صفحة 1
قبل الرواية / بعد الرواية
هو حلم· علماء تفسير المنامات أجمعوا على إنها رؤيا وحذّروا: شتّان ما بين الحلم والرؤيا· ولكنّ الكومبيوتر حلّل خرائط دماغه في الليلة الأخيرة التي عاشها، واثبت أنه حقاً كان آخرَ رجل خاض حرباً على الأرض، وأنّ دماغه جوهرة لغزية كبرى في حياة المخلوقات الآدمية والجنيّة ، ليس لها مثيل· دماغ تلمّ أبعاد الزمن في موشور معتم ، يكبت ألوان طيفه ، ويحتقن بها·
غير أنّ الرجل كان أبسط من تصورات المحلّلين التي رمت بعيداً· إذْ عثر أطباء المشرحة في جيبه على إقرار خطّي يبريء فيه العالم من إراقة دمه ، ويرى أنّه كان يجب أنْ يموت في موعده الحقيقي وعلى سريره البالي، لأنّ ذلك إنتصار المحاربين الأخير· فهو يؤمن أن لكل إنسان مواعيد مخترعة وأخرى يقينية للموت· وأنّه عاش من أجل ذلك الميقات الحقيقي حسب· فكثرت الأقاويل في تفسير بطولاته وانكساراته وتجليّاته الروحانية· وأوصى أن تُعامل الأحداث والرؤى والأسرار التي وردت في شرائح تحليل دماغه على أنّها أساطير مجرد أساطير إنفلتت من الزمان فالتقطتها خلايا دماغه ، وانّ إعادتها الى الزمان ثانيةً عمل ليس لصاحب الدماغ فضل أو إمتياز فيه· وهو ما سيكون في الصفحات الآتية المنقولة دون تنقيح عن آلاف الأمتار لورق كومبيوتر ينافس حسهُ حسّاً بشرياً مرهفاً ، وُجِدَ في مختبر هاوٍ كان يجرّب أوّل مرة في التاريخ البشري نوعاً متقدماً جديداً من الانترنت يدخل على دماغ الإنسان وهو نائم· لذلك لم تفد أية محكمة دولية أو منظمة من منظمات حقوق الإنسان من وثائقية هذه الأحداث غير المرخّص قانوناً بتصويرها ونشرها·
بعد سيلٍ من أوراق بيض طرحها الكومبيوتر ، ظهرت كتابة متموجة تجمع بين العتمة والضوء ، ابتدأت بعنوان : أسطورة خلق السيّد والعبد·
فلمّا جـنَّ فؤاده بظلمة مفزعـة فـزَّت القطة التي في أنفه ، وعرف أنَّ مابيــن عينيـه وخطواتـه مسـافـات لا يرتجى غبارهــا· فانعـقـفَ مثل خطّاف عتّال ، ومـالَ كبرجـوازيّ داسـتْ على ذيله سلحفاةُ البروليتاريا·
إنفرط في صدره عنقود أمنياته ، وطفقَ الوجع القديم يسلخ من سيرته الذاتية كلماتها الأخيرة·
كانت الدنيا حــــصانـاً يعدو على حــــــدوة واحــــدة ما بين (نينوى) و (بابـل)، ومابين (سومر) و (أكـد) ، وكان الذيـل المبروم آخر ما بقي مـن حفنة الجيـوش في يديـه· وكان إصبعـان آخر ما بقي على الذيل· والذيل كل ما بقي من الحصان·· كان يعدو·· ليس ثمة حصان· كان يعدو بالذيل· يمتطي غفوة ذيله ويصرخ في الناس أن يفتحوا له درب الفاتحين· الذيـل بين إصبعيه وهو يمرّ من أمام عتبات الفرسان الذين غلبوا غبار المسافات ذات زمن ، ودقّوا مسامير الريح في تابوت الشهوات·
صفحة 2
ترجَّل من ذيل جواده· وحفنَ براحتيه تراباً ونظر حواليه ، كانت أوكـار الآلهة تتثاءب دخاناً أصفر ، ومغارات المعابد تحبس شموس الكهنة في شقوقها··
خلعَ قدميه وقال : هذه هي الخطوة التي أوصلتني اليك· فردَّ بصولجانه : هي خطوتك الأخيرة· إقتطعَ صبّارة التذمر من جوفــه وأنبتَ مكانها ريحانـة الحكمة قائلاً : رأسي لا تقطعه السيوف ، أُدعُ السيّـاف ، وسوف ترى بنفسك ، فلمّا مرق السيف من يد شديدة مطواعـة الى الرقبـة· حزّ الصوت عنق عــمود من سبعة أعمدة تربض عليها قبـة ، على ظاهرهـا أسـدان في جـذع عاصفة ، وفي باطنها نافورة يصعد ماؤها ولاينزل· إضطربت موجةُ المكان· فأتبع السيّاف غضبهُ قبضتَهُ فإذا بعمود آخر يكتم صوتاً قتيلاً فتنطفيء عين من عيون شلاّل الرخام الصاعد· فيأمر سنحاريب سياّفه أنْ يغمد سيفه في زريبة أنعام القصر· قائلاً : أوَكان رأسك بأركان عرشي ؟·
فأجابه : لا والله· ماكان لمهاجر مثلي أن ينزع منك فص خاتم· ولكن الرؤيا أوصلتـني إلى زقوّرتك ليس بيني وبينك سوى مسافة من الروح لا من الخطوات، فإذا أردت إزهاق روحي أخرجني من الخطوة التي رمت بي على أعتـاب قربك·
فصرخ : مَنْ قاتِلُكَ إذن ؟
دارَ الرجــل على دودة القز في نفسه وقال : هل ترى فيَّ عدواً ؟
قال سنحاريب : أجل·· من حقي أن أرى في الجميع أعدائي··
قال الرجل : ما عداوتي ! فأنا طيف إنسان مهزوم··
قال : خطوتك الأخيرة·
قال الرجل : هي خطوة لك، إصنع منها إسطرلاباً للبصر تدرك فيه أصوات المجاهيل·
فماعت شمعةٌ تحت لهيب أسنانه قائلاً : إحفروا تحت قدميه بئراً·
فخرجت شجرة دردارية سكريّة ، ما لبث أنْ استحالت إلى عنق زرافة من زُمرد يجمع بين الزرقة والسواد·
فأخـــبره الرجل أنَّ هذا هـو طلسمهُ الهابـط من المشتري تخـاصم مع المريخ وعطـارد·· سدَّ عليه الطريق ما بين الزهرة والقمر فتضبب إظهارُ طالعه·
صفحة 3
سكت الكومبيوتر ســـكوتاً أبيض ساعةً حتى بثّ عنواناً آخر
أسطورة خلق بلاد الرافدين
في سنوات أخرى تزببت عناقيـد الصدور ، وصارت ذكريات الرؤوس أهـون على الدمع من بنت عشرين ترملـت ليلة دخلـتها· غاب الرجل عن سيده ، وبقي أثـره في المكان مودةً من ظلال وخرز وماء··
يجمع السيّد من الألـوان كلها رجـالاً لايأتي بينهم ذلك الرجـل· كـان قــد أخبره فـي ذلك اليوم البـــعيد أنّه كلّما تعلّقتْ عيناه في السماء وأرهفـتْ أُذنـاه السمع لمرآة الذهـن ، اجتمعت لديه طمأنينةُ الخدم في قصور الملوك ، ونالـَهُ صمت الخـلوات الموشّى بإغفاءة عشب على جرف نهر·
من تحت آثار خطوته الأخيرة ، صارت الريح تـنبت مثل زيزفونة تـتسلق عموداً رخامياً ، وتنبثق من أعلى القبة ، تجرف في ذيولها كل مطلع موسم شمس قمري طالع رجل ، ترمي به في درب الشمس مرةً، وحول القمر مرةً أخرى· إكتشفَ الإنسانُ بعدئذٍ أنَّ أقـوى ريح تعصف بشمال آسيا بين عقد وآخر ترجع في أصولها إلى تلك الخطوات في ذلك المكان ، وصـار إسمها (هواطيط) ، إنتـسبت اليها أقوام عـدّة تعايشوا حيناً وتحاربـوا حيناً آخر· وكان حيـن يأتي وقـت هبوبها يندى جبيـن الأرض بآنية مسفوحـة من ضوء دمويّ تصحبه أصوات مبهمة ومفزعة· ينسحب الناس إلى الجبال ينحتون لهم فيها بيوتاً ومناحـل عسـل ، تغذّيهم في قـفار الخوف وجحور الهـروب حتى تأتي طيور ملبسة بريـش غير ريشها توكر على قمة الجبل ، فتنزل سحابة مرضاعة على شكل فرس مغـناجة ، يتوضأ الناس فيزيلـون أدران مواضـــيهم وخبث النباتات التي شكَّت أشواكها ثيابهم· فتـتـزفّر السلال وتكبر الغلة في حقل الوادي ويطمئن الناس بعُقبى منازلهم·
لم يكن لأهل (غازونيا) آلهة يعبدونها· وغازونيا مساحة في الرؤيا تواردت على منام رجل صالح فجسّدها له الخالق في بقعة من تراب خصب وحصرها بين نهرين عظيمين· قيل أنّهما ينبعان من بحرٍ مخفيّ ويصبان في بحرٍ مُظهر كانوا يخافون من الكواكب السيّارة ويصنعون رقى تحميهم من غضباتها· وفي المسّرات يقذفون في نار كبيرة عالية توأمين ، حتى لم يبق في بلادهـم الجديدة توأمان· كانوا يعتقدون انَّ الكائنات الغازونية حـين تتكرر تستهلك شعلة المنبت التي تغذي وجودها الكوني وتقلل من غلبة الفرصة الأخيرة للفرد الواحد·
ولأنّ إرادة الله تبدد دوماً ظلمات الإرادة البشرية ، فقد كتبت الحياة لتوأمين خرجا من صلب تلك الريح ، فقامت في وجهيهما عواصف حجريـة كثيرة ، أدت إالى الفرقة بينهما كــي يستطيعــا مواصلـة الحيــاة في آن واحد·
على ربوة تفصل بين واديين ، كانت المعادلة المتوازنة التي قرّرت مصائر العشب والطير والماء· إندفعت الريحُ تكتسح أغنيات ضائعة في براري العشّاق المهجورة ، فتـنزاح في موجاتها ركاماتُ الأحزان والمساءات التي يأست من أفجارها·
وذاتَ يومٍ سقطَ نيزك هائل ذو أطراف نارية مسنّنة فأحدث هزةً مروّعة في بحر تـناثرت حصاه فتكوّنت جبــال حربائية مشتـتة ، والتحق ماؤه قطـراتٍ في ركاب غيــوم كانت تمر فـوق المكان وإرتحلــــت معها ، ولم يبق سوى ربوة يمسها العشب كزغـب مراهــق ، تقع بين خطين متعرجين من ماء البحر الذي كان ، قيل أنّهما آخر توأمين نجيا في ذلك التاريخ·
النيزك الذي سقط فأنبت من حصى البحر أرضـاً صارت بلاداً لشعـب ، تحوّل إلى كهف عميق مهجور ، ترعى قربه إبل قـرى السلالات الأُوَل في تاريخ تلك الأقـوام· ولم يعــد أيّ أثر لبحرٍ كان طوفانه ذات يوم القوةَ التي أخرجت حروف نطق البشريّة من اللجّة إلى الجرف·
صفحة 4
حيَن تنفّسَ أوّلُ فجرٍ في السلالة السنحاريبية ، طلعت شمس هزيلة ذات شعاع ضعيف ، منكسر ، متهالك ، يشبه أذرع أخطبوط بحــريّ، لا حــرارة أو كلف فيها· كانت كــرة خامدة متشـظّية نبتـت عليها خيوط لا تكاد تظهر حتى تختفي· تقول بعض روايــات التأريخ أنّ السرجونيين إمتصوا من الشمس وجهها وعدّنوا المعادنَ في باطن الأرض، وأنهم خزّنوا تحت الماء شعاع الشمس ، وأقاموا بحيرة ذات حصى زمردي جعلوها تـنبع من شجرة وتصب في جبــل ، تستنزف من الشمس حرارتها ووهجها حتى لا يقــوى الأعداء على تسخيرها للإنتقام منهم حين تتفكك ممالكهم· ولم تكن مملكة (خرسباد) سوى جزءً ظلالياً للنوايا السرجوآشوريّة التي إندثرت تحت سنابك السنحاريـبـيـيـن الذين عَلّقوا رقاهم في رقاب نمور محبوسة في مجاهيل الكهنة الأوائل وأودعوا فيها وصاياهم للأجيال في شأن الحروب التي ستقع في بلادهم بعد آلاف السنين· ولم تؤكد مجامع اللغات القديمة أو المعاصرة صلة الســـن حاريـبـيـة بسن الحروب· ممّا يجعل الشك قائماً، والحجة ضعيفة في نسب الصفة الى الموصوف·
ثمّ بث الكومبيوتر صوراً ناطقة لأحداث التقطهاحلم الرجل في ليلته الأخيرة·
الخوف والشك ، عنقودان ثقيلان يتدليان من عينيه ، غير إنّه مازال يمتطي مهرةَ أمنيةٍ يحلم أنْ تُخرجه من وادٍ يتجعّد بالسواد واليباس والفحيح إلى بستانٍ يرتشفُ من شفة نهر·
إنّه لم يـزل مجدولاً بتلك الساعة البعيدة التي ركد فيها الرماد في منفضة الجسد والبارود·· وهذه بقية آماله المحنّطة تنير دربه وتوسع من ضيق صدره وضيق غرفته التي يغادرها كلَّ صباح باحثاً عن عمل منذ سنوات·
المدينة مكتظّة بالعمل ، والاعلانات تنوّع الخيارات أمام الإنسان ، والبلدية سخية على الموظفين، ولكنّهُ لا يجد عملاً·
كانت آماله أكبر من أنْ يدجنها الاحباط المتكرر· لذلك ظلَّ عنقه متشبثاً بجسده النحيل في بقاع لم يستطع دود الأرض المستوطن فيها منذ قرون أن يكمل رحلة عمره فيها· كان يشعر في بعــض الحروب التي خاضها أنَّ النيران عنقود مفروط مجمّد في السماء ، وحين ينظر الى الأرض كان يرى أشجاراً خرافية من النيران تتخلل الغيوم وتنزف الى أعلى·
كانت المساءات تنتحر في وعاء من ريح زمنيّ، حين تعصف فيه تقلّص مساحة النهارات المشمسة المنسفحة في خياله· وصار يجلس في المقهى كلَّ يوم سبع عشرة ساعة أو عشرين ساعة أحياناً، لا يستطيع مغادرتها آملاً كل دقيقة، أنْ يدخل عليه صديق يحمل عنه أثقال ثمن قدح الشاي كي يغادر في أمان·
جاءه صاحب المقهى ذات يوم وطلب منه المغادرة، لأنَّ الوقت يقترب من الفجر ويريد إغلاق المقهى لينام·
فأجابه الرجل : أما بالإمكان البقاء ساعة أخرى ؟
إستغرب صاحب المقهى : منذ عشرين ساعة على جلسة واحدة·· ما بك؟!
ردَّ الرجل : أنتظر أحداً·
- إنتظره غداً·
- أريدُ أن أصل اليوم بالغد لعلَّي ألقاه·
- لكنّك منذ خمس سنين تزاول الإنتظار في المقهى··
- كانوا يأتون في السابق··· لي أصدقاء كثيرون··
صفحة 5
في لجّة الحديـث ، إنسل الرجل من المقهى ونسي صاحبها مطالبته بثـــمن الشاي فكان خلاصاً جديداً من احراج يتكرر كلّ يوم ، ويفكر ساعات طويلة في حلّه ، ويكاد يفشل أحياناً·
عند انبثاق يوم جديد كانت مشكلته قد فتّقت كلّ أوعيتها ولم يكن قادراً على لمّها· فَقَدَ لذة إيمانه القديم في صدق نيّات البلديّة في توزيع فرص عمل مجزية الأجور· خَوتْ عروقه وصار يرى الأشياء ولا يعيها· فقرّرَ الانتحار بلا مقدمات كان على يقين أنّه سيرتكب على' وفق شريعته الدينية معصيته الأولى والأخيرة·
زوبعَ بومٌ كبير في رأسه فتسخمَنَ أفقُ الحياة في عينيه ، لَكَزَ خطواته إلى المقهى ، وقال لصاحبه :
- علمتُ ياعمّ أنّك تعاني من عجز كلويّ ، وأريد أنْ أتبرع لك بكليتي·
- لا ينفع يابني فالقلب أكثر تعباً·
- أتبرع لك بقلبي·
- هل جننت ، وكيف تعيش !؟
- قررتُ إنهاء حياتي وسأفعل ذلك الساعة·
- ألم تفكر بعاقبة معصية الله وأنت رجل مؤمن ؟
- من أجل الله أسعى إلى الموت· لا أريدُ إرتكاب ملايين المعاصي بحجّة التشبث بالحياة· سأرتكب معصيةً واحدةً تخلّصني من إرث كبير من الخطايا لستُ قادراً على تحمّلهِ·
إرتفعت أذنا صاحب المقهى حين أطرق ، بانتا كمجذافين عريضين ينبثقان من بلم رشيق ، ثمَّ قال بعد صمت : لك منيّ نصيحة المخلصين· عليك أنْ تموت ميتةَ شرف وعزّ وإيمان·
قال الرجل : أقبَلُ ياعمّ نصيحتك·
قال صاحب المقهى : تذهب إلى جبهات الحرب متطوعاً أبدياً لا إجازة لك ولا راحة ، تكون أقرب الجنود الى خط الموت ، حتى يقضي الله أجلاً كان مكتوباً·
حَلَبَ الرجلُ الصحارى ، وتحوّلَ إلى عِلّيقة شوكاء شديدة العطش لموتٍ لا يجيء· الرصاص يمرُّ في كلّ لحظة أثيريّة ، كان يرى الثواني تسقط قتيلات بين نَفَسٍ ونَفَس ، غير أنَّه مازال يحمل بندقيته المسنونة سنةً بعد أُخرى ، في مجاهيل وديان وبقاع مالحة·
وتحوّل ذلك الجندي الذي اشتهى الموتَ طريقاً للخلاص ، إلى أسطورة الجبهات، فلم يعد صدره النحيل يتسع أغصان الأوسمة وأقمار النياشين التي كانت تفيض عليه·
صفحة 6
الباشطابيون يخزّنون البرغل والباميا اليابسة والسمن الحر والكليجة والبيبون والسكنجبيل ، والجنود ينزلون علمهم الموسليني من فوق القلعة يحفرون صوت الجندي مبحوحاً عليه ثمَّ يرفعونه ثانيةً ، في حين تمر تحته العربات الآشورية المسلّحة بالسيوف العريضة والرماح الشائكة ، والأسود والضباع والافاعي يقودها مروّضِون مَهَرَة من منحدرات (خرسباد) الشهيرة بمزارع الأسود الى ضفاف دجلة· وهناك المعماريون والفسيفسائيون ذوو الأنوف المدببة وحَفَرَةُ السراديب الظليّة الباردة ، والذين عَبّأوا صهيل الجياد في حناجر الغربان، وثمّة شرائح نبيلة من الأوُريين والأَكديين والشرقاطيين والوركائيين والبابليين والكوفيين ، وشعلات يصطرع فيها لون النار ولون الماء يحرسها جنود الألهين (ننار) و (أوتو) ومعهم دواوين إزالة البغضاء المنشورة في رقاقات شرائع (اورنمو) و (ايشنونا) و(لبت عشتار) ، وكهنة (الاينتوم) الملكيون أصحاب إمتيازات الرِفعة وطهارة النسل المزهوون في محفّةِ كهنة (الناديتوم) الممتازين الأقل شأناً، وحافظو نطف الصفوة النقيّة، والعشتاريون، وحَمَلَةُ التيجان والصولجانات الممهورة بنذور المعابد، والمتأمّلون في محاريب الروح ، والخيول التي تبوس خطواتها··
أمواجٌ تتسلق ظهور أمواج ، رؤوس في خوذ وعقالات وغتر وقلنسوات وعرقجينات وسدائر وطرابيش وصلعات وتعرجات ومسطحات وفراغات·· رؤوس في رؤوس····
يمرّون في صمت الخاشعين ودمع التائبين ، يكاد الجندي يرفع أصابعه يحييهم، يكاد يرفع إصبعاً واحداً ، لايكاد يرفع شيئاً· يجعلهم تحت مساقط نظراته الخيزرانية الراشقة· يختفون في منحنيات البقع الأرضية المتداخلة ، لاشيء يظهر كاملاً · يلاحقهم برشقةٍ من بصائر روحه الفــائضة غيــماً يظللهم ومساراتٍ تدل أحذيتهم ذات المسامير الزاعقة·
يتَتبَعهم حُجَّابُ الوظائفِ المدنيّة الكبيرة ، في حين ينشر سَدَنَةُ البنوك وحَجَبَةُ الشركات العقارية مودتهم على طلبات إنتدابه للعمل السامي معهم برواتب مغرية محصّنة ضدّ الضرائب والقطوع الغامضة ورسوم الطوابع وإشتراكات المهرجانات·
ألكَ أمنيات سريّة فنلبها ؟ ألكَ مباهج تبحث عنها فنبذلها تحت قدميك؟ أصوات تتعلق أمامه مثل كمثرى الجبال تدنو قطوفها إلى فمه، لكنّه يعافها·
يفتحونَ بين يديه رقيمات المسلاّت وأضابير المتحزّبين· ويفكوّن الرموز العصية ويتوقعون الكلمات التي انثلمت بمعاول الحفّارين غير المَهَرَةِ أو السّراق المستعجلين·· يرى الشمس محفوفة بثمار فائضة عن حاجات الاماني التي احترقت في عشقها المسبي ذات زمن· مسلاّت مخرّبة ، يستكملون فيها الشرائع السومرية والبابلية والآشورية·· الناقصة والاقوال الثمينة وانتصارات الإله (مردوخ) شمالاً وجنوباً لتكمل سعادته· يدعونه للصلاة ، يهتكون له قبائل الأوثان والتجاعيد الزندقية والسلالات الكافرة بالخبز والهواء· يزيلون بينه وبين (انليل) الحجُبُ والستائر·· ويطلقون له حبال الحرية ليلتقط من فم انليل ما يتنفسه من مصائر وإرادات ومكائد وانكسارات وعواصف وأقوات·· يتركون له ارادة التصرف بمعطيات المسلاّت الشمسّية والنركالية والنمرودية المصطفاة في ضوء إرادة الله العليّة·
يعفونه من حضور مآتم الآلهة التي تنتحر أو تستهلك شعلاتها أو تبيع كهنتها وتزهد في عروشها· ليس معنياً بهموم فائضة عن مكاييل الحزن القديمة· عبيد وإماء وغرباء يطهرون غابات الليل من أدغال مواضيها·· ويعدون متكأً لمتعَب ٍ لا يعترف بتعبه أو ذنوبه أو ماضيه· والحسناوات يوشّين نهــودهن بكلام الغزل وزركشات الورد· مكاتيب الحسناوات غلال مثقلة بالوجد تُدَرُ في سيول بريدية الى مقرات الجيوش لتركب طريقاً اليه حيث يختفي عنوانه العلني في أحراش الكلمات والشفرات والأوفاق والأحاجي·
مَنْ يستطيع الوصول الى عتبة الأمكنة التي يكون فيها؟ مقرات الجيش صارت جنائن وبساتين ، تفوح بغيمات مشبعة بالرحيق من زخّات الورود البريدية·
ماذا يكتب أزميل اللّيل على ظهر هذا الانسان؟ أهي نقوش أتابكية أم حفريات مستشرقين أم حروف مسمارية ترمز الى أصوات الثيران المجنّحة المتعضّلة في حلاّن الزمن وعروق الفرش الموصليّ· أيّها الحفَّارون المهرة لا تستفزوا ثوراً خارجاً الى حقل الغلّة يستعرض خطواته النموذجية على مدى الكتفين المحسورين عن تشابك عظمتين ضامرتين وخيط فقري·
مَنْ يستطيع أنْ يروّض ثوراً نصفه أسد ونصفه حلم، يقص جناحيه فيتحول في يديه مــن براري الغزاة الكُماة الى حظائر الداجنين· لا أحد يستطيع تعمية نفسه عن رؤية خرائب الليل والسوط ولفح العواء في صليب ظهره· إنّهم يرددون مع أدعية الغَسَقَين هديل (لبت عشتار)؛ اذا أجَّر رجلٌ ثوراً وأضرّ لحمة الظهر، أي المنطقة التي يستند عليها النير ، عليه أنْ يدفع ثلث سعره غرامة· المادة 35 أفضل انسانية أعزّ حيوانيةً ، اذا أجّر رجل ثوراً وأتلف عينه عليه أنْ يدفع ربع سعره· المادة 36 إذا أجّر رجل ثوراً وكسر قرنه عليه أنْ يدفع ربع سعره· المادة 37 إذا أجّر رجل ثوراً واتلف ذيله عليه أنْ يدفع ربــع سعره· الحمورابيون أكثر سخاءً في حفظ الحقوق·
صفحة 7
المواد الأخرى تمكث في فراغ المسلاّت ، خرّبها حفّارو الليل وسبّاكو صحائف النار والدخان والغلو ، والمقاولون من اقرباء الدم والمصير وعُبّادِ شرايين الناس ومصّاصي أحلامهم الحرام·
الثيران القادمة ليس لها حق محفوظ في شرائع المسلاّت التي خارت قوى أعمدتها في المعابد المنسية ، المدفونة الغارقة في نزيز مياه المدن التي نفقت أيامها· السروج على الكلاب والصهوات الدخانية تمنح نفسها في رخص انهيار بورصوي لفرسان هلاميين لهم طعنة في عيلام وطعنة في طروادة وطعنة في غيب الغابات الجبلية· الوطيس ينتظر دائماً صولاتهم· إنّهم لا يأتون في مواعيد الحروب الرسمية· المطر نفس المطر والقمجي نفسه يلسع ظهور المنحنين بيدَ أنه يبدو كعادته يلتف على نفسه كأفعى مدجّنة حين تكون الظهور رخامات منقوشة بالمواضي والسوابق والمهاوي والمفازات والصليل والدماء الجنائنية··
أيّها الجندي الأبدي، المتناسخ عن كُماة الجيوش الحرة وشهدائها· مازالت قدماك واثقتين في عصف المنحدرات ، وفي جفون الكثبان العميقة ، حين تتقدم خطواتك تحلم ذرة الرمل فتمدّ لسان جفافها من محجر السلالات وتعتلي أسرجة الخيول ، لتخرج كرّة أخرى فقاعات تتناسل في غسيل الشمس نطفاً في رحم أثير لايمل الانجاب·
ثمّة خـــــطأ يصـــوبه سهم لينوشه الرامي في ظــــهر المغادرين (حكمة تحفظها في قلبك عن عريف تعليم الرماية)· أنتَ لا تغادر لأنك تعلّمتَ مبكراً أنّ عيون الرماة حين تغمس في كحل الخطيئة لا تصيب الضحايا في مقاتلها أبداً، لذلك أنت تسير على قدمين وهم يتوكأون على العصي ويرتادون أندية تطبيب المعوّقين·
لم يعد لخيله أسرجة زائدة على حاجة الطريق الطويل· لعله المشوار الأخير ، هــــل تقوى مسامير الترس البالية صدَّ طعنات جديدة ، كان يعلم أنّ الفرسان لا ينطفئون قبل أن تقرر الشموس المكحّلة تحويل مجرى الافق· المعابد الآشورية والخلوات البابلية وبراري النسّاك الأكدية تنزف عُبّادها ومعذبيها وكهنتَها· نهر النزيف الأبيض يصعد في تُقية المتهجدين الى سماء مجهولة· الفرسان لا يدخلون المعابد ، يخرجون الى فسح المسافات يربطون مصائرهم بشمعةٍ وخيمةٍ وقرطاس الطين، ويتوضأون للآتي من زعيق الرحيق قبل كسوف الشموس في معابدها القديمة وأثوابها الخزفيّة الجديدة··
صفحة 8
ورقة حزينة كان ينكرها حتى في أحلامه
كان له قبل أنْ يبلى ترسهُ حبيبة غجريّة باعت عشائرها السبع ، وخرجت من أرديتها السبعة يهفو قلبها إليه كصحنٍ فضيّ يفيض خبزاً وملحاً ، باحت له باسمها السرّي فَوَشَتْ بها العفاريت عند سلطات الماء العمادي ، فكُتِبَ عليها عذاب الجسد وهيام الروح·
كان يعمل طبيباً· لم يكن طبيباً في حياته يوماً· كان يعي ذلك جيداً في رؤياه لكنه كان يستعذب أن ينسب إليه وجود غير وجوده لشخص آخر من أبناء شعبه يعمل طبيباً· يمزج حكمة الصين في بوتقة سم الافاعي بأعسال الجبال التي تعلوها نهود البحيرات· سمّاه أطباء عصره طبيب الضائعين الملوّثين بسنا النيازك المخطوفة في تجاويف الليالي السرّية· يأتون به للمعسرات والمرضعات والمنبوذات والمأخوذات بذنوبهن الثقيلة· سمّوه بعدئذ قديس الاطباء ، وسمّوه الطبيب الراعي· والطبيب الزعتري وطبيب الماء والنار·· حتى ثقبت أسماؤه التي أرادوا بها وصمَه بعار الرجعية والقهقرى ، جدرانَ السلطويين المبطنة·
ذات ليلة ، قرأ المعوذات الثلاث وبسمل سبعين مرةً وربط الكــوثر في يس وحوقل حتى أزبد فمه· رنّ عليه جرس الهاتف· مَنْ ؟· يريدك ذو نجم الثريا· كيف اهتديتم إليَّ ، أنا راعٍ للانعام والصلوات وأذكار الخلوات عند عشبة منسيّة في برية الله الراحلة أتعاطى الطب القديم· لايهم ، عليك أن تأتي قبل أن يأتي رأسك وحده· قال ليس لديَّ رأس أنا ذنب كلّنا أذناب كلّنا ذنوب كلّنا ذئاب كلّنا ذباب· لتكن ما تشاء نريدك الآن·
ثقب الحرّاس أعظم الزقّورات من أسفلها فدخلتُ في عمارة كهنوتية تندى الغيوم الخـــــزفية البرّاقة في ســــقوفها الغائبة· رأيـــت (كونفوشيوس) في محرابٍ معلّقٍ بين سمائين من ماء وزعفران ، يتأمّل سابع احجار الكرم الستة· فضحكتُ رغماً عن سيطرتي الذهبية على أعصابي ، وقلتُ لكونفشيوس· لا تفعل هذا أضلّــلَك المدّ السرابي أم المد الشرابي· ضحك كونفوشيوس أيضاً : أوَتحسبني أمارس التزييف· قلت : أجل· قال كونفشيوس : في الصيد يستخدم الملك رماةً في ثلاث جهات، مامن ذهاب لا تعقبه عودة، هذا هو الحد الفاصل بين السماء والأرض· وأضاف : ليس هذا الوقت مناسباً لإختيار حكمة الكتب، فأنتَ مستدعى لأمرٍ جلل·
صفحة 9
عند عتبة الوهج الخزفي رأيته حقيقةً أو رآه الطبيب·· لا خلاف الآن لقد توحدنا من أجل ذلك المشهد· أجل رأيته حقيقةً لا يشبه صورهُ التلفزيونية أبداً· حقاً إنّها ليست رؤيا· كان رجلاً تتكسر الخزفات في صوته، ممدداً في ريشة طائر خرافي ، كلّما تجيئه نوبة الألم يمسك بغيمةٍ فوقَ رأسه يثقبها فتنزف حتى تغيب· قلت لحرّاسه هي هستيريا الهزيع الاخير· قالوا لانفهم· قلت هستيريا الطلق· قالوا لانفهم· قلت على هذا الجسد رجفة السلالات المنتحرة والجيوش المهزومة في عرائنها والميلاد الموؤود في أعماق الغبـــش الريفي· كادَ الدم يطفر من عينيه، وتعجبت في سرّي : أهذا وحيد السيف وحيد الترس وحيد الصبح وحيد الليل وحيد أور وحيد بابل وحيد السلالات الجبلية وسلالات الغِلال ومفارش العرائس والانهار والمخاوف والابتهالات· الزرقةُ تتموج كحصان في هضبتي وجنتيه ويكمد الصفار في جبينه· اجتثّ الطبيب الراعي من عبّه نباتاً قلوياً رشَّ عليه الماء والزعتر والكمّون، ووضعه في فمه المقفل كزنزانة في صعوبة ، فلاكه نجم الثريا في ايقاع بعيري مالبث أنْ تقيأه·
فزع حرّاس الزقّورة وهمّوا بضربه بالفأس المقدّسة، غير انّ غيمة الصحو مدّت أطرافها في وجهه فعادت الطمأنينة الى هياج الحرّاس· وفرحوا للشفاء السريع الذي أنقذ سيدهم· كانوا قد اعتادوا على نوباته الهستيرية ولكنها اليوم نوبة ثقيلة قرأوا فيها ملامح وجه جديد تظهر من دخان القصر الكبير·
كان كل شيء يسير عادياً في العلاج حتى دوّت المفاجأة حين أمسك راعي العشبة بكتفيه في رقة وخشوع وخوف ، وحاول إراحته على وسائد نسيان عنبري ، فلمح لمحَ الخيالات السريّة المطفأة خصلةَ شعر ذهبي أنثوي مغطاة بلحاف طويل مثل وشاح أكدي موشّى بالنمنم والقصب الوردي· وفي لحظة هَتَفَتْ مثل لحظات الأحلام النادرة أبصرتُ معه خنجراً قيصرياً ذا مقبض عاجي يفجّر بقعاً من دم يرســـم شقائق صغيرة تنبت في صمت أبديّ عند حافات ألم منسيّ كانت حين تعصف برأسه أثناء معاشرة الفراش ، يتناول خنجرهُ وينسى أي شيء· لم يذكر رواة هذا الحلم انّه كان مكتوباً على المقبض العاجي الملك لله· غير انَّ مزوري التاريخ وسارقي الجغرافيا كانوا قد دسّوا سمومهم في حقب سلجوقية وعيلامية وهولاكية و······الخ ، طعنوا في قواه الجنسيّة·
منذ ذلك الابصار الممنوع اختفى الطبيب واختفيتُ أيضاً لأنني أبصرتُ معه· تحت جلود غير جلده وفي رؤوس تنتسب لرقاب غيره وفي أسفار سلالاتٍ زقّوراتها عالية بعيدة غريبة ، وحصونها ليست في متناول منجنيقات أولئك الحرّاس· أقنع نفسه أنّها كانت رؤيا ظالمة ادلهمت عليه فيها ذنوبه الزائدة· غير أنّه ظل هارباً من رؤياه· يهرب كل لحظة هروبٍ هروباً جديداً· ملاحقة في انحدار ، ملاحقة في تسلّق· ملاحقات في زي نسوة دميمات أو في ثياب معروقة بكدّ أصحابها· آجّر الأبنية وأصباغها وبناؤها ويافطاتها وروّادها وحافلات الشوارع وباعة الطريق والمحطات الكئيبة وحلقات الذِكْر ومباهج الناس ، ينتظـــمون جميعاً في ثياب مخبر ، ويلاحقونه· أحياناً يتركونه أمامهم يمشي دقائق ثم يطاردونه فيجري مشتعلاً بخوف مسلول من حصارات قديمة ودمامل محتقنة وسلاحف حاقدة على الغزلان·