eKtab
EN ع
أقصى الحديقة
اقرأ عينة مجانية

أقصى الحديقة

بقلم ميسلون هادي

صفحة 1
تجلس في الصف الأخير ··تخرج قبل النهاية
 
 
 
صباح النور تقولها أم الخيطان دون أن يسلم عليها أحد·· وتمد يدها ليد أخرى لا يراها أحد، فيبدو الأمر كما لو كان فعلاً هناك أحدٌ في البيت تسلم عليه·· تتحدث معه عن حقها القديم·· عن خريطة آسيا·· عن مسمار الحائط·· عن تاريخ العالم·· عن مُربَّى التين·· عن شادي وفادي·· عن أحدٍ ظلمها ولم ترد عليه·· أين·· وكيف؟·· لا تتذكر·· تقول فقط: شكراً وألفَ شكر·· ثم تبدأ الكلام مع جميع من غادروا وتركوها مع رائحة القمصان المكوية بالبخار··
 
- يا شادي·· تعال تعال·· يا فادي·· تعال تعال·
 
جلست أم الخيطان في الفيء وتساقط رماد سيكارتها إلى الأرض دون أن تشعر به·· الوجه الخالي من الزينة هو قناعها·· لن تستطيع النظر إلى نفسها وهي بلا زينة·· وليس أفضل من ذلك القناع الذي تغلق به الباب على نفسها·· لا تتزحزح من مكانها حتى وإن دفعها الحشد إلى الخلف·· ولا تكرر أخطاءها·· لأنها لا تخطئ·· الكرسي المحدد هو مكانها الذي لا تفارقه····· يتذكر الجميع اسمها ولا تتذكر هي اسم أحد·· تغلط كثيراً بالأسماء، ولكنها لا تدري أنها تغلط بالأسماء·· ليس الأقرباء وحدهم من تغلط بأسمائهم، ولكن الجيران والقطط والبلابل، ولا ننسى الفلاح الذي تناديه بعشرة أسماء في الزيارة الواحدة·· 
 
الزعماء وحدهم هم من لا تغلط بأسمائهم، لأنها تعيد خطاباتهم وتحفظ أجزاءً منها·· وكلها كذب·· يقولها رجال كذابون كورق القوبيا·· مقابل نساء نادرات من أول الشهر حتى نهايته·· تسمع شيئاً وتفكر بشيء آخر وتظل تفكر لحين انتهاء الخيط الأزرق من تثبيت الأزرار البيضاء على الثوب الأسود·· ملهى (ليالي الصفا)، الذي جاور مدرستها الثانوية، كان مكاناً للتخيل والتسكع·· تجلس في الصف الأخير وتخرج قبل النهاية·· وتقطع الخيط الأزرق بنابها المتبقي فوق ناب سفلي·· فتذكرها رائحة الورد بليالي الصفا·· تذكرها بسليمة باشا تغني (يا نبعة الريحان حنّي على الولهان)·· الجرس عاطل والهاتف لايرن·· ترررن ترن ترن·· ولا أحد يرد·· ترررن ترن ترن ثم ترد على نفسها:
 
- منو؟
 
- آني·
صفحة 2
الببغاء التائه وقف على رأسها ذات يوم عندما كانت تنشر الملابس الملونة على السطح ، فباعته بخمسمئة دولار أيام الحصار، وتعرضت للابتزاز من الصباح إلى المساء···· تلك قصة غريبة تَداولتها ألسن الناس إلى أن أصبحت مشهورة بين اللصوص، فضمضمت فلوسها بين أكياس الخبز الجامد· وعندما لم يتبق في حقيبتها فلس واحد، كادت أن تذهب لتعيش في دير للمسنين لولا أنهم منعوها من جلب ثلاث قطط معها·· لولو وزوزو وفتفوتة··· 
 
لا يوجد من يدور حولها سوى القطط·· الثلاث يحببنها من أجل الطعام·· ومن يستطيع من الولدين أن يدور حول العالم ثلاث مرات سيفوز بالجائزة·· دار الأول ثلاث مرات حول العالم على ظهر طاووس فلم يفز، ودار الثاني حول أمه ثلاث مرات على ظهر سلحفاة ففاز بالجائزة·· تضحك بلا سبب وهي تضع حبات العنب في طريق النمل وتستفتيه في طعمها فيتجمع حول العنب ولا يرد، ولكنها تواصل كلامها من الجمعة للجمعة حتى يذبل العنب وينشف ماؤه·· 
 
 تروب تروب ··
 
تسقط قطعة كبيرة من السقف المجصص إلى صف النمل·· ويتفركش صف النمل دون أن يتفرق تماماً·· لا يستمر هذا الانقلاب سوى لحظات يعود بعدها الأصدقاء إلى السير خلف مئة حبة عنب ناشف· مثل جدها صياد الثعالب الذي يعمل في فلاحة الأرض المنبسطة، فتعطيه سبع سنابل وفي كل سنبلة مئة حبة فيحصدها وتزداد الحبوب·· ولديه جراب فارغ يمتلئ بالبيض·· وبيضة الدجاجة أكبر من بيضة الحمامة، وبيضة الحمامة أكبر من بيضة البلبل، وبيضة البلبل أكبر من وردة القداح·· وزوزو العمياء كانت مبصرة ذات يوم·· والصيدلي المجاور لملهى ليالي الصفا كان يبيع القناني الصغيرة في الصيف والشتاء·· في الصيف دواءات الإسهال، وفي الشتاء دواءات الرشح·· وفي الربيع يقف قرب الباب ويتفرج على المارة·
 
تدخل إلى الغرفة وتسلم على نفسها·· ثم تبدأ بالحديث إلى قارورة المربى أو إلى سلة الزبالة·· وتتحسس بيدها قطعة تين لزجة سقطت فوق ثوبها الأسود دون أن تدري متى·· وتنظر إلى أعلى دائماً·· إلى المروحة السقفية البيضاء·· في الصيف تدور حول نفسها وفي الشتاء تمتلئ بالبرغش الميت، وعندما تخرج من الغرفة تتحدث إلى الحمام·· إنه يرى ويفهم ويسمع أيضاً··
صفحة 3
تروي له أسطورة قديمة عن امرأة عندها ولدان وعندها فاكهة تعطي القوة لمن يأكلها، ولكن المرأة متحيرة كثيراً، ولا تدري لمن تعطي الفاكهة التي لا يستطيع أن يأكل منها سوى شخص واحد·· هذا ما تقوله الأسطورة التي تحذر من عقوق الأولاد·· فجعلت الأم تمتحن ولديها، قائلة لهما من يفز بالامتحان سوف يأخذ الفاكهة، ومن سيدور حول العالم ثلاث مرات ويعود إلى هنا قبل الآخر فهو الفائز بالفاكهة· أسرع الأول وكان نحيفاً وركب على طاووس سريع ودار حول العالم ثلاث مرات، وركب الآخر وكان سميناً على ظهر سلحفاة عملاقة ودار حول أمه وأبيه ثلاث مرات·· قال أنا لا أحتاج أن أدور حول العالم فأنتما بالنسبة لي العالم كله، ولهذا السبب فاز الولد الذي دار حولهما بهذه الفاكهة ·
 
 أحياناً تحمل مروحة القش في يدها وتحركها لكي تطير الحشرات ولا تقف على ثوبها الأسود·· إنها تطن في الهواء المعتدل·· هواء طيب الرائحة ·· والحشرات ترفرف بأجنحتها، ولا تطير بعيداً عن ثوبها المكوي بالبخار·· أما لولو، فكانت ترفع رأسها وتتابع بعينيها الخضراوين كل الحشرات·· وما إن يتحرك ثوب أم الخيطان حتى تنهض وتدور حولها وتنظر إلى يديها وهي تموء وتلج في المواء، وكل ذلك من أجل كلمة واحدة تسبق رمي الطعام:
 
- تعالي·· تعالي·
 
بعد ذلك لا تبالي إذا سمعت الشتائم من فمها، ولا تتجاسر عليها عند جلوسها في الشمس الدافئة، ولكنها تهرب عندما تسمع صوتها المرتفع··· وتعود بعد قليل إلى طعامها قرب السياج، وتترك أم الخيطان وحدها وهي تعمل في أكل الخيوط التي تخيط بها القماش وفي إصبعها الكشتبان· أحياناً تحمل قطعة القماش التي تخيطها إلى الشمس، وتغني بصوت خفيض جداً يجعل لولو ترفع رأسها لتشم الهواء قبل أن تبدأ الطعام ·· ويستمر الغناء إلى أن تنهي لولو طعامها في إحدى الممرات، فتقول لها أم الخيطان:
 
- والآن ابتعدي عني·
 
لا تفتح الباب إذا نقرها الجيران، وجرس الباب عاطل منذ زمن·· تتعارك مع أولاد لا يراهم أحد، وأحياناً تلوّح بيدها في الهواء وتسقط مروحة القش من حضنها فتفز منها زوزو الخوافة التي تهاب أم الخيطان، وفتفوتة أيضاً لا تقترب ··على العكس من لولو الوقحة التي تتمطى بقوة·· ويكاد جسمها يتقطع من شدة التثاؤب ·· ولا تخاف من أحد، عدا في الأيام العاصفة وفي أوقات الجوع·· أو عندما تغلق أم الخيطان باب المطبخ بعد الظهيرة ··أكثر من مرة·· وتطفئ النار تحت إبريق الشاي الذي يفور أكثر من مرة··· وتسد الماء أكثر من مرة ·· وتردد بصوت عال: هل أغلقت باب الكراج؟ إي أغلقتها·· ولكني سأتاكد ·
صفحة 4
وجدت لولو الوقحة حمامة صغيرة تأكل من الرز الذي شمّته زوزو العمياء قبل قليل·· عشرة بلابل أكلت من نصف كيلو رز·· والباقي تأكل منه الحمامة، فكمنت لها لولو خلف العشب العالي، وعندما أزفت لحظة الهجوم انطلقت كالنمر في أثرها·· الفلاح هو الذي تسبب في مقتل فتفوتة بعد أن طردها من الحديقة بمنجله، فطردته أم الخيطان من البيت·· ما اسمه؟؟ نسيت أم الخيطان اسمه ولم يعد يشذب العشب أحد منذ وقت طويل·· وأصبح مكاناً جيداً للتغوط وللاختباء·· وصيد الحمام أيضاً·· لولو ظلت تنظر إلى الحمامة بعد اصطيادها· نظرت إلى الحمامة وهي لا تعرف ما هي الحمامة·· هل تأكلها؟·· ساكنة وسط العشب، ورائحتها لا تشبه رائحة اللحم الموضوع في مكان مختلف عن العشب·· والريش مشكلة أخرى·· حمامة!! مختلفة هي الحمامة·· قد تلتهمها لهذا اليوم، ولكنها ليست كالسمك ولا كالحليب·· قلبتها لولو على بطنِها، ثم انتفشت وانتصبت وتقوّس ذيلها بشكل مخيف·· تروبْ·· وإذا بالحمامة تطير، وأم الخيطان فزعة·
 
ظلها البارد هذا أحسن من الشمس الحارة مئة مرة· وبدون مواء عادت لولو تنتظر طعامها الذي لا يطير وليس له ريش·· وهذا قط آخر يريد الهجوم على طعام زوزو العمياء ؟!! طردته أم الخيطان وهي تتلفتَ يمنةً ويسرةً، وبعد لحظةٍ ربتت على ظهرِ لولو·· وسمحت لها بالوقوف في الظل···· ظلّ بارد وكبير يتمدد بقرب جذور النخلة العملاقة التي تنفر من الأرض المجعدة·· وفي الحديقة هناك الكثير من الجذور الميتة التي لم ينظفها أحد منذ وقت طويل· 
 
أصبح اثنان فقط يدوران حولهما·· لولو المغرورة وزوزو العمياء·· بعد أن ماتت فتفوتة بسبب أساور الفلاح ···· دار فادي وشادي حول العالم ولم يفز بالفاكهة أحد في نهاية الأمر·· دار شادي وفادي حول العالم، ولم يفز بالفاكهة أحد سوى النمل··· قطعت الخيط بثلاث أسنان وراحت تعد البلابل التي حطت بالقرب من حبات العنب·· إنها سبعة بلابل تأكل من عشر حبات عنب ·· وفي يدها نصف برتقالة·
صفحة 5
أقصى الحديقة
 
 
 
الموبايل يرن ولا أحد يرد عليه····· تتكوم قربه قشور البرتقال والموز ولا أحد يرد عليه·· أعرف أنه الآن ينظر إليه ولا يرد عليه·· لماذا اشتريتُه لك، إذاً؟ لكي يرن من الواحد للعشرة····· لكنك تسمعه ولا ترد عليه؟ لأني أتفرج على الدود·· ألا تسمعه وأنت تتفرج على الدود؟···· إي أسمع······ ألا تعرف كيف ترد؟ إي أعرف··· ألم أقل لك إنها السماعة الخضراء المرسومة على اليسار؟·· إي أعرف······· انقر على السماعة الخضراء، إذاً، عندما تريد أن ترد؟ إي أعرف·· تعرفين إني أعرف ···أعرف·· أعرف·· كم مرة سمعتَه يرن؟··· من الواحد للعشرة········ عشر مرات ولم ترد؟·· لم أسمع· 
 
- كيف عرفت، إذاً، أنها عشر مرات؟
 
- الموبايل هو الذي عرف·
 
في الصباح المتأخر·· وقت الضحى·· ينفض التجاعيدَ عن ملابسه ويتمطى كما تفعل القطط بعد الاستيقاظ من النوم، ثم يرتديها على عجل ويخرج إلى الشوارع هائماً على وجهه·· عاطلاً عن الكلام ومطلاً من نافذة السيارة على العالم مثل طير يرى العالم بلا أسماء ولا صفات··· يرى الشوارع الطويلة مليئةً بالبط·· والصغيرة منها شاغرة من البط·· والمياه الآسنة بحيرات·· والواجهات بيوت نمل·· والمآذن دواليب للهواء··· والجسور تماسيح كبيرة لم تتلون بعدُ في كراسة الرسم·· يعتقد الهواء عطراً··· والدخان هواءً·· والغيوم وسائد وسخة·· ولا يفرق بين بيوت الناس وبيوت الدود··· لا ينطق إلا عندما يصبح بلا جيوب·· يحب الدود كثيراً ويجعله يتسلق عيدان الرمان لكي يرى مَن الفائز في النهاية·· وتمر ثلاث ساعات تتبعها ثلاث ساعات أخرى وهو لا يرد على الموبايل·· ينظر إليه ولا يرد·· أين أنت؟ لم أسمع······ لماذا لا ترد على مَسِجاتي؟ لم أقرأ·· هل أكلت؟؟ لم أجع····· ماذا حدث؟ لا أدري······
 
اضطررت إلى تغيير نغمة الموبايل الذي اشتريته له بنغمة أعلى، وقلت له دعه في جيبك طوال الوقت· لن أضعه في جيبي·· سأضعه على الشباك، في جيبي لوز كثير·· وعندما تقرأ رقمي أجبني·· سأجيب؟ وإذا خرجت إلى الحديقة خذه معك·· سآخذه··· ولا تنسه على الشباك وتدعني أقلق عليك؟ لا لن أنساه على الشباك·· لا تنم قبل أن تحلّ مسائل الحساب··لا لن أنام قبل أن أحل مسائل الحساب··
صفحة 6
- ولا تدعه يرن عشر مرات دون أن ترد··
 
- لا لن أدعه يعد عشر مرات دون أن أرد· سأرد عليك قبل أن يعد· ولكن كيف يعرف الموبايل أن يعد؟
 
- إنه أحسن واحد في العد·
 
- معنى ذلك أنه شاطر في الحساب؟
 
- نعم إنه شاطر في الحساب·
 
يُدخِل رأسه من النافذة بعد أن تصل السيارة إلى البيت·· وأعرف أنها الثانية في بغداد·· وأول ما أسمع صوته أقول له·· أين أنت؟ لا يرد·· لماذا لا ترد؟ يصمت قليلاً ثم يقول بعصبية اتصلي بعد عشر ساعات فأنا الآن قرب نقطة سيطرة·· يرن الموبايل بعد عشر ساعات وقت المساء·· ويصبح صوته واطئاً وفيه نعاس·· الآن قل لي كم الساعة؟ لا أدري·· يوجد قربها عنكبوت وفوقها عنكبوت·· حدثني·· ماذا فعلت؟ رحت إلى رأس الشارع مشياً ثم رجعت·· رأيت حماراً يلعب قرب الباب··· دخلت البيت ثم خرجت·· واشتريت برتقالتين وثلاث تفاحات·· هل أكلت؟ لا لم آكل·· هل تغديت؟ لا لم أتغد·· ما هذه القشور، اذاً·· ينظر إلى الموبايل باستغراب ثم إلى قشور الطعام ولا يجيب···· كتبتَ درس الحساب؟ لا لم أكتب·· هل كتبت؟ صفحة واحدة كتبت·· متى تنام؟ أنا نائم··
 
وتمضي خمس ساعات تتبعها خمس ساعات أخرى وهو نائم·· وفي الصباح·· الصباح المتأخر·· وقت الضحى ينفض التجاعيدَ عن ملابسه ويتمطى كما تفعل القطط بعد الاستيقاظ من النوم ثم يرتديها على عجل ويخرج إلى الشوارع هائماً على وجهه·· عاطلاً عن الكلام ومطلاً من نافذة السيارة على العالم مثل طير يرى العالم بلا أسماء ولا صفات·· ولا ينطق إلا عندما يصبح بلا لوز ولا جوز ولا جيوب·· أين أنت؟ أنا في الحديقة·· لماذا لم تذهب إلى المدرسة·· يقول بابا اليوم جمعة·· ولكنه الخميس·· بابا حملني على كتفه وقال إنها الجمعة·· هل تقصد أنها عطلة؟·· نعم اليوم جمعة وغداً جمعة·· وبابا أعطى كناس الشوارع ألفاً بدلاً من الربعين·· لأنه سأله عنك وسلّم عليك·· وأعطاه بنطلونه البيج أيضاً وقميصه الأزرق وحذاءه الأسود··· ظل باب بدون حذاء وأغمض عينيه بالمنديل ·· بابا يقول أين ورقة الماء؟
صفحة 7
فرحت وبكيت·· ماذا يحدث؟·· هل هو فعلاً يبكي كلما رأى كناس الشوارع ومحصل أجور الماء·· هل هو أبو مريم؟··· نعم ·· قرع الجرس فسألتُه هل أنت أبو الكهرباء أم أبو الماء؟ فقال وهو يضحك كلا أنا أبو مريم·· هل جاء أبو مريم؟ نعم··إنه محبوب·· ولكنه عجوز··· لا يطرق طرقاته على الأبواب بسهولة··إنه يطرق خمسة أبواب حديدية دفعة واحدة، وأكون أول من يركض ليفتح له صندوق المقياس·· لأول مرة أراه·· بابا يقول لا تتحرك وتركض عنما تسمع الباب، ولكني أحب رؤية المقياس·· إنه يتحرك وينبض··· تك تك تك··هل يعيش في ذلك الصندوق دائماً؟·· نعم حبيبي، ولكن الكلس تراكم عليه لأني لم أنظفه من زمان·
 
- هل سمعته وهو يقول·· تك تك تك؟ ·
 
- نعم سمعته·· ما أجمله!·· كأنه طفل ينام في ذلك الصندوق··· ولكن لا تركض إلى باب البيت·· بابا معه حق·· الشوارع خطرة·· 
 
- لا أهتم·· أنا أحب أن أفتح الباب·· إنه يُفتح بسهولة··· باب الثلاجة أيضاً يفتح بسهولة ويجعل الدنيا باردة·· وتوجد فيه فتحات لا أعرف عنها شيئاً·· واحدة للزبد والأخرى للبيض وللدواء·· سقطت بيضة إلى الأرض وتدحرجت ببطء، ولكنها لم تنكسر·· ظلت ساكنة على سجادة المطبخ دون فطر أو كسر·
 
- كيف لم تنكسر؟؟ هل تمزح؟ 
 
- كلا لم تنكسر·· والله لم تنكسر·· 
 
- معنى هذا أنها كانت مسلوقة ومضمومة هناك؟
 
- نعم·· كانت مسلوقة·· وبابا يقول أهي من أجل أبو البايسكل عمار؟
 
- لا ليست كذلك·· ماذا فعلت بالبيضة؟·· أكلتَها؟
 
- لا لم آكلها·
 
- رميتَها إلى سلة الزبالة؟
صفحة 8
- كلا لم أرمها··
 
- ماذا فعلت بها إذن؟
 
- أرجعتُها إلى مكانها ورسمت عليها علامة الصح بالقلم الماجك لكي لا أُخرجها بالخطأ مرة أخرى··
 
- آه منك·· إذاً أنت تعرف أنها بيضتي المسلوقة ؟
 
- طبعا أعرف··· بابا يقول كانت ماما تحب الشاي بارداً والبيض المسلوق بارداً·
 
لا يدخل رأسه من نافذة السيارة قط إلا أن يقول السائق قد وصلنا·· يكون المكان هو الكوخ الذي وجده على ضفة بعيدة في دفتر الرسم، يشبه بيتاً صغيراً يحيط به البط وتعلوه غيمة واحدة·· يودعه أطفال الخط صاخبين· وعندما ينزل يجد ركناً بلا ناس تجاوره قنطرة تعبر عليها العنزات الثلاث·· يمر به الليل فلا يشعر بالخوف، ويأتي الغروب فلا يشعر بالوحشة·· كأن الخنفساء هي أجمل جارة ممكنة لشجرة البرتقال··· وتحتها بقايا جذور مغطاة بالتراب، وفوقها الأنجم هي نمنم أبيض اللون، والعنكبوت قد اختفى من الساعة التي تشير إلى العاشرة·· وبدون أن يعلم اختفت الخنفساء أيضاً تحت جذر الكمثرى اللذيذة·· هل تعلمت كيف تقرأ الساعة؟ نعم تعلمت·· كم الساعة الآن؟ العاشرة·· ثم يتركني ليتمرجح على الحبل الممدود بين عمود مستقيم وآخر معوجّ·· وهناك تمرجحت أنا أيضاً ذات يوم، ودفعنا الهواء العالي إلى أقصى الحديقة·
 
الوقت لا أشعر به يمضي، بين ليل أقضيه في نوم طويل ونهار يطير··· أفضّل الصمت على الكلام فوق صخرتي التي تشبه الجدار المهدم·· أتوسطها بين ورقتين من الخباز، وأنا أجلس في المنتصف· ألتفت يمينا ويساراً لشعوري بالأرق، ولكنّ الكل نائمون·· يدهشني أنني لم أكن أشعر بالحزن لذلك·· أنا لا أشعر بالخوف أيضاً·· لأني لن أتذكر الذي حدث، ولن أشعر بأني أريد أن أتذكر مرة أخرى·· لدي شعور مؤكد بأني سأرى أهلي مرة أخرى، عدا أخي·· وحده الذي شعرت بموته إلى الأبد، لأنه قتل في الحرب·· أتذكر ركضه يوم قتل في الحرب·· ومن ينزف ويتلطخ ثوبه بالدم الغزير يموت موتاً أخيراً بالنسبة لي، وكذلك من يسقط من مكان عال جداً فإنه سيموت الموت الأخير، ومن يموت غرقاً طبعاً·· أما أهلي، فهم في هذا المكان·· لم يركضوا في الحرب·· ولا سقطوا من مكان عال·· ولكنهم فتحوا الباب وخرجوا إلى الشارع ·· فتلطخت عيونهم بالملح·· وأصبحوا لا يشعرون بالخوف من هذا المكان·· لدي إحساس غريب بأن أهلي موجودون في هذا المكان، ولعلهم يبحثون عني الآن وسنلتقي في مكان جديد·· لن نركض أو نتحدث بصوت عال بعد الآن أو نتذمر من العمر الطويل··
صفحة 9
يكتب الكلمات على الطين بعود الرمان·· وعندما تضجر يده من الكتابة يحفر الدوائر حول الورود أيضاً··· يمنع استمرار هجوم الديدان عليها كأشياء قبيحة لا يحبها أحد···· يبعد عنها كل الديدان الكبيرة، وتلك التي خرجت من الأرض بعد أن كانت تشاركنا الطعام والمسكن·· كنت أرى آثارها بين الحشائش في يوم مطير، فأجدها أصبحت شفافة بلا لون وثمة مناطق وردية تشف عن عروق سوداء صغيرة تحت جلدها·· وكنت أعرف أنه يحبها،· وينظر إليها طويلاً أو يقرّب إليها عود الرمان اليابس لتتسلقه، أو يقيم سباقاً بين عدة مجاميع منها ليرى أيّاً منها تفوز بالوصول إلى نهاية العود اليابس·· ولا يفوز أحد·
 
اللعب مع تلك الديدان هي متعته الوحيدة لإزجاء الوقت·· وحثُّ عشر ديدان على التحرك كان مهمة شاقة، لأن أكثرها لايريد الفوز ويفضل الالتصاق في مكانه على العود·· إنه يدافع عن نفسه بالسكون، وعندما تداهم الحشرةَ حشرةٌ أخرى أكبر منها فإنها تلقي نفسها على الأرض وتتظاهر بالموت ثم تخرج من السكون وتعود للحياة عندما يزول الخطر····· ونحن أيضاً يجب أن نفعل ذلك، فلا نتحرك كثيراً ولا نبتعد عن الكوخ لئلا يأتي ذئب يريد اللهو بنا وافتراسنا···· ارتبكت وبكيت لأنه أضاع ممحاته ولم يستطع أن يصحح الكلمات التي أخطأ بكتابتها في درس الإملاء·· لماذا لم تشتر غيرها·· اشتريت عشراً وضاعت·· والمبراة الجديدة أيضاً لم أعثر عليها·· لماذا لم تشتر غيرها·· اشتريت عشراً وبقيت واحدة ثم ضاعت····· وفي درس الرسم أصبح قلمي صغيراً ولا يكفي للرسم··· ودفتري ممزق·· ومسطرتي انكسرت أيضاً ولم أعد أستطيع رسم الخطوط التي تشبه الدرج·· يمكنك حبيبي رسم الكثير من الأشكال بدون المسطرة·· كلا لا أعرف غير رسم الدرج·· وأين أضعتها؟·· هي التي ضاعت·· فأنا أضحك في أثناء الصلاة·· ويمكن لأني أضحك في أثناء الصلاة ضاعت المسطرة والممحاة والمبراة·· لا ليس لأنك تضحك في أثناء الصلاة·· ولكن لأنني لست في البيت·· قل لبابا يشتري لك غيرها·· نعم اشترى لي بابا واحدة غيرها·· وثلاثة أقلام كلها أصبحت صغيرة من كثرة القط·· والممحاة أيضاً أصبحت صغيرة لأني أخطىء كثيراً في الكتابة·· وفي درس الحساب ارتبكت وأخطأت الحساب·
 
- لا ترتبك حبيبي·· فأنا سأعود وأعلّمك العد من الواحد للمئة·
 
انتهى من حفر الدوائر على التربة بعود الرمان حول عشر ديدان خائفة لا تريد تسلق العود أو الوصول إلى نهايته·· دخل إلى البيت ثم خرج·· يسمع الموبايل يرن ولا يرد عليه·· لماذا لا ترد؟ ··كنت أَنظرُ إلى المقياس···إنه لا يتحرك·· ولا يقول··تك تك تك تك تك تك تك تك تك تك تك تك تك·· يجب أن أخبر بابا لكي يخبر أبو مريم بذلك عندما يأتي وأفتح له الباب·
صفحة 10
من جنات جرمانة إلى جنات البط
 
 
 
إنتصار وصلتْ الساحل الغربي من كندا بجواز مزور··· ولم ترفع رأسها إلى السماء لترى سرب البط البري الذي سبقها إلى الغابات المحيطة بمدينة فكتوريا ذات الطقس المعتدل والجمال الأخاذ، ولكنها أحنت رأسها إلى الأرض لتحمل حقيبتها من أرض المطار إلى كتفيها··· كان اليوم هو الجمعة، ويوم السبت يجب أن يأتي وهي خارج هذا الميناء·· تعال يا صالح تعال·· تعال يا فالح تعال·· ويا سامح تعال·· تعالي يا هيفاء وظمياء وشهباء·· تعالوا جميعكم إلى غرفة الضوء البهية·· والآن تعالي أنت يا انتصار من أجل التفتيش الحساس· وهناك في فصل الخريف عرضت انتصار كثيراً من حروق التنور على أنها آثار تعذيب وحشية، ووحمة خضراء في أعلى مؤخرتها على أنها موضع إبرة تخدير زرقت بها في غرفة التحقيق، أما إظفرها الذي وطأته زكية العوراء بقبقابها المعتبر وأزاحته من مكانه، فقالت إنه قد انقلع بعد التعذيب في قبو مظلم من أقبية المخابرات الجهنمية·· ومع ذلك فإنها تتوقع أن ينمو من جديد في جزيرة فانكوفر الساحرة، بعد أن لم يبق منه سوى حذافير الجلد الجاف الذي انكمش وتحول إلى اللون الأسود·· بكت وهي تعيد قولها المحبوك بعناية: تعمى عيوني إذا كنت أكذب···
 
لم يعرف المترجم العراقي، الذي كان يحمل شهادة البورد من جامعة بغداد في طب العيون، كيف يترجم الجملة الأخيرة التي تفوهت بها انتصار عن عمى العيون، ولكن الزمان هو الذي ترجمها بعد ثلاث سنوات عندما بدأ نظر انتصار يضعف شيئاً فشيئاً بدلاً من أن ينمو إظفرها من جديد في جنات البط·· ولم يكن يسمح لمنتصر، طبيب العيون بتطبيبها أو الكشف عليها، لأن شهادته لم تسعفه بالعمل في كندا إلا كمترجم مع المهاجرين الجدد الذي يأتون زرافات إلى هناك، ولكن المهم أنه طبطب على كتفها وطمأنها بأن تأمينها الصحي سيكفل لها ما تحتاجه من علاج ما دامت فوق الستين من العمر· فرحت انتصار وقالت:
 
- أحقاً يوجد هنا (تأميم) صحي؟
 
- نعم يوجد·
 
- الحمد لله والشفاء شفاء الله· 
 
 والسنة هي السنة العاشرة بعد أن مرت خمس سنوات تبعتها خمس سنوات أخرى على اليوم الذي هاجرت فيه انتصار إلى كندا في فصل الخريف، حصلت خلالها على الجواز الكندي ذي اللون القاتم، فلمّت شملها مع زوجها منصور الذي كان ممتنعاً عن الهجرة في البداية مع أنه يستحقها فعلاً بعد أن صلمت آذانه بسبب فراره من الجيش، وقطعت رجله بسبب لغم أرضي، واحترق سنامه بسبب تفجير استهدف وزارة النفط عندما كان ماراً بشارع فلسطين بالصدفة· يقضي جل وقته جالساً على الكرسي المتحرك قرب النافذة المغلقة، وانتصار هي التي تخدمه وتقدم له الطعام حتى تهدل كرشه وأصبح متحركاً يتنقل بين رجله المقطوعة ورجله المحترمة·· وعندما يأتي فصل الصيف وتدفعه انتصار إلى المتنزه العام، كان يلتقي بالكثير من مهاجري بلدته قرب النهروان في سلمان باك· يسأل عشرة منهم عن سبب هجرتهم من جرمانة إلى كندا؟ فيقول كل واحد منهم·· إنه تعبان ويريد أن يرتاح الراحة الأبدية· 
 
- هل كنتم في خطر؟
 
فيجيب ضاحكاً أحد الشباب:
 
- لا·· كنا في البحرين·
 
المترجم الذي جاء إلى كندا بمنحة أولبرليت، كان عازفاً عن العودة إلى الديار أكثر من سكان النهروان وأور ونينوى مجتمعين، ليس لأنه يحب شطيرة الأبل باي التي تقدمها مطاعم ماكدونالدز أو (البتيتة) المملحة التي تقدمها مطاعم الكي إف سي·· ولكن لأن زميله الذي أنهى المنحة وعاد إلى بغداد قد قُتل بكاتم صوت·· وزميله الآخر قد اختُطف واختفى بلا أثر·· والثالث لا يزال في السجن المركزي ينام مع صغار الصراصر على سرير معدني بتهمة التآمر على النظام الجديد·· كان منتصر يبتسم من طرف فمه بأسىً بعد تلك الجملة الأخيرة ويعدل نظارته الطبية ثم يخلعها ويمسح عنها الغبار·· أو البخار·· أو الدموع··
 
على كلٍ·· لا يوجد أكثر سعادة من زوج انتصار الذي كان يرسل نظره بعيداً من النافذة ويمتلئ بالفخر والسعادة على نعمة الوجود بقرب المنتزه في هذا المكان الجميل·· بدا أكثر سعاده بالهجرة حتى من زوجته انتصار التي بدأ شعرها يتساقط من قلة الشمس، ومفاصلها تذوب من البرد، وعيونها تضعف بشكل كبير·· في السبت تمر أمام عينيها ذبابة سوداء، وفي الجمعة تتحول الذبابة إلى غمامة·· وبعد ثلاثة أشهر استيقظت لتجد الدنيا قد اختفت·· أين أنت يا حاج؟ ··لا أرى شيئاً···· هل الموبايل معك؟·· اطلب لي منتصر المترجم ·· وتعال شوف ماذا حدث؟
 
جاءت سيارة الإسعاف وأخذتها إلى المستشفى في نقالة مريحة للغاية·· حملت الحقيبة الموجودة في الدرج المظلم وتركت خلفها الحاج منصور على كرسيه المتحرك وأمامه طبق من الرقائق المهروسة بالحليب·· الموبايل أيضاً وضعته بالخطأ داخل الحقيبة الرمادية، ثم تاهت بين الظلال وهي تتلمس طريقها إلى مصاريع الخشب الذهبية بعد أن نسيت النافذة التي تطل على المنتزه العام مفتوحة·· أليس هذا هو أفضل أو أفظع ما في الزهايمر؟ أنك لا تنسى النافذة مفتوحة وحسب ولكنك تنسى أيضاً أن تحزن على الكارثة التي يسببها ذلك النسيان·
 
وصلت انتصار المستشفى في السابعة صباحاً·· وفي الثانية عشرة ظهراً هبت عاصفة ثلجية·· وفي الواحدة بعد الظهر دخلت غرفة العمليات·· وفي الرابعة عصراً خرجت منها·· وفي السابعة مساءً كان الحاج منصور يصرخ بصوته الضعيف طلباً للعون بعد أن غمره الثلج من قمة رأسه حتى رجله المقطوعة·· خطية منصور·· انتقل بكرسيه المتحرك من المطبخ إلى غرفة الجلوس، ولكنه سقط على الارض وهو يحاول الوصول إلى النافذة التي تطل على مقبرة للكلاب·