eKtab
EN ع
أقنعة الحداثة - دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر
اقرأ عينة مجانية

أقنعة الحداثة - دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر

بقلم عقيل مهدي يوسف

صفحة 1

مقدمـــــــة

في تاريخ الفن المعاصر وأقنعته الشكلانيـــة

يتطلع الباحـث والطالب وكل متذوق للفنون للبحث عن النتاجـات الفنيـة التي تحفــزه روحياً وجماليـاً وتستوقفـه فيها طبيعة تجربتهاالمتفردة وأي قنـاع يرتسم على ملامحها . بعد انقـلاب أسس الفــن وعناصره ، وتغيــرَ أنسقتـه التقليديــة ولكي يتكرس النـــظام الإبداعـي وتخف صدمات الحداثـة ونقـوى على فرز الجديد الشرعي عن الزائف لابـد لنا ان نعيد إنتـاج أسئلتنــا القلقــــة ،حول علاقـة الفنيّ بالتاريخي وما الذي تعنيـه(وجهة النظر) و(الحروب الكارثيــة) وكيف يختلف ( تأويـل) النتـاج الفنــي الواحـد ، لما أنجزه كبـار الفنانيـن المرموقين من رواد الحداثــة وهم ينقلبـون على الثوابـت التيقينيـة، وأهـداف المذاهب التقليديـة وهل كانت ( الأقنعــة ) نمطية تشمل الجميـع أم إن لكل فنـان وباحث قناعـه الذاتــي الخاص وكل هــذه التسـاؤلات ستصب في فروع الفـن التي تحث المتلقــي على مواصلة التأمـل في مجرى تطور الفنـون، وكيفية تراسلهـــا مع العلوم في عصر الفضــاء والعولمة والقوى الضاغطــة.

الفصل الأول

تاريخ الفن وتأرخته

بنيـة الإطار والمحتــوى

قد يعتبر المعنيون بالفن، وقضايا الإبداع، إن التاريخ يبقى إطاراً خارجياً يحيط بضفاف النتاجات الفنية، ولا يعبر عن أسرارها أو يكشف عن تقنياتها وهذا هو عين الصواب، لأن التاريخ، يضم بين دفتيه، الحوادث والأشخاص وأحوال الأمم، وتقلبات مصائرها، بين الحرب والسلام، ولا شأن له بها (أي الفنون) لكنه، يسجل – أيضا- ما يقوم به (الفنان) فرداً أو جماعة من جهود فنية، إبداعية أو تستوقفه هذه الآثار المعمارية منها، أو التشكيلية أو الأدبية، وحتى الأغاني والمسموعات، والألحان، والقصص والمسامرات فينقلها الجيل الحالي عن سابقه، ليحافظ على هذا الإرث السمعي، ويدونه بطرائقه الخاصة فيأتي (المؤرخ) ليسجل حتى هذه الوقائع الصوتية كالموسيقى الالكترونية – مثلاً- بطريقة (طبقية) تخص المرحلة التي يؤرخها .

سياقات التطور التأريخي

مازالت الفنون تضيف الجديد إلى فنونها البدائية منذ ما كان يسمى بمراحل ما قبل التاريخ، وعبر فنون بابل، ومصر، واليونان، والصين، والهند والازتيك وسواها، وحتى يومنا المعاصر هذا .

إن (التاريخ) هو عملية تسجيل يقوم بها (المؤرخ) وهو يرصد حدثا من الأحداث التي يمّر بها مجتمع ما، في حقبة زمنية معيّنة مثل: احتلال نابليون لمصر، أو تبيّن أحوال ألمانيا غداة الحرب العالمية الثانية، هجوم قوات التحالف على بغداد في أبريل/ نيسان 2003 ولانعدم الشعور بتلك (النزعة التاريخية) في الفن، إذ تصادفنا الدراسات المتنوعة الخاصة بالنتاجات الفنية، وبالمبدعين من الفنانين، وطبائعهم، وارتباط مآثر الفنان بعصره، من حيث العلاقة القائمة ما بين هذا الفن وما يحيطه من أبعاد نفسية ودينية، واجتماعيـة، وفكرية، وسياسية.

تاريخ الفــــن :

أما تاريخ الفن (فانه يعني بذلك التطور التركيبي الحاصل في (طبيعة) الفن و(بنيته) و(أسلوبه) و(أجناسه)، و(تشعباته) المختلفة والمتباعدة الأهداف والدلالات .

يحاول(تاريخ الفن) أن يربط (الروائع) الفنية وفق تسلسل خاص، وبصيغة (تطورية) فالفنان، يستثمر وسائله، ووسائطه المادية لإثارة الشعور بالجمال عند متلقيه، من خلال، التصوير، النحت، النقش، التزيين، العمارة الإذاعة الموسيقى، المسرح، السينما، الرقص، الأدب، الخزف، الخط والزخرفة الأشغال اليدوية، التصميم (الصناعي، الطباعي، الداخلي، الأقمشة،، أغلفة الكتب) والفنون التطبيقيـة وكل ما يخص مرئيات الفنون ومسموعاتها ومحركاتها (أي خطوطها وألوانها وحركاتها وأصواتها وألفاظها).

صفحة 2

قواعــد الفــن

يخضع الفن لقوانين، خاصة، تضبط آليته، بغرض تحقيق غايتــه التقنيـة الخاصة، وإيصال معانيه في تحصيل (الجمال والخير والحق) فالفن فاعلية أو نشاط إنساني خلاق، يؤدي إلى إبداع عالم تخيلي يتكون من (صور فنية) تجسد نظرة جمالية للواقع الموضوعي، من منطلق رؤية الفنان الملموسة لهذا الواقع، وفق مرجعيات محدّدة في سبيل الوصول إلى (الحقيقة) الفنية من خلال مقاربات الفن النسبية وما تعبر فيه من حالات (وجدانية) يمتزج فيها الانفعال الجمالي، بالفكري والعاطفي، إنها تعكس الجانب الروحي والجمالي للفنان، ولا بمعنى تقليد الظواهر، وإنما بناء ظاهرة فنية جديدة، لها كينونتها المتفردة فمسلة حمورابي مثلا لا تشبه آثار تل العمارنة النحتية في مصر ويختلف نصب الحرية لجواد سليم عن أعمال (الباوهاوس).

أنـواع الفنـــون

تحيلنا الصورة الفنية في (بنيتها) وهندسة معمارها إلى طبيعة تلك (المادة) التي استخدمت فيها، وطبيعة علاقات العناصر وحركتها في تشكيل (شكلا) خاصا بها وكيفية (التعبير) عن الخطاب الفني، ضمن نسقها الخاص. مثلا، تظهر منذ القدم، ومازالت نزعة مضاهاة الواقع الحياتي، بمظهره الخارجي، وهي ما سميت بفنون (المحاكاة) لأنها، تصور ظواهر الحياة من خلال تمظهراتها الخارجية المباشرة، وأدلّ شاهد عليها، هي فنون (الفوتوغراف) التي تسمى بــ(الايقونية) لأنها تشبه الأصل الذي حاولت أن تنقله وبخلاف (المحاكاة) تظهر فنون (شكلية) مفارقة للمضامين والأشكال التقليدية المعروفة، لأنها تصدر عن مرجعيات مغايرة، تخص (رؤيته) الفردية والمتفردة، أكثر مما تقف عند المضامين العامة الخاصة بالعواطف والأحاسيس والأفكار الاجتماعية التقليدية، لطبائع الناس ومظاهر الحياة ولبوس الأحداث.

امتدادات الفنــون

تعتبر الفنون امتداداً لحواسنا الخمسة، حيث يلعب الجانب (البصري) دوراً رئيسياً في تقسيم الفنون عند تلقينا الجمالي لها. فالفنون (المكانية) تخص علاقة (الكتلة) الفنية بالواقع الموضوعي، مثل علاقة فنون المعمار (ومنه المعمار الإسلامي بطرزه المختلفة ...) بالموقع، والساحة، والشارع، والفضاء المحيط بها من مدن تجارية أو صناعية أو ريفيـة أو بحرية وكذلك فنون (النحت) والخزف (السيراميك) والفنون الحرفية الأخرى وهناك – أيضا- فنون (زمانية) تتعلق تكويناتها غير المنظورة بقدرة الأذن على التقاط الذبذبات المسموعة، وتكوين (هيكل) مترابط من خلال (آنات) الزمان وفواصله، وهندسة مساره الإيقاعي واللحني وفق تخيل خاص، مثل (الموسيقى) والغناء، وكذلك ما يخص إيقاعات (الشعر) .

صفحة 3

تحول الأزمنة والأمكنـة

وفي (المسرح) يجتمع (المكان) و(الزمان) وهما يتحولان أمام عيون الصالة لان العرض المسرحي يقوم على تفاعل الكتل الخاصة بالمنظر والأدوات (الإكسسوارات) والممثلين، والإضاءة، وطرز الأثاث وتفصيلات الأزياء، وطبيعة معمار المسرح، وفضاء الخشبة، (إيطالية، دائرية، دوارة آلية شاقولية، مستعرضة، طائرة فوق رؤوس المتفرجين، ضوئية (ليزرية) وسوى ذلك من فضاءات مفتوحة، وكذلك تضاف (الحركة) إلى تلك الجوانب الإطارية (الزمانية، والمكانية) وللسينما مثل هذا الضم والجمع للمكان والزمان والحركة، ولكن وفق معالجات خاصة تتحكم فيها طبيعة (الفلم) ووسائطه، وحركة الكاميرا، والمونتاج، والسيناريو، ونوع الشاشة وتكويناتها التشكيلية، وأساليب الإخراج، وخامة الممثلين التكوينية والجسمانية .

وظيفة الفــن

يعكس (الفن) في الغالب الواقع الخارجي للمحيط و(البيئة) أي يعيد إنتاج الظواهر الطبيعية، والصراعات الاجتماعية والحالة الاقتصادية، والتشكيلات الثقافية، من خلال نتاجاته المتباينة المعتمدة على القوة الخيلية وهو يعبر عن دور تربوي خاص به، حين تكون مهمته توجيه رسائل تربوية، وإرشادية للمتلقي ويمتص صدمات نفوره، وتمرده، على واقعه ليتيح له مزيدا من احتمالات التكيف مع مجتمعه الخاص، في تقلباته، وتغيراته، وابتعاده عن سكونيته المتوارثة (من أنظمة اجتماعية وتاريخية سالفة، أو سياسات، وقادة متخلفين) وللفن كذلك (موقفا) خاصاً به، من هذا الواقع الموضوعي، حين يكشف عن المخفي، أو (المسكوت عنه) لهذا الواقع، بحيث يتيح إمكانية رفض هذه الظاهرة، أو تلك، أو الدفاع عنها، والعمل على ترسيخها وتثمينها بعد أن يتم إخراجها للعلن، وإشهارها أمام الجمهور بقوة الفن، ووظيفته الخلاقة.

اختراق القيـم

ومن حيث (القيم) الفاضلة، يرسخ النتاج الفني، ويقترح مثالاً حياّ عن الجمال، ويحث الناس على استلهام ما يمثله النموذج الفني، المبهر والجذاب من مآثر إنسانية يقتدى بها، مثل هذا التعزيز الايجابي، يضعف التعلق بتلك النماذج السلبية الأخرى المدانة، ويسهل حذفها ونسيانها لأنها باتت من أشباح الماضي المريض، وينبغي أن يتم اختراقها وإعادة بنائها مجدداً (ربما تتفق الفنون منذ القدم مع الفنون المعاصرة برفض الخداع، والحروب، والاستغلال، والاضطهاد واحتكار السلطات بيد فئة ظالمة، وسحق الأكثرية العامة من الناس تحت أية ذريعة كانت، تتخفى خلف أقنعة مقدسة، أو مدنسة).

فالجوانب الظلامية، والصفراء والباهتة من الحياة مرفوضة من قبل الضمائر الحية من الفنانين المبرزين، وكبار المبدعين في شتى الفنون وهم يثبتون (أقنعة متخيلة جديدة، ويذبحون ذلك الجمود و(التصلب) في سحنات قديمة بالية).

صفحة 4

الرؤيـة الفنيـــة

وتمثل (رؤيـة) الفنان، قدرته على صياغة حركة عناصره التكوينية والشكلانية للنتاج واجتلابها من عالم المخيلة الجامحة والمشاكسة إلى عالم الواقع الموضوعي وهي التي تدفع بحركة العلامات إلي بث خطابات يتأولها (المتلقي) بما تثيره لديه من انفعالات، وأحاسيس ومشاعر وعواطف، ترتبط بتعبيرات محددةّ، وخاصة بكل متفرج على انفراد، وبالذات الوقت بما تثيره فيهم مجتمعين من(مناخ) سائد يشمل الجميع، تحت تأثير طاقة النتاج، وقوته التخيلية على الطرف الماكث في صالة المسرح والسينما أو نوادي الموسيقى أو القاعات التشكيلية (الجالسري) أو فيما تبنيه من نماذج العمارات وتصاميم الفنون التطبيقية وأثاث الشوارع وتشكيل واقتطاع فضاءات المدن، وتوزيع المنتجعات وخطوط المواصلات وابتكار مراكب الفضاء، وأجهزة الحواسيب، وخطوط الانترنت، وأسلحة الدمار الشامل.

خطاب الفـن

إن كل ما ينقله الفن من رسائل صافية أو خطابات فنية ومصنوعة بطريقة حاذقة، ومحفزة، يتقبلها الجمهور بطريقة واعية أو لا شعورية، فترهف من حساسيته وتصقل ذوقه وتغني أفكاره، وتجدد من عاداته، وللفن، فضلا عن وظيفته الجمالية والمعرفية والنقدية دوراً (آيدلوجياً) سياسيا، يتداخل في أبعاد تلك التجربة الفنية، ويحرض كتل الناس للانخراط في مسيرة نضالية أو كفاحية متميزة، ويلقنهم الحلول باتخاذ وجهة نظر أو ممارسة حياتية، بما يوحيه لهم من تعزيز وغبطة بخط الحياة التقدمي والإنساني، من غير أن يفارق النتاج الفني، شكله الإبداعي وصياغته الفنية المدروسة بدقة، واجتهاد. ويمكن القول، إن العالم كان متخلفا قبل اختراع (البنسلين) بمثل تخلفه قبل مشاهدة لوحات (بابلوبيكاسو) تماماً.

ويبدو أن تقدمية الحياة والفن تدخل في هذا الإطار، أي التقدم بالاكتشاف ومن خلال الاكتشاف (أي الإبداع) نفسه.

موقف الإنســان

موقف الإنسان من الحياة، محكوم بوضعه الطبقي وانحداره العائلي، ويصدر في تصرفاته اليومية من هذه المرجعية الاجتماعية التي تميز عاداته عن سواه، وترسم طبيعة ميوله، وتفضيلاته ومنبوذاته، من أفكار وقيم ومظاهر سلوك، فينحاز السوي إلى العلاقات القائمة على العدل والأنصاف والتعاون، ويشجب الاستغلال والضغائن والثأر المقيت، لأن الإنسان الحقيقي الجدير بقيم الحياة العليا، هو من يتحلى بالفضائل الحضارية، المتطورة، الراقية، بخلاف آخر ينتكس وعيه، فيقوم بتخيلاته الزائفة لكي يرجع إلى الماضي محاولاً تلميعها وإسقاط فروض مفتعلة عليها فيضيع على مجتمعه فرصة التطور ومواكبة الأفكار التي تثيرها مشكلات العصر، وتحديات المستقبل، لذلك يبقى موقف الفنان تقدمياً واكتشافياً حتى بالتفاته للماضي، لأنه يؤطر رؤيته بأبعاد جديدة، صادرة من موقف راهن يخدم فيه حساسية العصر وأفكاره.

صفحة 5

وجهـة النظـر

للفنان منظوره الجمالي، الذي يشكل (بؤرة)خاصة، تتحكم باتجاهات العمل الفني، وتنبث في تضاعيفه المتفردة، فالفنان يجسم رؤيته الخاصة للحياة من خلال أسلوبه الفني، ويمكن التعرف على وحدات دلالية تخص الخير والشر وعلاقة العدالة بالظلم، وصراع الفقر مع الغنى، والتعاون والتناحر، والسلم والحرب، والتقدم والتراجع، يمكن التعرف على ذلك وسواه في نتاجات المبدعين الخالدين، الذين أثروا مسيرة الإنسان الحضارية، بروائع فنونهم الشامخة، وبالطبع أن التحدي الجمالي والفني والأسلوبي، ينزاح بالمضامين ليخلق لغته الفنية المبتكرة في عمل منجز خاص، يحتكم إلى قوانين جمالية من نوع متميز، يتضح فيه مسار الجمال ويتقاطع مع القبح، ويبارك السمو في الفن، ويدين المبتذل ويعني بالمأساوي (التراجيدي) وبالهزلي (الكوميدي) ومابين الجاد والهازل العابث بتصميماتها الفنية الرامزة والمعبرة والمبتكرة كالروائية والسريالية والآلية التركيبية، والتكوينية (البنائية) والتكعيبية وفنون ما بعد الحداثة .

سلالم التطـور

ورث المسار التأريخي للفنون، ثورات وقفزات تهز من الثوابت التقليدية، وتعزز متغيرات متنامية ولو نظرنا إلى واقع الفنون المسماة ب(الحديثة) فإننا سنرى أنها لن تكون كذلك من غير ذلك التاريخ الطويل الذي استجلبها إلى عالم الحضور المرئي والملموس والمشخص، لقد ورثت فنونا محدثة – إذن – تقاليدها وقوانينها الجمالية، من خلال مرورها بمراحل تاريخية مختلفة، وما أفرزته الممارسة التطبيقية من معاناة مع المادة الخام وتشكل (الحروب) ذاكرة دموية، تهزّ من استقرار الشعوب وتتحدى أمنها واستقرارها، وتعرضها للفناء والاندثار وفي تاريخ البشرية القريب، في القرن الماضي، من القرن العشرين وحتى في مطلع هذا القرن الواحد والعشرين عرفت الشعوب حروباً وحشية ضارية، لم يسبق للناس مكابدة مثل أهوالها وفواجعها . وقد تميز (الفنان) (بوصفه ممثلاً لأنصع الضمائر، وأكثرها أحساساً بالمسؤولية أمام تساؤلات التاريخ المصيرية).

بذلك العطاء الخصب والحيوي والمبتكر في مجابهة الموت المجاني الذي تذروه رياح الحروب وسمومها.

الانعطاف الأسلوبي الكبير

حدث الانعطاف الأكبر في أساليب الفنون المبتكرة بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وكذلك حدث تحولاً جذرياً آخر في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وفي الفترة الممتدة مابين هاتين الحربين المروعتين حصلت تغيرات كبرى، لتعزز من موقف الفنان ومسؤوليته تجاه عالمه الأرضي وتستحثه على مجابهة الفكرة القديمة العدوانية، بالفكرة الجديدة المبدعة، هذا النوع من المقارعة السلمية، حمل على جناحيه مديات جديدة من الحرية حفزته للانقلاب على القوانين الكلاسيكية، فنبذ ما كان يعتبر مستقراً مــــثل (الوحدة الذهبية) في الفنون التشكيلية وقانون الوحدات الثلاث في الدراما (وحدة الزمان، والمكان، والموضوع) فالفنان الحديث أنتج فنوناً ذات طبائع وأنسقة مغايرة لأسلافه من الفنانين، فنون معاكسة للفنون القديمة، ومضادة لها، ومدمرة في أحيان خاصة، لتقنّعها القديم، ومقترحة لأقنعة معاصرة جديدة .

صفحة 6

الحروب والكوارث

استفاق الفنان غداة الحروب العالمية في القرن العشرين وكوارثها على أشلاء مدنه ومجتمعاته، ورصد التناقض في الأفكار والتصارع بين قواها وكتلها السياسية فاتخذ لنفسه مساراً خاصاً، ليعبر عن امتعاضه لعنف الواقع الدموي، الوحشي، وليلوذ في حصن ذاته الداخلية، لتعصمه من ويلات عصر الجنون الذي يوظف ماكنته العملاقة لطحن الإنسان، وهرس كينونته وبعده البشري. فقام – مثلا- الفنان (كاندنسكي) بتجاوز الحدود الفارقة بين المضحك والمبكي، ليقدم لوحة في عام (1915) تمزج مابين الجد والهزل أما الفنان الفضائحي – الآخر- وهو (دوشامب) فقدم في معرضه (مبولة) تحت عنوان(الينبوع) !! فنقل أشياء عادية وتافهة من دورة المياه ليضعها في معرض وبمكان بارز وكأنها تحفة فنية نادرة ساخراً من الذوق البرجوازي لمجتمعه، بنحته الجديد المغاير للروائع الإغريقية والرومانية في (النحت) بمثل ما صنع مع لوحة الموناليزا حين مسخ وجهها (بشارب)!!

أسئلـــة الفصــل الأول

س1: ما المقصود بأن (التاريخ) يبقى إطاراً خارجياً ؟

س2: هل توافق على أن (التاريخ) هو عملية تسجيل يقوم بها المؤرخ؟

س3: ما معنى (النزعة التأريخيـة) في الفــن؟

س4: بماذا يعنى (تاريخ الفن) ؟

س5: هل يعتمد الفن قوانين خاصة ؟ بين ذلك ؟

س6: ما المقصود بأنواع الفــن؟

س7: هل ترى وظيفة رئيسية يقوم بها الفن ؟ أشرحها؟

س8: ما الذي تمثلـه (رؤيــة) الفنان؟

س9: كيف تحدد موقف الإنسان من الحيـاة؟

س10: هل يعتمد الفنان (وجهـة نظر) جماليـة ؟

س11: هل يرتبط تطور الفنون بالحروب ؟ وكيف ؟

صفحة 7

الفصل الثاني

النظرية الجمالية الحديثة

الأقنعة التقليديـة

يبحث الفنانون المحدثون عن نظرية جمالية حديثة ليلتقون عندها في نقطة الرفض والنفور من قداسة الفنون التقليدية وأقنعتها وحاولوا محاولات شتى الحطّ من قيمها والسخرية من معالجاتها الفنية البائرة وتلطيخ هالاتها الجمالية، وتسفيل شهرتها العالمية وأخذ دعاة الحداثة الفنية ينادون بأهداف ومعالجات جديدة في الفن، بل انقلبوا على الفن الكامل، بدعوة صريحة بفن ناقص وغير جميل وغير معبّر، وبعيد عن النفع والمضامين وخلوه من (جوهر) محدد، كان في السابق يتباهى الفنانون بتوفره في نتاجاتهم أنهم، حاولوا تغيير (فكرة) المفهوم الجمالي نفسه في الفن، حتى يؤسسوا على أنقاض الفنون الكلاسيكية الرصينة ( كما حسبتها العقول النقدية السابقة وهي تقيّم تلك النتاجات (القمم) وعلى ركائز جديدة، لفنون مغايرة، هازءة، ومدمرة في عدوانية أسلوبية متهكمة من تلك الحذاقة المتحفية للفنانين التاريخين الكبار ووصل الأمر -أحيانا- إلى حد الاستهتار الكامل، والصلافة المبتذلة المقيتة وهم يرفضون حتى مثل هذه المفردات لأنها ألفاظ (قيمية) (معيارية) سلوكية لا علاقة لها بالفن فوضعت قائمة مبتكرة من الاختلافات عن تلك الأسس النظرية القديمة، وعن تلك المعالجات التطبيقية في الإنشاء والمعمار التكويني للنتاج الفني على سبيل المثال جاء (رودان) في تمثال (المفكر) ليجعل من رأس تمثاله أكبر من الحجم المتعارف عليه في ما يخص (النسبة الذهبية) اليونانية والرومانية وفي عصر النهضة مثلا!! فتزعزعت (النسب) بين حجم الرأس الكبير هذا وحجم جسمه الضئيل بتفاصيله الأخرى.

واليك مثلا آخـر:

حيث يتساءل النقاد المصدومين بلوحة تحتفي بـ(حذاء ) فلاحـة!! للرسام (فإن كوخ)، بلونها القاتم وشكلها المشوّه الثقيل وكأنه قطعة رطبة تشربت رطوبتها من الحقل الزراعي الذي تتعهده الفلاحة بالرعاية اليومية الشاقة، فتفطر بمثل تفطر التربة وباتت أخاديده تعكس الهم والأسى الذي ألمّ بصاحبته. يتساءل هؤلاء المندهشون بارتفاع أسفل الإنسان، (أحذيته) لتعلق في لوحة على رؤوس المشاهدين، الفاغرين أفواههم من هذه الجسارة التي تجعل من قطعة خلقة موضوعاً جماليا!! وفاتهم أن يروا فيه بضعة جمالية!! سيكشفها النقاد الجدد، والفنانون الجدد بحساسية، مغايرة حتى أن هذه اللوحة أصبحت اليوم غير مستفزة لذائقة الجمهور.

شكلانية اللوحــة

إن إصرار فنان الحداثـة على إبـراز (شكلانية) اللوحة وسواها، وتعزيز (تخيليتها) وتبدل (تقنياتها) أضعف من تأطير (الموضوعات) ذات المضامين الاجتماعية الواضحة، وأعطى الأولوية لتشكيل الوحدات البصرية بتراكيب فنية مستحدثة، بعيداً عن الوصاية الأخلاقية والمنطقية وكأنه يستبدل في لوحته (النوتـة) الصوتية في الموسيقى إلى (نوتـة) لونية وتكوينية، تنأى بشكلها التجريدي عن المحاكاة المقلدة للأشياء الواقعية، والشخوص العاديين في الحياة، ومظاهر الناس وأرديتهم وأسواقهم ومخادعهم ومعاملاتهم وعباداتهم في دور العبادة فأين هذا الموضوع في لوحات (كاندنسكي) اللونية المجردة، أو في تعامد الخطوط في تشكيلات (موندريان) الخطية الملونة؟ ولكي تتم المجابهة أكثر مما ينبغي تم إقصاء (باليت) الألوان، وجرى توظيف خليط من النفايات الورقية والمعدنية والأجهزة المستهلكة الصدعة لإقامة تمثال من كتل الجليد والرمل أو صرح من علب الصفيح، والقناني المتروكـة، ليتفننوا بصنع نتاجات غير دائمة، وذات عمر زمني قصير، إذ ألغى هؤلاء فكرة رصينة مثل ديمومة العمل ومقاومته للفناء ولفترة زمنية طويلة، تبث خطابها لا لجمهور عصرها، بل للعصور المقبلة كافة.

الشكل ورفض السرديـات

يزحف إذن الشكل بتكويناته ونسق علائقه اللونية والشكلية والحجومية والملمسية، وخطوطه ومساحته الفراغية ليخلق جوّه المتفرد والاستثنائي، ويحوز على قيمة تعبيرية تشتمل على وجهة نظر الفنان في طريقه طرح لغة فنية تبتعد عن إيصال معاني مكشوفة كما كان يجري الحال في السابق. بل تغيرت النظرة للفنون، ولم يعد الفن معنياً بالأجيال القادمة، أو مخاطبة الناس المعاصرين لفترة ظهوره، بل جرى التأكد على (الرسالة الفنية) بتقنياتها ذاتها وبلغتها الإنشائية التصويرية الخالصة من تعالقها المضموني والاكتفاء باستقلال الشكل عن محيطه الاجتماعي، وعن الموضوعات الحياتية المباشرة وكذلك عن تلك اللوحات المحاكية القديمة للطبيعة، ومحاولة صنع طبيعة ما كانت مرئية ومعروفة، كما جرى تقديمها في عالم اللوحة المبتكر فلا يقدم الفن بهجة للناظرين المخدرين باستنساخ أشكال الواقع الخارجية ومضامينه الساحرة، بل غلق عالم السرديات الدرامية، والانفعالات العاطفية، والبحث من خلال هذا العالم غير المرئي عن شواهد أسلوبية فنية تصنع صورها بقوة المخيلة، لا بقوة الخطابات الذهنية والعلاقات السببية المنطقية، إذ حل محلها انفعالاً جمالياً خالصاً.

مذاهب فنيـــة

وسعت الفنون الحديثة من أطر المصطلحات القديمة وطورتها، وخلعت عنها مألوفيتها، بعد أن غربتها بوسائط فنية تلفت النظر إلى نفسها، والى طريقة توظيف عناصرها وآلية اشتغالها، فلم تعد الكلاسيكية، القديمة، التي عرفت في فترة الإغريق والفراعنـة والبابليين، مع اختلاف المعالجات الأسلوبية لكل منها، هي المثال المناسب لفنون الحداثة، بل انحرفت تماماً وبشكل جذري عن اشتراطاته وقوانينه الإبداعية حتى اتخذت فنون القرن السابع عشر لنفسها مهمة انبعاثية للفنون القديمة المندرسة، فالفرنسيون - مثلا- في الأدب حاولوا تجديد الكلاسيكية القديمة.

صفحة 8

تجديد الكلاسيكية

حاول الكاتب تجديد هذه الكلاسيكية كالذي شاع في كتابات (كورني) و(راسين) و(مولير)، وفي فنون التشكيل كالذي جرى عند ( دافيد) وسواه من دعاة الكلاسيكية الجديدة وكأن الحفاظ على تقاليد أسلوبية صارمة، يسبغ لفظة الكلاسيكية حتى على الفنون الحديثة نسبياً، فيجري التزاوج بينهما لأن صفة الاتزان والثبات والتكامل الفني في إنشاء التكوين وترابط الأسس والعناصر الفنية تحقق الوضع المناسب لمثل هذه التسمية المتوازنة والمتعادلة لمعنى (الكلاسيكية).

الرومانيكية وبداية الحداثة

وتظهر (الرومانتيكية) من بين المذاهب التي تنخرط في تلك الفنون التي باتت قديمة نسبياً، قياسا للفنون الحديثة، وان اشتركت بينها بعض المنطلقات من حيث رفضهما للمعايير الكلاسيكية، فالرومانتيكية رفضت المنطق العقلاني وتحللت من قواعد الكلاسيكية الصارمة، وأسبغت قيما خاصة على المواضيع العاطفية وتأجيج الانفعالات والمبالغة في المواقف الدراماتيكية، وأعطت أهمية مركزية (للفرد) وميّزته عن الجماعة، مثل لوحة ( الحربة تقود الشعوب) للرسام (ديلاكروا) عن البطلة (جان دارك) ممثلة للشعب الفرنسي الثائر بوجه المحتل الانكليزي، هذا البحث عن خصائص الفرد أكثر من الجماعة، هو الذي برّر للرومانتيكية تطرفها الواضح في تقديم شخصيات فائقة الجمال، أو فائقة القبح، ومتمادية الشذوذ، وغريبة الأطوار. وقادها الخيال الجامح بعيداً عن مسوغات الواقع وصدقيته، فذهبت بها تخيلاتها الفنية إلى أجواء غريبة، قصية، مثل عوالم الشرق الساحرة.

الشكل والمحمولات الحكائيـة

اشتغل الشكل على قصص مثل ( ألف ليلة وليلة) أو مصباح علاء الدين السحري والسندباد البحري، أو مثل قصص الفرسان، الذين يتمردون على سلطة القانون، ويطمحون إلى إعادة الحق إلى نصابه والاقتصاص من الأشرار، مثل روبن هود) و(فرسان المائدة المستديرة) و(الفرسان الثلاثة) أو غير ذلك من خيالات يكون موطنها الجزر البعيدة، أو الغابات البكر، أو الأماكن الخرافية العجيبة، إن الانتصار الخيالي في الرومانتيكية أبرز التناقض واضحا بين (قبح) الشكل البشري المادي وشاعرية وجمال (الروح) الداخلية وصفائها ونبلها عند الأفراد العشاق والمنعزلين عن ركب الجماعة، بمثل ما نراه في قصة البؤساء للفرنسي فكتور هوجو، الذي ينتصر لروح الإنسان في عالم يحاصر فيه الأخبار ويطاردون من قبل رموز من المخبرين والشرطة والطغاة الذين لا يمتلكون ذرة من إنسانية أو ضمير في رواية (أحدب نوتردام) يظهر هذا ألأحدب رغم بشاعة مظهره، وتشوهات وجهه وجسده، إذ تنتصر فيه طيبة القلب وسماحة الروح على ذلك القبح.

الضوء واللون في الانطباعيـة

وتذهب (الانطباعية) مذهباً آخر، فهي تحتفي باللون والضوء اللاهث المتغير، سريع التبدل والزوال ليُؤثر على حساسيتنا ومشاعرنا، فلم تعد (الوردة) -مثلا- شيئاً منقطعاً ثابتاً، بل مجرد انطباع لوني متغير يستجيب لتأثيرات الضوء والظل والعتمة والشفافية في أوقات النهار المختلفة وكذلك في نور القمر، المباين لضوء الشمس، هذه الطبقات الضوئية والتماعاتها وتذبذبها استجابت للحقائق العلمية التي غيرت من مفهومات الضوء وفيزياويته وأطيافه التركيبية وموجاته، فانتقلت إلى الفنانين التشكيلين، لتغير لديهم المفهوم التقليدي للبناء اللوني والضوئي للوحة، أما في الأدب فكانت الانطباعية تدور أحداثها في داخل مروج الذات وسهوب الروح، ومتعرجات الروح الداخلي للقارئ أو مبرر للمرور بمثل هذه المغامرة الروحية من داخل الفرد.

أسرار الرمزيـــة

تعمقت (الرمزيـة) في الإيحاء للكشف عن الغموض الذي يكتنف الحياة الداخلية للعمل الفني التي تتحول فيها الأشياء والأحداث والشخوص إلى (حالات) خاصة من الرموز المرئية، لاسيما في فنون التشكيل، أو الرموز السمعية، الأخرى في فنون الكتابة الدرامية على سبيل المثال، كما في مسرحية الكاتب (موريس ماترلنك) الموسومة: (في داخل البيت) وهي تقدم معادلة فنية من نمط خاص لما يجري في داخل روح الإنسان الذي تبحث من خلاله عن فكرة (الموت) برموز موحية، من غير الجنوح للإفصاح عن تلك الترميزات والإشارات والإيماءات، بتحسسنا وانفعالاتنا وهي تجري في جوّ عام من التلقي أشبه بعالم من التصوف والقداسة والحلم، بحيث تظهر حياة الإنسان مستثارة من قبل قوة غامضة تدفع بها إلى مراتب عليا أو تقودها إلى الغناء، بمثل ما نراه في نص مسرحية (العميان) لماترنك - أيضا- ولكل مفردة من مفردات النص الفني، دلالة خاصة ومعان عامة، تشمل مساحة إنسانية واسعة مثل فكرة العدالة، والحرية، والنضال، والثورة، والقانون للتعبير عن تخبطات مسيرة الإنسان في حياة عدوانية تستهدف أمنه وسلامته، ورغم ادعائه بأنه يبصر هذه الشرور الحياتية ويراها، لكنه في حقيقة جوهره أعمى، وأصم، ومتصلب الحواس والمشاعر، أمام رعب الزمن وسطوته وتحديه لحياتنا الوجيزة، المنطفئة على حين غرّة.

صفحة 9

الهندسة التجريديــة

أما المذهب (التجريدي) فهو - أيضا- من بين المحاولات الرائدة لتغيير تضاريس التركيب الفني، وهندسته التصميمية وبناه الإنشائية، ويرفض هذا المذهب مظهر الأشياء الحسّية ومألوف أشكالها الحياتية الواقعية، وتشخيصاتها الإنسانية، أنها تغادر هذه المظاهر، لتبحث عن لغة غير واقعية، وترسم صفات تدرك بالذهن وضوابط العقل والمنطق الفني أكثر مما تدرك بالحواس مثلا: عندما يريد الفنان التجريدي رسم (شجرة) فإنه لا يرسم لها ساقاً وأغصاناً وأوراقاً وثماراً بل يجردها إلى بضعة خطوط ومساحات لونية وأشكال هندسية، لتوحي من خلال شكلها المجرد هذا، وتقاطعات ألوانها بتكوين جمالي عن (شجرة) غير مرئية كما الحال في السابق، لأنه لا ينقلها كما هي في الواقع وإنما كما يجردها في عقله وتخيله.

تفوق الشكل السريالي

في حين تذهب (السريالية) في غلوها (الشكلاني) كل مذهب! وتتجه في معالجاتها الفنية لتؤكد على انحلال الأشياء الواقعية لصالح الأشكال الغريبة المبتكرة، وكأننا نندفع في عالم حاشد من الأحلام والجنون والمتاهات، حيث يضمحل دور العقل والمنطق الحياتي العادي، ويتصدر اللاشعور واللامنطق والحلم والفوضى على عالم اللوحة، مثلاً كان الفنان (سلفادور دالي) يحول أشكال الطبيعة إلى كائنات غريبة، وكأنها تحمل ملامح بشرية، ومن زوايا منظورية كثيرة متشابكة مختلفة وتتبعثر فيها (البؤر) المنظورية هذه لتحطيم أطر المألوف وزواياه وأشكاله وحجومه، فتجد مناظر بحرية وشاطئ فيه خزانات مركبة على أشكال بشرية مجوّفة ومنحلة ، أو ساعات مائعة وكأنها بيوض دجاج وهي في المقلاة! أو أثداء نسائية متخشبة أو ممطوطة بطرائق تجنح فيها المخيلة الفنية، لتحول هذا الواقع الجديد إلى كينونات تضم مخلوقات طبيعية محرفة بالكامل عن أصلها، ومركبة وفق نسق جديد من العلاقات والعناصر البصرية التي تقطع مرجعياته الواقعية، وتدمجه في عالم (اللوحة) أو (الشريط) السينمائي كالذي يظهره المخرج السريالي (بونويل) في تلك العين البشرية، المقطوعة من منتصفها بموس الحلاقة!!

صدمة الشكل الالكتروني للموسيقى

هذه الروح الصادمة انبثت في الموسيقى الالكترونية لتقوض من نسيجها وبنائها المنسجم المعهود وتحشوه بالضجيج والمفرقعات والمؤثرات الغرائبية وكذلك دهمته بمنجزاتها، العروض المسرحية، والروايات، والقصائد وأفلام السينما بأعاجيبها الخارقة، ومعالجاتها الخرافية و(الفنطازيا) التي ستتبدل تجلياتها في فنون الحداثة تبعا لكل جديد تبتكره في عالم الألحان والأغاني وسماع أصوات عجزت عن التقاطها الأذن البشرية في عهودها السابقة.

السمات الفنية المعاصرة

يحصر الناقد والباحث الإنكليزي (هربرت ريد) سمات الفن المعاصر وفق تقسيمات محدّدة، منها : (التفكيرية) ويقصد بها الفن الواقعي والانطباعي، لان هذا الفن يتميز باقترابه من مظاهر الواقع، الذي نتعرف عليه في حياتنا اليومية، فهو يشخص تلك العلامات الواقعية أو تراه يقدم (انطباعا) مباطنا للواقع، ولكنه نابعا من مصدر (ذاتي) غير منشق عن طبقات الواقع نفسه، ويقترب من الطريقة التقليدية في الرؤية والنظر الذي نألفه في الحياة نفسها.

والنزعة الثانية هي: (الوجدانية) ويراها هربرت ريد، متمثلة بالفن (السريالي) و(المستقبلي) ونجد في هذا النمط غلواً تخيليا، يرفض مظاهر الواقع وقيمه، ويطمس الرؤية التقليدية، ويتحمس للاندفاع في أجواء الجنون، بحثاً عن صور فائقة التخيل، فيسجل حركتها الخيالية هذه النابعة من اللاشعور الإنساني والمحولة للطبيعة في هذه النتاجات الفنية والمحرفة لأشكالها وطبائعها وماهياتها.

نزعــات تعبيريـة

وهناك - أيضاً- النزعة ( التعبيرية) وهو ما يميز الفنون التعبيرية التي تعبر عن فردانية المبدع وذاتيته الشخصانية، وتعكس رؤيته الخاصة عن الحياة، بحيث تبدو هذه الأشكال والتكوينات المتفردة وهي مشوهة، حافلة بالانكسارات الضوئية والظلال المبالغ بها، وكذلك تتحرك فيها وجوه وأقنعة وستائر وتتخاطفها الأضواء والمؤثرات الاصطناعية والميزانسينات المخفية والمنبعجة والمنحرفة والمشوّهة، والمنزاحة عن القاعدة العادية للنظر الواقعي.

وأخيراً، ما يسمى بالاتجاه: (الحدسي) الذي يميز الفنون (التكعيبية) وهو ما عرف به (بابلوبيكاسو) و(براك) حيث نرى أوجه مختلفة ومن زوايا مغايرة للشكل الواحد الذي يطمس فيه المنظور التقليدي الذي أرست أسسه فنون ونظريات عصر النهضة الأوربية.

صفحة 10

الخامة والحدس

وتعمق (الحدس) كثيراً في الفنون التي تظهر (خاماتها) وتتصدر النتاج الفني، فيتحرك من المساحة التخيلية الواقعة فوق معطيات الحواس الخمسة، وبذلك تتحرك هذه المواد مثل الحديد، والبلاستك، والأشرطة والأسلاك والزجاج والجلود والبرونز، وقطع الغيار، مثل المواسير، والأحواض في نطاق ما فوق الحسّي، لتؤدي دوراً خاصاً يتعلق بما يقدمه الفنان من إمكانيات في عمله الفني، قابلة لكي يجعل منها المشاهد تجربة (حدسيـة) متميزة جمالياً. حتى أن اللوحة في ( أوب – آرت) وآخر التوصلات البصرية التموجية الغامضة، والتي يشكلها الوعي لدى المتلقي ويؤطرها بطريقته الخاصة، ليكون لها هيئة (Shaape) وشكل (Form) ودوال حسيّة لونية وضوئية معينة، حتى هذه التجارب مازالت عرضة للنسف والإقصاء أمام رعشات الفن ورغائبه السرّية التي تتوسل العلم، والتقدم التقني الهائل لخدمة مآربها، فتضم عناصر جديدة من خارج الإطار المحكم للوحة أو للصنيع الفني التشكيلي التقليدي، وتخلط بقصدية واضحة، وبتشوش متعمد مابين البنية السطحية للوحة بالبنية الحجومية والملمسية للتمثال بالبعد الهندسي والمعماري والتصميمي الرقمي في النتاج الفني الواحد.

تطور المسرح الحديث

وبمثل هذا الركب الفضائي المتطور للفنون المختلفة استجاب المسرح (الملحمي) الذي نادى به (برخت) إلى التراث الحافل الذي تركه المسرح العالمي، والى تجربة (ستانسلافسكي) التي حاول برخت استكمال شوطه خلال تطويرها وفق معالجات جديدة، أبعد مما أراده رائد المدرسة الواقعية هذا في زمن الصراعات الأيدلوجية الكبرى واختراق الفضاء الكوني وانتصار أبناء عصر العلم أنهك برخت في تطوير كتابة النص الدرامي، وأساليب الإخراج والتمثيل التغريبي بتوظيف التقنيات البصرية والسمعية والحركية، خلافا للتغيرات الأرسطية، وتجلياتها المختلفة، ففي عالمنا المعاصر، ظهرت نظريات جديدة، ومنها هذه (الملحمية) البرختية التي انقلبت على (الإيهامية) الواقعية، وأرادت أن لا تكتفي بتفسير العالم، بل تغيره حسب منطلقات الفلسفة (الماركسية) الموظفة في الفنون.

فليس المهم، لهؤلاء الدعاة الجدد، تقليد الواقع ونقل الحياة اليومية، بل تطوير نزعة نقدية للواقع لدى المتلقين، من خلال وضع مسافة مابين العرض المسرحي ومتفرجـه أي يجعل (المألوف) غريباً، باستثمار (الراوي) الذي يسرد الحكاية ويستعرض الأحداث (الأسطورية) و(الغريبة) والحافلة (بالحكمة) ذات اللبوس الشرقية القديمة في الغالب، أو الموضوعات الخاصة بالعلاقة القائمة مابين السلطة القاهرة لإرادة المجموع، أو الدكتاتور والشعب المستلب وصراع التاجر مع الأجير الذي يقود إلى قتله بحجة الدفاع عن النفس، في (محكمة) هي امتداد لفكرة الاستقلال والاضطهاد نفسها!! أو صراع (الملاكمة) أو علاقة التاجر بالفقراء !! وتوظف هذه العروض الملحمية (البرختية) أيضا (الشعارات) السياسية المكتوبة على شكل (لافتات) أو شرائح فلمية أو أشرطة ووثائق تستقطب الناس لخدمة نظرية سياسية مطلوبة أو إدانة موقف مرفوض من قبل الجمهور العام العريض.

فضلا عن استخدام (الأغاني) لزيادة وتيرة الحدّة الإيقاعية المسموعة للتعبير عن موقف خاص من الأحداث، وعرض نضال الإنسان المكافح ضد الطغيان والاستلاب من أجل تكريس روح القانون والعدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق المدنية للناس، وحرية التعبير، وإيجاد فرص العمل والانخراط في الأحزاب السياسية، التي يراها (برخت) في الاتجاهات الثورية الاشتراكية والتي تكافح بدورها النظرية الرأسمالية ممثلة باقتصاديات السوق، وكان برخت يدعو إلى ضرورة قيام ثورة تمثل إرادة الطبقة العاملة بعيداً عن الطبقات واستغلال أصحاب رؤوس الأموال لجيوش من العاملين الفقراء، أو في فضح تلك القوى الاستعمارية وهي تستبيح حقوق الشعوب، وتحتلها لتستثمر خيراتها وظف برخت كل هذه الأفكار والمعالجات في ما اسماه بـ( أثر التغريب) ليحرض متفرجة على تغيير واقعه الاجتماعي.