eKtab
EN ع
اكتشاف جزيرة العرب - خمسة قرون من المغامرة والعلم
اقرأ عينة مجانية

اكتشاف جزيرة العرب - خمسة قرون من المغامرة والعلم

بقلم حمد الجاسر

صفحة 1
المقـدمة

بقلم الشيخ / حمد الجاسر

لا مغالاة فى القول بأن لكثير من علماء الغرب من مستشرقين وغيرهم ، يدًا طُولى فى إبراز معالم تاريخ جزيرة العرب ، وفى كشف ما خفى من آثارها ، فضلاً عما لهم من فضلٍ فى إحياء التراث الإسلامى ، والشرقى ، بوجه عام .

ولقد تصدى لذلك منهم فئتان : فئة عُنيت بنشر المؤلفات القديمة ، ومنها ما يتعلق بتاريخ العرب وجغرافية بلادهم ، نشرًا يبلغ الغاية فى تحقيق النصوص ، وتقريب إدراكها بالتبويب والترتيب ، ووضــع الفهارس الكاملة ، لمختلف موضـوعات تلك النصــوص ، بحيث أصــبح عملهم - فى هذا المجال - مثالاً يُحتذى ، فى الجودة والدقة، وبلوغ ما يُتَوخّى من نشر المؤلفات .

ومن الإنصاف ، بل من الاعتراف بالفضل لذويه ، القول بأن كُلّ مَعْنىٍّ بالبحث فى تاريخ الجزيرة وجغرافيتها ، مايزال عالةً على ما نشره أولئك المستشرقون وحققوه من المؤلفات القديمة عنها ، ولنتناول - على سبيل المثال لا الحصر - كتاب ( معجم البلدان ) لياقوت الحموى ، ويعتبر من أوفى المراجع عن الجزيرة بل عن البلاد الإسلامية فى القرن السابع الهجرى وما قبله ، فهذا الكتاب القيّم الضخم نشر ثلاث مرات ، مرتين فى القاهرة وبيروت ، والمرة الثالثة - وهى الأولى - تولاها المستشرق الألمانى ( فردنند وستنفلد ) منذ ما يقارب القرن من الزمان ، وشتان بين ما قام به العالم المحقق من جهدٍ وإتقان فى نشرته ، من حيث تحقيق النص ، والرجوع إلى مصادره ، ومن حيث وضع الفهارس المستوفاة الكاملة ، وبين ما قامت به داران كبيرتان تعتبران من أقوى دور النشر فى البلاد العربية . هذا العالم الغربى الذى لم تَحُلْ عُجمته ، وبعده عن العرب وعن بلادهم ، بينه وبين أن يُقدِم على مخطوطة قديمة أخرى ، تتعلق بجغرافية تلك البلاد ، وتبلغ مئات الصفحات ، مثل « معجم ما استعجم » لأبى عبيد البكرى الأندلسى فينسخها بخط يده ثم يتولى مقابلتها بأصح ما يعلمه من نُسَخ لتلك المخطوطة ، بعد أن يحصلها من مختلف مكتبات العالم ، ثم يقوم - بعد كل ذلك - بنشرها على خير ما عرف من طُرق النشر وأقربها للصحة ، وأيسرها للاستفادة ، بحيث لم يستطع ناشر عربى أتى بعده ، فوجد الطريق مُعَبّدًا ، أن يبلغ مبلغ ذلك العالِم الغربى فى الدقة والإتقان .

وقُلْ مثل هذا عن كتاب « صفة جزيرة العرب » للهمدانى ، الذى تولى نشره للمرة الأولى العالم النمساوى ( داود هنرى ملّر ) فأخرجه فى سنة 1884م - ما ستطاع آن ذاك - فى أتقن صورة ، وأوفى تحقيق بعد أن أضاف إلى الأصل من الفهارس ومقارنات النصوص مِثْلَيْه . وعن طبعته ونسخ مخطوطة لم يطّلع عليها نشرت ( دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر ) الكتاب بتحقيق العلاّمة الأستاذ محمد بن على الأكوع ، مؤرخ اليمن فى هذا العصر .

بل من ذا الذى ينكر فضل المستشرق الهولندى « دى خويه » ؛ إذ جمع عددًا من أمهات كتب الجغرافيا القديمة ، ونشرها - بعد تحقيقها ، والمقابلة بين أصولها ، والرجوع فى ذلك إلى كثير من المؤلفات - باسم ( المكتبة الجغرافية ) ؟‍‍‍

إن ما قام به هؤلاء العلماء الثلاثة يعتبر جزءًا يسيرًا مما قام به إخوانهم من العلماء الباحثين حيال التراث العربى الإسلامى ، بوجه عام ، مما لا تسمح المناسبة ؛ مناسبة كتابة هذه المقدمة ، بالتوسع فى الحديث عنه .

وقبل هؤلاء ، أتت فئة أخرى ، هى فئة الرواد من العلماء والمغامرين الغربيين ، الذين كشفوا كثيرًا من معالم جزيرة العرب وآثارها ، وعرفوا المجهول من مختلف أخبارها وأحوالها ، بعد أن جاسوا صحاريها ، واخترقوا فيافيها وقفارها ، ووصلوا إلى أصقاعها النائية ، وتوغلوا فى مجاهلها، مدفوعين بدوافع مختلفة ، مستهينين فى سبيل ذلك بجميع الأخطار والصعوبات ، مهما بلغت من شدة وعنف ، ضاربين أروع الأمثال بصبرهم وجلدهم ، وتحمّلهم لنمط من حياة الشظف والقسوة ؛ قَلّ أن يستطيع ابن الصحراء نفسه أن يجاريهم فى تحمّله فى هذا العصر .

ونجد أمثلة واضحة لمغامرات هؤلاء الرواد الأوائل فى هذا الكتاب الذى عرّبه الأستاذ قدرى قلعجى ، عن اللغة الفرنسية ودعاه « اكتشاف جزيرة العرب » فأضاف - بعمله المشكور ، من تعريب ، ونشر - إلى المكتبة العربية كتابًا جديرًا بالقراءة ، لا من المعنيين بالبحث والدراسة فى تاريخ الجزيرة وجغرافيتها وحدهم ، بل من كل قارئ عربى لم يتمكن من قراءته بلغته الأصلية .

لا أدرى أيؤخذ قارئ هذا الكتاب - كما أُخذت - بوضوح تصويره نماذج من مغامرات عدد غير قليل من الرحّالة الغربيين ، ممن استهوتهم « جزيرة العرب » بسحرها ، فهاموا فى قفارها، سعيًا وراء المجهول من أخبارها ، حتى أصبحت سِيَرهم وأخبار رحلاتهم جزءًا من أساطير تلك الجزيرة ، فى غرابتها واستهوائها للباحثين ؟‍ ولكننى لا أشك بأنه سيستمتع حقًا بما أبرزه هذا الكتاب من جوانب قوية ، من حياة بعض أولئك الروّاد ، وبما تميّزت به تلك الحياة - بنوع خاص - من التضحية ، والاستهانة بكل مشقة ، فى سبيل الوصول إلى نتائج ، عادت بفوائد جمّة ، على كل باحث فى تاريخ الجزيرة ، ودارس لأحوال سكانها ، بصرف النظر عن بواعث السعى للوصول إليها .

وقد لا يحتاج القارئ إلى السير معه - فى ثنايا الكتاب - لإدراك الجوانب المهمة من نتائج تلك الرحلات ، كالكشف عن آثار الحضارة العربية القديمة فى جنوبى الجزيرة ، والوصول إلى حل رموز الأبجدية الحميرية « خط المُسْند » حلاً أضاف معلومات جديدة ، عن حلقة كانت مجهولة لدى العرب أنفسهم ، من تاريخ ذلك الجزء من بلادهم ، فبرزت بفضل معرفة قراءة « المسند » فى آثاره ، من محافِد وسدود ، ودول تعاقبت الحكم فيه ، كالدولة « المعينية » و« السبئية » و«القتبانية» و« الحِمْيريّة » .

إلاّ أن بين ثنايا الوصف الموجز لتلك الرحلات - فى هذا الكتاب - لمحات قد يكون من فائدة القارئ أن يطيل الوقوف عندها .

فهذا الرحالة الذى عرف باسم « لويس فارتيما البولونى » والذى قام برحلته فى مطلع القرن السادس عشر الميلادى ( التاسع الهجرى ) فقاسى فى خلالها من العذاب ألوانًا من السجن والتعذيب ، وضروب الإهانة ، تجد فيما دوّن من أنباء رحـلاته وصفًا أخّاذًا لميناء « جـازان » قد لا تجده فى أى مؤلَّف عربى ، ألّف فى ذلك العهد أو قبله (ص 39) .

ثم هذا الرحالة - رغم كل ما قاسى من ضروب العذاب - قدّم لأبناء جلدته من الأوروبيين معلومات كانوا يجهلونها عن « مناسك الحج » وعن مدينتى « مكة » و« المدينة » على جانب كبير من الصواب ، فى عصر كان أولئك لا يعلمون شيئًا فى هذا المجال .

وتبرز رحلة الربان الهولندى ( فان دون بروكه ) ميناء ( المَخَا ) أعظم ميناء فى اليمن فى مطلع القرن السابع عشر ، هذه البلدة التى اقترن اسمها عند الغربيين باسم ( البُنّ ) منذ كانت المرفأ التجارى لتصديره ، إلى أن أوشكت أن تزول من الوجود فى عصرنا هذا .

ويصف هذا الرحالة الهولندى ( ص67) مظاهر الترف فى حياة ولاة اليمن من الأتراك ، إبّان سيطرتهم عليه ، ويُسجل ظاهرة غريبة فى طريقة حكم هؤلاء لتلك البلاد فيقول ( ص67) : « وكان هذا الباشا الكثير البذخ، قد وسّع سياسة الرهائن للاحتفاظ بسلطته على العشائر العربية. ويذكر أن عدد الرهائن قد بلغ الألف ما بين رجال ونساء وأولاد ، من إخوة وأخوات وأبناء عظماء المقاطعات التى أخضعت بهذه الوسيلة » . هذه الظاهرة السيئة التى بقيت إلى عهدنا هذا .

وقَلّ أن نجد وصفًا - فى الكتب التى بين أيدينا - أبدع ولا أقرب إلى الحقيقة من وصف «دكسيتر» لقوافل الحجاج ( ص 74) وهو إنجليزى اختطف ثم بيع واستُرق وجاء إلى مكة فى الربع الأخير من القرن السابع عشر .

وتتجلّى للقارئ بوضوح ، قسوة الحياة التى يعانيها أولئك المغامرون فى قصة ( بعثة جامعة غوتنجن ) التى بعثها ملك الدانمارك إلى الجزيرة فى عام 1761 فلم يعد منها سوى العلامة نيبور ، وابتلعت الجزيرة الأربعة الآخرين ، إلاّ أن ما أسداه نيبور من يدٍ فى ميدان البحث يخفّف ألم الفجيعة بفقد تلك النخبة المختارة من العلماء المغامرين .

أما الرحالة الألمانى « ستيزن » الذى ادّعى الإسلام ، وحج عام 1810 ، ورسم مخططًا للمدينة المنورة ، والذى بواسطته عرفت أوروبا لأول مرة الكتابة الحميريّة ، فلم يكن أسعد حالاً من ( بعثة جامعة غوتنجن ) لقد توفى مسمومًا فى سجن ( تعزّ ) ! .

فيما سجله الرحالة الدانماركى الأستاذ « كارستين نيبور » - الذى وصفته المؤلفة ( بحقٍّ ) بأنه النموذج الكامل للرائد العالم ذى النزعة الإنسانية - تستوقف القارئ العربى ملاحظتان مهمتان من ملاحظاته :
صفحة 2
1 - عن سكان الساحل الشرقى للخليج العربى ، حيث يقول (ص 125) : « لقد أخطأ جغرافيونا - على ما أعتقد - حين صوروا لنا جزءًا من الجزيرة ، خاضعًا للفرس ، لأن العرب هم الذين يمتلكون - خلافًا لذلك - جميع السواحل البحرية للإمبراطورية الفارسية ، من مصب الفرات إلى مصب الأندوس ، على وجه التقريب » . ثم يسترسل نيبور فى إيضاح هذه الملاحظة بإيراد الأدلة التاريخية التى شاهد صحتها وأدلتها ، ويسوق فى معرض الحديث عن فزع ملوك الفرس من النفوذ العربى فى تلك السواحل (ص 126) قولـه : « وكان نادر شـاه قد رسم خطة تقضى بإلقاء القبض على هؤلاء العرب ، ونقلهم إلى سواحل بحر قزوين ، وإحلال الفرس محلهم ، ولكن مصرعه حال دون تنفيذ هذه الخطة ، وحالت الاضطرابات المستمرة فى بلاد الفرس دون اعتدائهم على حرية هؤلاء العرب » .

2 - ويصف نيبور الحركة الدينية الإصلاحية التى شاهد تباشيرها فى أطراف الجزيرة ، وصف العالم المتجرد من كل غاية لا تمت إلى الحقيقة ، فى وقت كان علماء المسلمين أنفسهم فى جميــع ولايات السـلطنة العثمانية ، يحـاربون تلك الحــركة ، ويصمونهــا بكــل ســوء ، فيقــول (ص 130) : «إن أعداءهم يحاولون أن يظهروا مذهبهم بمظهر سيّئ ، وأن يعملوا على تبغيضه ، بتصويره على غير حقيقته ، وأن ينسبوا إليه ما لا يقول به أو يدعو إليه» .

وقد أدرك هذه الحقيقة - فيما بعد - الرحالة الأسبانى « دومنغو باديا آى لبليخ » الذى أسلم وسمى نفسه « الحاج على بك العباسى » حينما جاء إلى مكة حاجًا فى سنة 1806 ، وشاهد موكب الإمام سعود بن عبد العزيز فى ذلك العام ، فقد سجل فى مذكراته قوله (302) : « الحقيقة تفرضعلىّ أن أعترف أننى وجدت جميع الوهابيين(1) الذين تحدثت إليهم على جانب من التعقل والاعتدال ، وقد استقيت منهم كل المعلومات التى أوردتها عن مذهبهم » .. إلى أن قال: «إن الناس لم يفهموا المعنى الإصلاحى لهدم المزارات وتقويض أضرحة الأولياء التى كان المؤمنون يؤدون لها واجب الإجلال ، وقد كاد هذا الإجلال يتحول إلى نوع من العبادة التى لا تجب إلا لله وحده » .

ولعل من المفيد - ما دمنا بصدد الحديث عن هذه الدعوة الدينية الإصلاحية - أن نشير إلى رأى للكاتب الفرنسى « ألكسندر دوماس » على جانب كبير من العمق فى إدراك ما كان متوقعًا لتلك الحركة من الانتشار ، فقد قال (ص 257) : « إن الإصلاح لوشيك الحدوث ، من القوقاز إلى رأس زنجبار ... إن مائتى مليون مسلم اليوم يتعادون ويتنازعون ، تجمعهم نقطة عقائدية واحدة هى الحج .. ولكن المستقبل فى غمرة كل ذلك للوهابيين وحدهم ، ولمذهبهم الذى يختفى أمامه ألوف الأولياء ، وأمام مبادئهم الخلقية التى تكاد تكون إنجيلية ، ينمحى ذلك الانحلال الشرقى المنتشر فى أكثر العواصم » . قال دوماس هذا القول ، والضعف يدب فى مفاصل حكومة الإمام فيصل بن تركى ، والسيطرة الخارجية تقطع أجزاءها جزءًا فجزءًا ، ومع ذلك فقد تحققت نبوءة هذا الكاتب .

وتقول مؤلفة كتاب « اكتشاف جزيرة العرب » (ص 131) ، عن الرحالة « نيبور » : « وتكمن إحدى مآثر نيبور العديدة فى أنه أدرك الأهمية التى كانت الحركة الوهابية مزمعة أن تحرزها وهى ماتزال فى مهدها ، وفى أنه أعطى أوروبا عنها معلومات صحيحة وقد أمَرّها بغربال حكمه الموضوعى الدقيق ، ونزهها عن كل هوى » . ويحسن أن يضاف إلى قول الكاتبة الفاضلة : بأن الباحث العربى يجد فيما سجله نيبور عن رحلته حقائق عن سكان شرق الجزيرة العربية ، وعن أحوال ذلك القسم من بلادنا ، يلقى أضواء بدونها لا نتبين معالم تاريخ ذلك القسم ، على ما تتصف به تسجيلاته من إيجاز .

ولعل من أمتع فصول هذا الكتاب ، الفصل المتعلق بـ « اكتشاف عسير » (ص 000) حيث تتجلى فى هذا الفصل ما تتصف به المؤلفة من روح علمية منصفة ، تتحرى الحقيقة ، فقد ربطت بين الحديث عن إقليم عسير وبين حملة محمد على - والى مصر - للقضاء على حكم آل سعود ، مشيرة إلى ما جرّته هذه الحملة المشئومة على تلك البلاد من خراب ، وما نشرته بين قبائلها من فوضى ، ولن يعدم القارئ - بين فصول الكتاب الأخرى - لمحات خاطفة تبرز الغزو التركى المصرى لبلاد العرب مجردًا من معانى الإنسانية والأخلاق ، بخلاف ما أضفى عليه من صفات الدفاع عن الإسلام من قبل طائفة من المؤرخين ، المشوهين للحقائق ، وكيف يكون مدافعًا عن الإســـلام من لا يتورع عن إسناد الحكم فى إحدى المدينتين الكريمتين إلى ( توماس كيث ) من فرقة ( الهايلندرز الـ 72 ) - ص 171 - ولا يجد وازعًا من دين أو خلق عن إتلاف المزروعات ، وهدم المنازل ، وقطع الرءوس ، وصلم الآذان ، وذبح الأسرى ، وغير ذلك من مظاهر الهمجية والوحشية ، مما صوّره الرحالة الفرنسى « موريس تاميزيه » الذى رافق الحملة المصرية إلى عسير، بكل مرارة وأسى .

لا يزال ( إقليم عسير ) مفتقرًا إلى مراجع تاريخية ، كغيره من أقاليم الجزيرة - باستثناء الحجاز - ولهذا فإن المجلدين اللذين سجل فيهما هذا الرحالة - الذى زار ذلك الإقليم كاتبًا لأحد أطباء الحملة الفرنسيين ، مشاهداته وملاحظاته - يعتبران من المراجع المفيدة عن هذا الإقليم .

ولعل فى سرد أسماء بعض المواضع التى مَرّ بها الرحالة ، وسجل عنها بعض المعلومات ما يرسم لنا معالم تلك الرحلة .

سار الجيش من جدة فى السابع عشر من أيار سنة 1734 متجهًا إلى الطائف ، مارًّا ببَحْرة - حَدّاء - وادى فاطمة - بئر البرود ، وعندها شاهد (تاميزيه) أطلالاً وصفها بالأهمية ، من الناحية الأثرية ، وتحدث عنها بإسهاب - كما تحدث عن سكان قرية السَّيل من قبيلة « عُتيبة » بعد اجتيازه قرية الزَّيمة ، ولما بلغ الطائف وجد مجال الوصف ذا ســـعة ، فرسم فى وصـــفها صفحاتٍ فيها إبداعٌ ، وفيها صـــدق تصــوير ، ثم تابع الجيش ســيره صـوب عسـير ، فجــــزع وادى ضَــرَاء (195 : درة خطأ) فوادى رنيَة ( لا رينة كما فى ص 172 ودنْيَة ص 195 ) فوادى هِرجاب ، فوادى شهران ، حتى بلغ قرية خميس مُشَيْط ، حيث دارت رحى المعركة .

وعند العودة من الرحلة اتخذ رحالتنا ساحل تهامة طريقًا له ، مجتازًا بلدة أبى عريش ، متابعًا رسم لوحاته لكل مكانٍ يمر به ، مصورًا كل حادثة تلفت نظره ، ببراعة ووضوح .

لن نسير مع ( بر كهارت السويسرى ) مؤلف كتابى «رحلة إلى بلاد العرب» و « ملاحظات عن البدو » الذى زار الحجاز عام 1814 و « دومنغو باديا آى لبليخ الأسبانى » المعروف باسم الحاج على بك العباسى الذى شاهد موكب الإمام سعود بن عبد العزيز فى مكة سنة 1806 ، فهما على جانب عظيم من الشهرة فى عالم الرحالين ، ومؤلفاتهما ماتزال معينًا مورودًا للباحثين ، غير أن مما يستدعى العجب ما لقيه الرحالة الأسبانى ، الذى ظهر بمظهر وجيه من سلالة بنى العباس ، من شريف مكة من حفاوة ورعاية ، قَلَّ أن يحظى بهما من هذا الوالى أحد من أبناء جلدته ، فهل كان ذلك عن مجرّد بلاهة يتصف بها هذا الوالى ، أم أن وراء الأمر ما وراءه ؟! إن مما لا شك فيه أن بلاهة شريف مكة - أيًّا كان باعثها - قد عادت بفائدة ذات أثر حميد على البلاد ، وعلى الباحثين فى تاريخها ، بوجه خاص .

وماذا عن القسم الشمالى من نجد ، مقر إمارة « آل رشيد » ؟

لقد زارت نبيلة إنجليزية تدعى « الليدى آن بلانت » هذه البلاد ، فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، إبّان حكم الأمير محمد بن عبد الله الرشيد ، أعظم أمير رشيدى ، امتدّ حكمه حتى شمل نجدًا كلها . وقد اشتمل المجلدان اللذان تضمنا أخبار تلك الرحلة ، على الكثير من الشائق من أنباء ذلك الحاكم ، ووصف بلاده فى عهد حكمه . وأما ما قبل ذلك فإن المعلومات الوافية عن تلك الإمارة ماتزال تعوز الباحثين(2) .

ولقد قام الرحالة الفنلندى « جورج أوغست والان » برحلتين إلى مدينة حائل بين عامى 1845 و1848 فى عهد الأمير عبــد الله بن رشـــيد ، مؤسس الإمارة الرشــيدية ، ويمكن القــول - اعتمادًا على النماذج الموجزة التى نقلتها مؤلفة هذا الكتاب ( فى الصفحات 200 إلى 211) مما دوّنهمن مشاهدات أثناء رحلته ، عن حائل ، وعن بلاط ابن رشيد ، وعن أسلوب حكمه - بأن المعلومات التى سجلها تصلح أساسًا يعتمد عليه ممن يعنيه دراسة أحوال تلك الإمارة(3) .

من خلال هذه اللمحات القصيرة تبرز للقارئ قيمة هذا المؤلَّف ، لا من حيث شمـولـه لمعــلومات ودراســات تاريخية فى مجال الريادة والرحـلات ، بل لأنه يبســط أمام القارئ العــربى - المعنىِّ بدراسة تاريخ الجزيرة - ميدانًا واسعًا ، ممهد الطرق ، واضح المعالم .

لقد قسرتنا مقتضيات العصر الحديث على مجاراة الغربيين فى سنن الحياة اليومية ، فى البيت، وفى الشارع ، وفى المدرسة ، وفى كل مكان ، ألا يجدر بنا أن نسعى لمجاراتهم فى مضمار البحث والسعى لإدراك الحقائق العلمية ، بنفس الأسلوب الذى وطّن هؤلاء الرواد المغامرون أنفسهم على الأخذ به ، لتكييف حياتهم تكييفًا يمكنهم من الوصول إلى الغايات التى يسعون إليها؟!

إن القارئ العربى كثيرًا ما تعتريه حالة من الريبة والشك حيال كتابات الغربيين عن العرب ، وهى حالة مع منافاتها للحكمة العربية القديمة : (الحكمة ضالّة المؤمن يلتقطها حيث وجدها) لا تتفق مع المنطق القويم فى شىء، فالحقُّ يجب قبوله ، أيًّا كان مصدره ، والباطل لا يتوقف رفضه على معرفة مصدره ، وأولئك - بحكم بعدهم عنا ، وجهلهم لأحوالنا فى الماضى - تشوب كتاباتهم عنا شوائب من الخطأ ، لا ينبغى أن تكون حائلاً بيننا وبين المعرفة ، بل الأجدر بها أن تكون من الحوافز التى تدفعنا إلى معرفة كل ما يكتب عن بلادنا وتاريخنا ، لنقبل الحق وننتفع به ، وننفى الزيف ونأباه .

ثمّ الكمال - من قبل ومن بعد - لمن له الكمال .

حمد الجاسر
صفحة 3
الجزء الأول

رفـع السـتار

شبه الجزيرة العربية القارة المفقودة

إذا ما اتخذنا وجهة النظر الأوروبية ، وهذا ما سنفعله هنا ، أمكننا القول إنه اعتبارًا من القرن الخامس للميلاد ، وحتى يقظة الرغبة الكبرى فى المعرفة خلال عصر النهضة ، لم تكن لأوروبا أية فكرة عن شبه الجزيرة العربية .

كانت قارتنا الأوروبية قد سادها جهل يكاد يكون مطبقًا ، بعد أن طغت على الحضارة الرومانية التى عرفتها ، موجات الغزو البربرية فى القرنين الرابع والخامس . وقد احتفظت الأديرة بشىء من المعرفة القديمة فى المخطوطات التى كانت تنسخ فيها بكثير من الصبر . كانت أوروبا تتقدم متخذةً مركز ثقل قارى لها فى إكس – لاه شابيل أو فى رافس ، أما العالم الإغريقى – اللاتينى ، فقد كان البحر الأبيض المتوسط قلبه النابض .

كانت التجارة ، والحروب ، فيما سلف ، ما بين سواحل هذا البحر الذى نشأت حوله أولى حضارات العالم . وكان أغنياء الإغريق والرومان يستهلكون يوميًا أفاويه الهند ، والكهنة يحرقون أمام آلهتهم بخور بلاد العرب ، والجيوش تحارب الفرس أو هنيبعل ، ولكن بالنسبة إلى أوروبا البرابرة ، لم يكن البحر سوى حدٍّ وسور لا يمكن تجاوزهما .

إن هذا الفاصل ما بين أوروبا من جهة ، والشرق من جهة أخرى ، قد ازداد عمقًا منذ أن ظهر الإسلام . فمنذ أن جهر محمد بالنبوة سنة 622 ، أُعلن الجهاد المقدس فى الشرق . وقد أوقف ذلك ، بادئ ذى بدء ، نشاط التجار الذين تهيبوا السفر إلى بلاد تسودها الحروب ، وسرعان ما أصبح على جانبى البحر الأبيض المتوسط لا حضارتان متباعدتان فحسب ، بل عالمان متعاديان .

ثم اجتاحت الجيوش الإسلامية فى اندفاعها الجبار الذى لا يقاوم سوريا (633) ، وفلسطين (638) ، وبلاد ما بين النهرين (640) وأرمينيا وجورجيا وقوقازيا (642) ، ثم بلاد الفرس ، وكردستان ، وآذربيجان ، وعيلام ( سوزيان ) وفارسيستان ، حتى بلاد آمود أريا ( الأوكسوس) حيث أوقفت تقدمهم مقاومة الأتراك .

ولم تقف الجيوش العربية عند سواحل البحر الأبيض المتوسط ، وإنما اجتازت هذا البحر واحتلت الجزر الواقعة فى القسم الشرقى منه ، كما أنها غزت ، فى الوقت ذاته ، جميع البلدان الساحلية : مصر (642) ، وليبيا ، وطرابلس الغرب ، والمغرب ، ولم تتوقف إلا عند شاطئ المحيط الأطلسى .

وبعد فترة من الهدوء المؤقت دامت ثلاثين سنة ، بسبب النزاع على الخلافة ، بلغت الجيوش العربية فى حربها مع الأتراك واحات أفغانستان ، وأبواب الصين ، ومقاطعة السند كلها فى بلاد الهند (707) ، أما فى غربى البحر الأبيض المتوسط الذى احتلت جميع جزره ، فقد أخضعت قرطاجة العاصية ، وسحقت البرابرة ، واتجهت من هناك شطر أسبانيا فاحتلتها بكاملها (710) ، ثم تدفقت موجة الفتح العربى منها إلى ناربون (719) ، وقرقاصون ، ونيم ، وبروفانسية ، وصعدت نهرى الرون والصون حتى بورغونية ، وأخيرًا حتى اللوار . وهناك تمكن شارل مارتل من إيقاف زحف الجيوش الإسلامية فى بواتيه (732) ، واضطرها إلى التراجع حتى ناربون . وأوقف الزحف العـــربى فى الوقت ذاته أمام بيزنطة ســـنة (743) ، فكانت تلك هى الحدود التى قُدّر له ألا يتخطاها أبدًا .

لقد وضعت موجة الفتح المتدفقة فاصلاً ماديًا ما بين أوروبا وبلاد العرب . وقد أنشأ العرب خلال القرون التى أعقبت الفتوحات فى إمبراطوريتهم التى كانت تضم أسبانيا ، حضارة باهرة ، فاتنة ليس بأبهتها فحسب ، بل بازدهار العلم والفكر أيضًا . ويخيل إلينا أن الغرب أخذ آنئذ يتعرف إلى بلاد العرب ، مهد الإسلام الذى كان الغربيون يرتادون جامعاته .

على أن هذا التعرف لم يكن كافيًا ، لأن العرب المنتصرين ، الخارجين من الصحراء العربية ، كانت انتصاراتهم قد تغلبت عليهم ؛ فقد جعلت منهم الإسكندرية ومكتبتها الشهيرة قومًا متعلمين ، وهؤلاء العرب الذين فتنتهم المعرفة ، والجمال ، والترف ، والذين كانت عواصمهم قد غدت بغداد ، والقاهرة ، وطليطلة ، لا مكة والمدينة ، أخذوا يحتقرون الأرض الجحود اللاهبة ، التى خرج منها أجدادهم لغزو العالم .

لقد أصبحت الجزيرة العربية مهملة من جديد ، ولم يعد يهتم بالتعرف إليها أبناؤها الذين استوطنوا - خارج حدودها - بلدانًا نشأت فيها أقدم حضارات العالم .

ولكن بعض الرواد المسلمين ، حاولوا بعد انقضاء عدة قرون على ذلك ، التعرف إليها من جديد . فزار ابن بطوطة فى سنة 1328 مكة ، واليمن ، وظفار ، وعمان ، ولذا أمكننا اعتباره أول رائد عصرى لشبه الجزيرة العربية . بيد أن هذا الاستكشاف الكثير النواقص لم تفد منه أوروبا التى لم تستطع قراءة ما كتبه ابن بطوطة وغيره من أغلب المؤلفين المسلمين ، إلا خلال القرن التاسع عشر حين كانت معرفتها ببلاد العرب قد تجاوزت ما كتبه المؤلف القديم .

بلغت الحضارة الإسلامية أوجها ما بين القرن الثامن والقرن الحادى عشر ، وكانت هذه الفترة فترة استراحة فاصلة بين تدفق الموجتين المتعاكستين : الموجة الدافعة بالإسلام إلى غزو الغرب ، والموجة المهيبة بالغرب إلى مهاجمة العالم الإسلامى ، لاستعادة قبر المسيح والأماكن المقدسة .
صفحة 4
دخل الصليبيون من بلاد بيزنطة ، إلى بلاد فلسطين وحدود الجزء الشمالى من شبه الجزيرة العربية ، فهل أتاح لهم ذلك أن يتصلوا اتصالاً مباشرًا بشبه الجزيرة المجهول ، الغامض ؟

لقد ساد السلام سنة 1881 ما بين مملكة القدس التى كان يحكمها بودوان دى انجو الرابع ، وجيرانها المسلمين . وكان هذا الملك الشاب الذى قرض البرص أطرافه ، شخصية مسيحية أسطورية ، تتغلب لديها القيم الروحية على كل شىء آخر .

على أن صاحب إحدى إقطاعاته المعروف باسم رينولد دى شاتيون ، ذا الدم الفوار ، سيد الكرك ، الذى مثله رينيه غروسه ، فارسًا قاطع طرق ، تنم ملامحه عن التوحش ، وممثلاً للطبقة الإقطاعية الدموية السلابة فى الغرب ، تحول فى الشرق إلى بدوى فرنسى لا يفهم الحرب إلا فى سبيل الغزو ... إن رينولد هذا لم يكن يشبه مولاه ، وقد دفعته روح النهم والطمع المستبدة به ، التى أثارها ما كان يسمعه عن الكنوز المكدسة فى معبد المدينة ، إلى القيام بتجاوز الحدود ، ودخول شبه الجزيرة العربية ، غير مكترث بالمعاهدات التى كان مـــولاه ملك القدس قد وقــع عليها .

تقدم رينولد ورجاله فى صيف عام 1881 فى القسم الصحراوى من شبه الجزيرة المجاور لتخوم إقطاعته ، ولم يتمكن من بلوغ المدينة ، ولكنه فاجأ قافلة آمنة متجهة من دمشق إلى مكة ، وسلبها كل ما كانت تحمله .

أسف بلاط القدس لنبأ هذه الغزوة كل الأسف ، وتملكته من جرائها الحيرة ، واشمأز بودوان الرابع من هذا العدوان كل الاشمئزاز ، ولكنه عجز عن حمل صاحب إقطاعته على إعادة الأسلاب إلى السلطان صلاح الدين ، واضطر مرغمًا إلى التسليم بالحروب التى أعلنها دى شاتيون على العرب بتلك الطريقة .

واغتنم دى شاتيون فرصة تساهل مولاه ، فاحتل ميناء حربيًا واقعًا على خليج العقبة ، ونقل إليه على ظهور الجمال ، سفنًا فلسطينية مفككة ، أعاد تركيبها فيه . وما كادت هذه السفن الخمس الكبيرة تصبح جاهزة ، حتى وجهها مع خمس سفن هجومية صغيرة ، لمحاصرة جزيرة «غراى» لإشغال الجيوش الإسلامية ، وأرسل العدد الأكبر من قطع أسطوله يجوب شواطئ البحر الأحمر ، ويعكر صفوها ، ويلقى فيها الذعر من سنة 1182 إلى سنة 1183 .

نزلت قوات رينولد دى شاتيون على أحد شواطئ الحجاز ، واستعدت للزحف على المدينة .

ولكن صلاح الدين ، من جهته ، أمر بتفكيك بعض السفن ونقلها من مصر إلى البحر الأحمر ، لإنجاد العرب المروعين . واستعد أمير أسطوله للقيام بهجوم معاكس على سفن رينولد ، فأسر السفن التى كانت تحاصر جزيرة « غراى » ، ثم أخذ يطارد جنوده ، وأدرك السفن التى كان بحارتها يحاولون الالتحاق بالجنود المتوجهين لمهاجمة المدينة المقدسة ، ودمرها . وعند المضايق الصحراوية الواقعة على بعد مسيرة خمسة أيام من البحر الأحمر ، ومسيرة يوم واحد إلى المدينة، هوجم الجنود الثلاثمائة من الفرنجة الذين كان قد انضم إليهم عدد من « الفراريين » المسلمين ، وتم القضاء على معظمهم . وأُعدم فى مكة والمدينة عدد من المائة والسبعين جنديًا الذين نجوا من الموت فى المعركة ، واقتيد الباقون أسرى إلى مصر ، ولم ينج بالفرار أحد منهم . ويذكر ابن جبير أنه شاهد جنود الفرنجة لدى وصولهم « مربوطين على ظهور الجمال ، وقد أديرت وجوههم نحو ذيولها إمعانًا فى إذلالهم ، بين قرع الطبول والصنوج ، وهتاف الشعب . وقد حزت أعناقهم فيما بعد » .

وهكذا ظلت شبه الجزيرة العربية مصونة الحمى . ولم تلبث فلسطين أن سقطت بكاملها فى أيدى المسلمين .

وجاء فتح الأتراك العثمانيين فغمرت جيوشهم البلقان ، وبيزنطة ، وشرقى البحر الأبيض المتوسط ، وبسط الخلفاء الأتراك سلطانهم على معظم البلدان الإسلامية ، ولكن شبه الجزيرة العربية ، ظلت ممتنعة على الفتح التركى ، بفضل صحرائها التى هلكت فيها عطشًا الجيوش التى وجهها السلطان سليمان سنة 1550 .

وبما أن الأتراك كانوا قد اعتنقوا الإسلام ، فقد ظلت إمبراطوريتهم ، بالنسبة إلى الأوروبيين عالمًا مغلقًا معاديًا ، شأن الإمبراطورية العربية ، ووقفت أوروبا والإسلام وجهًا لوجه كعالمين كل منهما غريب عن الآخر ، يتعذر تداخلهما ماديًا وروحيًا .

وهكذا أسهمت القطيعة ما بين ساحل البحر الأبيض المتوسط الناجمة عن غزوات البرابرة ، وحرب الإسلام المقدسة الهجومية ، ونسيان الحضارة الإسلامية لمهد روادها الأوَل ، ومقاومة الجزء الصحراوى من شبه الجزيرة العربية لغزوة رينولد دى شاتيون ، الغزوة المسيحية الوحيدة ، والعداوة الدينية المزمنة ، كل هذه أسهمت فى أن يسدل ما بين أوروبا الناشئة وشبه جزيرة العرب، ستار كثيف من الجهل الشديد .

لقد كان كل ما يعرفه الأوروبيون أن النبى محمدًا ولد فى شبه الجزيرة العربية ، وأن اسم المدينتين المقدستين فيها : مكة والمدينة . وكان يسود اعتقاد خاطئ بأن جثمان النبى محمد معلق فى الهواء فى معبد مكة . ولم تكن أية سفينة أوروبية تزور سواحل شبه الجزيرة العربية ، ولم يكن يدخلها أى مسيحى ، إلا إذا اعتنق الإسلام ، وتخلق بأخلاق العرب ، وساكنهم .

على أن الاهتمام بالتبشير بالإنجيل فى بلاد الحبشة المسيحية ، المقابلة لشبه الجزيرة العربية، كان قد حدا بالبابا يوحنا الثالث إلى أن يرسل إليها الراهب الدومينيكى ، غليوم آدم ، الذى يرجح أنه كان فرنسيًا ، فتمكن من مسايرة حدود شبه الجزيرة العربية .

لقد توجه هذا الراهب فعلاً إلى هرمز الواقعة فى مدخل الخليج العربى ، ومنها إلى عدن حيث مكث سنتى 1313 و1314 ، ثم أبحر نحو جنوبى إفريقيا ، بعد أن قضى تسعة أشهر بين ظهرانى السكان المسيحيين فى جزيرة سقطرة . ثم عاد إلى فرنسا، وتوفى فى البلاط البابوى فى آفينيون .

يدلنا هذا على أن ثمة عددًا صغيرًا جدًا من الأوروبيين لم يكن يجهل جهلاً تامًا شئون المحيط الهندى فى القرن التاسع عشر ، وأحوال الملاحة والتجارة فيه ، والدور الاستثنائى الذى كانت تمثله عدن ، والمطامع التى كان يستثيرها هذا المرفأ الكبير . وقد برهن هذا الراهب ، فى الوقت ذاته ، على بعض الآراء الفلكية السابقة لعصره ، إذ إنه قدّر فى آن واحد أن الأرض كروية ، وأن فى الإمكان الوصول إلى الجانب الجنوبى من إفريقيا الذى كان موقعه مجهولاً .

ولكن هذه الحالة النادرة تؤلف الشذوذ المثبت للقاعدة ، والمبين للجهل المطبق الذى كان يتخبط فيه الأوروبيون فيما يختص بشبه الجزيرة العربية .

لقد كان شبه الجزيرة العربية ، البالغة مساحته خمسة أضعاف مساحة فرنسا ، المتعذر الوصول إليه ؛ لأن شواطئه مغلقة على البحر الأبيض المتوسط بمجموعة من البلدان الإسلامية المعادية ، المعروف لدى القدماء رغم اعتبارهم إياه غريبًا - كان شبه الجزيرة هذا ، بالنسبة إلى الأوروبيين الجدد ، عالمًا مفقودًا ، عالمًا يستثير التشوق أكثر من قارة مجهولة ، ليس لأنه يخفى بقاعًا يجب استكشافها ولا علم لأوروبا بشكلها وحقائقها فحسب ، بل لأنه كان يشكل إطارًا لحضارتين : حضارة إسلامية بمدنها المقدسة الغامضة ، وحياتها الاجتماعية ، وعاداتها ، وسكانها، وحضارة عريقة فى القدم لم يكن يعرف الناس - إلا تخمينًا - أنها كانت من أغنى الحضارات فى العالم القديم . فكانت الرغبة فى المعرفة هى التى أهابت بأوروبا إلى اكتشافها من جديد .
صفحة 5
من خـلال كتـب القـدماء

اضطرمت نار حب الاطلاع ، والمعرفة ، والاكتشاف فى أواخر القرن الخامس عشر . فأعار ملوك البرتغال القباطنة المعروفين بالجرأة والإقدام ، مراكب سيروها على طول ساحل إفريقيا الغربى لاكتشاف بلدان جديدة . وبينا كان هؤلاء يمخرون عباب البحار عكف آخرون على مطالعة ما اكتشفوا من كتب الأقدمين ، وعثروا فى خلالها على التاريخ القديم ، والمعارف التى اكتسبها البشر قديمًا .

وأيقظت هذه الاكتشافات العقول ، فأخذت تتساءل عن كل شىء : عن النجوم ، وشكل الأرض ، والشعوب ، والعادات ، والقارات المجهولة ، والقارات التى كانت معروفة فيما مضى .

وطفق الناس يقرأون التوراة بأعينٍ جديدة ، فأدركوا أنها تضم بين دفتيها تاريخًا إلى جانب الحكمة والدين .

عندئذ سقط الحجاب عن وجهٍ من وجوه شبه الجزيرة العربية ، كان قد أهمل فى عالم النسيان منذ ما يقارب العشرة قرون ، وأخذ ينبعث من خلال الرقوق المصفرَّة .

قرأ الناس فى التوراة ، فى سفر الملوك ، أن سليمان - وقد أدرك أن فى الإمكان الإبحار إلى بلاد أوفير نزولاً بالبحر الأحمر للبحث عن الثروات المدهشة - بنى أسطولاً فى ميناء أيزيون جابر، وأن مراكبه عادت من بلاد أوفير حاملة أربعمائة مَنٍّ ذهبًا ( سفر الملوك – الإصحاح 11 الرقم 28 ) . فأين يقع ميناء سليمان هذا ؟ وأين تقع بلاد أوفير هذه بنوع خاص ؟

ولكن الأمر الذى يغرى المخيلة ، زيارة ملكة سبأ التى اجتذبتها شهرة سليمان الحكيم ، فأقبلت تزوره ، تصحبها حاشية غنية التجهيز ، وجمال تحمل الطيوب ، وكميات كبيرة من الذهب والحجارة الكريمة قدمتها إلى سليمان ( ملوك ص10 آية 2 و10 ) . فما هى مملكة سبأ هذه التى كانت على هذا الثراء الأسطورى ؟

لا شك فى أن الناس كانوا يعرفون الرواية الحبشية التى تذكر أن ملكة سبأ كانت إحدى ملكات بلادهم ، وأنهم يتحدرون بوساطتها من سليمان الذى لا يمكن أن يكون قد رفض القيام نحو الملكة الضيفة بواجب اللياقة الأول الذى كان فى وسعه أن يقوم به .

وقد ورد فى التوراة اسم مملكة أخرى باسم سبأ ربما كانت واقعة فى بلاد الحبشة .

ولكن الناس كانوا قد أخذوا يقرأون من جديد كتب الإغريق التى كانوا يجدون نسخًا منها فى بطون مكاتب الأديرة حيث كانت قد اجتازت القرون الوسطى .

ثم إن الكثيرين من كتّاب الإغريق كانوا قد كتبوا عن شبه جزيرة العرب . فقد استقى هيرودوس مؤرخ القرن الخامس قبل الميلاد من مصر ، معلومات طريفة عن شبه الجزيرة العربية ، وأغنامها الغريبة ذات الإليات الدهنية الضخمة ، وطيوبها الشهيرة : كالبخور ، والصبر ، وخيار شنبر ، والقرفة ، والكافور ، واللادن ، وسمع من المصريين روايات عن الأخطار التى تعترض سبيل من يقومون بجمع نتاج هذه الطيوب . فالأفاعى المجنحة تحمى أشجار البخور ، ويقتضى إبعادها عنها بالدخان ، وعلى من يريد جمع خيار شنبر من إحدى البحيرات ، أن يكسو جسمه كليًا بجلود الثيران اتقاء للسعات الحيوانات المجنحة ، ويجنى الكافور من وكنات الطيور الجارحة بذبح ثور ، ونثر لحمه إربًا فى أسفل الصخور العالية ، فتحمل الطيور حملاً ثقيلاً من اللحم ، إلى وكناتها فتهوى لثقل الحمل ، جاعلة العطر الثمين فى متناول طالبيه . أما اللادن فيعلق بلحى الماعز فيما هى ترعى الشجيرات التى تحمله .

ولكن من الواضح أن هذه الروايات كانت تحتوى على شىء من الخرافة .

وبعد انقضاء عصر على ذلك ، بحث ثيوفراست تلميذ أرسطو - وقد اعتاد أن يضمّن الفلسفة ملاحظات علمية عن كل شىء - فى كتابه الذى أسماه « تاريخ النبات » عن طيوب بلاد العرب الشهيرة . فلم يكتف بوصف شجيرات الصبر والبخور ، بل أورد معلومات مفصلة عن زراعتها والمتاجرة بها فقال : « تحدث شقوق فى الشجيرات يقطر منها سائل صمغى بقطرات شبيهة باللؤلؤ . ويكوّم كل واحد نصيبه من الصبر والبخور بالطريقة ذاتها ، ويتركها فى عهدة رجال يقومون بحراستها ، بعد أن يكون قد نصب على كومته لوحة كتب عليها عدد الكيلات فى الكومة، وثمن الكيلة الواحدة . ويقبل التجار ، فإذا رأى أحدهم كومة أعجبته ، كالها ووضع ثمنها مكان البضاعة . ثم يأتى الكاهن فيأخذ ثلث الثمن للإله ، تاركًا ما تبقى ، فى أمان ، لصاحب البضاعة ، حتى لا يأتى فيأخذه » .

وتحدث ثيوفراست عن السبئيين من سكان جنوبى شبه الجزيرة العربية ، واصفًا إياهم كمحاربين ، أو زراع أو تجار ، يسافرون على وجوه البحار على ظهر سفن ، أو على زوارق من جلد. ولكن أكثر نشاطاتهم مكسبًا نقل المقر الذى يستخرج منه أقوى العطور ، إلى البلدان المجاورة .

وفى مستهل القرن الأول للميلاد ، رسم المؤرخ اليونانى ديودور صورة أكثر حياة ، لبلاد العرب ، بلاد الطيوب ، والسكان السبئيين فقال : « تفوح فى طول البلاد وعرضها روائح عطر طبيعى ... وتنمو على طول الساحل أشجار البلسم ، والقرفة وهى نبتة من نوع خاص ، لطيفة المنظر عندما تقطع ، ولكنها سريعة الذبول . وفى داخل البلاد غابات كثيفة تنمو فيها أشجار البخور والصبر الضخمة ، وأشجار النخيل ، والكافور ، وغيرها من الأشجار ذات الروائح العطرية . ومن المستحيل تمييز خواص كل شجرة منها وطبيعتها بسبب وفرة عدد أنواعها ، وضخامة كميات العطور المستخرجة منها . والعطور المستخرجة تبدو كأنها سماوية وغير قابلة التفسير ، وهى تتملك حاسة الشم وغيرها من الحواس لدى كل من يشمّها ، حتى إن المسافرين ، لا يفوتهم التمتع بهذه المتعة ، رغم كونها على مسافة بعيدة من الساحل ، إذ تحمل الريح التى تهب من اليابسة فى الصيف ، روائح الأشجار العطرية فتوصلها إلى الجزء المجاور لها من البحر .. والذين يتمتعون بهذه الروائح العطرية يخيل إليهم وكأنهم تذوقوا طعام الخلود .
صفحة 6
« أما السبئيون فإنهم متفوقون على جميع العرب المجاورين ، وغيرهم من الشعوب ، بثرواتهم وبذخهم بنوع خاص - وهم فى الواقع - يحصلون على أفضل الأسعار فى مقايضات البضائع والصفقات التجارية ، ولهذا السبب ، ولكون بعد بلادهم قد جعلهم فى منأى عن الغزو زمنًا طويلاً، تراكمت لديهم أكوام الذهب والفضة ، ولا سيما فى سبأ حيث يقوم القصر . والأقداح المختلفة التى يستعملونها مزينة بنقوش ذهبية وفضية ، وقد استعملوا الأسرَّة ، والمشاجب والقوائم الفضية ، واتسمت سائر أنواع الأثاث التى استعملوها بفخامة لا يكاد يصدقها العقل ، وانتصبت فى مقدمة منازلهم مجموعة من الأعمدة الطويلة ، بعضها مذهَّب والبعض الآخر مزدان بتيجان تحمل رسومًا فضية » .

من المحتمل أن تكون مملكة السبئيين قد سبقت بعشرة قرون عصر الملكة الخارقة العظمة التى قامت بزيارة الملك سليمان . ولكن السبئيين ليسوا الشعب الوحيد الذى اشتهر فى جنوبى شبه الجزيرة العربية . فقد تحدث الجغرافى اليونانى سترابون « حوالى مستهل القرن الميلادى الأول» عن الشعوب الأربعة المهمة ، ناقلاً معلومات كان قد أوردها إيراتوستين الفلكى الإسكندرى الكبير ، الذى عاش قبل ذلك بثلاثة قرون . وهذه الشعوب الأربعة هى : أولاً المعينيون فى القسم الواقع على ساحل البحر الأحمر ، وأكبر مدينة من مدنهم قرنة أو قرنانة . ويجاورهم السبئيون وعاصمتهم مريابة ، ثم القتبانيون الذين كانوا يقيمون على طول المضيق الذى يستعمل للمرور ، وعاصمة ملكهم مدينة تمنة ، وأخيرًا ، فى أقصى الجهة الشرقية الحضرموتيون ومدينتهم سبتة . وكانت كل مدينة من هذه المدن خاضعة لزعيم واحد ، مزدهرة كل الازدهار ، تزينها المعابد والقصور » .

وكان السبئيون وجيرانهم ينقلون بالقوافل البخور ، والأفاويه المستوردة بالقوارب من بلاد الهند ، ويوصلونها عن طريق « الجرعاء » إلى الخليج العربى ، وعن طريق غربى شبه الجزيرة العربية إلى خليج العقبة ومدينة البتراء .

ويذكر سترابون أن السبئيين قد جمعوا ثروات طائلة من المتاجرة بالطيوب ، فاقتنوا أوانى مطبخ ذهبية وفضية ، ومزهريات ، وشجبًا ، وأكوابًا كبيرة ذات أغطية . وكانت مساكنهم بادية الفخامة والروعة ، كسيت أبوابها وجدرانها وسقوفها بالفسيفساء الذهبية والفضية والعاجية المزدانة بالحجارة الكريمة .

ولا يدهش القارئ إذ يعلم من المؤرخ نفسه أن الإمبراطور الرومانى أوغسطس ، كان قد وطد العزم سنة 24 قبل الميلاد ، على أن يستولى على تجارة القوافل هذه التى تكسب سكان الجزء الجنوبى من شبه الجزيرة العربية تلك الثروات الأسطورية ، وعهد إلى القائد أثيليوس غالوس بقيادة حملة لهذا الغرض . وقد كانت حملة شاقة ، محزنة رغم أنها كانت مظفرة فى بادئ الأمر. وتمكن هذا القائد - على الرغم من الأمراض التى فتكت بجيشه فى ذلك المناخ اللاهب ، الرطب فى المنطقة الساحلية - من احتلال مدينة نجران . واستطاع ورجاله ، بعد ذلك بستة أيام ، قهر العرب غير المسلحين تسليحًا جيدًا ، على مقربة من أحد الأنهر . ثم توجهوا ومعهم دليل من أهالى البلاد نحو مدن العربية السعيدة . وكان السير ، بالنسبة إلى أفراد ذلك الجيش ، مضنيًا عبر ذلك البلد الفقير ، الشديد الحرارة ، المحروم من الماء ، تكتنفهم الصحراء من كل جانب ، وربما يضللهم الدليل فى مسالك غير موثوق منها ، وقد بلغوا مدينة مريابة فحاصروها ، ولكن العطش كان قد أخذ يتهددهم بالفناء . فهل كانت تلك المدينة هى مأرب عاصمة السبئيين ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لاتزال حتى اليوم موضوع جدل . فقد ادعى الرومانيون أنهم بلغوا مدينة تقع على مسيرة يومين من بلاد البخور .

ولكن الجيش - وقد استبد به اليأس والمرض ، وتهدده العطش بالفناء ، وخشى خيانة الدليل - اضطر إلى التراجع قاطعًا فى شهرين الطريق التى استغرقت ستة أشهر فى الذهاب .

وأصدر الملك أوغسطس مخطوطة فى عدة نسخ تباهى فيها بالظفر الذى أحرزه ، ولكن ذلك لم يحل دون إخفاق الرومانيين إخفاقًا نهائيًا فى السيطرة على التجارة العربية . فقد دافعت طبيعة بلاد السبئيين عنهم دفاعًا أفضل من دفاع أسلحتهم أمام هجوم الرومان الذين لم يكن قد قهرهم أحد بعد . وهكذا اضطر الناس إلى التعرف بالاختبار ، إلى طبيعة هذه الأرض غير المضيافة ، التى لا يستطيع العيش فيها إلا من اعتادوا اقتحام الصعاب .

لقد كانت شبه جزيرة العرب - حسب رواية إيراتوستين بالفعل - تتألف من جزءين كبيرين يختلف كل منهما عن الآخر كل الاختلاف. ففى الجهة الجنوبية العربية السعيدة التى يقول عنها: « إن عدة أنهر ترويها ثم تختفى فى السهول والبحيرات ، وهى خصبة التربة ، يكثر فيها العسل والماشية وتنعدم فيها الخيول والبغال والخنازير ، وفيها كل أصناف الطيور إلا الدجاج والإوز » . أما فى الجهة الشمالية فتقع العربية القفراء « وهى بلاد رملية ، قاحلة ، ينبت فيها بعض النخيل ، واللاقنثة ( شوك اليهود ) والطرفاء ، وتنعدم فيها المياه إلا مياه الآبار ، ولا يقطنها غير البدو من العرب وهم رعاة إبل » .

وإذا كان لدى الناس فى مستهل القرن الأول للميلاد هذه الفكرة الموجزة عن طبيعة البلاد ، وسكانها ، وحضارتهم ، فلم يكن لديهم فكرة واضحة عن شكل شبه الجزيرة العربية ؛ إذ لم يكونوا قد تعلموا آنذاك رسم الخرائط .

لقد ذكر هيرودوت أن سيلاكس وعددًا من البحارة اليونانيين - نزولاً عند أمر داريوس ، ملك الفرس ( حوالى سنة 51 ق. م ) - استطاعوا أن يدوروا حول شبه الجزيرة العربية ، ابتداء من مصب نهر الأندوس فى بلاد الهند حتى بلاد مصر التى بلغوها عن طريق الجزء الأعلى من البحر الأحمر . لقد كان الناس يدركون - إذن - منذ زمن بعيد ، أن شبه الجزيرة العربية يقع على أحد حدوده بحر يتمكن المرء من بلوغ بلاد الهند عن طريقه . ولكن بينا نعرف اليوم أن البحر الأحمر ، والمحيط الهندى ، والخليج العربى تتصل ببلاد العرب ، كان الأقدمون يتصورون بحرًا واحدًا يحد السواحل العربية بكاملها ، ويطلقون عليه اسم بحر أريتريا ( أى الأحمر ) .

ولم يتمكن الملاحون الإغريق حتى القرن الثانى الميلادى من إعطاء فكرة واضحة عن شكل الساحل الحقيقى فى مجمله ، لأنهم لم يكونوا قد تمكنوا بعد من القيام بدورة كاملة حول شبه الجزيرة العربية .

لقد كان العرب ، فى الواقع ، يعتبرون مضيق باب المندب شديد الخطورة ، ولذلك أطلقوا عليه هذا الاسم ، ولم تكن الملاحة فى المحيط الهندى الواقع ما وراء هذا المضيق ، ممكنة إلا باتجاه الرياح الدورية فيه . وتهب هذه الرياح الدورية من شهر شباط ( فبراير ) حتى آب ( أغسطس ) من الجهة الجنوبية الغربية ، دافعة السفن نحو بلاد الهند ، أما خلال الأشهر الستة الأخرى فإنها تهب من الجهة الشمالية الشرقية باتجاه شبه جزيرة العرب . ولم يعرف البحارة الإغريق خلال عصور عديدة ، استخدام هذا النظام الذى تتبعه الرياح الدورية .

لهذا السبب أورد الملاحان آغاتا رشيد وآرتميدور وصفًا دقيقًا مفصلاً ، لشاطئ البحر الأحمر ، وموانئه ، وصخوره غير البعيدة عن وجه الماء ، وسلاسل سواحله ، وسكانه ، دون إيراد أى ذكر لميناء حضرموت لكونه واقعًا ما وراء مضيق باب المندب .

وقد توصل هيبالوس فى القرن الثانى قبل الميلاد ، إلى اكتشاف وسيلة لتنظيم رحلة بحرية كاملة ابتداء من البحر الأحمر ، بحيث يتم الوصول إلى باب المندب حين تكون الرياح الدروية ملائمة الهبوب . ومنذ ذلك الحين فقط ، بدأ الإغريق يقومون برحلات بحرية منتظمة إلى بلاد الهند ، واستطاعوا أن يمخروا على مقربة من ساحل حضرموت .

ونجد فى المؤلفات التى وضعت فى مستهل التاريخ الميلادى عددًا متزايدًا من المعلومات عن داخل البلاد . فقد أورد المؤرخ الرومانى بلينى فى القرن الثانى للميلاد لوائح بأسماء القبائل ، والمدن ، والقرى فى القسم الأوسط من شبه جزيرة العرب ، وبرهن على معرفة أدق بالسكان ، الحضر منهم والبدو .

ويذكر كتاب « دورة حول بحر أريتريا » لمؤلف مجهول ، أسماء الطرق التى كانت تربط ما بين مملكة سبأ والبتراء من جهة ، وبينها وبين عمان وحضرموت والجرعاء على الخليج العربى من جهة أخرى .

وأخيرًا نجد فى كتاب بطليموس أطلسًا حقيقيًا يحتوى تعليقات وشروحًا ، وقد نُسقت فيه المعلومات المجموعة حتى أيامه ، تنسيقًا دقيقًا .

إن رجال عصر النهضة لم ينظروا إلى هذا الكتاب كمجموعة معارف فحسب ، بل أعجبوا بما احتواه من الاكتشاف العلمى الذى سمح بأن تعيّن على الورق مواقع الأماكن المعروفة المختلفة . ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بتقسيم العالم بصورة اصطلاحية بمتوازيات خطوط العرض ابتداء من خط الاستواء ، وبمتوازيات خطوط الطول ابتداء من نقطة حددها الجغرافى فى جزيرة فيترول . وبالنسبة إلى هذه المتوازيات أمكن تحديد المواقع الجغرافية للأماكن المختلفة ، ووضعها على الخارطة .

والجزيرة العربية التى رسمها بطليموس ممدودة عرضًا نحو الأسفل ، وضيقة فى الأعلى . وقد رسم فيها الجغرافى أربعة أنهر كبيرة ، وسلاسل جبال وعددًا كبيرًا من الأسماء .

لقد أدهشت هذه المعرفة رجال عصر النهضة . ولكنهم كانوا قد تعلموا فى مدرسة المؤلفين القدماء أن يتحروا صحة المعرفة ، وأن يصروا على التحقق بأنفسهم ، رافضين الاستماع إلى الروايات . فلم يكتفوا بالاطلاع على ما كُتب ، ولكنهم تحرقوا شوقًا إلى الرؤية بأعينهم . ومن ثم منشأ ذلك الشوق الملح إلى السفر الذى سمح برؤية أراض جديدة ، وأناس جدد ، وعادات جديدة ، وكلها موضوعات للملاحظة والتأمل فى وسعهم تقديمها لمواطنيهم . ولكن أوروبا كانت قد أخذت تقدم مادة اكتشافات عديدة فكيف السبيل إلى دخول الشرق الإسلامى ، الشرق المعادى ؟

ومع هذا ، فقد وجد رجل كتب ما يلى : « إن الرغبة التى أهابت بالكثيرين إلى رؤية الممالك الدنيوية ، هى التى يبدو أنها قد دفعتنى إلى العمل نفسه . وبما أن الممالك والمقاطعات الأخرى كلها قد أعلن عنها الكثيرون ، عقدت العزم على رؤية المقاطعات والممالك التى لم يقم أجدادنا بزيارتها إلا فيما ندر . واتكالاً على معونة الله أبحرنا من البندقية عند هبوب رياح ملائمة » .

كان هذا سنة 1503 ، وكان ذلك الرجل هو « لودفيكو دى فارتيما » .
صفحة 7
لودفيكـو دى فارتيما

هل سبق أحد لودفيكو دى فارتيما فى زيارة بلاد العرب ؟ يعتقد أحد المعاصرين أن كابوت، الرحالة الكبير ، قام بزيارة مكة بين سنتى 1476 و1490 ، ولكن الشكوك تحوم حول صحة ذلك . على أن هناك أمرًا لا يتسرب إليه الشك وهو أن الملك جان عاهل البرتغال قد أرسل إلى شبه الجزيرة العربية سنة 1487 بدرو دى كوفيلها الذى كان يتكلم العربية ، للتحقق من إمكانية الذهاب إلى الهند مرورًا بالبحر الأحمر . وقد بلغ أحد موانئها عن طريق برية بالانضمام إلى قافلة من المغاربة متوجهة إليها من القاهرة ، وأبحر منها على ظهر مركب إلى عدن ، ومنها إلى بلاد الهند . وما كاد يعود إلى القاهرة حتى تلقى أمرًا من مليكه بالذهاب إلى بلاد الحبشة ، وقد قام بذلك قيامًا حسنًا إلى درجة أنه أقام فيها مدة ثلاثين سنة كاملة . وقد روى كوفيلها لكاهن سفير برتغالى مثَّل بلاده فى الحبشة من سنة 1520 إلى سنة 1526 قصة أسفاره المليئة بالحوادث مضمنًا إياها حديثًا عن سفره بها إلى مكة والمدينة . فهل قام ، حقيقة ، بتلك السفرة ؟ إذا كانت هذه السفرة قد تمت بالفعل فإنها على كل حال لم تزد شيئًا على معلوماتنا عن شبه جزيرة العرب، لأنه لم يكتب عنها شيئًا .

وقد كتب المدعو أرنولد فون هارف ، خلافًا لذلك ، قصة رحلاته التى ادعى القيام بها إلى كولونيا ، فالبندقية ، فالإسكندرية ، فالقاهرة ، فجبل سيناء ، وزعم أنه اجتاز من هنالك شبه جزيرة العرب إلى عدن ، وأبحر منها إلى سوقطرة ، فسيلان ، وزار بلاد الهند ومدغشقر ، وقطع جبال القمر ، واكتشف منابع نهر النيل الذى تتبَّعه حتى القاهرة ، وعاد منها إلى أوروبا مارًا بفلسطين وسوريا وتركيا .

ولكن مثلما تتيح لنا الفرصة اليوم أن نرى كيف يقوم الصحفيون المعاصرون «بتتبيل» رواياتهم ، والتأثير على القراء الذين لا دراية لهم بتحرى المعرفة ، يبدو أن عددًا من الناس صدق رواية أرنولد فون هارف آنذاك ، على أننا نستطيع اليوم أن نتبين أخطاءه ، وعدم الترابط المنطقى فى روايته ، والحماقات التى ارتكبها فيها ، حين نقارنها بالمعلومات المكتسبة . ومن الظاهر أنه لم يزر إلا القاهرة ، وسيناء ، وفلسطين وسوريا . ولكنه قد استقصى بعض المعلومات عن بلاد بعيدة، أراد أن يعرضها ، وكأنه شاهدها بأم العين ، دون أن يفهم ما رواه عنها ، ويدقق فيه .

لقد كسب منها ، فى حكم الأجيال الآتية ، لقب « أول موزع للأنباء الكاذبة » . أما لودفيكو دى فارتيما ، فإنه يبدو ، على العكس ، صادق الرواية ، موضوعيًا ، إيجابيًا ، رغم أنه لم يتمكن من تجنب إيراد بعض الأخبار التى سمع بها أثناء رحلته إلى بلاد الهند ، كأنها أخبار شهدها بأم العين .

ليس أصل لودفيكو دى فارتيما معروفًا ، فبعض من يستشهدون به يدعونه « البولونى » ، وبعض آخر يطلق عليه اسم « الرومانى » . فقد كتب أحد مؤرخى الاكتشافات فى القرن الثامن عشر أنه « كان رومانيًا من أسرة باتريزى النبيلة ، ولكنه اشتهر باسم لويس فارتيما البولونى الذى انتحله فى مذكراته » .

ومهما يكن من أمر ، فإنه ما من قصة رحلة لاقت ، طوال نصف قرن ، مثل النجاح الذى لاقته قصة رحلته . فقد تعاقبت طبعاتها وترجماتها خلال ثلاثين عامًا دونما انقطاع ، وظهر منها بعض الطبعات فى القرن السابع عشر .

ومايزال كتابه شائعًا حتى اليوم ، لا سيما أن مؤلفه قد برهن على كونه قاصًا رائعًا ، فضلاً عن كونه شاهد عيان أمينًا ، وما إلى ذلك ؛ لانصرافه إلى الأدب ، إذ كان - على العكس - بعيدًا كل البعد عن اللجوء إليه ، متحاشيًا كل التحاشى وصف جمال الأشياء ، فقد كتب عن دمشق : « من المؤكد أن المرء لا يستطيع وصف جمال المكان وجودته » ، ولكنه يمتاز عن غيره بأنه لم يحاول قط أن يُدهش ، وأن يضخم ما يراه ، وأن يعظم قدر نفسه . إنه يبحث عن المعلومات التى يفيد نقلها، فيذكر عن المدن عدد بيوتها ، ومساجدها ، والأحداث البارزة فى تاريخها ، ومنتوجاتها التى يراها فى الأسواق ، وأزياء ملابس أهلها ، وصورة صحيحة عنهم ، وعاداتهم . ويكمن سحر روايته ، فى دقة الملاحظة وصحتها ، وفيما تتسم به من واضح الوصف ومحكمه ، هذا عدا ما فى مغامراته من لذة النسق الروائى الخيالى .

لقد غادر البندقية سنة 1503 فبلغ القاهرة ، ثم بيروت ، فطرابلس ، فحلب ، وأخيرًا دمشق حيث أقام مدة لتعلم العربية . وتعرّف فى مصر وفى سوريا إلى المماليك ، أولئك الجنود الذين كانوا يقومون بمهام الشرطة لحساب السلطان التركى . وكانوا فى الحقيقة من الأسرى المجرمين ، والفالاشيين ، والصربيين ، والبلغاريين ، وغيرهم من الأوروبيين الألمان ، والقطالانيين ، والصقليين ، والإيطـاليين ، الذين كانوا يُنقــلون إلى مصــــر بعــد أن اعتنقـوا الإســــلام . وكان هـؤلاء الجنــود - بما عرف عنهم من عدم اكتراث بالواجبات الدينية ، وروح الفوضى ، والرغبة فى المشاركة - قد استثاروا احتقار المسلمين وكرههم . ويروى لنا دى فارتيما نفسه السلوك الفاسق الذى كانوا يسلكونه تجاه نساء دمشق .

ولكى يحقق دى فارتيما رغبته فى رؤية أشياء جديدة ، لم يجد أفضل من التعرف إلى ضابط من ضباط المماليك ، عهد إليه وإلى ستين من رجاله بحراسة قافلة حجاج متجهة إلى مكة مؤلفة مما يقارب خمسة آلاف شخص ، وخمسة وثلاثين ألف جمل ، ومرافقته فى الذهاب والإياب ، فقبل الضابط ، وأصبح دى فارتيما من المماليك ( بقوة المال وأشياء أخرى .. كنت أعطيه إياها ) .

لذا فقد قدّر له - وذلك إذا صح على جانب عظيم من الأهمية - أن يتعرف إلى مدينتى الإسلام المقدستين ، وقبر النبى ، وحرم الكعبة ، وأعظم شعيرة من شــعائر الدين الإســلامى وهى الحج .

فقد بلغ ، فى المرحلة الأولى من الرحلة ، إلى مزيريب فى حوران . وكانت هذه المنطقة المتاخمة للمناطق الزراعية والمتحضرة ، دائمة التعرض لغزوات بدو الصحراء . وكان الرومان قد اضطروا إلى إنشاء حدود محصنة لإيقاف هذه الغزوات . وقد أدرك دى فارتيما - الذى بقى ثلاثة أيام فى مزيريب - كل الإدراك ، طباع البدو الذين التقى بهم لأول مرة ، والأحوال السائدة فى منطقة الحدود هذه ، فكتب يقول : « عندما يحين موعد جمع المحاصيل الزراعية ، يراهم الناس فى الصباح الباكر على مقربة من المدينة التـــى يجدون فيها الحنطة والشعير مدروسين ، نظيـــفين ، رغم اعتقاد الناس فى الليل السابق أنهم على بعد مائة ميل من المدينة ، فيملأون أكياسهم ويذهبون بها ، ويحدث لهم أن ينطلقوا ليلة ونهارًا كاملين على صهوات الخيل دونما استراحة ، وعندما يصلون إلى بيوتهم يســـقونها حليب النوق البارد المرطب ، ويبدو كأن هذه الخيول تطير كالبزاة.

« واعلموا أن معظم هؤلاء الناس – ما عدا زعماءهم – يركبون الخيل بلا سروج ، ويرتدون نوعًا من القمصان . وجهاز حربهم رمح من القصب الهندى يتراوح طوله بين عشرة أشبار واثنى عشر شبرًا ، وينتهى فى طرفه بقطعة من حديد . وإذا ما أرادوا أن يقيموا سباقًا رأيتهم لاصقين بمتون خيلهم ، خفاف الحركة كأن بهم نشوة ، قصار القامات ، سمر الوجوه ، صوتهم شبيه بصوت النساء . وعددهم كبير إلى درجة يتعذر معها تقديره ، والمنازعات والحروب تظل قائمة بينهم . وهم يسكنون الجبال ، وعندما يسمعون بمرور قافلة باتجاه مكة ، يأتون للتصدى لها وسلبها ، وينقلون أمتعتهم ونساءهم وأولادهم وخيامهم على ظهور الجمال ، بيوتهم شبيهة بخيام المحاربين ، وهى مصنوعة من الصوف الخشن » .

وقد اختبر مع القافلة الممر القسرى المرهق لبلوغ إحدى الآبار ، أثناء اجتيازها منطقة قاحلة، حيث قضى ثلاثون شخصًا نحبهم عطشًا ، وحيث تُرك عدد من المحتضرين على جوانب الطريق ، وقد دفنوا فى الرمال حتى الأعناق » .

ولم يكن دى فارتيما ليعرف أن القافلة كانت تجتاز آنذاك « النفود » ، وهو جزء من الصحراء يمتد عرضًا فى شمالى شبه الجزيرة العربية . وقد اضطرت القافلة أيضًا إلى الوقوف فى وجه البدو الذين كانوا يحاولون تقاضى بعض المال عن المياه المستقاة من آبارهم ، أو غزو القافلة . وكان المماليك يُبدون شجاعة فائقة فى هذه المناسبات ، فلم تفقد القافلة سوى رجل واحد وامرأة واحدة .
صفحة 8
ولم يورد دى فارتيما فى كتابه أسماء المواقع المختلفة التى مرت بها القافلة مكتفيًا باسم مزيريب نقطة الانطلاق ، وباسمى مكة والمدينة اللتين كانت القافلة تقصدهما .

ويذكر دى فارتيما أن القافلة بلغت وادى سدوم وعمورة بعد مسير اثنين وعشرين يومًا . ومن الواضح أن ذلك ليس صحيحًا لأن هاتين المدينتين تقعان على شاطئ البحر الميت وقد سبق لـ « دى فارتيما » أن أعلمنا أنه ليس بالرجل الذى يستقى معلوماته من الكتب . ولكنه يورد هنا خليطًا مما يتذكره من التوراة فيقول : إن سكان هاتين البلدتين لابد أن يكونوا قد ارتكبوا ضروبًا من المعاصى ، حتى أُنزل بهم ذلك العقاب ، لأن كل ما يحيط بذلك المكان من أراضٍ قاحل لا ماء فيــه ، ولا ينتج أى شىء . ويضيف إلى ذلك قوله : « لقــد كانوا يعيشـــون على المن ، وبما أنهــم لم يعترفوا بنعمة الله , وبسبب آثامهم الفاحشة ، عاقبهم الله بأعجوبة منه ، ولايزال المرء يرى أطلال هاتين المدينتين » .

إن فيما كتبه دى فارتيما صدى للعقيدة الإسلامية ، فلايزال المسلمون حتى يومنا هذا ، يعتبرون هاتين المدينتين القديمتين المهدمتين ، كمدينتين لعنهما النبى . ولا شك فى أن دى فارتيما قد خلط هذا النوع من الاعتقاد بما تذكره من معاقبة العبرانيين فى الصحراء لتذمرهم من الرب ، ومن معاقبة سدوم وعمورة .

إننا نظن ، إذا أخذنا بعين الاعتبار أيام السير المذكورة ، أن المدينتين الواقعتين فى ثلاثة أخماس المسافة ما بين دمشق والمدينة ، لا يمكن أن تكونا سوى مدائن صالح والعلا . وقد مر بهما دى فارتيما متوهمًا أنهما سدوم وعمورة ، ولم يخطر بباله أن هناك حضارة عريقة فى القدم ، لاتزال فى حاجة إلى من يكتشفها .

ومر بسفح جبل يتراوح محيط دائرته بين عشرة أميال واثنى عشر ميلاً ، فكتب : « هناك يسكن أربعة أو خمسة آلاف يهودى ، وهم عراة تمامًا ، يتراوح طول الواحد منهم بين خمسة وستة أقدام ، أصواتهم شبيهة بأصوات النساء ، لونهم أميل إلى السواد منه إلى السمرة ، لا يأكلون إلا لحم الغنم ، ولا شىء لديهم غيره . وهم مختونون يجهرون بيهوديتهم . وعندما يتمكنون من إلقاء القبض على أحد المسلمين ، يسلخون جلده حيًا » . وأغلب الظن أن هؤلاء اليهود إما أن يكونوا عشيرة خيبر أو عشيرة دغتى ، الذين شهدوا أيامًا عصيبة فى القرن التاسع عشر .

وأخيرًا بلغ دى فارتيما المدينة . وكان يُظن فى أوروبا أن جثمان النبى محمد معلق فى الفضاء فى البيت الحرام بمكة . فكان لـ « فارتيما » الفضل فى تصحيح هذا الاعتقاد الخاطئ ؛ إذ رأى بالفعل قبر النبى فى المدينة .

وصف المسجد بأنه مربع ، ينتصب فيه أربعمائة عمود أبيض من الحجر المحرق ، وذكر أنه رأى فيه ما يقارب الثلاثة آلاف مصباح كلها موقدة دائمًا ، وفى أحد أركانه برج مربع مكسو بالحرير منطَّق بأعراش من النحاس ، يُدخل إليه من باب صغير ، يرى على كل جانب من جانبيه ما يقارب العشرين كتابًا من كتب سيرة النبى ، وأحاديثه ، ووصاياه ، وأعمال عظماء المسلمين المدفونين فيه ومآثرهم ، وهو يضم - فى الحقيقة - قبر النبى والخليفتين أبى بكر وعمر ، ويذكر دى فارتيما أن هذا البرج يضم أيضًا ، قبور على وعثمان وفاطمة بنت النبى . ومن الواضح أنه قد أخطأ من قال له ذلك فيما يختص بالإمام على ، أما فاطمة فلا يعتقد بدفنها هناك إلا الشيعة ، وأما عثمان فقبره فى مدفن آخر من مدافن المدينة .

ويقول دى فارتيما إنه لم يرَ وأصحابه - وهم ذوو عقول راجحة - الأنوار التى يؤكد المسلمون أنهم يرونها تنبعث ليلاً من قبر النبى .

على أن دى فارتيما أحسن - دونما تحيز - وصف الشعائر التى كانت تمارس فى مكة ، وأعجب بالمدينة المقدسة المحاطة بالجبال . وذكر أن الأراضى التى تقع حولها قاحلة ، وأن المواد الغذائية تأتيها من القاهرة عن طريق ميناء جدة الواقع على البحر الأحمر ، ومن بلاد الهند وبلاد فارس ، وسوريا ، وأنه يردها كميات كبيرة من الجواهر والأفاويه من بلاد الهند وبلاد الحبشة ، وكميات كبيرة من منسوجات القطن والكتان والحرير من بلاد البنغال ، وأن تجارة الجواهر ، وأصناف الأنسجة الحريرية والقطنية ، فى هذه المدينة المزدحمة بالناس ازدحامًا لا مثيل له فى أى مكان آخر ، ناشطة نشاطًا لم ير مثله فى حياته ، وأن العطور تباع بالجملة تحت قباب المسجد الكبير، بينما تباع الجواهر بالقرب من بابه .

يُعرف مما كتبه بور كهاردت أن الكعبة ، قدس أقداس مكة ، وقد أعيد بناؤها كليًا سنة 1627 . أما دى فارتيما فقد رآها فى حالتها القديمة . وقد ذكّره المسجد المستدير ، الرائع كل الروعة ، بمدرج الكوليزيه فى روما . وفى فسحة مكشوفة فى وسطه ، برج صغير يقدر كل من جوانبه بما يتراوح بين خمس وست خطوات ، أحيط بنسيج من الحرير الأسود هو الكعبة . ويمكن الدخول إلى الكعبة من باب من الفضة ، يقع أسفله على ارتفاع قامة رجل ، وقد وضع على كل من جانبيه إناء ملىء بالعطر . وترى حلقة ضخمة فى كل ركن من أركان البرج .

ويروى لنا رحالتنا كيف أن الجميع ، قبل بزوغ شمس الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) أخذوا يطوفون حول الكعبة مقبلين زواياها ، وبعد الفراغ من ذلك ، جعلوا يقتربون من بئر « زمزم » التى تقع على بعد اثنتى عشرة خطوة منها ، وهم يسيرون القهقرى . وفيما يستغفر المؤمن الله بصــــوت مرتفع يلقى على رأســـه ثلاثة أسطل من الماء ليبتـــل حتى أخمص قدميــــه ، لا يستثنى من ذلك أحد ولو كان مرتديًا ثوبًا من ذهب ، لأن ماء هذه البئر يعد مطهرًا للخطايا ، ويتوجه الجمهور بعد ذلك إلى أسفل جبل « منى » لتقديم الأضاحى ، فيقوم كل مؤمن بنحر عدد من الخراف يتراوح بين اثنين وخمسة ، ويحتفظ بشىء من لحمها لاستعماله الشخصى ، ويوزع ما تبقى على الفقراء ، والفقراء كثيرون ، يتنازعون لا اللحم فحسب ، بل قشور الخيار التى تلقى إليهم على الرمل .

وفى اليوم التالى بعد أن يقوم الحاج بإعلان التوبة ، يسرع الجميع بالعودة إلى البلدة . ويلاقون فى منتصف الطريق جدارًا كوِّمت فى أسفله كمية من الحجارة الصغيرة ، على كل واحد أن يقوم برمى إحداها كأنه يرجم بها عدوًا غير منظور .

ويشرح دى فارتيما هذه الشعيرة الدينية فيقول إنها رمز لطاعة إسحق ، ودليل على الرغبة فى الاقتداء به . فقد جاء فى التعاليم الإسلامية ، أن الشيطان حاول إقناع إسحق بعد اللحاق بأبيه إبراهيم العازم على التضحية به ، فطرده إسحق مرتين ، وفى المرة الثالثة رجمه بالحجارة لكى تتم مشيئة الله .

ويذكر دى فارتيما أيضًا أن الحمام يغزو مكة ويحدث أضرارًا جسيمة ، ولكن ما من أحد يقدم على قتل حمامة واحدة ، لأنهم يعتقدون أنها تتسلسل من الحمامة « التى كانت تكلم النبى محمدًا بوصفها الروح القدس » .

ويذكر لنا أخيرًا ، أنه رأى فى أحد جوانب المسجد وحيدى قرن حيين كانا قد أُهديا إلى سلطان مكة . وتبدو هذه الرواية من قبيل الخرافات ، وأنه لا أساس لها من الصحة ، ولكنها ليست كذلك لأن من المؤكد أن وحيد القرن موجود فى غابات بلاد الحبشة الكثيفة .

كانت أوروبا مزمعة ، إذن ، منذ ذلك الحين فصاعدًا ، أن تعرف شيئًا ، ولو مختصرًا ، عن كيفية تأدية فريضة الحج الشاقة ، الحج الذى هو من أركان الدين الإسلامى ، ويجعل من المؤمن مسلمًا حقيقيًا جديرًا بالجنة .

ومما يثير الإعجاب موضوعية الرحالة ، الذى يلاحظ للمرة الأولى شعائر مجهولة ، والذى يحسن السؤال ، وفهم المعنى الروحى لمناسك الحج .
صفحة 9
وقد كان مزمعًا أن يطلع مواطنيه على مجالى جزء آخر من بلاد العرب ، بعد أن أطلعهم على الجزء الصحراوى منها ، وعلى المدينتين المقدستين . وما هذا الجزء إلا العربية السعيدة .

لم يفكر رحالتنا المملوك قط فى العودة مع القافلة إلى دمشق ، وفيما كان يشترى ذات يوم بعض البضائع لرئيسه ، اتهمه أحد الناس بأنه ليس مسلمًا ، وعبثًا أقسم « برأس النبى ... » أنه مسلم ، واضطر إلى مرافقة متهمه إلى منزله للتفاهم معه . وحين دخل المنزل أفهمه متهمه ، باللغة الإيطالية ، أنه سبق له أن قام بزيارة لإيطاليا ، وأنه رآه هناك . فشرح له دى فارتيما أنه أسلم فى القاهرة ، وأصبح من المماليك . فسر متهمه المسلم بذلك ، وأحاطه بالإكرام والاحترام . ثم دار الحديث بينهما عن شئون الساعة ، فعلم دى فارتيما أن السبب فى تناقص تدفق الثروات فى تلك السنة على البلاد عما سبقها من السنين ، عائد إلى أن مراكب ملك البرتغال كانت قد أخذت تصل المحيط ، وتبلغ حتى خلجان فارس والعربية .

كان ذلك ، فى الواقع ، سنة 1509 . وكان الملاحون البرتغاليون قد توغلوا فى رحلاتهم الاستكشافية طوال ساحل إفريقيا الغربى ، إلى درجة أن فاسكو دى غاما ، أفلح بين سنتى 1497 و1499 فى الدوران حول رأس الرجاء الصالح . وبتجاوزه الطرف الأقصى من شبه الجزيرة الإفريقية ، ألقى نفسه فى المحيط الهندى ، وبصعوده ، بحذر كلى فى بادئ الأمر ، الساحل الإفريقى الشرقى ، بلغ الشواطئ العربية .

وهكذا ، فيما كان دى فارتيما يتعلم العربية فى دمشق ، كان فاسكو دى غاما ، من جهة الجنوب يساير السواحل العربية . وعندما علم دى فارتيما بذلك تظاهر بالاستياء الشديد وبالعداء نحو النصارى ، وطلب من صديقه المسلم أن يساعده على التخلص من القافلة ، ومن وجوده فى سلك المماليك ، ليتمكن من التوجه إلى ملوك الجنوب ، أعداء البرتغاليين ، وتعليمهم صنع المدافع . واتفقا على خطة . وبينما كان رنين الأبواق يتعالى داعيًا المماليك إلى الالتحاق بفرقتهم ، وصوت المنادى ينذر المتخلفين بعقوبة الإعدام شنقًا ، كان دى فارتيما مختبئًا فى شقة الحريم الخاصة بزوج التاجر المسلم وابنة أخيه ، مستودعًا الله روحه ، مذعورًا كل الذعر من ذلك الإنذار . وأخيرًا هدأ روعه برحيل القافلة ، وأحاطته زوج مضيفه وابنة أخيه الفاتنة بفائق العناية ، وأسلمتاه ، حسب توصية رب البيت ، إلى قافلة متجهة إلى مصر عن طريق ميناء جدة .

ولم يكد يبلغ جدة ، حتى أمَّ المسجد ، واستلقى فيه أرضًا متظاهرًا بالمرض ، وبقى فيه أربعة عشر يومًا لا يخرج منه إلا ليلاً لشراء الطعام . وأخيرًا ، وجد سفينة متجهة إلى بلاد الفرس فركبها بعد أن تدبر أمره مع قبطانها .

ويتحدث دى فارتيما عن الصخور القريبة من وجه الماء ، وعن الصعوبات التى تتخلل الملاحة ما بين جدة وجزيرة قمران ، وعن البدو العراة ، الذين يرجمون بحجارة مقاليعهم ، من ينزل من الرجال ليشترى لهم طعامًا ، وأخيرًا عن دخولـه إلى ميناء جيزان الجميل الذى عدَّ فيه خمسًا وأربعين سفينة ، وأدهشه أن فى البلدة عنبًا ، ودراقن ، وسفرجلاً ، وتفاحًا ، ورمانًا ، وليمونًا ، وبرتقالاً ، فى وفرة جديرة بالجنة .

ورأى فى جيزان أيضًا كميات وافرة من اللحم ، والحنطة ، والشعير ، والذرة البيضاء التى يصنع الأهلون منها خبزًا ممتازًا . وذكر أن الناس يمشون شبه عراة ، ولكنهم يعيشون كمسلمين .

وأخيرًا وصلت السفينة التى كانت تمخر على محاذاة سواحل باب المندب إلى ميناء عدن . ويقول عنها دى فارتيما إنها أشد مدينة سهلية تحصينًا رآها فى حياته ، ترتفع الجبال على جانبيها، والأسوار على الجانبين الآخرين منها . تشرف عليها خمس قلاع ، ويقدر سكانها بخمسة أو ستة آلاف بيت . وترسو السفن فى مينائها فى أسفل أحد الجبال ، ويرتفع فى أعلى هذا الجبل حصن منيع . والحر فيها شديد إلى درجة أن السوق تقام فيها فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، والسفن التى ترسو فيها تأتيها من بلاد الهند ، والحبشة ، وبلاد فارس، ولا تكاد السفينة تدخل ميناءها ، حتى يقبل ضباط السلطان يسألون عن نوع البضائع التى تحملها ، والبحارة الذين على ظهرها ، ثم ينتزعون أشرعتها ودفتها ليتأكدوا من أنها لن ترحل قبل تأدية الضريبة المتوجبة للسلطان .

كانت سفن البرتغاليين تطوف المحيط ناشطة أمام عدن فى سنة 1504 ، وكان أنطونيو دى صولدانيا قد اكتشف جزيرة سقطرى سنة 1503 ، ولما نزل دى فارتيما فى عدن كان الناس يشعرون بخطر البرتغاليين ، لذلك لم يكد أحد رفاقه ، لسوء طالعه ، يوجه إليه شتيمة - وكانت هذه الشتيمة توجه عادة إلى الكفار - حتى اتهم بأنه نصرانى يتجسس لحساب البرتغاليين ، وألقى القبض عليه ، وسيق فى اليوم ذاته إلى قصر السلطان كى يعدم . وقد تأخر تنفيذ الإعدام به لغياب السلطان . وفى اليوم الثالث وصل إلى عدن خمسون أو ستون مسلمًا هربوا سباحة من السفن التى وقعت فى أيدى البرتغاليين ، وهجموا على قصر السلطان يريدون قتل دى فارتيما ورفيقيه السجينين معه ، ولكن حارسهم أنقذهم بإغلاق الباب فى وجوه المهاجمين .

وبعد انقضاء خمسة وستين يومًا سيقوا إلى روضة ليمثلوا أمام السلطان الذى كان منهمكًا باستعراض الجيوش التى يستعد لإرسالها لمحاربة سلطان صنعاء التى تبعد عن روضة مسيرة ثلاثة أيام . ولم يحل انشغال بال دى فارتيما بالمصير الذى سيؤول إليه دون ملاحظته الجيش ، وتعداده. فقد رأى أن الثلاثة آلاف جندى المؤلفة منهم فرقة حرس السلطان من أصل الثمانين ألفًا الذين يتألف منهم الجيش كله ، كانوا أحباشًا تم شراؤهم فى الثامنة من عمرهم ، ودربوا على القتال ، مسلحين برماح يحملونها باليد وسيوف قصيرة عريضة ، يحمل كل منهم مقلاعًا لف حول رأسه لإلقاء الحجارة ، وُضع بينه وبين الرأس عود من الخشب يدعونه مسواكًا ينظفون به أسنانهم . يرتدون ثيابًا من نسيج أحمر أو ملون بلون آخر ، فوقها سترة قطنية تقيهم ضربات الأعداء . ويجعلون لهم ، عادة ، حتى الأربعين أو الخمسين من عمرهم ، قرنين مصنوعين من شعرهم ، ويشبهون الجداء . ويذكر دى فارتيما أن خمسة آلاف جمل ترافق الجيش .

وهنا تبدأ بالنسبة إليه ، مرحلة تجارب . فحين استعلمه السلطان أمره ، أفاد بأنه مسلم ، ولكن حين طلب إليه أن يؤدى الشهادتين ، ارتج عليه ، ولم يعرف أن يتفوه بكلمة واحدة ، وهو يقول إنه لم يعرف ما إذا كان ذلك خوفًا من العقاب ، أم مشيئة من الله سبحانه وتعالى . فألقى فى السجن ، وقيد بالسلاسل الحديدية ، ولم يعطَ إلا رغيفًا من خبز الذرة صباحًا وآخر مساءً .

ولكى يتيح أحد الثلاثة فرصة الهرب لرفيقه ، تم الاتفاق فيما بينهم على أن من تقع القرعة عليه ، يجب أن يتظاهر بالجنون ، وقد وقعت القرعة على دى فارتيما .

ويدعى أن الملكة رأته من نافذتها ، وهو يقوم بضروب من الشذوذ ، فرقَّت لحاله لا سيما أن بياض بشرته أثَّر فيها كل التأثير . فكان يتلقى الضربات صامتًا ليجيد تمثيل دوره ويستعجل مناسبة الهرب لرفيقيه ، ومن جهة أخرى كان ينال ما يغدقه عليه سرًا حسن التفاف الملكة ووصيفتها . ويزعم رحالتنا أنه رفض النزول عند رغبة الملكة وتحقيق أمنيتها بأن تحمل منه جنينًا أبيض البشرة ، خشية أن يظل محتجزًا ، ولو محظيًا ثريًا ، إذ لم يكن له سوى أمنية واحدة وهى استعادة الحرية والاستزادة من المعرفة .

وقد أخرجته الملكة من السجن ، وظل مدة فى القصر ، ثم تمارض واستأذن الملكة بالذهاب لاستشارة ولى من أولياء الله يقيم فى عدن ، لعله يشفيه ، فوافقت الملكة على طلبه ، وشفى من مرضه طبعًا ، وقام بزيارة عدة مدن بإذن من القصر .

ومر بلحج ، وصنعاء ، وتعز ، وذمار التى نتبينها بسهولة ، ولكنه ذكر أيضًا أمكنة يصعب التحقق من هويتها : دمته ( دمنه ؟ ) والمقارنة ( المقرنة ) وريولم ( هل هى ريمة أم يريم ؟ ) وإياز (حيس(4) ؟) .

لقد لاحظ هذا النوع من الأغنام التى تحدث عنها هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد ، التى تزن إليه الواحدة منها حتى الأربعين ليبرة ، والتى تبلغ من السمنة درجة تجعل سيرها عسيرًا . ورأى منطقة دمنة القاحلة التى يسكنها قوم فقراء ، ولكنه وصف سوق إياز(5) التى تردها كميات من الأفاويه والأقمشة القطنية والحريرية ، والثمار الممتازة ، كالعنب ، والدراقن ، والسفرجل ، والتين ، والجوز ، والعنب الممتاز . وذكر أن جبلين متقابلين تعلوهما قلاع حصينة يطلان على المدينة . ولم يستطع دى فارتيما أن يفهم طبيعة الخصومة ما بين سكان الجبلين ، فهم جميعًا يؤمنون برسالة النبى محمد ، ولكنهم - رغم ذلك - يقتتلون فيما بينهم بعنف ، والواقع أن هذه الخصومة ناشئة عن خلاف مذهبى ما بين الطائفة السنية والزيديين الذين لا يعترفون بالخلفاء الثلاثة الأول كخلفاء شرعيين للنبى محمد ، والذين يتزعمهم أغا خان(6) .

إن ياقوت الجغرافى المسلم يذكر أن « المقرنة » قلعة فى اليمن ، ولكن دى فارتيما يقول إنها مدينة جميلة جدًا ، واقعة على هضبة مرتفعة ، يصعد إليها من طريق لا يستطيع اثنان أن يسيرا فيها جنبًا إلى جنب ، هواؤها ممتاز ، ومعظم سكانها من البيض ، وهى تنتج كثيرًا من المحاصيل الغذائية ، وتكثر فيها مياه الصهاريج ، وفى هذا المكان الإستراتيجى الرائع يخفى السلطان كنزه من الذهب ، ذلك الكنز الذى يعجز أكثر من مائة جمل عن حمله .

ويعجب دى فارتيما بأسوار صنعاء الضخمة ، عاصمة اليمن حاليًا ، ووفرة ثمارها ، وكثرة ينابيعها ، وبساتينها ، وكرومها ، وتبدو له تعز مدينة قديمة جدًا ، بمسجدها الذى يذكّره بكنيسة السيدة مريم المستديرة فى روما ، وقصورها الرائعة ، ويقول إنهم يصنعون فيها كميات وفيرة من ماء الورد .

ويصف زبيد الواقعة على بعد مسيرة نصف يوم من البحر الأحمر بأنها مدينة تجارية ممتازة ، تباع فيها كميات من السكر والفواكه ، وتباع فيها أيضًا مقادير كبرى من الأفاويه المستوردة من بلاد بعيدة .

ويعود أخيرًا إلى عدن ، حيث يتمارض من جديد ، وينام فى المسجد حتى يقيض له قبطان سفينة يوافق على إيصاله إلى بلاد الحبشة . وبعد أن يمكث فيها فترة قصيرة من الزمن ، يبحر إلى بلاد الفرس ، ومنها إلى بلاد الهند ، مقاومًا إغراء زواج عرض عليه ، ووعودًا بإغداق الثروات الطائلة عليه ، مجيبًا الصديق الذى حاول بذلك استبقاءه : « اعلم أننى لا أطوف العالم سعيًا وراء الكسب والإثراء ، بل مدفوعًا بدافع الميل والاطلاع » .

لقد كانت خاتمة رحلته سببًا لأكثر ما اكتسبه من الشهرة . وفعلاً ، عندما كان فى كلكته فى بلاد الهند ، كان البرتغاليون الذين شادوا حصنًا فى جزيرة سقطرى قد تمكنوا من السفر منها مباشرة إلى سواحل الهند ، وقد علم أنهم استوطنوا كانونور ، وأخذوا يشيدون فيها قلعة . فتمكن من اللحاق بهم فى الثالث من كانون الأول ( ديسمبر ) من سنة 1505 دون أن يستثير الشبهة . وحذر نائب ملك البرتغال من الهنود الذين كانوا يتأهبون لمحاربته ، وقد تسلحوا قويًا بالمدافع التى كان جنديان برتغاليان هاربان قد صنعاها لهم . وأهلته الشجاعة التى برهن عليها فى المعارك التى نشبت فيما بعد ، لأن ينعم عليه ملك البرتغال دون مانوئيل برتبة فارس عام 1508.

وعاد من لشبونة إلى روما ، فأثابته جامعة البندقية على روايته المدهشة المليئة بالأحداث ، واكتسب فى روما حماية أسرتى كولونا وسفورزا العظيمتين ، وكذلك حماية الكاردينال كارفاجال الذى موَّل ترجمة مؤلَّفه إلى اللاتينية .

على أن خاتمة حياته مجهولة مثل بدايتها ، ولا يمكننا إلا أن نفترض افتراضًا أنه توفى ما بين سنتى 1512 و 1517 .

ويضم كتاب دى فارتيما خارطة تظهر فيها شبه جزيرة العرب كما رسمها بطليموس وهى ممدودة عرضًا فى الجهة الجنوبية بصورة غريبة .

لقد أعطى مواطنيه وصفًا مقتضبًا ، ولكن صحيحًا ، لما تمتاز به شبه الجزيرة العربية وفى الدرجة الأولى : مدينتاها المقدستان موطنا النبى محمد ، والحج إليهما ، ومفارقة جغرافية بين العربية القفراء فى الشمال ، والعربية السعيدة فى الجنوب ، وتجارتها مع الهند والحبشة ، وبلاد فارس ، ومصر ، ومنتجاتها من العطور ، وسكانها من البيض والأرقاء السود ، وحضرها وبدوها.

لم يكن ما اكتسبه من معرفة علميًا ، بل كان موضوعيًا ، ودقيقًا إلى أقصى درجة ممكنـــة ، لا سيما وقد صدر عن رجل لم يكن يملك أية وسيلة للاستعلام سوى عينيه وذكائه ، وقد أحسن دى فارتيما استخدام كليهما معًا .

وكان كل شىء ما يزال بعد فى حاجة إلى أن يُكشف ، ولكن ذلك لم يعن أن هذا القدر الذى اكتُسب من المعلومات لم يكن تلقينًا صحيحًا .
صفحة 10
الجزء الثانى

رواد مصادفة

- كليًا - عصر السيادة البحرية البرتغالية على البحور الساحلية لشبه جزيرة العرب ، حتى تؤسس شركات الهند الهولندية والإنكليزية فى أوائل القرن السابع عشر ، فيكون ذلك إيذانًا بالصعوبات التى ستعترض السيطرة البرتغالية بل بأفول نجمها .

كان البرتغاليون يأملون بعد افتتاح الطريق البحرية إلى الهند ، مرورًا برأس الرجاء الصالح، أن يحوّلوا إليها لمصلحتهم المتاجرة بمنتوجات بلاد الهند . وكانت هذه المتاجرة تتم فيما مضى عن طريق بلاد العرب ، والخليج العربى ، والبحر الأحمر ، إلى الموانئ التركية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط ، بطريق برية بحرية مشتركة . فكان البرتغاليون - إذن - يهدفون إلى سد مداخل الخليج العربى والبحر الأحمر ، كى يتم نقل البضائع بوساطتهم من وكالاتهم التجارية المنشأة على السواحل الهندية والعربية إلى لشبونة .

وقد رأينا أن الخطوة الأولى التى قاموا بها هى التركيز فى كلكته على الساحل الهندى . ومن هنالك ، قرروا القيام بمراقبة حركة النقل التجارية فى الخليج العربى . فشيدوا حصنًا فى هرمز ، وآخر فى البحرين ، وثالثًا فى عمان على طرف شبه جزيرة العرب . وكان لابد - بعد ذلك - من التأكد من مدخل البحر الأحمر ، لذا فقد ظهر أسطول برتغالى سنة 1513 أمام عدن بقيادة ألفونسو دى البوكرك . وقد قام هذا الأسطول بمحاولة هجوم عند الفجر . ولكن الميناء المحاط بأسواره المنيعة أبدى مقاومة شديدة . وكان ألفونسو دى البوكرك قد رسم خطة يحاول فيها الاستيلاء على جثمان النبى محمد فى المدينة ، وطلب كنيسة القدس فدية له . فلما أخفق فى هجومه على عدن صعد البحر الأحمر ثانية ولم يقم بمحاولة أخرى غير الاستيلاء على بعض السفن. وقد اكتفى البوكرك ، فيما بعد ، بفرض المراقبة على مدخل البحر الأحمر بين طرفى رأس الفرتك ورأس غودفوى .

اتخذ البرتغاليون مراكز فى مسقط على الساحل الجنوبى فى سحار ، ومطرح ، وقريات .

ومن الطبيعى أن هذه السياسة التجارية الهادفة إلى تقوية حركة النقل التجارى بحرًا باتجاه لشبونة ، على حساب الموانئ التركية فى الشرق ، سببت لهم معاداة الأتراك ، الذين ما كادوا يستولون على مصر ، حتى وجهوا تباعًا حملتين بحريتين (1519 و1538) لمحاربة البرتغاليين فى المحيط الهندى . ولكن النتيجة الأولى والأخيرة التى حصلوا عليها ، كانت الاستيلاء على اليمن التى بلغوها عن طريق ساحل البحر الأحمر ، فى كلتا الحملتين .

ومهما يبدو الأمر غير متوقع ، فقد أفاد الغرب من الحملة التركية فى سنة 1538 ، الحصول على قصة هذه الحملة مع وصف مختصر للطرق التى سلكتها فى البحر الأحمر وفى اليمن ، بقلم أحد أبناء البندقية . فقد كان الأتراك محتاجين بالفعل ، إلى فنيين فى الملاحة لحملتهم هذه ، فأسروا فى ميناء الإسكندرية ، بحارة سفينة بندقية ، ولم يخلوا سبيلهم إلا عند عودتهم منها . وقد نشرت قصة هذا الكاتب المجهول منذ سنة 1540 فى مجموعة إيطالية لقصص الرحلات .

كان الأتراك قد استولوا فى اليمن ، على العاصمة صنعاء ، وعلى المدن الرئيسية فيها ، وكانوا مسيطرين على طرق المواصلات الكبيرة عبر البلاد . ولكن بعض المناطق كانت ماتزال معادية للأتراك ، ميالة إلى البرتغاليين . وظلت عدن حتى سنة 1635 ، خاضعة للرقابة التركية (باستثناء فترة العصيان الذى أعلنه العرب عليهم سنة 1547) . ولكن على طول الساحل كانت تتعاقب سلطنتا الشحر وظفار التابعتان قانونيًا لباشا صنعاء ، وبينهما سلطنة قشن التى كانت تتبعها جزيرة سقطرى . وبما أن البرتغاليين كانوا يكتفون بالحصول على قاعدة بحرية فى سقطرى كانت هذه السلطنة ميالة إليهم . وكانت عُمان تحتوى عدة قلاع برتغالية .

وكان للبرتغاليين - عدا أهدافهم التجارية - رغبات فى القيام بحرب صليبية ، أو بحملة تبشير . وقد وجهت جهود التبشير إلى بلاد الحبشة ، ومن ثم منشأ رحلات الاستطلاع العديدة الموجهة إلى ساحل البحر الأحمر الغربى بين سنة 1515 وسنة 1528 .

ولكن حاكم الهند البرتغالى الدون استيفاو دى غاما ، قام برحلة ارتياد حقيقية إليها سنة 1541 ، اصطحب فيها الدون جواو دى كاسترو الضابط والرياضى والعالم الفذ ، لذا فقد كان الكتاب الذى وضعه باسم « روتيرو » أول مؤلف وضع على أساس الملاحظة العلمية ، والمعلومات الدقيقة التى تمكن رجل غربى من إيرادها عن البحر الأحمر . لقد طبق جواو دى كاسترو فى كتابه هذا طرائق جديدة ، ألهمته إياها عقلية علمية صرفة .

إلا أن هذه المخطوطة القيمة لم تصلنا إلا بعد أن مرت بظروف غريبة . فقد وقعت فى يد قرصان إنكليزى على ظهر سفينة برتغالية ، فأخذها إلى بلاده وباعها من السيد وولتر راليه نحو آخر القرن السادس عشر ، ثم ترجمت إلى اللغة الإنكليزية ، بعد انقضاء ثمانين سنة على وضعها، ونشرت سنة 1625 فى مجموعة إنكليزية لقصص الرحلات .

ولم تقم أية مجازفة أخرى على الشاطئ العربى ، غير مجازفة لوبو صوارز دى البرغاريا أمام جدة سنة 1517 ، ومجازفة روى غونسلافز دى كاميرا إلى المخا ، وأدى ذلك إلى معرفة سواحل هذا البحر معرفة أفضل .

وبما أن البرتغاليين لم يبذلوا أى جهد للتوغل فى داخل البلاد ، كان الأسرى وحدهم هم الذين استطاعوا أن يكشفوا الحجاب أمام عصرهم عن بعض نواحى شبه الجزيرة العربية .

كان الأتراك فى الواقع ، يستولون على ما أمكنهم الاستيلاء عليه من الأسرى ، ويقبلون الإفراج عمن تدفع لهم عنهم فدية مالية مهمة . وكان البرتغاليون بدورهم يبيعون الأسرى الذين يقعون فى أيديهم ، كما تشهد على ذلك هذه الحادثة الطريفة الجديرة بالذكر ، وهى أن أحد الجنود رأى بين الأسرى العرب رجلاً يهوديًا كان قد أنجده ذات يوم ، فسأل القبطان أن يخصم من مرتبه المبلغ اللازم لافتدائه ، وأفرج عنه .