسية، وأية انحرافات حربية، قد يؤدي مثل هذا الحرمان؟ إن الحدث المماثل الوحيد الذي يمكن أن نقيس عليه هو الانحطاط الكبير الذي حصل سنة 1929، والذي أدى إلى زلازل اجتماعية، إلى استشراء التزمتات، إلى نزاعات محلية، إلى انفجار عالمي.
يمكن بصورة معقولة أن نأمل أن السيناريوهات القصوى لن تحدث. غير أنه ستكون هناك حتماً هزات وانقلابات، ستخرج منها البشرية غير ما كانت من قبل، ستكون بلا ريب منهكة، مكدومة، مثخنة بالجراح، ولكن ربما أكثر نضجاً، أكثر رشداً، وأكثر وعياً من ذي قبل لكونها تحيا مغامرة مشتركة على متن زورق هزيل.
لعل من الواجب أن ندرج هنا تمييزاً بين الغرب المسكوني، غير الواضح، الضمني، الذي نفذ إلى روح كل أمم الأرض، والغرب الخاص، الجغرافي، السياسي، الاثني، غرب الأمم البيضاء الأوروبية والأميركية الشمالية. هذا الغرب الثاني هو الذي في مأزق اليوم، ليس لأن حضارته قد تكون أمست مقصرة عن حضارات الآخرين، بل لأن الآخرين تبنوا حضارته فحرموه مما كان يشكل نوعيته وتفوقه.
مع تباعد الزمن، سنقول ربما إن الجاذبية التي مارسها النظام السوفياتي على بلدان الجنوب قد ساعدت ــــــ يا للمفارقة ــــــ في تأخير أفول نجم الغرب. فإنه طالما كانت الصين والهند وغيرهما من بلدان الاقتصاد الموجه في العالم الثالث باقية أسرى نموذج اقتصادي عديم الفاعلية، فقد كانت لا تشكل خطراً على تفوق الغرب الاقتصادي بينما كانت بالضبط تظن أنها تقاتله؛ لقد كان ينبغي لها أن تتخلص من هذا الوهم، وأن تسير بقدم ثابتة في طريق الرأسمالية الدينامية، قبل أن تباشر زعزعة عرش «الرجل الأبيض» بصورة جدية.
أخيراً، كانت الأمم الغربية تحيي عصراً ذهبياً دون أن تدري، حين كانت تحوز وحدها نظاماً اقتصادياً مجلياً، بينما أنها، في البيئة التنافسية الكروية التي سعت بكل ما أوتيت من قوة كي تقيمها حولها، تبدو محكومة بتفكيك قطاعات بكاملها من اقتصادها ــــــ الصناعة اليدوية كلها تقريباً، وقسم متزايد من قطاع الخدمات.
والوضع دقيق بنوع خاص بالنسبة لأوروبا، هذه الواقعة بين نارين، بمعنى ما، نار آسيا ونار أميركا، كي تتقدم بسرعة. أعني بذلك بين المنافسة التجارية من جانب الأمم الصاعدة، والمنافسة الاستراتيجية من جانب الولايات المتحدة التي تظهر آثارها في القطاعات الطليعية كالطيران ومجمل الصناعات التي تنتج أدوات حربية. تضاف إلى هذا عقبة كبيرة تتمثل في عجز أوروبا عن الهيمنة على مصادر التموين بالنفط والغاز، المتمركزة في الشرق الأدنى وفي روسيا بصورة أساسية.
وهناك نتيجة هامة أخرى لانطلاق الدول الآسيوية الكبيرة في الميدان الاقتصادي، ألا وهي ولوج مئات الملايين من الأشخاص إلى نمط استهلاكي كانت مقصاة عنه حتى الآن.
لكل فرد أن يبتسم أو يستنكر بعض التجاوزات، لكن لا يحق لأحد أن ينكر على هذه الشعوب حقها في امتلاك ما تمتلكه شعوب البلدان الغنية منذ زمان طويل ــــــ الثلاجة، غسالة الثياب، غسالة أدوات المائدة، وكل المنتجات المصاحبة لها؛ السيارة العائلية، الحساب الفردي؛ الماء الساخن، الماء النظيف، الغذاء الوفير؛ وكذلك الطبابة، والدروس، ووسائل التسلية، والأسفار، الخ.
لا يحق أخلاقياً لأحد اليوم، ولن يكون لأحد القدرة الفعلية غداً، أن يحرم هذه الشعوب من كل هذا، لا حكامها ولا الدولة العظمى، ولا غيرها. وما لم يرد بعضهم أن يفرض في طول الأرض وعرضها أنظمة حكم استبدادية دموية وعبثية بغية إرجاع هذه الشعوب إلى حال الفقر والقنانة، لست أرى كيف يمكن منعها من أن تفعل ما كان يطلب منها، منذ عقود، أن تفعل: أن تشتغل على نحو أفضل، وأن تكسب مالاً، وأن تحسن ظروف عيشها، وأن تستهلك، وتستهلك، وتستهلك.
لقد كان النضال ضد التخلف استكمالاً منطقياً للنضال من أجل الاستقلال، في نظر عدة أجيال متعاقبة، ومنها جيلي، خصوصاً بالنسبة إلى المولودين منا في أصقاع الجنوب. وكان النضال من أجل الاستقلال يبدو حتى يسيراً بالمقارنة مع النضال ضد التخلف. كان يبدو أن محاربة الفقر، والجهل، والاهمال، والركود الاجتماعي، أو الأوبئة، يجب أن تمتد قروناً. لذا فأن تتمكن الأمم الأكثر سكاناً من الانطلاق أمام أعيننا، لهو أمر بمثابة معجزة لا أنفك أحس بالاعجاب به.
وبعد، أرى من واجبي أن أضيف، بنبرة أقل ذاتية، أن النمو العاصف للطبقات الوسطى في كل من الصين والهند وروسيا والبرازيل، كما في مجمل الكرة، هو واقع يبدو معه العالم، حسب أدائه الراهن، غير قادر على التكيف معه. فإذا راح ثلاثة أو أربعة مليارات إنسان يستهلكون قريباً، بمعدل الفرد، قدر ما يستهلك الأوروبيون أو اليابانيون، ناهيك عن الأميركيين، فغني عن القول إننا سنشهد اختلالات كبرى، بيئوية واقتصادية على السواء. وهل من حاجة إلى إضافة أن ما اتحدث عنه هنا ليس المستقبل البعيد، بل المستقبل المباشر، وحتى الحاضر تقريباً؟ إن الضغط على الموارد الطبيعية ــــــ بما فيها النفط، والماء العذب، والمواد الأولية، واللحم، والسمك، والحبوب، وغيرها ــــــ والكفاح لأجل السيطرة على مناطق انتاجية؛ واستماتة بعضهم في الاحتفاظ بحصة في الثروات الطبيعية، واستماتة غيرهم في الحصول على حصته؛ كل هذه أمور تغذي نزاعات فتاكة عديدة.
لا شك في أن من شأن هذه التوترات أن تتدنى حدتها في مرحلة انكماش اقتصادي شامل، حيث ينخفض الاستهلاك ويتدنى الانتاج ويخف القلق على نفاد الموارد. إلا أن هذا الانفراج النسبي «ستعوض عنه» وتزيد، للأسف، التوترات الناجمة عن الأزمة بالذات. كيف ستتصرف هذه الأمة أو تلك إذا تعرضت آمالها بالتطور الاقتصادي لكبح فظ. إلى أية انقلابات اجتماعية، وأية ضلالات إيديولوجية أو سياسية، وأية انحرافات حربية، قد يؤدي مثل هذا الحرمان؟ إن الحدث المماثل الوحيد الذي يمكن أن نقيس عليه هو الانحطاط الكبير الذي حصل سنة 1929، والذي أدى إلى زلازل اجتماعية، إلى استشراء التزمتات، إلى نزاعات محلية، إلى انفجار عالمي.
يمكن بصورة معقولة أن نأمل أن السيناريوهات القصوى لن تحدث. غير أنه ستكون هناك حتماً هزات وانقلابات، ستخرج منها البشرية غير ما كانت من قبل، ستكون بلا ريب منهكة، مكدومة، مثخنة بالجراح، ولكن ربما أكثر نضجاً، أكثر رشداً، وأكثر وعياً من ذي قبل لكونها تحيا مغامرة مشتركة على متن زورق هزيل.
صفحة 7
5
إن تدني حصة الغرب النسبية في الاقتصاد العالمي، حسبما ابتدأ قبيل انتهاء الحرب الباردة، يحمل في طياته عواقب خطيرة يصعب تقديرها كلها منذ الآن.
من بين أدعى هذه العواقب للقلق ذلك الاغراء، الذي يبدو كبيراً بعد الآن، الذي يجعل الدول الغربية، وخصوصاً واشنطن، تحافظ بواسطة التفوق العسكري على ما لم يعد يمكن أن تحافظ عليه بواسطة التفوق الاقتصادي ولا بواسطة السلطة المعنوية.
لعلنا نجد هنا العاقبة الأكثر مفارقة والأكثر فساداً لانتهاء الحرب الباردة، هذا الحدث الذي كان يفترض به أن يحمل السلام والمصالحة، لكنه أتبع بسلسلة من النزاعات المتوالية، راحت أميركا من خلالها تقفز من حرب إلى أخرى دون مرور بمراحل انتقالية، كما لو أن الأمر بات «نهج حكم» لسلطة كروية بدلاً من أن يكون وسيلة أخيرة.
إن اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الفتاكة لا تكفي لتفسير هذا الانحراف؛ فهي قد عززته. وشرعنته جزئياً، لكنه كان قد ابتدأ قبلها بكثير.
ففي كانون الأول/ديسمبر 1989، بعد مرور ستة أسابيع على سقوط جدار برلين، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في باناما ضد الجنرال نورييغا، وكانت هذه الحملة الأشبه بأعمال المداهمة البوليسية بمثابة إعلان يقول: على كل فرد أن يعرف بعد الآن من هو آمر هذا الكوكب، وأن يطيع، لا أكثر ولا أقل. ثم جــــــاءت حرب العراق الأولى سنة 1991؛ فالمغامرة الفاشلة في الصومال خلال 1992 ــــــ 1993؛ ثم التدخل في هايتي سنة 1994 لتنصيب الرئيس جان ــــــ برتران أريستيد في الحكم؛ ثم حرب البوسنة سنة 1995؛ ثم في كانون الأول/ديسمبر 1998، حملة الغارات الجوية الكثيفة على العراق التي سميت «عملية ثعلب الصحراء»؛ ثم حرب كوسوفو سنة 1999؛ وابتداءً من سنة 2001، حرب أفغانستان، وابتداءً من سنة 2003 حرب العراق الثانية؛ وسنة 2004، حملة عسكرية جديدة على هايتي، لخلع الرئيس أريستيد هذه المرة... ناهيك عن الغارات الجوية التأديبية والأعمال العسكرية الأقل ضخامة في كل من كولومبيا، والسودان، والفيليبين، وباكستان، وأماكن أخرى.
سيجد المشاهد ذو البصيرة لكل من هذه التدخلات بعضاً من التبريرات المقبولة، ولن يرى في الأخرى سوى ذرائع. لكن هذا التكرار بحد ذاته مثير للقلق. أشرت من قبل إلى «نهج حكم»! اتفق لي أكثر من مرة، خلال أوائل سني القرن الجديد، أن أفكر بأن الحقيقة قد تكون أشد قتاماً أيضاً. وأن هذه العمليات تشن كي تكون «عبرة»، حسبما كانت تفعل الامبراطوريات الاستعمارية بالأمس كي تزرع الرعب في قلوب أبناء البلاد الأصليين وتردع كل رغبة طفيفة في الثورة.
إن بعضاً من الحملات العسكرية الأكثر عرضة للرفض تبقى مرتبطة باسم الرئيس جورج بوش الابن، وإنه لبسبب حرب العراق جزئياً حمل الناخبون الأميركيون إلى الحكم باراك أوباما والحزب الديموقراطي. يبقى أنه يجب أن نعرف إلى أي حد كان هذا الانحراف التدخلي مرتبطاً بالخيارات السياسية للادارة، وإلى أي حد كان يفرضه وضع الولايات المتحدة في العالم ــــــ وضع بلاد ينحدر وزنها في الاقتصاد العالمي بشكل لا مرد له، ولا تكف عن الاستدانة، وتعيش بشكل واضح على مستوى يفوق طاقتها، مع أنها تحوز تفوقاً عسكرياً لا ريب فيه. فكيف لها أن تصمد أمام إغراء استخدام هذه الورقة الرابحة كي تعوض فقدان قدرتها في الميادين الأخرى؟
أياً تكن حساسية رئيسها وقناعاته السياسية، لم تعد الولايات المتحدة تستطيع أن تسمح لنفسها بأن تفك قبضتها عن العالم؛ ولا أن تفقد الهيمنة على موارد جوهرية بالنسبة إلى اقتصادها، خصوصاً النفط؛ ولا أن تدع قوى راغبة في إيذائها تتمتع بحرية الحركة؛ ولا أن تشهد مكتوفة اليدين صعود دول منافسة يمكن أن تطعن بأعلويتها ذات مرة. ولو أنها تخلت عن إدارة شؤون العالم إدارة لصيقة وحازمة، فمن المرجح أن تنساق في سيرورة من الإضعاف والإفقار.
هذا لا يعني أن التدخلية المنهجية هي الوضعية الجيدة لتدارك الانحطاط. فإذا استندنا إلى حصيلة أولى سنوات القرن، لرأينا أن هذه التدخلية قد سرعت هذا الانحطاط. هل يمكن لسياسة أخرى أن تأتي بنتيجة مضادة؟ هذه التجربة تستحق أن تخاض، غير أنه حين يفك حكم ما قبضته، فالرد التلقائي من خصومه يكون بالعمل على إنهاكه وتشديد الخناق عليه لا بإبداء الشكر له. فقد أظهر الغربيون من الاحترام للاتحاد السوفياتي في زمن بريجنيف أكثر بكثير مما في زمن غورباتشوف، فأهانوه ونهبوه وقطعوا أوصاله، ما ولد ضغينة عميقة عند الشعب الروسي. وعامل الثوريون الايرانيون الرئيس كارتر معاملة لا تعرف الرحمة لأنه أحجم عن ممارسة سياسة عدوانية.
نذكر هذا لنقول إن عقدة الغرب في علاقاته مع بقية العالم لن تحل بصورة عجائبية إذا عدلت واشنطن سلوكها فجأة على الساحة الدولية، ومع أن مثل هذا التبدل لا يزال ضرورياً إذا كنا لا نزال نرتجي صحوة إنقاذية، فما من شيء يسمح بالقول بأنه سيكون حاسماً.
يميز بعض المحللين بين «قدرة صلبة» و «قدرة لطيفة»، قاصدين بذلك أن في وسع الدولة أن تزاول سلطتها بأشكال متنوعة دون أن تحتاج إلى الاستعانة بقواتها المسلحة في كل مرة. إن عجز ستالين عن فهم هذه الحقيقة هو الذي دفع به إلى السؤال عن «عدد الفرق العسكرية» عند البابا. من جهة أخرى، يوم انهار الاتحاد السوفياتي، كان لا يزال يملك بقدر كبير، من الوجهة العسكرية، وسائل إبادة أعدائه. غير أن النصر والهزيمة لا يتوقفان على الفرق المدرعة، وأطنان القنابل، وعدد الرؤوس الحاملة. فهذه ليست سوى عامل بين عوامل أخرى، عامل ضروري لدولة عظمى بلا ريب، لكنه ليس كافياً. ذلك أنه في كل مجابهة ــــــ بين أفراد، أو جماعات بشرية، كما بين دول ــــــ تدخل في المعترك عوامل عديدة تتصل بالقدرة الجسدية، أو الطاقة الاقتصادية، أو الهيبة المعنوية. فيما خص الاتحاد السوفياتي، كان واضحاً أنه فقد اعتباره معنوياً، ودب فيه الوهن اقتصادياً، الأمر الذي جعل ذراعه العسكرية الهائلة غير قادرة على الفعل.
بالمقابل، كان الغرب يتمتع، لدى الخروج من الحرب الباردة، بتفوق ساحق في الميادين الثلاثة معاً. عسكرياً، بفضل القدرة الأميركية خصوصاً؛ واقتصادياً، بفضل تفوق أوروبا كما الولايات المتحدة، التقنولوجي والصناعي والمالي، ومعنوياً، بفضل نموذجه المجتمعي الذي سحق تواً خصمه الأشد خطراً، أي الشيوعية. كان يجب أن يتيح له هذا التفوق المتعدد الأشكال أن يحكم العالم بحنكة، مناوباً بين العصا والجزرة، مثبطاً عزيمة خصومه المعاندين، لكن عارضاً على جميع الآخرين منافع جوهرية تتيح لهم الخروج من التخلف والخلاص من الطغيان.
لذا كان يبدو من المعقول توقع أن يكون اللجوء إلى السلاح بعد الآن استثنائياً جداً، وأنه كان يكفي الغرب أن يثبت امتياز نظامه الاقتصادي وامتياز نموذجه المجتمعي كي يحافظ على أعلويته. لكن ما جرى كان نقيض ذلك، إذ أن تفوق الغرب الاقتصادي قد تآكل مع صعود العملاقين الآسيويين، واللجوء إلى السلاح بات من الأمور العادية.
فيما خص التفوق المعنوي، فإنه يتآكل هو أيضاً، وفي هذا الأمر مفارقة على الأقل، إذ إن النموذج الغربي لم يعد له مزاحم، وأن جاذبية نمط الحياة الأوروبي أو الأميركي الشمالي أقوى مما كانت في أي وقت مضى، ليس في وارسو أو مانيلا وحسب، بل في طهران، وموسكو، والقاهرة، وشانغاي، وشيني، وهافانا، وفي كل مكان أيضاً؛ على أنه يوجد بين «المركز» و «الأطراف» مشكلة ثقة حقيقية.
لهذه المشكلة جذورها في العلاقة غير السليمة التي كانت قائمة خلال القرون الأخيرة بين الدول الغربية وباقي العالم، والتي تسهم اليوم في جعل البشر عاجزين عن معالجة تنوعهم، عن صياغة قيم مشتركة، عن مواجهة المستقبل معاً، وبالتالي عاجزين عن مجابهة الأخطار المتزايدة.
إن تدني حصة الغرب النسبية في الاقتصاد العالمي، حسبما ابتدأ قبيل انتهاء الحرب الباردة، يحمل في طياته عواقب خطيرة يصعب تقديرها كلها منذ الآن.
من بين أدعى هذه العواقب للقلق ذلك الاغراء، الذي يبدو كبيراً بعد الآن، الذي يجعل الدول الغربية، وخصوصاً واشنطن، تحافظ بواسطة التفوق العسكري على ما لم يعد يمكن أن تحافظ عليه بواسطة التفوق الاقتصادي ولا بواسطة السلطة المعنوية.
لعلنا نجد هنا العاقبة الأكثر مفارقة والأكثر فساداً لانتهاء الحرب الباردة، هذا الحدث الذي كان يفترض به أن يحمل السلام والمصالحة، لكنه أتبع بسلسلة من النزاعات المتوالية، راحت أميركا من خلالها تقفز من حرب إلى أخرى دون مرور بمراحل انتقالية، كما لو أن الأمر بات «نهج حكم» لسلطة كروية بدلاً من أن يكون وسيلة أخيرة.
إن اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الفتاكة لا تكفي لتفسير هذا الانحراف؛ فهي قد عززته. وشرعنته جزئياً، لكنه كان قد ابتدأ قبلها بكثير.
ففي كانون الأول/ديسمبر 1989، بعد مرور ستة أسابيع على سقوط جدار برلين، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً في باناما ضد الجنرال نورييغا، وكانت هذه الحملة الأشبه بأعمال المداهمة البوليسية بمثابة إعلان يقول: على كل فرد أن يعرف بعد الآن من هو آمر هذا الكوكب، وأن يطيع، لا أكثر ولا أقل. ثم جــــــاءت حرب العراق الأولى سنة 1991؛ فالمغامرة الفاشلة في الصومال خلال 1992 ــــــ 1993؛ ثم التدخل في هايتي سنة 1994 لتنصيب الرئيس جان ــــــ برتران أريستيد في الحكم؛ ثم حرب البوسنة سنة 1995؛ ثم في كانون الأول/ديسمبر 1998، حملة الغارات الجوية الكثيفة على العراق التي سميت «عملية ثعلب الصحراء»؛ ثم حرب كوسوفو سنة 1999؛ وابتداءً من سنة 2001، حرب أفغانستان، وابتداءً من سنة 2003 حرب العراق الثانية؛ وسنة 2004، حملة عسكرية جديدة على هايتي، لخلع الرئيس أريستيد هذه المرة... ناهيك عن الغارات الجوية التأديبية والأعمال العسكرية الأقل ضخامة في كل من كولومبيا، والسودان، والفيليبين، وباكستان، وأماكن أخرى.
سيجد المشاهد ذو البصيرة لكل من هذه التدخلات بعضاً من التبريرات المقبولة، ولن يرى في الأخرى سوى ذرائع. لكن هذا التكرار بحد ذاته مثير للقلق. أشرت من قبل إلى «نهج حكم»! اتفق لي أكثر من مرة، خلال أوائل سني القرن الجديد، أن أفكر بأن الحقيقة قد تكون أشد قتاماً أيضاً. وأن هذه العمليات تشن كي تكون «عبرة»، حسبما كانت تفعل الامبراطوريات الاستعمارية بالأمس كي تزرع الرعب في قلوب أبناء البلاد الأصليين وتردع كل رغبة طفيفة في الثورة.
إن بعضاً من الحملات العسكرية الأكثر عرضة للرفض تبقى مرتبطة باسم الرئيس جورج بوش الابن، وإنه لبسبب حرب العراق جزئياً حمل الناخبون الأميركيون إلى الحكم باراك أوباما والحزب الديموقراطي. يبقى أنه يجب أن نعرف إلى أي حد كان هذا الانحراف التدخلي مرتبطاً بالخيارات السياسية للادارة، وإلى أي حد كان يفرضه وضع الولايات المتحدة في العالم ــــــ وضع بلاد ينحدر وزنها في الاقتصاد العالمي بشكل لا مرد له، ولا تكف عن الاستدانة، وتعيش بشكل واضح على مستوى يفوق طاقتها، مع أنها تحوز تفوقاً عسكرياً لا ريب فيه. فكيف لها أن تصمد أمام إغراء استخدام هذه الورقة الرابحة كي تعوض فقدان قدرتها في الميادين الأخرى؟
أياً تكن حساسية رئيسها وقناعاته السياسية، لم تعد الولايات المتحدة تستطيع أن تسمح لنفسها بأن تفك قبضتها عن العالم؛ ولا أن تفقد الهيمنة على موارد جوهرية بالنسبة إلى اقتصادها، خصوصاً النفط؛ ولا أن تدع قوى راغبة في إيذائها تتمتع بحرية الحركة؛ ولا أن تشهد مكتوفة اليدين صعود دول منافسة يمكن أن تطعن بأعلويتها ذات مرة. ولو أنها تخلت عن إدارة شؤون العالم إدارة لصيقة وحازمة، فمن المرجح أن تنساق في سيرورة من الإضعاف والإفقار.
هذا لا يعني أن التدخلية المنهجية هي الوضعية الجيدة لتدارك الانحطاط. فإذا استندنا إلى حصيلة أولى سنوات القرن، لرأينا أن هذه التدخلية قد سرعت هذا الانحطاط. هل يمكن لسياسة أخرى أن تأتي بنتيجة مضادة؟ هذه التجربة تستحق أن تخاض، غير أنه حين يفك حكم ما قبضته، فالرد التلقائي من خصومه يكون بالعمل على إنهاكه وتشديد الخناق عليه لا بإبداء الشكر له. فقد أظهر الغربيون من الاحترام للاتحاد السوفياتي في زمن بريجنيف أكثر بكثير مما في زمن غورباتشوف، فأهانوه ونهبوه وقطعوا أوصاله، ما ولد ضغينة عميقة عند الشعب الروسي. وعامل الثوريون الايرانيون الرئيس كارتر معاملة لا تعرف الرحمة لأنه أحجم عن ممارسة سياسة عدوانية.
نذكر هذا لنقول إن عقدة الغرب في علاقاته مع بقية العالم لن تحل بصورة عجائبية إذا عدلت واشنطن سلوكها فجأة على الساحة الدولية، ومع أن مثل هذا التبدل لا يزال ضرورياً إذا كنا لا نزال نرتجي صحوة إنقاذية، فما من شيء يسمح بالقول بأنه سيكون حاسماً.
يميز بعض المحللين بين «قدرة صلبة» و «قدرة لطيفة»، قاصدين بذلك أن في وسع الدولة أن تزاول سلطتها بأشكال متنوعة دون أن تحتاج إلى الاستعانة بقواتها المسلحة في كل مرة. إن عجز ستالين عن فهم هذه الحقيقة هو الذي دفع به إلى السؤال عن «عدد الفرق العسكرية» عند البابا. من جهة أخرى، يوم انهار الاتحاد السوفياتي، كان لا يزال يملك بقدر كبير، من الوجهة العسكرية، وسائل إبادة أعدائه. غير أن النصر والهزيمة لا يتوقفان على الفرق المدرعة، وأطنان القنابل، وعدد الرؤوس الحاملة. فهذه ليست سوى عامل بين عوامل أخرى، عامل ضروري لدولة عظمى بلا ريب، لكنه ليس كافياً. ذلك أنه في كل مجابهة ــــــ بين أفراد، أو جماعات بشرية، كما بين دول ــــــ تدخل في المعترك عوامل عديدة تتصل بالقدرة الجسدية، أو الطاقة الاقتصادية، أو الهيبة المعنوية. فيما خص الاتحاد السوفياتي، كان واضحاً أنه فقد اعتباره معنوياً، ودب فيه الوهن اقتصادياً، الأمر الذي جعل ذراعه العسكرية الهائلة غير قادرة على الفعل.
بالمقابل، كان الغرب يتمتع، لدى الخروج من الحرب الباردة، بتفوق ساحق في الميادين الثلاثة معاً. عسكرياً، بفضل القدرة الأميركية خصوصاً؛ واقتصادياً، بفضل تفوق أوروبا كما الولايات المتحدة، التقنولوجي والصناعي والمالي، ومعنوياً، بفضل نموذجه المجتمعي الذي سحق تواً خصمه الأشد خطراً، أي الشيوعية. كان يجب أن يتيح له هذا التفوق المتعدد الأشكال أن يحكم العالم بحنكة، مناوباً بين العصا والجزرة، مثبطاً عزيمة خصومه المعاندين، لكن عارضاً على جميع الآخرين منافع جوهرية تتيح لهم الخروج من التخلف والخلاص من الطغيان.
لذا كان يبدو من المعقول توقع أن يكون اللجوء إلى السلاح بعد الآن استثنائياً جداً، وأنه كان يكفي الغرب أن يثبت امتياز نظامه الاقتصادي وامتياز نموذجه المجتمعي كي يحافظ على أعلويته. لكن ما جرى كان نقيض ذلك، إذ أن تفوق الغرب الاقتصادي قد تآكل مع صعود العملاقين الآسيويين، واللجوء إلى السلاح بات من الأمور العادية.
فيما خص التفوق المعنوي، فإنه يتآكل هو أيضاً، وفي هذا الأمر مفارقة على الأقل، إذ إن النموذج الغربي لم يعد له مزاحم، وأن جاذبية نمط الحياة الأوروبي أو الأميركي الشمالي أقوى مما كانت في أي وقت مضى، ليس في وارسو أو مانيلا وحسب، بل في طهران، وموسكو، والقاهرة، وشانغاي، وشيني، وهافانا، وفي كل مكان أيضاً؛ على أنه يوجد بين «المركز» و «الأطراف» مشكلة ثقة حقيقية.
لهذه المشكلة جذورها في العلاقة غير السليمة التي كانت قائمة خلال القرون الأخيرة بين الدول الغربية وباقي العالم، والتي تسهم اليوم في جعل البشر عاجزين عن معالجة تنوعهم، عن صياغة قيم مشتركة، عن مواجهة المستقبل معاً، وبالتالي عاجزين عن مجابهة الأخطار المتزايدة.
صفحة 8
6
إذا كان الغرب قد عجز عن الافادة بصورة كاملة من انتصاره على الشيوعية فذلك أيضاً لأنه لم يعرف أن ينشر ازدهاره فيما وراء حدوده الثقافية.
نقول على سبيل المثال إن مفاعيل البناء الأوروبي شبه العجائبية، التي أتاحت النهوض في قليل من الوقت لكل من إرلندا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان، قبل أن تمتد بخطى كبيرة إلى أوروبا الوسطى والشرقية، لم تفلح قط في عبور مضيق جبل طارق الرقيق لتنتقل إلى ضفة المتوسط الأخرى، حيث ينتصب الآن جدار عال، غير منظور، لكنه واقعي، وقاس، وخطر، كذاك الذي كان يقسم أوروبا فيما مضى.
لا ريب في أن أزمة العالم الاسلامي المزمنة مسؤولة عن ذلك جزئياً، ومن المرجح أنها العامل الأكثر حسماً فيه. لكنها ليست العامل الوحيد بالتأكيد. فإذا التفتنا صوب العالم الجديد ، هذه الأرض الشاسعة التي لم يرسخ للاسلام قدم فيها قط، لاحظنا وجود ظاهرة مماثلة، أي عجز الولايات المتحدة عن نشر ازدهار جنوبي ريوغراندي نحو المكسيك المجاور، وذلك إلى حد رأت معه أن من واجبها أن تبني لنفسها جداراً يحميها، وهو جدار ملموس هنا، ويعود عليها بالارتياب والضغينة من جانب أميركا اللاتينية كلها، هذه التي ــــــ أيحتاج هذا إلى تذكير ــــــ هي مسيحية بقدر ما هي أوروبا وأميركا الشمالية مسيحية.
يقودني هذا إلى التفكر بأن عاهات العالم الاسلامي، رغم واقعيتها ومأساويتها، لا تفسر كل شيء. فالعالم الغربي له عشواته التاريخية الخاصة به، وتقصيراته الأخلاقية الخاصة به. وإنه في الغالب من خلال هذه العشوات وهذه التقصيرات عرفته الشعوب المغلوبة على أمرها خلال القرون الأخيرة. وحين نتكلم عن الولايات المتحدة في شيلي أو في نيكاراغوا، وعن فرنسا في الجزائر وفي مدغشقر، وعن هولندا في أندونيسيا، فإن الشخصيات التي تخطر في بالنا أولاً ليست بانجمان فرانكلن، ولا كوندورسيه، ولا هيوم، ولا إيراسم.
توجد في أوروبا اليوم حركة تأفف تدعو للقول: فلنكف عن إدانة أنفسنا! فلنكف عن جلد أنفسنا! كل ويلات العالم ليست من صنع المستعمرين! هذه ردة فعل قابلة للفهم، وهي تلتقي، من جهة أخرى، مع أناس كثيرين ولدوا مثلي في بلدان الجنوب ويغتاظون حين يسمعون مواطنيهم يلومون العصر الاستعماري على كل مصيبة تحل بهم. لا سبيل إلى نكران أن هذا العصر قد سبب جراحاً مديدة، خصوصاً في إفريقيا، لكن عصر الاستقلالات أثبت أحياناً أنه أكثر تسبباً بالويلات، وأنا من جهتي لا أكن أي إعجاب بالقادة الكثيرين غير الأكفاء، أو الفاسدين، أو الطغاة، الذين يشهدون ذريعة الاستعمار أمام القاصي والداني.
وفيما خص البلد الذي جئت منه، لبنان، فإني على يقين من أن مرحلة الانتداب الفرنسي، بين 1918 و1943، وكذلك المرحلة الأخيرة من الحضور العثماني، بين 1864 و1914، كانتا أقل وبالاً من مختلف الأنظمة التي تعاقبت منذ الاستقلال. قد يكون من غير اللائق سياسياً أن أسجل هذا على الورق، لكن هذه هي قراءتي للوقائع. يمكن أن نلاحظ مثل هذا الأمر عند عدة أمم أخرى على كل حال؛ غير أنني أكتفي، من باب اللياقة أيضاً، بأن أتحدث عن أمتي فقط.
لكن، إذا كان عذر الاستعمار لتبرير فشل قادة العالم الثالث لم يعد مقبولاً، فإن مسألة العلاقات غير السليمة بين الغرب ومستعمراته السابقة تبقى مسألة فاصلة ولا يمكن استبعادها بمزحة، أو غمغمة حانقة، أو بهز الكتفين.
من جهتي، أنا لا أزال على يقين من أن الحضارة الغربية كانت أكثر الحضارات إبداعاً لقيم مسكونية، ولكنها عجزت عن نقلها إلى الآخرين كما يليق. هذا تقصير تدفع البشرية بكاملها ثمنه اليوم.
لهذا الأمر تفسير سهل يقول إن الشعوب الأخرى كانت غير جاهزة لتقبل مثل هذا «اللقاح». هذه فكرة لا تبلى، تنقل من جيل إلى آخر، ومن قرن إلى آخر، ولم تعد موضوع نقاش، لفرط ما تبدو أنها البداهة بالذات. كانت آخر صياغة لها تتعلق بالعراق إذ قيل إن «غلطة الأميركيين هي أنهم أرادوا أن يفرضوا الديموقراطية على شعب لا يريدها!». تنزل هذه العبارة كحكم غير قابل للاستئناف، ويجد الجميع مصلحتهم فيها، من يتهمون واشنطن ومن يدافعون عنها على السواء؛ بعضهم يسخر من ضلال هذا المشروع وآخرون يثنون على نبله الساذج. هنا نجد خبث هذه الفكرة الموروثة، التي تنسجم مع كل الحساسيات وتتلاءم مع كل الأنماط الفكرية. فالذين يحترمون الشعوب الأخرى، تبدو لهم حاملة للاحترام، لكن الذين لا يحترمون الشعوب الأخرى وهم حتى عنصريون، يجدون فيها تعزيزاً لأفكارهم المسبقة.
يدعي هذا القول أنه تقييم واقعي، لكنه، من وجهة نظري مجرد نقيض للحقيقة. فالذي جرى فعلاً في العراق هو أن الولايات المتحدة لم تعرف كيف تجلب الديموقراطية إلى شعب كان يحلم بها.
فكلما كان يتاح للعراقيين أن يصوتوا كانوا يقبلون على التصويت بالملايين رغم تعرض حياتهم للخطر. هل نعرف شعباً واحداً آخر في العالم يرضى بأن يقف في الصفوف المنتظرة أمام مكاتب الاقتراع مع علمه الأكيد بإمكان حصول هجمات انتحارية ووجود سيارات ملغومة؟ أعن هؤلاء الناس يقولون إنهم لا يريدون الديموقراطية؟ وهم يقولون هذا، ويرددون القول، في الجرائد، وفي المناقشات الاذاعية أو المتلفزة، وما من أحد تقريباً يكلف نفسه عناء النظر في الأمر عن كثب.
النصف الآخر من الزعم، أي أن الولايات المتحدة أرادت أن تفرض الديموقراطية في العراق، يبدو لي موضع شك أيضاً. يمكن لنا أن نورد أسباباً متنوعة مقبولة بهذا القدر أو ذاك قد تكون أثرت في القرار الأميركي بغزو هذا البلد سنة 2003: محاربة الارهاب والأنظمة المشتبه بمساعدتها له؛ الخوف من رؤية «بلد مارق» يطور أسلحة دمار جماعي؛ الرغبة في التخلص من قائد يهدد ممالك الخليج ويقلق إسرائيل؛ إرادة الهيمنة على حقول النفط، الخ. وطرح بعضهم حتى فرضيات ذات لون يتصل بالتحليل النفساني، كرغبة الرئيس بوش في إنجاز العمل الذي باشره والده ولم ينجزه. إلا أنه، من بين جميع الراصدين الجديين، والعديد من الشهود والباحثين، الذين تفحصوا تقارير الاجتماعات التي اتخذ فيها قرار الحرب، وصدرت عنهم أدبيات وفيرة خلال السنوات الأخيرة، لم يقل أحد منهم أصغر عبارة يمكن أن توحي بأن الدافع الحقيقي للغزو كان إقامة الديموقراطية في العراق.
لا فائدة من المحاكمة على النيات، غير أنه لا بد من أن نلاحظ أن السلطات الأميركية أقامت، منذ أسابيع الاحتلال الأولى، نظاماً للتمثيل السياسي يرتكز على الانتماء الديني أو الإثني، الأمر الذي أحدث انفلاتاً للعنف لا سابق له في هذا البلد. ولما كنت قد رصدت هذا عن كثب في لبنان وغيره، فبوسعي أن أشهد بأن الطائفية لا تشجع تفتح الديموقراطية إطلاقاً! أقول هذا وأعتبره حتى تعبيراً ملطفاً خجولاً عن الواقع. فالطائفية إنكار لفكرة المواطنية بالذات، ولا يمكن بناء نظام سياسي متمدن على أساس كهذا. وإذا كان بالأمر الجوهري أن تؤخذ في الحسبان مختلف مكونات أمة ما، لكن بصورة مرهفة، مرنة، وضمنية. كي يتاح لكل مواطن أن يشعر بأن له من يمثله، فمن الوخيم بالقدر ذاته، وحتى من المدمر، أن يقام نظام محاصصة يقسم الأمة بصورة مريرة إلى عشائر متخاصمة.
إن تقديم الديموقراطية الكبيرة الأميركية إلى الشعب العراقي هذه الهدية المسمومة التي هي تكريس الطائفية هو ببساطة خزي وعار. وإذا كانت قد فعلت هذا عن جهل، فتلك مصيبة، وإذا هي فعلته عن قصد وقح، فتلك جريمة.
صحيح أنه عشية الغزو، وإبان النزاع، قيل كلام كثير عن الحرية والديموقراطية. هذا كلام دارج ومألوف منذ القدم، وتحت كل سماء؛ فأياً تكن أهداف عملية عسكرية ما، يفضل أصحابها القول بأنهم قاموا بها من أجل العدالة، والتقدم، والمدنية، في سبيل الله ورسله، من أجل الأرملة واليتيم، كما بالطبع، دفاعاً عن النفس وحباً بالسلام. ليس من مصلحة أي زعيم أن يقال إن دوافعه الحقيقية هي الانتقام، أو الجشع، أو التزمت، أو التشدد، أو إدارة السيطرة أو الرغبة في فرض الصمت على معارضيه. ويضطلع رجال الدعاية بدور إخفاء المرامي الحقيقية وراء الأقنعة الأكثر نبلاً، ويكون على المواطنين الأحرار أن ينقبوا في الأفعال كي يخرجوا الأكاذيب من غلافها المزيف.
وبعد، لقد شهدت الولايات المتحدة، غداة اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ولعاً بــــــ «نشر الديموقراطية». وعندما اكتشف بعض المسؤولين جنسيات أعضاء الفريق الانتحاري، قالوا إن أميركا كادت أن تكون أقل تعرضاً للتهديد لو أن العالم العربي كانت تحكمه أنظمة ديموقراطية وحداثية، وأنه كان من الخطأ دعم ظلاميين واستبداديين ميزتهم الوحيدة هي سيرهم في ركاب سياسة واشنطن. أفما كان يجب أن يطلب من هؤلاء «الزبائن» أن يشاطروا حاميهم بعض القيم التي يقدسها هو؟
إن هذا الولع، الذي ترجم بشعارات رنانة مثل «الشرق الأوسط الكبير» ثم «الشرق الأوسط الجديد»، لم يدم طويلاً. لذلك لن أتوقف طويلاً عند هذه الحقبة، لكن ليسمح لي أن أعبر باقتضاب عن دهشتي أمام هذا المشهد: زعيمة مجموعة الديموقراطيات الغربية تتساءل، في مطلع القرن الواحد والعشرين، عما إذا لم يكن في الأمر فكرة جيدة، بعد كل شيء، إذا شجعنا قيام أنظمة ديموقراطية في كل من مصر والسعودية وباكستان، وفي سائر بلدان العالم الاسلامي! وذلك بعد أن شجعنا، في كل مكان تقريباً، أنظمة كانت ميزتها الأولى «الاستقرار»، ودون أن نتطلع عن كثب إلى ماهية الطرائق التي كانت تؤمن لها استقرارها؛ وبعد أن ساندنا القادة الأكثر محافظة، دون التفات إلى الايديولوجيا التي ترتكز عليها محافظتهم؛ وبعد أن دربنا، خصوصاً في آسيا وفي أميركا اللاتينية، الأجهزة البوليسية والأمنية الأشد قمعاً؛ ها هي الديموقراطية الأميركية العظيمة تتساءل الآن عما إذا لم تكن فكرة المراهنة على ورقة الديموقراطية فكرة طيبة.
لكن الفكرة الجميلة أصبحت بسرعة طي النسيان: بعد ثلاث جولات قليلة الاقناع، توصلت بلاد ابراهام لنكولن إلى خلاصة تقول إن في كل هذا مخاطرة كبيرة؛ وإن الضغائن باتت مفرطة في العمق بحيث يخشى أن تحمل الانتخابات الحرة، العناصر الأكثر جذرية إلى الحكم، هنا وهناك؛ وأن من الأفضل إذن التمسك بالوصفات القديمة الطيبة. وعلى الديموقراطية أن تنتظر.
إذا كان الغرب قد عجز عن الافادة بصورة كاملة من انتصاره على الشيوعية فذلك أيضاً لأنه لم يعرف أن ينشر ازدهاره فيما وراء حدوده الثقافية.
نقول على سبيل المثال إن مفاعيل البناء الأوروبي شبه العجائبية، التي أتاحت النهوض في قليل من الوقت لكل من إرلندا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان، قبل أن تمتد بخطى كبيرة إلى أوروبا الوسطى والشرقية، لم تفلح قط في عبور مضيق جبل طارق الرقيق لتنتقل إلى ضفة المتوسط الأخرى، حيث ينتصب الآن جدار عال، غير منظور، لكنه واقعي، وقاس، وخطر، كذاك الذي كان يقسم أوروبا فيما مضى.
لا ريب في أن أزمة العالم الاسلامي المزمنة مسؤولة عن ذلك جزئياً، ومن المرجح أنها العامل الأكثر حسماً فيه. لكنها ليست العامل الوحيد بالتأكيد. فإذا التفتنا صوب العالم الجديد ، هذه الأرض الشاسعة التي لم يرسخ للاسلام قدم فيها قط، لاحظنا وجود ظاهرة مماثلة، أي عجز الولايات المتحدة عن نشر ازدهار جنوبي ريوغراندي نحو المكسيك المجاور، وذلك إلى حد رأت معه أن من واجبها أن تبني لنفسها جداراً يحميها، وهو جدار ملموس هنا، ويعود عليها بالارتياب والضغينة من جانب أميركا اللاتينية كلها، هذه التي ــــــ أيحتاج هذا إلى تذكير ــــــ هي مسيحية بقدر ما هي أوروبا وأميركا الشمالية مسيحية.
يقودني هذا إلى التفكر بأن عاهات العالم الاسلامي، رغم واقعيتها ومأساويتها، لا تفسر كل شيء. فالعالم الغربي له عشواته التاريخية الخاصة به، وتقصيراته الأخلاقية الخاصة به. وإنه في الغالب من خلال هذه العشوات وهذه التقصيرات عرفته الشعوب المغلوبة على أمرها خلال القرون الأخيرة. وحين نتكلم عن الولايات المتحدة في شيلي أو في نيكاراغوا، وعن فرنسا في الجزائر وفي مدغشقر، وعن هولندا في أندونيسيا، فإن الشخصيات التي تخطر في بالنا أولاً ليست بانجمان فرانكلن، ولا كوندورسيه، ولا هيوم، ولا إيراسم.
توجد في أوروبا اليوم حركة تأفف تدعو للقول: فلنكف عن إدانة أنفسنا! فلنكف عن جلد أنفسنا! كل ويلات العالم ليست من صنع المستعمرين! هذه ردة فعل قابلة للفهم، وهي تلتقي، من جهة أخرى، مع أناس كثيرين ولدوا مثلي في بلدان الجنوب ويغتاظون حين يسمعون مواطنيهم يلومون العصر الاستعماري على كل مصيبة تحل بهم. لا سبيل إلى نكران أن هذا العصر قد سبب جراحاً مديدة، خصوصاً في إفريقيا، لكن عصر الاستقلالات أثبت أحياناً أنه أكثر تسبباً بالويلات، وأنا من جهتي لا أكن أي إعجاب بالقادة الكثيرين غير الأكفاء، أو الفاسدين، أو الطغاة، الذين يشهدون ذريعة الاستعمار أمام القاصي والداني.
وفيما خص البلد الذي جئت منه، لبنان، فإني على يقين من أن مرحلة الانتداب الفرنسي، بين 1918 و1943، وكذلك المرحلة الأخيرة من الحضور العثماني، بين 1864 و1914، كانتا أقل وبالاً من مختلف الأنظمة التي تعاقبت منذ الاستقلال. قد يكون من غير اللائق سياسياً أن أسجل هذا على الورق، لكن هذه هي قراءتي للوقائع. يمكن أن نلاحظ مثل هذا الأمر عند عدة أمم أخرى على كل حال؛ غير أنني أكتفي، من باب اللياقة أيضاً، بأن أتحدث عن أمتي فقط.
لكن، إذا كان عذر الاستعمار لتبرير فشل قادة العالم الثالث لم يعد مقبولاً، فإن مسألة العلاقات غير السليمة بين الغرب ومستعمراته السابقة تبقى مسألة فاصلة ولا يمكن استبعادها بمزحة، أو غمغمة حانقة، أو بهز الكتفين.
من جهتي، أنا لا أزال على يقين من أن الحضارة الغربية كانت أكثر الحضارات إبداعاً لقيم مسكونية، ولكنها عجزت عن نقلها إلى الآخرين كما يليق. هذا تقصير تدفع البشرية بكاملها ثمنه اليوم.
لهذا الأمر تفسير سهل يقول إن الشعوب الأخرى كانت غير جاهزة لتقبل مثل هذا «اللقاح». هذه فكرة لا تبلى، تنقل من جيل إلى آخر، ومن قرن إلى آخر، ولم تعد موضوع نقاش، لفرط ما تبدو أنها البداهة بالذات. كانت آخر صياغة لها تتعلق بالعراق إذ قيل إن «غلطة الأميركيين هي أنهم أرادوا أن يفرضوا الديموقراطية على شعب لا يريدها!». تنزل هذه العبارة كحكم غير قابل للاستئناف، ويجد الجميع مصلحتهم فيها، من يتهمون واشنطن ومن يدافعون عنها على السواء؛ بعضهم يسخر من ضلال هذا المشروع وآخرون يثنون على نبله الساذج. هنا نجد خبث هذه الفكرة الموروثة، التي تنسجم مع كل الحساسيات وتتلاءم مع كل الأنماط الفكرية. فالذين يحترمون الشعوب الأخرى، تبدو لهم حاملة للاحترام، لكن الذين لا يحترمون الشعوب الأخرى وهم حتى عنصريون، يجدون فيها تعزيزاً لأفكارهم المسبقة.
يدعي هذا القول أنه تقييم واقعي، لكنه، من وجهة نظري مجرد نقيض للحقيقة. فالذي جرى فعلاً في العراق هو أن الولايات المتحدة لم تعرف كيف تجلب الديموقراطية إلى شعب كان يحلم بها.
فكلما كان يتاح للعراقيين أن يصوتوا كانوا يقبلون على التصويت بالملايين رغم تعرض حياتهم للخطر. هل نعرف شعباً واحداً آخر في العالم يرضى بأن يقف في الصفوف المنتظرة أمام مكاتب الاقتراع مع علمه الأكيد بإمكان حصول هجمات انتحارية ووجود سيارات ملغومة؟ أعن هؤلاء الناس يقولون إنهم لا يريدون الديموقراطية؟ وهم يقولون هذا، ويرددون القول، في الجرائد، وفي المناقشات الاذاعية أو المتلفزة، وما من أحد تقريباً يكلف نفسه عناء النظر في الأمر عن كثب.
النصف الآخر من الزعم، أي أن الولايات المتحدة أرادت أن تفرض الديموقراطية في العراق، يبدو لي موضع شك أيضاً. يمكن لنا أن نورد أسباباً متنوعة مقبولة بهذا القدر أو ذاك قد تكون أثرت في القرار الأميركي بغزو هذا البلد سنة 2003: محاربة الارهاب والأنظمة المشتبه بمساعدتها له؛ الخوف من رؤية «بلد مارق» يطور أسلحة دمار جماعي؛ الرغبة في التخلص من قائد يهدد ممالك الخليج ويقلق إسرائيل؛ إرادة الهيمنة على حقول النفط، الخ. وطرح بعضهم حتى فرضيات ذات لون يتصل بالتحليل النفساني، كرغبة الرئيس بوش في إنجاز العمل الذي باشره والده ولم ينجزه. إلا أنه، من بين جميع الراصدين الجديين، والعديد من الشهود والباحثين، الذين تفحصوا تقارير الاجتماعات التي اتخذ فيها قرار الحرب، وصدرت عنهم أدبيات وفيرة خلال السنوات الأخيرة، لم يقل أحد منهم أصغر عبارة يمكن أن توحي بأن الدافع الحقيقي للغزو كان إقامة الديموقراطية في العراق.
لا فائدة من المحاكمة على النيات، غير أنه لا بد من أن نلاحظ أن السلطات الأميركية أقامت، منذ أسابيع الاحتلال الأولى، نظاماً للتمثيل السياسي يرتكز على الانتماء الديني أو الإثني، الأمر الذي أحدث انفلاتاً للعنف لا سابق له في هذا البلد. ولما كنت قد رصدت هذا عن كثب في لبنان وغيره، فبوسعي أن أشهد بأن الطائفية لا تشجع تفتح الديموقراطية إطلاقاً! أقول هذا وأعتبره حتى تعبيراً ملطفاً خجولاً عن الواقع. فالطائفية إنكار لفكرة المواطنية بالذات، ولا يمكن بناء نظام سياسي متمدن على أساس كهذا. وإذا كان بالأمر الجوهري أن تؤخذ في الحسبان مختلف مكونات أمة ما، لكن بصورة مرهفة، مرنة، وضمنية. كي يتاح لكل مواطن أن يشعر بأن له من يمثله، فمن الوخيم بالقدر ذاته، وحتى من المدمر، أن يقام نظام محاصصة يقسم الأمة بصورة مريرة إلى عشائر متخاصمة.
إن تقديم الديموقراطية الكبيرة الأميركية إلى الشعب العراقي هذه الهدية المسمومة التي هي تكريس الطائفية هو ببساطة خزي وعار. وإذا كانت قد فعلت هذا عن جهل، فتلك مصيبة، وإذا هي فعلته عن قصد وقح، فتلك جريمة.
صحيح أنه عشية الغزو، وإبان النزاع، قيل كلام كثير عن الحرية والديموقراطية. هذا كلام دارج ومألوف منذ القدم، وتحت كل سماء؛ فأياً تكن أهداف عملية عسكرية ما، يفضل أصحابها القول بأنهم قاموا بها من أجل العدالة، والتقدم، والمدنية، في سبيل الله ورسله، من أجل الأرملة واليتيم، كما بالطبع، دفاعاً عن النفس وحباً بالسلام. ليس من مصلحة أي زعيم أن يقال إن دوافعه الحقيقية هي الانتقام، أو الجشع، أو التزمت، أو التشدد، أو إدارة السيطرة أو الرغبة في فرض الصمت على معارضيه. ويضطلع رجال الدعاية بدور إخفاء المرامي الحقيقية وراء الأقنعة الأكثر نبلاً، ويكون على المواطنين الأحرار أن ينقبوا في الأفعال كي يخرجوا الأكاذيب من غلافها المزيف.
وبعد، لقد شهدت الولايات المتحدة، غداة اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ولعاً بــــــ «نشر الديموقراطية». وعندما اكتشف بعض المسؤولين جنسيات أعضاء الفريق الانتحاري، قالوا إن أميركا كادت أن تكون أقل تعرضاً للتهديد لو أن العالم العربي كانت تحكمه أنظمة ديموقراطية وحداثية، وأنه كان من الخطأ دعم ظلاميين واستبداديين ميزتهم الوحيدة هي سيرهم في ركاب سياسة واشنطن. أفما كان يجب أن يطلب من هؤلاء «الزبائن» أن يشاطروا حاميهم بعض القيم التي يقدسها هو؟
إن هذا الولع، الذي ترجم بشعارات رنانة مثل «الشرق الأوسط الكبير» ثم «الشرق الأوسط الجديد»، لم يدم طويلاً. لذلك لن أتوقف طويلاً عند هذه الحقبة، لكن ليسمح لي أن أعبر باقتضاب عن دهشتي أمام هذا المشهد: زعيمة مجموعة الديموقراطيات الغربية تتساءل، في مطلع القرن الواحد والعشرين، عما إذا لم يكن في الأمر فكرة جيدة، بعد كل شيء، إذا شجعنا قيام أنظمة ديموقراطية في كل من مصر والسعودية وباكستان، وفي سائر بلدان العالم الاسلامي! وذلك بعد أن شجعنا، في كل مكان تقريباً، أنظمة كانت ميزتها الأولى «الاستقرار»، ودون أن نتطلع عن كثب إلى ماهية الطرائق التي كانت تؤمن لها استقرارها؛ وبعد أن ساندنا القادة الأكثر محافظة، دون التفات إلى الايديولوجيا التي ترتكز عليها محافظتهم؛ وبعد أن دربنا، خصوصاً في آسيا وفي أميركا اللاتينية، الأجهزة البوليسية والأمنية الأشد قمعاً؛ ها هي الديموقراطية الأميركية العظيمة تتساءل الآن عما إذا لم تكن فكرة المراهنة على ورقة الديموقراطية فكرة طيبة.
لكن الفكرة الجميلة أصبحت بسرعة طي النسيان: بعد ثلاث جولات قليلة الاقناع، توصلت بلاد ابراهام لنكولن إلى خلاصة تقول إن في كل هذا مخاطرة كبيرة؛ وإن الضغائن باتت مفرطة في العمق بحيث يخشى أن تحمل الانتخابات الحرة، العناصر الأكثر جذرية إلى الحكم، هنا وهناك؛ وأن من الأفضل إذن التمسك بالوصفات القديمة الطيبة. وعلى الديموقراطية أن تنتظر.
صفحة 9
7
خلال الأشهر التي سبقت غزو العراق، كان وزير الخارجية كولن باول غالباً ما يحس بأنه في أزعج وضع على الاطلاق. إذ كان عليه أن يقنع العالم بأسره بوجوب خوض هذه الحرب بصورة مطلقة، بينما كان يجهد بعيداً عن الأنظار لإقناع رئيسه بعدم الذهاب إلى الحرب.
يروى أنه قال محذراً، خلال اجتماع ثنائي في البيت الأبيض بتاريخ 13 كانون الثاني/يناير 2003 «إن كسرته دفعت ثمنه وملكته».
هذه توصية كانت تطبقها بعض المتاجر فيما مضى ومفادها أن على الزبون، إذ كسر سلعة، أن يدفع ثمنها كأنه اشتراها. «إذا كسرته فهو لك». وقد فسره باول للرئيس بوش بقوله: «ستكون الحائز السعيد على خمسة وعشرين مليوناً من الأشخاص. ستكون الحائز على كل آمالهم، وكل طموحاتهم، وكل مشاكلهم. كل هذا سيكون لك!».
لم يكن تحذير كولن باول حصيفاً بالنسبة إلى من كانوا يتأهبون لتحطيم العراق وحسب. فإن ابن المهاجرين الجامايكيين هذا، الذي صار قائداً للجيوش الأميركية، ثم وزيراً للخارجية، قد حدد بعبارة صادمة مسؤولية المنتصرين التاريخية، ولامس مأزق الدول الغربية المزمن: منذ أن بسطت هذه الدول هيمنتها على مجمل الكرة الأرضية، فهدمت بناها السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة، فإنها باتت تمسك أخلاقياً بمصائر الشعوب المغلوبة، وكان عليها أن تفكر جدياً بالطريقة التي يجب أن تتصرف بها مع هذه الشعوب، فإما أن تحتضنها رويداً رويداً، كأولاد بالتبني، فتطبق عليها القوانين التي تطبق عندها هي، وإما أن تختار ترويضها، وإخضاعها، وسحقها.
الولد يحسن التمييز بين أم بالتبني وبين زوجة الأب الثانية. والشعوب تحسن التمييز بين المحررين وبين المحتلين.
على نقيض الفكرة الموروثة، ليست خطيئة الدول الأوروبية المزمنة في كونها أرادت أن تفرض قيمها على باقي العالم، بل العكس تماماً هو الصحيح: كانت خطيئتها في تخليها الدائم عن احترام قيمها هي في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة. وما دام هذا الالتباس قائماً، سيكون هناك دائماً خوف من الوقوع في الأخطاء إياها.
أولى هذه القيم هي المسكونية، أي أن البشرية واحدة. متنوعة. لكن واحدة. لذا فإنه من الخطأ الذي لا يغتفر أن يساوَم على المبادىء الجوهرية تحت ذريعة دائمة من أن الآخرين غير جاهزين لاعتناقها. ليس هناك حقوق إنسان لأوروبا، وحقوق إنسان لإفريقيا، أو آسيا أو العالم الاسلامي. ما من شعب في الأرض وجد لأجل الاستعباد، أو لأجل الطغيان، أو الاستبداد، أو الجهل، أو الظلامية، ولا لأجل استعباد النساء. وكلما أهملنا هذه الحقيقة الأساسية نخون الانسانية ونخون أنفسنا.
كنت في براغ خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 1989، حينما ابتدأت التظاهرات ضد شاوشيسكو في بوخارست، وسرعان ما قامت في العاصمة التشيكية، التي تحررت مؤخراً بواسطة «الثورة المخملية»، حركة تضامن عفوية مع شعب رومانيا. فكتبت يد، بالانكليزية، على لوحة في جوار الكاتدرائية: «شاوشيسكو، لا مكان لك في أوروبا!». كان غضب الشخص المجهول الذي كتب هذا مشروعاً، لكن صياغة الشعار صدمتني، وكان بودي أن أسأله في أية قارة يمكن أن يوجد مكان لدكتاتور.
ما عبر عنه هذا الشخص بسذاجة هو للأسف موقف واسع الانتشار. فالدكتاتور غير المقبول في أوروبا يغدو مقبولاً حين يمارس هوايته في الجانب الآخر من البحر المتوسط. هل في هذا دليل على احترام الآخرين؟ إن فيه احتراماً للدكتاتور بلا ريب، وبالتالي احتقاراً للشعوب التي تعاني حكمه، كما للقيم التي يفترض بالديموقراطية أن ترفع لواءها.
سيرد بعضهم متسائلاً: «لكن أليس هذا هو الموقف الواقعي الوحيد؟» أنا لا أصدق ذلك. هذا العمل السيء ليس حتى مشروعاً ناجحاً. فتعريض الغرب صدقيته الأخلاقية للخطر يعني تعريض مكانته في العالم للخطر، وتعريض أمنه واستقراره وازدهاره للخطر بعد حين. كان يعتقد بالأمس أنه يمكن القيام بذلك دون عقاب؛ واليوم نعرف أن لكل ذلك ثمناً يجب دفعه، حتى الفواتير الأكثر قدماً. مرور الزمن فكرة اخترعها أهل القانون، ولا وجود لها في ذاكرة الشعوب؛ أو بمزيد من الدقة أقول: الشعوب التي تتدبر أمرها تلك التي تفلح في الخلاص من الفقر، والمذلة، والتهميش ــــــ تغفر في آخر الأمر، لكن دون أن تتخلص تماماً من مخاوفها؛ أما تلك التي لا تتدبر أمرها، فتجتر هذه العاهات إلى ما لا نهاية.
يقودني هذا إلى طرح السؤال الفاصل من جديد: هل حاولت الدول الغربية حقاً أن تنشر قيمها في مستعمراتها السابقة؟ لسوء الطالع، لا. إنها لم تقبل قط بأن يتحدث سكان البلاد «الأصليون» من رعاياها عن الحرية، والمساواة، والديموقراطية، وروح المبادرة، أو الوضع القانوني، بل إنها كانت دوماً تقمعهم حين يطالبون بها.
ولم يكن أمام النخب في البلدان المستقرة من خيار سوى انتزاع هذه القيم، ضد مشيئة المستعمر، واستعمالها ضده.
إن دراسة تفصيلية وهادئة للعصر الاستعماري لتبين أنه كان يوجد على الدوام بين الأوروبيين أشخاص خارقون ــــــ مديرون، عسكريون، مرسَلون، مثقفون، بضعة مستكشفين من أمثال سافورنيان برازا ــــــ كان لهم سلوك كريم، منصف، وبطولي بعض الأحيان، وبالتأكيد منسجم مع تعاليم إيمانهم كما مع مثل حضارتهم. ويحتفظ سكان المستعمرات أحياناً بذكريات طيبة عنهم؛ هذا ما يفسر بلا ريب امتناع أهل الكونغو عن تغيير اسم برازافيل.
غير أن هذا كان مجرد حالة استثنائية. فبوجه عام، كانت سياسة الدول تمليها شركات جشعة، ومستوطنون حريصون على امتيازاتهم وكان أخشى ما يخشونه هو تقدم «السكان الأصليين». وحين كان حاكم آت من الدولة المستعمرة يدعو، بين حين وآخر، إلى اعتماد سياسة أخرى، كان هؤلاء يحاولون التأثير فيه، أو يحاولون شراءه بالمال، أو تهديده؛ واذا ما تمسك بموقفه، كانوا يسعون إلى عزله؛ ووصل الأمر حتى إلى أن موظفاً اعتبر مثالياً فوجد مقتولاً بصورة غامضة. ومن المحتمل جداً أن يكون هذا ما جرى لبرازا...
كثيراً ما نسمع في بلدان الجنوب أن الغرب خسر «حتى» النخب الأكثر تمسكاً بالحداثة؛ هذه صياغة ناقصة إلى حد يجعلها مضللة. فالأصح كما يبدو لي هو القول بأن الغرب فقد النخب المتمسكة بالحداثة «خصوصاً» بينما وجد دائماً مع قوى التخلف تسويات، وحقول تفاهم، ومصالح متلاقية.
إن مأساة الغرب اليوم، كما بالأمس، ومنذ قرون، هي في أنه كان على الدوام حائراً بين رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليه، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما. لقد تكلم عن أنبل المبادىء في كل مكان، لكنه حرص على الامتناع عن تطبيقها في الأراضي التي غزاها.
لم يكن هذا مجرد تنافر سخيف بين المبادىء السياسية وتطبيقها على الأرض، بل كان تخلياً منهجياً عن المثل العليا المنادى بها، الأمر الذي أدى إلى إثارة ارتياب ثابت عند النخب الآسيوية، والأفريقية، والعربية، والأميركية اللاتينية، وحتى بالضبط عند العناصر التي كانت الأكثر إيماناً بقيم الغرب التي كانت قد اعتنقت مبادىء المساواة أمام القانون، وحرية الكلمة أو حرية التجمع. هذه النخب الداعية للحداثة هي التي كانت تصوغ المطالب الأكثر جرأة، فتتعرض دوماً للخيبة والمرارة، فيما كانت العناصر المتمسكة بالتقليد تتقبل الاستبدادية الاستعمارية بسهولة أكبر.
هذا الموعد الذي لم يتم يتبين اليوم أن ثمنه من أغلى الأثمان. فهو غال بالنسبة إلى الغرب لأنه يجد نفسه محروماً من وسائل اتصاله ببلدان الجنوب؛ وهو غال بالنسبة إلى شعوب الشرق لأنها تجد نفسها محرومة من حواشيها المعصرِنة، التي كان في وسعها أن تبني مجتمعات تتمع بالحرية والديموقراطية؛ وهو أكثر غلاءً من كل هذا بالنسبة إلى تلك الحواشي بالذات، إلى تلك الشعوب الحدودية، تلك الأمم الهجينة، إلى كل أولئك الذين كانوا يحملون في بلدان الجنوب ندوب الغرب، وكذلك أولئك الذين، نزحوا نحو الشمال ويحملون ندوب الجنوب. كل أولئك الذين كان بوسعهم، في زمن أفضل، أن يلعبوا دور نوتية العبور بامتياز وها هم الآن أولى الضحايا.
خلال الأشهر التي سبقت غزو العراق، كان وزير الخارجية كولن باول غالباً ما يحس بأنه في أزعج وضع على الاطلاق. إذ كان عليه أن يقنع العالم بأسره بوجوب خوض هذه الحرب بصورة مطلقة، بينما كان يجهد بعيداً عن الأنظار لإقناع رئيسه بعدم الذهاب إلى الحرب.
يروى أنه قال محذراً، خلال اجتماع ثنائي في البيت الأبيض بتاريخ 13 كانون الثاني/يناير 2003 «إن كسرته دفعت ثمنه وملكته».
هذه توصية كانت تطبقها بعض المتاجر فيما مضى ومفادها أن على الزبون، إذ كسر سلعة، أن يدفع ثمنها كأنه اشتراها. «إذا كسرته فهو لك». وقد فسره باول للرئيس بوش بقوله: «ستكون الحائز السعيد على خمسة وعشرين مليوناً من الأشخاص. ستكون الحائز على كل آمالهم، وكل طموحاتهم، وكل مشاكلهم. كل هذا سيكون لك!».
لم يكن تحذير كولن باول حصيفاً بالنسبة إلى من كانوا يتأهبون لتحطيم العراق وحسب. فإن ابن المهاجرين الجامايكيين هذا، الذي صار قائداً للجيوش الأميركية، ثم وزيراً للخارجية، قد حدد بعبارة صادمة مسؤولية المنتصرين التاريخية، ولامس مأزق الدول الغربية المزمن: منذ أن بسطت هذه الدول هيمنتها على مجمل الكرة الأرضية، فهدمت بناها السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة، فإنها باتت تمسك أخلاقياً بمصائر الشعوب المغلوبة، وكان عليها أن تفكر جدياً بالطريقة التي يجب أن تتصرف بها مع هذه الشعوب، فإما أن تحتضنها رويداً رويداً، كأولاد بالتبني، فتطبق عليها القوانين التي تطبق عندها هي، وإما أن تختار ترويضها، وإخضاعها، وسحقها.
الولد يحسن التمييز بين أم بالتبني وبين زوجة الأب الثانية. والشعوب تحسن التمييز بين المحررين وبين المحتلين.
على نقيض الفكرة الموروثة، ليست خطيئة الدول الأوروبية المزمنة في كونها أرادت أن تفرض قيمها على باقي العالم، بل العكس تماماً هو الصحيح: كانت خطيئتها في تخليها الدائم عن احترام قيمها هي في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة. وما دام هذا الالتباس قائماً، سيكون هناك دائماً خوف من الوقوع في الأخطاء إياها.
أولى هذه القيم هي المسكونية، أي أن البشرية واحدة. متنوعة. لكن واحدة. لذا فإنه من الخطأ الذي لا يغتفر أن يساوَم على المبادىء الجوهرية تحت ذريعة دائمة من أن الآخرين غير جاهزين لاعتناقها. ليس هناك حقوق إنسان لأوروبا، وحقوق إنسان لإفريقيا، أو آسيا أو العالم الاسلامي. ما من شعب في الأرض وجد لأجل الاستعباد، أو لأجل الطغيان، أو الاستبداد، أو الجهل، أو الظلامية، ولا لأجل استعباد النساء. وكلما أهملنا هذه الحقيقة الأساسية نخون الانسانية ونخون أنفسنا.
كنت في براغ خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 1989، حينما ابتدأت التظاهرات ضد شاوشيسكو في بوخارست، وسرعان ما قامت في العاصمة التشيكية، التي تحررت مؤخراً بواسطة «الثورة المخملية»، حركة تضامن عفوية مع شعب رومانيا. فكتبت يد، بالانكليزية، على لوحة في جوار الكاتدرائية: «شاوشيسكو، لا مكان لك في أوروبا!». كان غضب الشخص المجهول الذي كتب هذا مشروعاً، لكن صياغة الشعار صدمتني، وكان بودي أن أسأله في أية قارة يمكن أن يوجد مكان لدكتاتور.
ما عبر عنه هذا الشخص بسذاجة هو للأسف موقف واسع الانتشار. فالدكتاتور غير المقبول في أوروبا يغدو مقبولاً حين يمارس هوايته في الجانب الآخر من البحر المتوسط. هل في هذا دليل على احترام الآخرين؟ إن فيه احتراماً للدكتاتور بلا ريب، وبالتالي احتقاراً للشعوب التي تعاني حكمه، كما للقيم التي يفترض بالديموقراطية أن ترفع لواءها.
سيرد بعضهم متسائلاً: «لكن أليس هذا هو الموقف الواقعي الوحيد؟» أنا لا أصدق ذلك. هذا العمل السيء ليس حتى مشروعاً ناجحاً. فتعريض الغرب صدقيته الأخلاقية للخطر يعني تعريض مكانته في العالم للخطر، وتعريض أمنه واستقراره وازدهاره للخطر بعد حين. كان يعتقد بالأمس أنه يمكن القيام بذلك دون عقاب؛ واليوم نعرف أن لكل ذلك ثمناً يجب دفعه، حتى الفواتير الأكثر قدماً. مرور الزمن فكرة اخترعها أهل القانون، ولا وجود لها في ذاكرة الشعوب؛ أو بمزيد من الدقة أقول: الشعوب التي تتدبر أمرها تلك التي تفلح في الخلاص من الفقر، والمذلة، والتهميش ــــــ تغفر في آخر الأمر، لكن دون أن تتخلص تماماً من مخاوفها؛ أما تلك التي لا تتدبر أمرها، فتجتر هذه العاهات إلى ما لا نهاية.
يقودني هذا إلى طرح السؤال الفاصل من جديد: هل حاولت الدول الغربية حقاً أن تنشر قيمها في مستعمراتها السابقة؟ لسوء الطالع، لا. إنها لم تقبل قط بأن يتحدث سكان البلاد «الأصليون» من رعاياها عن الحرية، والمساواة، والديموقراطية، وروح المبادرة، أو الوضع القانوني، بل إنها كانت دوماً تقمعهم حين يطالبون بها.
ولم يكن أمام النخب في البلدان المستقرة من خيار سوى انتزاع هذه القيم، ضد مشيئة المستعمر، واستعمالها ضده.
إن دراسة تفصيلية وهادئة للعصر الاستعماري لتبين أنه كان يوجد على الدوام بين الأوروبيين أشخاص خارقون ــــــ مديرون، عسكريون، مرسَلون، مثقفون، بضعة مستكشفين من أمثال سافورنيان برازا ــــــ كان لهم سلوك كريم، منصف، وبطولي بعض الأحيان، وبالتأكيد منسجم مع تعاليم إيمانهم كما مع مثل حضارتهم. ويحتفظ سكان المستعمرات أحياناً بذكريات طيبة عنهم؛ هذا ما يفسر بلا ريب امتناع أهل الكونغو عن تغيير اسم برازافيل.
غير أن هذا كان مجرد حالة استثنائية. فبوجه عام، كانت سياسة الدول تمليها شركات جشعة، ومستوطنون حريصون على امتيازاتهم وكان أخشى ما يخشونه هو تقدم «السكان الأصليين». وحين كان حاكم آت من الدولة المستعمرة يدعو، بين حين وآخر، إلى اعتماد سياسة أخرى، كان هؤلاء يحاولون التأثير فيه، أو يحاولون شراءه بالمال، أو تهديده؛ واذا ما تمسك بموقفه، كانوا يسعون إلى عزله؛ ووصل الأمر حتى إلى أن موظفاً اعتبر مثالياً فوجد مقتولاً بصورة غامضة. ومن المحتمل جداً أن يكون هذا ما جرى لبرازا...
كثيراً ما نسمع في بلدان الجنوب أن الغرب خسر «حتى» النخب الأكثر تمسكاً بالحداثة؛ هذه صياغة ناقصة إلى حد يجعلها مضللة. فالأصح كما يبدو لي هو القول بأن الغرب فقد النخب المتمسكة بالحداثة «خصوصاً» بينما وجد دائماً مع قوى التخلف تسويات، وحقول تفاهم، ومصالح متلاقية.
إن مأساة الغرب اليوم، كما بالأمس، ومنذ قرون، هي في أنه كان على الدوام حائراً بين رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليه، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما. لقد تكلم عن أنبل المبادىء في كل مكان، لكنه حرص على الامتناع عن تطبيقها في الأراضي التي غزاها.
لم يكن هذا مجرد تنافر سخيف بين المبادىء السياسية وتطبيقها على الأرض، بل كان تخلياً منهجياً عن المثل العليا المنادى بها، الأمر الذي أدى إلى إثارة ارتياب ثابت عند النخب الآسيوية، والأفريقية، والعربية، والأميركية اللاتينية، وحتى بالضبط عند العناصر التي كانت الأكثر إيماناً بقيم الغرب التي كانت قد اعتنقت مبادىء المساواة أمام القانون، وحرية الكلمة أو حرية التجمع. هذه النخب الداعية للحداثة هي التي كانت تصوغ المطالب الأكثر جرأة، فتتعرض دوماً للخيبة والمرارة، فيما كانت العناصر المتمسكة بالتقليد تتقبل الاستبدادية الاستعمارية بسهولة أكبر.
هذا الموعد الذي لم يتم يتبين اليوم أن ثمنه من أغلى الأثمان. فهو غال بالنسبة إلى الغرب لأنه يجد نفسه محروماً من وسائل اتصاله ببلدان الجنوب؛ وهو غال بالنسبة إلى شعوب الشرق لأنها تجد نفسها محرومة من حواشيها المعصرِنة، التي كان في وسعها أن تبني مجتمعات تتمع بالحرية والديموقراطية؛ وهو أكثر غلاءً من كل هذا بالنسبة إلى تلك الحواشي بالذات، إلى تلك الشعوب الحدودية، تلك الأمم الهجينة، إلى كل أولئك الذين كانوا يحملون في بلدان الجنوب ندوب الغرب، وكذلك أولئك الذين، نزحوا نحو الشمال ويحملون ندوب الجنوب. كل أولئك الذين كان بوسعهم، في زمن أفضل، أن يلعبوا دور نوتية العبور بامتياز وها هم الآن أولى الضحايا.
صفحة 10
8
من قد يستشف من كلامي هذا غضب امرىء أقلوي شرقي، فلن يرتكب سوى نصف خطأ. فأنا بالفعل أنتمي إلى هذا النوع السائر إلى الانقراض، وسأظل أرفض حتى النفس الأخير أن أرى من الطبيعي قيام عالم تضطر فيه جماعات عمرها آلاف السنين وحافظة لأقدم الحضارات الانسانية، أن ترحل تاركة وراءها أرضاً ورثتها عن أقدم الأسلاف طالبة اللجوء تحت سقف سحيق.
من الطبيعي أن تتحرك مشاعر الضحايا؛ ومن المقلق أن تكون الوحيدة التي تتحرك مشاعرها. مشكلة الأقليات ليست فقط مشكلة لهذه الأقليات. وما في الأمر ليس فقط ــــــ وأتجرأ على القول ــــــ مصير بضعة ملايين من الناس. ما في الأمر هو علة وجود حضارتنا وغائيتها. فإذا ما أفضت هذه الحضارة، بعد تطور مادي ومعنوي طويل، إلى مثل هذا «التطهير» الاثني والديني، فمعنى ذلك بجلاء أنها ضلت طريقها.
إن مصير الأقليات، بالنسبة إلى كل مجتمع، وبالنسبة إلى الانسانية جمعاء، ليس ملفاً كسائر الملفات، وإنما هو، بالاضافة إلى مصير النساء، أحد أصدق المؤشرات على التقدم الخلقي أو على التقهقر. وإن عالماً يتحسن فيه يومياً احترام التنوع البشري، حيث يمكن لكل شخص أن يتكلم اللغة التي اختارها، وأن يمارس معتقداته بسلام، ويؤكد أصوله بهدوء دون أن يتعرض للعداوة ولا للاحتقار من جانب السلطات كما من جانب الناس، إن عالماً كهذا هو عالم يتقدم، ويرتفع. وبالمقابل، إذا تغلبت التشنجات الهووية كما هي الحال اليوم في الغالبية الكبرى من البلدان، في شمال الكرة الأرضية كما في جنوبها، حيث يجد الانسان صعوبة متزايدة كل يوم في أن يكون هو نفسه بصفاء، وأن يتكلم لغته بحرية ويمارس إيمانه بحرية، فكيف يمكن أن لا نتكلم عن تقهقر؟
لقد أحسست بالقلق بنوع خاص، خلال سنة 2007، إزاء الأخطار التي تتعرض لها أقلية صغيرة طالتها العاصفة وباتت مهددة بالانقراض بعد فترة قصيرة، ألا وهي جماعة المانديين أو الصابئة، التي هي طائفة صغيرة، متكتمة، متواضعة، إلى حد يجعل وجودها معروفاً فقط عند قليل من الناس خارج العراق.
كنت أنا بالذات قد سمعت هذا الاسم لأول مرة سنة 1988، حين كنت أقوم بأبحاث حول ماني، مؤسس المانوية، وهو شخصية مدهشة عاش في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي. في أثناء بحثي عن وثائق تتعلق بفتوة الرجل وولادة مذهبه، عرفت أنه عاش أول سني حياته مع أبيه في أجمة نخيل على ضفاف دجلة، جنوبي بغداد الحالية، في كنف جماعة من أهل الغنوص تكرم القديس يوحنا المعمدان وتمارس، أسوة به، طقوس المعمودية بالماء. اكتشفت آنذاك بافتتان أن هذه الجماعة الفريدة، التي كان يمكن اعتبارها منقرضة منذ قرون، لا تزال باقية وتعيش في المكان إياه تقريباً، وتمارس طقوس المعمودية إياها في النهر إياه. بأية معجزة كان ذلك؟ أنا عاجز عن الاجابة. إن جزءاً من التفسير موجود في مقطع من القرآن يمنح «أهل الكتاب» مكانة خاصة، كاليهود أو النصارى أو الزرادشتيين، ويذكر أيضاً الصابئة وهذه تسمية تبدو مشتقة من جذر سامي يذكر بفكرة المعمودية بالماء. وتمكنت هذه الطائفة، باعتمادها على هذا الاعتراف، من أن تجتاز الأربعة عشر قرناً كيفما كان. لم يكن هذا يسيراً قط؛ كان يُغض النظر عن وجودها، لا أكثر، وكان عليها أن تكون دائماً متكتمة، الأمر الذي لم يكن كافياً على الدوام لحمايتها من الاضطهاد بين حين وآخر ومن الإهانات اليومية.
على طول تلك المرحلة، كان هؤلاء الناس متمسكين باسم «الصابئة» الذي يُذكّر جيرانهم المسلمين بما جاء عنهم في القرآن، ومتمسكين في الوقت ذاته باسم «المانديين» المشتق من جذر سامي يشير إلى فكرة «المعرفة» التي يقابلها الغنوص عند الاغريق. فتمكنوا تحت هذه التسمية المزدوجة من الحفاظ على إيمانهم وعلى تماسك طائفتهم؛ إلى ذلك، ورغم التزامهم بأن يكتبوا ويتكلموا بالعربية، استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم الخاصة بهم والتي يسميها الاختصاصيون اللغة «الماندية»، وهي أحد أشكال الآرامية، ويقال حتى إنها تحتوي على مفردات سومرية الأصل. وهي، على كل حال، لغة ذات آداب غير معروفة.
إن تمكن هذه الطائفة الغنوصية الأخيرة من البقاء حتى يومنا هذا أمر لا ينفك يثير في نفسي العجب والانفعال منذ عشرين سنة. وهو يماثل نوعاً ما فرضية العثور اليوم، في جنوب فرنسا، على الوادي الشديد الوعورة الذي يفترض أنه كان ملجأ طائفة الكاتار التي يقال إنها نجت بأعجوبة من الحروب المقدسة كما من الاضطهادات العادية، وظلت تمارس طقوسها بلغتها، لغة أوك.
لم أختر هذا المثال صدفة. فإننا حين نسعى إلى معرفة أصول مذهب الكاتار وسائر الحركات المستلهمة من المانوية والتي انتشرت في أوروبا بين القرنين العاشر والثالث عشر، كطائفة البوغوميل في بلغاريا وفي البوسنة، أو طائفة الباتاران في إيطاليا، إنما نجد مصدرها الأول في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي، في أجمة النخيل تلك الواقعة على ضفة نهر دجلة، حيث نشأ مذهب ماني.
من اليسير أن يفهم القارىء دوافع استنكاري حين عرفت، في آذار/مارس 2007، أن المانديين يواجهون الآن خطر الانقراض، لأنهم يعانون، كسائر العراقيين، مفاعيل الجنون القاتل الذي ينتاب هذه البلاد، وكذلك لأنه، في غمرة هذا الانفلات غير المسبوق للتزمت الديني، لم يعد حتى «الوازع القرآني» قادراً على حمايتهم. وراح خطباء متطرفون ينكرون عليهم الآن الصفة التي أعطاهم إياها كتاب الاسلام المقدس بكل وضوح؛ وفي الفالوجة، اعتنقت عائلاتهم المروّعة الاسلام مكرهة والسكين على نحرها؛ وفي بغداد كما في سائر أنحاء البلاد، طرد المانديون من وظائفهم، وهجروا من بيوتهم، ونهبت متاجرهم. وقد كتب إلى أحد ممثليهم يقول: «سبق لنا أن مررنا بألف محنة، لكن هذه قد تكون وبيلة. نحن مهددون بالزوال في وقت قريب». إن عددهم القليل من قبل، قد انهار من جديد. كان عددهم في العراق بكامله يناهز الثلاثين ألفاً، سنة 2002، وبعد أربع سنوات، لم يعد أكثر من ستة آلاف. وباتت جماعتهم مشتتة، مطاردة، يساورها الخوف والارتباك، ولا تستطيع أن تتجمع في أي مكان، ولا أن تمارس شعائر دينها؛ ولم يعودوا يعرفون حتى أين يدفنون موتاهم.
لقد تنادى بضعة أشخاص أخيراً لأجل مساعدتهم؛ وبوشر القيام بعمل غير معلن أتاح لمعظم العائلات أن تجد لها مكاناً تلجأ إليه ــــــ في أسوج بصورة رئيسية. على أنه لم يعد لهذه الطائفة سوى فرصة ضئيلة للبقاء بصفتها هذه. وبعد بضع سنوات، لن يعود هناك من يتكلم لغتها، ولا تعود طقوسها سوى شبه طقوس. وهكذا تكون ثقافة ألفية قد اندثرت أمام عيوننا، في جو من اللامبالاة.
توخيت من كلامي هنا عن المانديين أن أشير إلى أن مأساتهم تكشف، كما يلوح لي، عن الضلال الذي تغرق فيه حضارتنا. فأن تكون جماعة كهذه قد تمكنت من عبور الكثير من القرون حتى تأتي وتتلاشى أمامنا، لهو أمر يدل على مدى بربرية عصرنتا، وخصوصاً بربرية العالمين الثقافيين اللذين أنتمي إليهما، أي العالم العربي والغرب.
فالأول منهما يبدو اليوم عاجزاً عن تقبل ما كان يتقبله قبل خمسين سنة، أو مئة سنة، أو حتى ألف سنة. إن بعض الكتب التي نشرت في القاهرة خلال ثلاثينات القرن المنصرم هي اليوم ممنوعة بسبب كفرها؛ وإن بعض المناقشات التي كانت تدور في القرن التاسع في بغداد، وبحضور الخليفة، حول طبيعة القرآن، يتعذر حتى التفكير بها في أيامنا هذه في أية مدينة إسلامية، حتى داخل حرم جامعة. وحين أفكر بأن أحد أكابر الشعراء العرب القدامى معروف في العالم بلقب المتنبي لأنه في زمن شبابه طاف في العراق وفي شبه الجزيرة العربية مدعياً النبوة! في ذلك الزمن، أي القرن العاشر، كان الأمر يقابل بهز الكتفين، والسخرية، وتقطيب الحاجبين، لكنه لم يمنع المؤمنين من الاستماع إلى الشاعر والاعجاب بموهبته؛ ولو أنه فعل هذا اليوم لكان مصيره الشنق أو قطع الرأس دونما حاجة إلى الشكليات.
البربرية في الغرب ليس قوامها التشدد والظلامية، بل الغطرسة وقساوة القلب. فالجيش الأميركي تدفق على بلاد ما بين النهرين العريقة في القدم كفرس ماء يسرح ويمرح وسط حقل من الخزامى. وباسم الحرية والديموقراطية، راح يهدم ويقتل. وبعد ذلك، بعد سقوط سبعماية ألف قتيل، سينسحب وتصدر عنه كلمة اعتذار غامضة. لقد أنفق حوالى ثلاثة تريليونات دولار، وحوالى ضعفي وحتى ثلاثة أضعاف هذا الرقم حسب تقديرات أخرى، لكن البلاد التي احتُلت أفقر من ذي قبل. لقد شاؤوا أن يحاربوا الارهاب، لكن هذا مزدهر اليوم أكثر منه في أي وقت مضى. لقد وضعوا في الواجهة إيمان الرئيس بوش المسيحي، فبات صليب كل كنيسة اليوم مشتبهاً بتعاونه مع المحتل. لقد زعموا أنهم يقيمون الديموقراطية، لكنهم توسلوا ذلك على نحو جعل حتى فكرة الديموقراطية موضوع جرسة إلى أمد بعيد.
ستبل أميركا من جرحها العراقي. لكن العراق لن يبل من جرحه الأميركي. ستفقد طوائفه الأكثر عدداً مئات آلاف الموتى أيضاً؛ أما طوائفه الأضعف فلن تجد أبداً المكان الذي كان لها فيه؛ هذا لا يعني المانديين واليزيديين وحدهم، بل يشمل أيضاً الأشوريين ــــــ الكلدانيين الذين يكفي أن نلفظ اسمهم حتى نتذكر لحظات رائعة في مغامرتنا الانسانية العظيمة. إن مصير كل هذه الأقليات قد تقرر اليوم؛ فهي في أفضل الحالات ستواصل مسيرتها التاريخية في أرض لجوئها البعيدة؛ وفي أسوأ الحالات ستباد على أرضها، مسحوقة بين فكي البربرية الراهنة المتنافرين.
من قد يستشف من كلامي هذا غضب امرىء أقلوي شرقي، فلن يرتكب سوى نصف خطأ. فأنا بالفعل أنتمي إلى هذا النوع السائر إلى الانقراض، وسأظل أرفض حتى النفس الأخير أن أرى من الطبيعي قيام عالم تضطر فيه جماعات عمرها آلاف السنين وحافظة لأقدم الحضارات الانسانية، أن ترحل تاركة وراءها أرضاً ورثتها عن أقدم الأسلاف طالبة اللجوء تحت سقف سحيق.
من الطبيعي أن تتحرك مشاعر الضحايا؛ ومن المقلق أن تكون الوحيدة التي تتحرك مشاعرها. مشكلة الأقليات ليست فقط مشكلة لهذه الأقليات. وما في الأمر ليس فقط ــــــ وأتجرأ على القول ــــــ مصير بضعة ملايين من الناس. ما في الأمر هو علة وجود حضارتنا وغائيتها. فإذا ما أفضت هذه الحضارة، بعد تطور مادي ومعنوي طويل، إلى مثل هذا «التطهير» الاثني والديني، فمعنى ذلك بجلاء أنها ضلت طريقها.
إن مصير الأقليات، بالنسبة إلى كل مجتمع، وبالنسبة إلى الانسانية جمعاء، ليس ملفاً كسائر الملفات، وإنما هو، بالاضافة إلى مصير النساء، أحد أصدق المؤشرات على التقدم الخلقي أو على التقهقر. وإن عالماً يتحسن فيه يومياً احترام التنوع البشري، حيث يمكن لكل شخص أن يتكلم اللغة التي اختارها، وأن يمارس معتقداته بسلام، ويؤكد أصوله بهدوء دون أن يتعرض للعداوة ولا للاحتقار من جانب السلطات كما من جانب الناس، إن عالماً كهذا هو عالم يتقدم، ويرتفع. وبالمقابل، إذا تغلبت التشنجات الهووية كما هي الحال اليوم في الغالبية الكبرى من البلدان، في شمال الكرة الأرضية كما في جنوبها، حيث يجد الانسان صعوبة متزايدة كل يوم في أن يكون هو نفسه بصفاء، وأن يتكلم لغته بحرية ويمارس إيمانه بحرية، فكيف يمكن أن لا نتكلم عن تقهقر؟
لقد أحسست بالقلق بنوع خاص، خلال سنة 2007، إزاء الأخطار التي تتعرض لها أقلية صغيرة طالتها العاصفة وباتت مهددة بالانقراض بعد فترة قصيرة، ألا وهي جماعة المانديين أو الصابئة، التي هي طائفة صغيرة، متكتمة، متواضعة، إلى حد يجعل وجودها معروفاً فقط عند قليل من الناس خارج العراق.
كنت أنا بالذات قد سمعت هذا الاسم لأول مرة سنة 1988، حين كنت أقوم بأبحاث حول ماني، مؤسس المانوية، وهو شخصية مدهشة عاش في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي. في أثناء بحثي عن وثائق تتعلق بفتوة الرجل وولادة مذهبه، عرفت أنه عاش أول سني حياته مع أبيه في أجمة نخيل على ضفاف دجلة، جنوبي بغداد الحالية، في كنف جماعة من أهل الغنوص تكرم القديس يوحنا المعمدان وتمارس، أسوة به، طقوس المعمودية بالماء. اكتشفت آنذاك بافتتان أن هذه الجماعة الفريدة، التي كان يمكن اعتبارها منقرضة منذ قرون، لا تزال باقية وتعيش في المكان إياه تقريباً، وتمارس طقوس المعمودية إياها في النهر إياه. بأية معجزة كان ذلك؟ أنا عاجز عن الاجابة. إن جزءاً من التفسير موجود في مقطع من القرآن يمنح «أهل الكتاب» مكانة خاصة، كاليهود أو النصارى أو الزرادشتيين، ويذكر أيضاً الصابئة وهذه تسمية تبدو مشتقة من جذر سامي يذكر بفكرة المعمودية بالماء. وتمكنت هذه الطائفة، باعتمادها على هذا الاعتراف، من أن تجتاز الأربعة عشر قرناً كيفما كان. لم يكن هذا يسيراً قط؛ كان يُغض النظر عن وجودها، لا أكثر، وكان عليها أن تكون دائماً متكتمة، الأمر الذي لم يكن كافياً على الدوام لحمايتها من الاضطهاد بين حين وآخر ومن الإهانات اليومية.
على طول تلك المرحلة، كان هؤلاء الناس متمسكين باسم «الصابئة» الذي يُذكّر جيرانهم المسلمين بما جاء عنهم في القرآن، ومتمسكين في الوقت ذاته باسم «المانديين» المشتق من جذر سامي يشير إلى فكرة «المعرفة» التي يقابلها الغنوص عند الاغريق. فتمكنوا تحت هذه التسمية المزدوجة من الحفاظ على إيمانهم وعلى تماسك طائفتهم؛ إلى ذلك، ورغم التزامهم بأن يكتبوا ويتكلموا بالعربية، استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم الخاصة بهم والتي يسميها الاختصاصيون اللغة «الماندية»، وهي أحد أشكال الآرامية، ويقال حتى إنها تحتوي على مفردات سومرية الأصل. وهي، على كل حال، لغة ذات آداب غير معروفة.
إن تمكن هذه الطائفة الغنوصية الأخيرة من البقاء حتى يومنا هذا أمر لا ينفك يثير في نفسي العجب والانفعال منذ عشرين سنة. وهو يماثل نوعاً ما فرضية العثور اليوم، في جنوب فرنسا، على الوادي الشديد الوعورة الذي يفترض أنه كان ملجأ طائفة الكاتار التي يقال إنها نجت بأعجوبة من الحروب المقدسة كما من الاضطهادات العادية، وظلت تمارس طقوسها بلغتها، لغة أوك.
لم أختر هذا المثال صدفة. فإننا حين نسعى إلى معرفة أصول مذهب الكاتار وسائر الحركات المستلهمة من المانوية والتي انتشرت في أوروبا بين القرنين العاشر والثالث عشر، كطائفة البوغوميل في بلغاريا وفي البوسنة، أو طائفة الباتاران في إيطاليا، إنما نجد مصدرها الأول في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي، في أجمة النخيل تلك الواقعة على ضفة نهر دجلة، حيث نشأ مذهب ماني.
من اليسير أن يفهم القارىء دوافع استنكاري حين عرفت، في آذار/مارس 2007، أن المانديين يواجهون الآن خطر الانقراض، لأنهم يعانون، كسائر العراقيين، مفاعيل الجنون القاتل الذي ينتاب هذه البلاد، وكذلك لأنه، في غمرة هذا الانفلات غير المسبوق للتزمت الديني، لم يعد حتى «الوازع القرآني» قادراً على حمايتهم. وراح خطباء متطرفون ينكرون عليهم الآن الصفة التي أعطاهم إياها كتاب الاسلام المقدس بكل وضوح؛ وفي الفالوجة، اعتنقت عائلاتهم المروّعة الاسلام مكرهة والسكين على نحرها؛ وفي بغداد كما في سائر أنحاء البلاد، طرد المانديون من وظائفهم، وهجروا من بيوتهم، ونهبت متاجرهم. وقد كتب إلى أحد ممثليهم يقول: «سبق لنا أن مررنا بألف محنة، لكن هذه قد تكون وبيلة. نحن مهددون بالزوال في وقت قريب». إن عددهم القليل من قبل، قد انهار من جديد. كان عددهم في العراق بكامله يناهز الثلاثين ألفاً، سنة 2002، وبعد أربع سنوات، لم يعد أكثر من ستة آلاف. وباتت جماعتهم مشتتة، مطاردة، يساورها الخوف والارتباك، ولا تستطيع أن تتجمع في أي مكان، ولا أن تمارس شعائر دينها؛ ولم يعودوا يعرفون حتى أين يدفنون موتاهم.
لقد تنادى بضعة أشخاص أخيراً لأجل مساعدتهم؛ وبوشر القيام بعمل غير معلن أتاح لمعظم العائلات أن تجد لها مكاناً تلجأ إليه ــــــ في أسوج بصورة رئيسية. على أنه لم يعد لهذه الطائفة سوى فرصة ضئيلة للبقاء بصفتها هذه. وبعد بضع سنوات، لن يعود هناك من يتكلم لغتها، ولا تعود طقوسها سوى شبه طقوس. وهكذا تكون ثقافة ألفية قد اندثرت أمام عيوننا، في جو من اللامبالاة.
توخيت من كلامي هنا عن المانديين أن أشير إلى أن مأساتهم تكشف، كما يلوح لي، عن الضلال الذي تغرق فيه حضارتنا. فأن تكون جماعة كهذه قد تمكنت من عبور الكثير من القرون حتى تأتي وتتلاشى أمامنا، لهو أمر يدل على مدى بربرية عصرنتا، وخصوصاً بربرية العالمين الثقافيين اللذين أنتمي إليهما، أي العالم العربي والغرب.
فالأول منهما يبدو اليوم عاجزاً عن تقبل ما كان يتقبله قبل خمسين سنة، أو مئة سنة، أو حتى ألف سنة. إن بعض الكتب التي نشرت في القاهرة خلال ثلاثينات القرن المنصرم هي اليوم ممنوعة بسبب كفرها؛ وإن بعض المناقشات التي كانت تدور في القرن التاسع في بغداد، وبحضور الخليفة، حول طبيعة القرآن، يتعذر حتى التفكير بها في أيامنا هذه في أية مدينة إسلامية، حتى داخل حرم جامعة. وحين أفكر بأن أحد أكابر الشعراء العرب القدامى معروف في العالم بلقب المتنبي لأنه في زمن شبابه طاف في العراق وفي شبه الجزيرة العربية مدعياً النبوة! في ذلك الزمن، أي القرن العاشر، كان الأمر يقابل بهز الكتفين، والسخرية، وتقطيب الحاجبين، لكنه لم يمنع المؤمنين من الاستماع إلى الشاعر والاعجاب بموهبته؛ ولو أنه فعل هذا اليوم لكان مصيره الشنق أو قطع الرأس دونما حاجة إلى الشكليات.
البربرية في الغرب ليس قوامها التشدد والظلامية، بل الغطرسة وقساوة القلب. فالجيش الأميركي تدفق على بلاد ما بين النهرين العريقة في القدم كفرس ماء يسرح ويمرح وسط حقل من الخزامى. وباسم الحرية والديموقراطية، راح يهدم ويقتل. وبعد ذلك، بعد سقوط سبعماية ألف قتيل، سينسحب وتصدر عنه كلمة اعتذار غامضة. لقد أنفق حوالى ثلاثة تريليونات دولار، وحوالى ضعفي وحتى ثلاثة أضعاف هذا الرقم حسب تقديرات أخرى، لكن البلاد التي احتُلت أفقر من ذي قبل. لقد شاؤوا أن يحاربوا الارهاب، لكن هذا مزدهر اليوم أكثر منه في أي وقت مضى. لقد وضعوا في الواجهة إيمان الرئيس بوش المسيحي، فبات صليب كل كنيسة اليوم مشتبهاً بتعاونه مع المحتل. لقد زعموا أنهم يقيمون الديموقراطية، لكنهم توسلوا ذلك على نحو جعل حتى فكرة الديموقراطية موضوع جرسة إلى أمد بعيد.
ستبل أميركا من جرحها العراقي. لكن العراق لن يبل من جرحه الأميركي. ستفقد طوائفه الأكثر عدداً مئات آلاف الموتى أيضاً؛ أما طوائفه الأضعف فلن تجد أبداً المكان الذي كان لها فيه؛ هذا لا يعني المانديين واليزيديين وحدهم، بل يشمل أيضاً الأشوريين ــــــ الكلدانيين الذين يكفي أن نلفظ اسمهم حتى نتذكر لحظات رائعة في مغامرتنا الانسانية العظيمة. إن مصير كل هذه الأقليات قد تقرر اليوم؛ فهي في أفضل الحالات ستواصل مسيرتها التاريخية في أرض لجوئها البعيدة؛ وفي أسوأ الحالات ستباد على أرضها، مسحوقة بين فكي البربرية الراهنة المتنافرين.