eKtab
EN ع
الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعائية
اقرأ عينة مجانية

الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعائية

بقلم د. محمد علي حوات

صفحة 1

الإعلام الصهيونى وأساليبه الدعائية

الأصل فى ( الإعلام ) أنه التبليغ أو الإخبار بحقيقة ما فهو يعتمد على الوقائع ، وهذا يوضح الفرق بين الإعلان أو الدعاية بالأساليب المختلفة ، ولكن عندما يكون الإعلام صهيونيًا فالأمر يختلف تمامًا ، فهم أصحاب قضية مصيرية وهم يدركون قبل غيرهم أنهم ليسوا أصحاب حق فيما يدّعون عن الوطن المزعوم، ومن هنا جاء التحدى ، إذ كيف يثبتوا للعالم - بالباطل - أنهم أصحـاب حق ، فدرسـوا قواعد اللعبة جيدًا وعرفوا مفاتيح الوصول إلى عقول وعواطف كثير من الشعوب فإذا كانت وسائل الاتصال لا تخرج عن جريدة أو مجلة أو فيلم سينمائى أو محطات تليفزيونية ، فقد أسسوا وامتلكوا معظم وأقوى شركات فى العالم واستخدموا كثيرًا من المبدعين فى كتابة الرواية والسيناريو وإدارة الحوار وأمدوهم بالأساطير التى تخدم وجهة نظرهم وبالمآسى المزعومة وعذابات الاضطهاد والتشرد حتى تخرج الكتابات وقصائد الشعر تمس العاطفة سواء فى حب الصهاينة أو كراهية الطرف الآخر ، ولم يتوقفوا عند هذا الحد بل سعوا لمراكز اتخاذ القرار والحكم فى أقوى الدول عن طريق المال والاقتصاد والصناعة وكلها تصب فى مصلحة الإعلام الصهيونى بين تهديد وابتزاز أو تكريم وتوقير واستعطاف
الناشر

مقدمة

إن الخطوة الأولى في هذه الدراسة هي أن نضع أيدينا على طبيعة الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعائية ونصحح الخطأ الشائع بأن الإعلام الصهيوني هو الإعلام الإسرائيلي فقط والحقيقة غير ذلك : فالإعلام الإسرائيلي ما هو إلا جزءاً محدوداً من الإعلام الصهيوني الذي يمثل شبكة إعلامية واسعة الأطراف في محيط الإعلام الغربي .
لذا فإن عرض الأساليب الدعائية في الإعلام الصهيوني يقتضي منا الرجوع إلى الدراسات التاريخية لوضع اليهود في أوروبا الشرقية والغربية، ونبذ شعوب هذه القارة لليهود واليهودية منذ بداية عصـر النهضة والشـروع في التحول إلى التصنيع وبناء المعامل التي مثلت النواة الأولى للنهضة الصناعية والتحول من المجتمعات الزراعية بالتدريج إلى المجتمعات الصناعية ونشاط آلية السوق التي أبدى فيها اليهود نشاطاً محموماً في سبيل الكسب غير المشروع والمصحوب بالمراباة والخداع وأساليب الغش والتهور، الأمر الذي ولد الكراهية والسخط والاحتقار لدى شعوب أوروبا للعنصر اليهودي، سرعان ما تبلور ليتخذ طابع الاضطهاد وتدبير المجازر في كل أوروبا الشرقية وفى روسيا على وجه الخصوص . ولابد لنا فى هذا الصدد من الرجوع إلى الماضي لكي يساعد على إضاءة الحاضر، بما يتعين بدوره على استشراف المستقبل .
ظهر المشروع الصهيوني منذ بدايته في سياق المشاريع الاستعمارية في الوطن العربي،وتبلورت ملامحه الذاتية الوظيفية في إطار السياسات الإمبريالية في المنطقة العربية، لذلك فإن الصراع لم يكن في يوم من الأيام صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً فحسب، فالمشروع الصهيوني تحددت وظيفته بخدمة أهداف الإمبريالية في هذه المنطقة التي تتمثل بتعميق واقع التجزئة والتخلف فيها من أجل السيطرة عليها واستغلالها ونهب خيراتها والحيلولة دون نهضتها وتحررها . هذا من ناحيـة، والتخلص من عبء الصهيونية الثقيل الذي طالما تبرمت منه الشعوب الأوروبية وحكامها لحقبة طويلة من الزمن .
لقد مثلت فلسطين القاعدة فقط للكيان الصهيوني لما في هذه القاعدة من مميزات برزت للمشروع الصهيوني من الناحية الأيديولوجية لدى الجماعات اليهودية الصهيونية ولكن مجال عمل هذه القاعدة كان يتخطى حدودها إلى السيطرة على ما يجري في عواصم ما يسمى بدول الطوق، لذلك فإن الإمكانيات التي وضعت تحت تصرف هذه القاعدة كانت تتناسب مع دورها في محيطها .
فالصهيونية التي زعمت أن العداء للسامية هو ظاهرة أبدية ولدت في الواقع في مرحلة شهدت تفاقماً في هذا العداء الذي كان يتغذى بنزعة الانعزال التقليدية المنتشرة بين اليهود .
وإذا كانت المذابح ضد اليهود قد أخذت تتلاحق في روسيا منذ مطلع عام 1977م، فإن نجاح الصهيونية في غزو الجماعات اليهودية لم يكن ليتحقق لو لم تنتقل ظاهرة العداء للسامية في سنوات الثمانينات ابتداء من عام 1880 م إلى ألمانيا والنمسا وهنغاريا، وذلك قبل أن تنتشر في مطلع تسعينات القرن الماضي ( القرن التاسع عشر) في فرنسا نفسها . وفي هذا السياق فإن " تيودور هرتزل " لم يحسم خياره الصهيوني إلا بعد أن تلمس بنفسه ظاهرة العداء للسامية في فرنسا حيث كان يعمل مراسلاً لإحدى الصحف النمساوية .
 
صفحة 2
إن " تيودر هرتزل " لم يكن أول المبشرين بالدولة اليهودية وإن كتابه "الدولة اليهودية" هو الآخر لم يكن الكتاب الإعلامي الدعائي والدعوى لدولة اليهود أو الدولة اليهودية هو الأول في تاريخ الصهيونية ودعوتها إلى الاستيطان في أرض فلسطين واحتلالهـا. إذ أن كتابات كثيرة كانت قد ظهرت منادية بالهجرة اليهودية وبوطن قومي يجمع شتات اليهود في أنحاء العالم، كما ظهرت في الكثير من النشرات والمقالات والأدبيات التي تخص اليهود على ضرورة البحث عن حل لمأزقهم الذي يعيشونه في أوروبا . وفي واقع الأمر فإن الفكر الصهيوني الجديد والدعاية والإعلام التي قامت بتنشيطه المنظمات الصهيونية اليهودية والمسيحية قد وجد صداه في أوروبا الشرقية بعد أن تحطمت دولتهم في القرن الثاني عشر والثالث عشر .
ومنذ البداية اتسم الإعلام الصهيوني بأساليبه المختلفة التي يستخدمها في خدمة أهدافه وأطماعه في فلسطين .
لقد عرفت الدعاية الصهيونية أن تخاطب اليهود في الشتات حسب مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية وحسب توجهاتهم العقائدية والفكرية بهدف اجتذاب العديد منهم وإقناعهم بالهجرة إلى فلسطين، كما عملت الدعاية الصهيونية بأسلوب بارع وذكي على إقناع الشعوب والدول التي عاشوا فيها بعدالة ادعائهم لتهويد فلسطين وجعلها وطناً قومياً لجميع يهود العالم، رغم أن معظم هذه الدول وشعوبها ولا سيما الدول الأوروبية لم تكن بحاجة إلى إقناع : فهي كانت تحاول التخلص بأي شكل من العبء اليهودي الجاثم على صدرها، الأمر الذي جعل السياسة الاستعمارية الأوروبية منذ حملة نابليون على مصر عام 1797م مرتبطة ارتباطاً كبيراً بالقضية الفلسطينية وبهجرة يهود أوروبا إلى فلسطين . فقد كان نابليون أول من حاول استخدام وسائل الدعاية لإيقاظ الوعي الأساطيري عند اليهود في حق العودة إلى أرض الأجداد حسب زعمه، من خلال ورقته اليهودية التي تحث يهود الشتات على العودة إلى فلسطين عندما وصل بجيوشه إلى أسوار عكا بعد استيلاءه على القاهرة عام 1797 م . فالحركة الصهيونية قد ولدت من رحم الاستعمار الأوروبي وارتبطت بالإمبريالية الغربية وبأطماعها ليس على الصعيد السياسي فحسب بل وعلى صعيد الإعلام والدعاية وتركيز نشاطهما فى التأثير على الرأي العام لتصبح رافداً وداعماً لسياسة الدولة المؤيدة للأهداف الصهيونية والمتفقة مع الأهداف الاستيطانية ومصالح الاستعمار في المنطقة.
إن النشرة الفرنسية التي صدرت عام 1860 م تحت عنوان المسألة الشرقية الجديدة والتي أظهرت المكاسب الاقتصادية التي ستعود على أوروبا إذا استقر اليهود في فلسطين، قد شكلت حافزاً كبيراً للدعاية الصهيونية ودعماً كبيراً لسياسة نشطاء الحركة الإعلامية التي بدأت تتبلور بشكل ملحوظ وتنتشر إلى أوروبا الشرقية وأماكن أخرى يتواجد فيها اليهود. وأصبحت الحركة الصهيونية قادرة على تطوير أساليب إعلامية خاصة بها لمخاطبة الرأي العام والتأثير عليه . ويمكن القول في هذا الصدد بأن الحركة الصهيونية هي أقوى حركة أحسنت استخدام سلاح الإعلام وسخرته لكي يصبح أداة قوية في أيديها . فالأساليب المستعملة في الإعلام الصهيوني كثيرة ومتداخلة ولكنها كلها تفي بالغرض المستهدف، سواءً كان على صعيد الابتزاز أو الاستعطاف أو أسلوب المناورة الذي يتراوح بين الترغيب والترهيب وغيرها من الأساليب الدعائية .
لقد ظلت حركة التطوير في الوسائل والأساليب الإعلامية الصهيونية في حالة استمرارية وبشكل لا تضاهيها أي عملية تطوير في هذا المجال على الإطلاق، فهي لم تقصر نشاطها في التأثير على الرأي العام العربي فحسب، بل تمكنت من تكوين احتكارات إعلامية ومؤسسات دعائية جعلت الكثير من المؤسسات الإعلامية الغربية غير قادرة على المنافسة والاستمرار في أداء دورها النشط مما أضطرها إلى الاندماج مع الاحتكارات الإعلامية الصهيونية أو أجبر أصحابها على بيعها لهذه الاحتكارات التي جعلت من المجتمعات الغربية وخاصة المجتمع الأمريكي ألعوبة بأيدي الصهاينة أو بأيدي الإدارة الأمريكية المؤيدة للأطماع الصهيونية والمتفقة مع الدور الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط .
فالإعلام الأمريكي الذي يسيطر عليه الصهاينة قام وبجدارة بعملية غسل دماغ مدروسة لشعب بأكمله جعل من الولايات المتحدة وهي الدولة الأعظم مجرد دولة تابعة للكيان الصهيوني في إسرائيل وفي الخارج . لأن أجهزة هذا الإعلام تعطي وتبث المعلومات التي تريدها للشعب الأمريكي وتحجب عنه ما تريد، إضافة إلى أنها تواصل إمطار المجتمع الأمريكي بسيل من المعلومات الموجهة يومياً بحيث لا تترك له فرصة البحث عن مصادر معلومات أخرى مغايرة لرؤيتها أو معلومات تتناقض مع ما تراه مناسباً لخدمة أهدافها .
فالإعلام الصهيوني بطبيعة تكوينه لا يعرف القيود ولا توجد له حدود، فأساليبه تتصاعد من أسلوب المناورة إلى المراوغة ثم التهديد والتشنيع بالخصم فى حالة الضرورة وتعظيم الذات بأساليب وطرق يصعب على الآخرين المضي بها سواءً كان العائق علمياً أو أخلاقياً.
وقد حاولنا من خلال هذه الدراسة تطوير بعض الأطر حيث حاولنا وضع بعض الأمثلة والحجج التي تبرز جزءاً يسيراً من الأساليب التي يتبعها الإعلام الصهيوني ليستفيد القارئ العربي وكذلك العاملين في حقل الإعلام العربي بحيث تكون لديهم نظرة أكثر عمقاً في أساليب الإعلام والدعاية التي يستخدمها الصهاينة للتأثير على الرأي العام المحلي والدولي.
صفحة 3

أساليب الدعاية الصهيونية القديمة


يتحرك الإعلام الإسرائيلى فى نطاق الإعلام الصهيونى الذى يملك الكثير من فرص الحركة فى أغلبية دوائر الإعلام الغربى منذ وقت بعيد إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل ذاتها، وكان نابليون بونابرت أول داعية يقوم بنشر الدعاوى الصهيونية حين ربط بين السياق الاستعمارى والمسألة الشرقية الاستيطانية اليهودية وعمل على إيقاظ الوعى الأسطوري عند اليهود فى حق العودة إلى فلسطين عندما أبرز ورقته اليهودية التي تحث يهود الشتات على العودة إلى أرض الأجداد حين وصل بجيوشه إلى أسوار عكا بعد أن نجحت حملته فى الاستيلاء على القاهرة عام 1798م، وكان يهدف نابليون من خلال دعوته هذه إلى الآتي :
1 - تخفيف عبء الهجرة اليهودية المتدفقة على غرب أوربا من شرقها بعد أن وضع استراتيجية للسيطرة على ممتلكات الدولة العثمانية .
2 - إنشاء دولة يهودية بزعامة فرنسا فى فلسطين لتكون نقطة بداية مهمة لتنفيذ خططها الإمبريالية .
وفى هذا السياق يتضح أن القضية الفلسطينية قد حددت الاتجاهات الرئيسية لسياسة الدول الاستعمارية قبل المؤتمر الصهيونى بقرن كامل(1).
ورغم عودته إلى فرنسا وهزيمة حملته فى مصر، فإن الفكرة ظلت تراوده إلى أن أصبح إمبراطورا فدعا إلى عقد مجمع يهودي في عام 1807م يهدف إلى حث اليهود على العودة إلى فلسطين وإلى تعليم التقاليد العسكرية والتدريب على القتال لكى يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس الذى يحتاج دينهم إليه على حد زعمه .
وفى عام 1860م أصدرت فرنسا نشرة تحت عنوان المسألة الشرقية الجديدة أظهرت فيها المكاسب الاقتصادية والسياسية التى ستعود على أوربا إذا استقر اليهود فى فلسطين، وتأسس فى نفس العام تحت تأثير هذه الدعاية الاتحاد الإسرائيلى العالمي فى فرنسا وهو الاتحاد الذى أنشأ مدرسة "مكفة إسرائيل الزراعية " قرب يافا عام 1870م(2).
وفى بريطانيا اهتم وزير خارجيتها بالمرستون بالمسألة الشرقية. وحين أصبح رئيس وزراء للحكومة البريطانية فيما بعد حدد ثلاثة أهداف للسياسة البريطانية هى :
1 - إخراج محمد على من بلاد الشام بغرض فك ضلعى الزاوية المصرية السورية وحصره داخل الحدود المصرية .
2 - قبول وجهة النظر الفرنسية الرامية إلى فتح فلسطين للهجرة اليهودية وتشجيع إنشاء شبكة من المستعمرات الاستيطانية لتكون عازلاً يحجز مصر عن سوريا ويمنع لقائهما فى الزاوية الاستراتيجية الحاكمة(3).
ونتيجة لما سبق فإن " تيودور هرتزل " لم يكن أول من بشر بالدولة اليهودية ولا كتابة " الدولة اليهودية " هو أول كتاب دعا إلى هجرة اليهود إلى فلسطين واحتلالها، فقد سبقته كتب ومناشير وأدبيات ومقالات كثيرة منادية بفلسطين وطن قومى يجمع شتات اليهود فى أنحاء العالم، منها على سبيل المثال: كتاب " روما والقدس " لمؤلفه تسيفى هرش عام 1862م و"التحرر الذاتى لـ ليويتسكر "، وكلها تحض اليهود على إيجاد حل للخروج من المأزق الذي يعيشونه فى أوربا، والمأزق الأوربى الكامن فى تحملهم عبء تواجد اليهود فى أوساطهم، لهذه الأسباب وغيرها ظهر المشروع الصهيونى وتبلورت ملامحه الوظيفية فى إطار السياسات الإمبريالية الاستعمارية فى المنطقة العربية، والرامية إلى جعل فلسطين قاعدة تمثل المصالح الاستعمارية يسكنها اليهود رغم ما فى هذه القاعدة من مميزات بررت المشروع الصهيونى من الناحية الأيديولوجية لدى الجماعات اليهودية الصهيونية(4) . واستطرادا على هذه القاعدة فإن الصراع القائم بين العرب وإسرائيل ليس صراعاً بين القومية العربية وبين مزاعم القومية اليهودية، بل هو صراع وجود عربى يدافع عن أرضه ومقدساته ضد غزوة صهيونية عالمية ربطت مصالحها بمصالح الإمبريالية العالمية وسلبت شعب بكامله وجردته من حقوقه وأرضه مستخدمة أبشع صور الإبادة والتنكيل مستفيدة من الدعم غير المحدود الذى تتلقاه من دول الغرب الاستعمارية ومن الإمبريالية الأمريكية ودوائرها الخاضعة لجماعة الضغط الصهيونى بما تمتلكه من نفوذ مالى وسياسى ومن سيطرة شبه كاملة على وسائل الإعلام والدعاية التى تمكنت من إجراء عملية غسيل مخ للشعب الأمريكي فأصبح جزءا كبيراً منه لا يرى الأمور إلا من خلال ما تمطره هذه الوسائل من معلومات مفبركة ودقيقة الإخراج .
إن الإعلام الصهيونى يعتبر من الناحية المادية البحتة شريكاً بحق النصف على الأقل فى سائر المرافق الإعلامية فى العالم الخارجي كدور النشر داخل إسرائيل وخارجها.
وأول ما يلفت النظر فى الإعلام الصهيونى أنه يعتمد ككل إعلام على وسائل ظاهرة، لكنه دون غيره أو دون كل إعلام، يعتمد فى نفس الوقت على وسائل مستترة .
فالوسائل الظاهرة فى الإعلام الصهيونى تتمثل فى :
( أ ) ملكية المؤسسات الإعلامية .
(ب) السيطرة على القوى البشرية فى الكثير من أجهزة الإعلام الغربى .
(جـ) السيطرة على الكثير من مصادر تمويل أجهزة الإعلام وأهمها الإعلانات.
أما الوسائل المستترة فى الإعلام الصهيونى فتتمثل فى الاحتكارات الكلية أو الجزئية فى الصناعات الآتية :
1 - الأفلام الخام التى تستخدم فى السينما والتلفزيون .
2 - صناعة الورق والأحبار التى تستخدم فى الطباعة بشكل عام وفى طباعة الصحف على وجه الخصوص .
3 - صناعة وهندسة آلات الطباعة .
صفحة 4
من هذه المسالك الظاهرة والمستترة تسلق الإعلام الصهيونى أسوار الإعلام الغربى فاقتحمه وحوله إلى أسير تابع يطيع أوامر سيده .
وفيما يلى نورد بعض الأمثلة والمواقف الدالة على هذا التسلق الناجح للإعلام الصهيونى :
1 - كانت جريدة نيويورك تايمز أولى الصحف الأمريكية إلى منتصف عام 1917م تعارض الصهيونية ووسائل إعلامها معارضة كاملة، ثم ظهرت هذه المعارضة على وجه التحديد عندما ظهر فى الأفق مشروع وعد بلفور قبل إقراره من حكومة لندن وإعلانه فى 2 نوفمبر 1917م، ولأن حكومة لندن كانت فى حاجة ماسة إلى الدعم الأمريكى لموقفها من الحرب العالمية الأولى، وفى نفس الوقت كانت تتطلب تأييد حكومة الولايات المتحدة لهذا المشروع، تحرك الإعلام الصهيونى ومؤسساته الاحتكارية بسرعة شديدة نحو أمريكا موليا اهتماماً خاصاً بموقف جريدة نيويورك تايمز(5)، واستخدم الإعلام الصهيونى وسيلة من وسائله المستترة وهى وسيلة التمويل عن طريق الإعلانات، وكانت المفاجئة أن وجدت جريدة نيويورك تايمز نفسها أمام أحد الأمرين : فإما أن تغترف من هذه الإعلانات التى يدخل الإعلام الصهيونى فى توزيعها، وإما أن تظل مضربة عن قبول هذه الإعلانات . ونتيجة للضائقة المالية التى كانت تعانى منها الجريدة وما زالت تحيط بها، فقد اضطرت لفتح صفحاتها لهذه الإعلانات، وبالتالي فتحت هذه الصفحات للدعاية الصهيونية، وما هى إلا فترة من الوقت حتى اختلط فيه الإعلام الصهيوني بالإعلام الأمريكي على صفحات هذه الجريـدة.
2 – وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية فى مايو 1945م كانت توجد أجهزة متعددة تتستر وتختفى وراءها الصهيونية فى منطقة الشرق الأوسط وفى مصر على وجه التحديد، إلى أن جاء يوم نشرت فيه جريدة السياسية الأسبوعية القاهرية مقالاً يناهض التحركات الصهيونية التى كانت تتحفز وقتها لإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين العربية. وفى أعقاب نشر هذا المقال اكتشفت جريدة السياسة الأسبوعية هذه أنها تلاقى صعوبات فى غاية الشدة فى الحصول على ورق وحبر للطباعة، وبعد أن تمكنت بجهد كبير من معالجة هذه الأزمة اكتشفت خللاً فى آلة الطباعة التابعة لها ولاحظت وجود ما يشبه الإضراب والامتناع عن إصلاح هذا الخلل من جانب أصحاب الخبرة الأجانب بهذه الصنعة .. وأخيراً تكتشف الجريدة بأن أصابع الصهيونية كانت وراء هذه المشاكل التى حصلت للجريدة . ونتيجة لاكتشاف هذا الموقف أبعد بعض الأجانب عن مصر بعد أن كتبت الجريدة موضحة تفاصيل هذا الموقف أمام السلطات الوطنية .
3 - وفي عام 1968م أى بعد العدوان الإسرائيلى على الأراضى العربية والذى نتج عنه هزيمة يونيه 1967م حصل مندوب التلفزيون الأمريكى على مقابلة مع عبد الناصر لإجراء حديث معه واشترط الزعيم جمال عبد الناصر قبل الإدلاء بهذا الحديث أن يقول ما يريده صراحة وأن يذاع ما يقوله حرفياً، وكان له ما أراد .
ولكن السؤال المطروح هو كيف تصرف الإعلام الصهيونى المتاخم للإعلام العربى فى هذا الموقف ؟
لقد ظهرت أساليب الخداع عندما شاهد الجمهور الأمريكى الزعيم العربى الخالد جمال عبد الناصر على الشاشة الصغيرة وهو يقدم حقائق الموقف سافرة وواضحة، ولكن على نفس الشاشـة وعلى نفس الشريط وفى نفس اللحظـة ظهـرت صـورة الصهيونى بن جوريون وهو يخاطب الجمهور الأمريكي .
لقد سبق وقلنا أن للإعلام الصهيوني أساليبه الظاهرة والمستترة .. لكن الإعلام الصهيونى له جوانب أخرى قد تكون أشد خطراً، وهذه الجوانب ذهنية فى هذا الإعلام وهى :
1 - الإعلام الدينى .
2 - الإعلام النفسى .
3 - الإعلام العاطفى .
4 - الإعلام السياسى .
5 - الإعلام الاقتصادى .
وسنحاول إلقاء الضوء على هذه الجوانب فيما يلى :
إن إلقاء الضوء على مختلف جوانب الإعلام الصهيونى من الناحية الذهنية يكشف حقيقة لابد من إبرازها وهى أن هذا الإعلام قديم .. أقدم من الصورة السياسية التى نرى الصهيونية عليها الآن، وأقدم من الصورة الإعلامية المتعارف عليها فى وقتنا الحاضر، فهذا الإعلام بمفهومه القديم، قد بدأ يتحرك فى الدائرة اليهودية نفسها منذ بدأت هذه الدائرة فى التشكيل بشكل يختلف عن المنابت الأولى للديانة اليهودية ذاتها، ولهذا كان الإعلام الدينى أول جوانب الإعلام الصهيونى فى التقسيم العملى الذى نقسم به الإعلام الصهيونى على مدى الأزمان(6).
صفحة 5

الإعلام الدينى

اعتمدت الديانة اليهودية على مجموعتين من الأسفار : إحداهما مجموعة أسفار العهد القديم، والأخرى مجموعة أسفار التلمود، وتعتبر ديانة اليهود وكتبها المقدسة من أهم مصادر تاريخهم، وهى أساس نظامهم الاجتماعى والاقتصادى والسياسى .
والمعروف من التاريخ أن النسخة الأصلية للكتاب المقدس عند اليهود، وهو التوراة، قد اختفت من هيكل سليمان عندما أحرق هذا الهيكل وهدم قديماً، ومعروف أيضاً أن أحبار اليهود بعد مرور أجيال على هذه الواقعة التاريخية يقدرها البعض من المؤرخين بسبعة قرون، قد كتبوا التوراة من جديد فى ظروف سياسية اتسمت بشدة الخلافات بين الفرق اليهودية ذاتها وبينها وبين الآخرين، وهو ما انعكس على ما كتبوه منسوباً إلى التوراة الأصلية، وقسم اليهود أسفارهم إلى تسعة وثلاثين سفراً أطلق عليها فى العصور المسيحية اسم " العهد القديم " للتفرقة بينها وبين ما اعتمده المسيحيون فى أسفارهم التى أطلق عليها اسم " العهد الجديد " واعتبرت الأسفار التسعة والثلاثين أسفاراً مقدسة أى موحى بها .
إن الأجيال اليهودية على تعاقبها لم تجد بين أيديها إلا هذه التوراة الجديدة المكتوبة بواسطة أحبار اليهود ( فقهاء اليهود ) التى ألفوا عليها ثم تلقفها الفكر الصهيونى فى إقناع الناس بأن هذه هى التوراة ولا توجد سواها.
وإذا كانت التوراة أو" العهد القديم " ألفت وحرفت بما فيها أسفار القسم الأول الخمسة التى ينسبها اليهود إلى موسى ويعتقدون بأنها بوحى من الله فإن أسفار حقبة قديمة أخرى لم يدخلها اليهود فى أسفار هذا العهد وهم يطلقون عليها اسم الأسفار الخفية، وبعض الأسفار الخفية غير مقدس ولا معتمد فى نظر اليهـود، بينما بعضها الآخر مقدس أى معترف بأنه موحى به ومعتمد فى نظرهـم، ولكن رأى أحبارهم وجوب إخفائه، وقرروا أنه لا يجوز أن يقف عليه الجمهور ولا أن يدرج فى أسفار العهد القديم، وإلى هذا يشير القرآن الكريم إذ يقول فى صدد اليهود ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ((7) ، ويقول تعالى : ( يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ ((8) ، وإذ يقول : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ((9) .
ومما سبق يظهر أن السفر قد يكون خفياً ومقدساً فى آن واحد عند اليهود . وفى هذا يختلف الاصطلاح اليهودى فى مدلول كلمة الخفى على الاصطلاح المسيحى . فالمسيحيون يطلقون كلمة " الخفى " على سفر يرون إنه غير مقدس أى غير موحى به، سواء أكان فى نظرهم صحيحاً فى حقائقه وفى نسبته إلى مؤلفه، أم كان فى نظرهم غير صحيح فى حقائقه أو فى نسبته إلى مؤلفه أو فى كلتيهما، كإنجيل برنابا وكتاب " أعمال الرسل " لبرنابا أيضاً، فإن المسيحيين لا يعترفون بصحة ما جاء فيها ولا بصحة نسبها إلى برنابا .
صفحة 6

أسفار التلمود « العهد الجديد »

تتكون أسفار التلمود من 63 سفراً ألفها أحبار اليهود وفقهائهم المقسمين إلى فرق الفريسيين أهمها فرقة وأكثرها عددا ، وترجع أهمية هذه الفرقة إلى أنها تعترف بجميع أسفار العهد القديم والأحاديث الشفوية المنسوبة إلى موسى وأسفار التلمود. بل إن فقهائها هم الذين ألفوا أسفار التلمود : كماأنها تؤمن بالبعث، فتعتقد أن الصالحين من الأموات ينتشرون فى هذا الأرض ليشتركوا فى ملك المسيح المنتظـر الذى يزعمـون أنه سيأتى لينقذ الناس ويدخلهـم فى ديانة موسى(10).
إن الكذب والخداع والتزوير والتشهير وتحريف الكلام عن مواضعه ليست سمات جديدة ظهرت بظهور الصهيونية، بل هى سمات يهودية قديمة لم ينجو منها حتى أنبيائهم وسنسوق بعضاً من مظاهر التحريف فى القصص الواردة فى أسفار اليهود .
يبدو تحريف القصص فى أسفار اليهود فى أمور كثيرة من أهمها ما يلى :
1 - إن الذات العلية تبدو فى أسفار توراتهم المزعومة، وبخاصة فى القديم منها كسفر التكوين، وفى بعض أسفار التلمود فى صورة مجسمة متصفة بكثير من صفات الحوادث، بل بكثير من صفات النقص، وغير مختلفة اختلافاً كبيراً عن الخلق فى طبيعتها ومسلكها .
2 - إن بعض من يذكر لنا القرآن أنهم رسل أو أنبياء تذكرهم أسفار اليهود على أنهم مجرد آباء قدامى Patriarchs كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، أو على أنهم مجرد ملوك كداود وسليمان، ومع ذلك تجيز اتصال الله بهؤلاء وأولئك بطريق مباشر واتصالهم به .
3 - إن أسفارهم تنسب لبعض الأنبياء، او لبعض من تسميهم آباء لبنى إسرائيل أو ملوكاً لدولهم أعمالاً قبيحة تتنافى مع وضعهم الدينى والاجتماعى، بل تتعارض مع الخلق الكريم ذاته، ولا يتصور صدورها إلا من سفلة الناس .
فمن ذلك ما تقصه توراتهم المزعومة عن إبراهيم حينما هاجر هو وزوجه سارة إلى مصر على أثر ما أصاب بلاده من جدب ومجاعة، إذ تذكر أن إبراهيم قال لزوجته وهما فى طريقهما إلى مصر إنها امرأة جميلة وإن المصريين لابد أن يفتتنوا بها، وإذا علموا أنها متزوجة فسيقتلون زوجها لتخلص لهم بعد ذلك، واتفق معها على أن يتظاهرا بأنها أخته حتى تسلم له حياته، بل ربما ناله حينئذ من المصريين خيراً كثيراً . ولما وصلا إلى مصر ووقع نظر طائفة من كبار رجال الحاشية الملكية على هذه المرأة الجميلة وعلموا من إبراهيم أنها ليست متزوجة وأنها أخته، ونقلوا أوصافها إلى فرعون الذى استدعاها إلى قصره واتخذها من نسائه أو خليله له، وبالغ فى إكرام إبراهيم والإحسان إليه من أجل ذلك، ووهب له قطعانا من " الغنم والثيران والحمير " وعدداً من العبيد والإماء . ولكن أصيب الملك وحاشيته عقب ذلك بوباء مما تصاب به الجماعة عادة إذ ارتكبت فيهم فاحشة من هذا القبيل . فاستدعى الملك إبراهيم وأنبه تأنيباً شديداً لكذبه فى قرابة سارة منه وما ترتب على كذبه هذا من معاملته لها كإحدى نسائه مع أنها فى عصمة رجل آخر . وما أصابه هو وقومه من جراء ذلك من وباء، ثم أصدر أوامره بطرده هو وامرأته من بلاده - ولكن بعد أن تحقق لإبراهيم ما كان يبغيه من عافية ومال : فقد سلمت له حياته؛ وسمح فرعون بأن يحمل معه جميع ما سبق أن وهبه له من أنعام وعبيد وإماء(11) - وكرر إبراهيم فعلته هذه - بحسب ما يذكره سفر التكوين - حينما هاجر إلى منطقة جيرار، وكاد أبو مالك Abimelec حاكم جيراريرتكب الإثم مع سارة لولا أن أظهرها الله فى المنام على حقيقتها وأنها امرأة إبراهيم، فاستدعاه الحاكم وعاتبه على كذبه، ونفحه كذلك بهبة من النعاج والثيران والعبيد والإماء(12).
فكأنما كان إبراهيم يتاجر بامرأته هذه متنقلاً بها من بلد إلى بلد .
ومن ذلك أيضاً ما تقصه توراتهم المزعومة عن لوط وابنتيه، إذ تذكر أنه لم ينج من أهل قريتى سودوم وعمورة اللتين دمرهما الله تعالى لما كان يرتكبه أهلهما من إتيان الذكور إلا لوط وابنتاه غير المتزوجتين ؛ وأن ثلاثتهم قد أقاموا عقب ذلك فى غار فى جوف جبل مرتفع ؛ وحينئذ قالت كبراهما لصغراهما : " إن أبانا قد أصبح شيخاً كبيراً، وليس فى هذا المكان القفر رجال يتصلون بنا على النحو الذى يفعله ذكور الناس مع إناثهم، وإذا بقى الأمر على هذه الحال فسينقرض نسل أبينا بعد وفاته ووفاتنا، وخير وسيلة لاتقاء هذه العاقبة هى أن نسقى أبانا خمرا حتى يفقد وعيه ويتصل بنا فنأتى منه بذرية تخلد نسله " . وأنفذتا ما اتفقتا عليه، وقضت معه الكبرى الليلة الأولى والصغيرة الليلة التالية، وواقع لوط كلتيهما وهو فى نشوة سكره، فحملتا منه، وجاءت الكبرى بغلام اسمه مؤاب، وجاءت الصغرى بغلام اسمه عمون، ومن هذين الغلامين تفرع شعبان كبيران هما شعب المؤابيين وشعب العمونيين (13).
ومن ذلك ما يقصه السفر الثانى من سفرى صموئيل عن داود عليه السلام إذ يذكر أن داود كان يمشى فى صباح يوم على سطح قصره الملكى، فوقع بصره فى المنزل المجاور له على امرأة مفرطة الجمال وهى تستحم مجردة من جميع ثيابها، فشغف بها حبا، وسأل عنها، فأخبر أنها زوجـة أوريا الحثى Urie de hethien، أحد الجنود المرسلين فى حملة حربية تحت قيادة يؤاب Joab . فبعث داود فى طلبها، فجئ بها إليه وبعد أن قضى منها وطره عادت إلى منزلها وقد حملت منه، فاستدعى داود زوجها من الجيش وأخذ يسأله عن حالة الحملة وقائدها وأعمالها، وقدم له بعض الهدايا، وطلب إليه أن يذهب إلى منزله ليستريح هذه الليلة، وكان داود يرمى من وراء ذلك أن يقرب الرجل زوجته، فينسب حملها إليه، ولا تعلق بداود ولا بالمرأة شبهة ما، ولكن الرجل أبت عليه شهامته ووطنيته أن ينعم بالراحة واللذة فى بيته بينما جيش بلاده مشتبك فى معركة مع الأعداء . فلم يذهب إلى بيته، وإنما قضى ليلته نائما مع خدم القصر الملكى . ولما علم داود بذلك استدعاه مرة ثانية وسأله عن سبب إحجامه عن الذهاب لبيته، فأجابه بأن نفسه لم تطاوعه بأن ينام فى بيته وزملاؤه يحاربون فى خارج البلاد، فطلب إليه أن يبقى يوماً آخر، ودعاه إلى الطعام والشراب وحرص على أن يسكره حتى يفقد وعيه ويذهب إلى زوجته، ولكن أوريا لم يفقد رشده . فقضى ليلته هذه كما قضى ليلته السابقة نائما مع خدم داود فى القصر الملكى، ولما ضاق داود به ذرعا، ولم تفلح معه حيلته، أمر برجوعه إلى الجبهة وأرسل إلى يؤاب قائد جيشه أن يضع أوريا فى أخطر جبهة فى ميدان القتال وأن يتخلى عنه حتى يقتل . فنفذ يؤاب الأمر، وقتل أوريا فى الميدان، وحينئذ أتيح لداود أن يضم زوجته إلى نسائه بعد أن انقضى حدادها على زوجها، ووضعت حملها وهى فى عصمة داود، وخفى بذلك على جميع الناس ما ارتكبه داود من جرائم خسيسة، إذ زنى بامرأة متزوجة وعمل على قتل زوجها البطل وهو يذود عن حياض بلاده، مع أنه كانت له زوجات وجوار كثيرات، فأرسل الله إليه ناثان Nathan وقص عليه قصة رجلين يملك أحدهما قطعانا كبيرة العدد من الأبقار والنعاج، بينما لا يملك الآخر إلى نعجة واحدة ، وفى أحد الأيام قدم ضيف على الغنى، فمد يده إلى نعجة الفقير واغتصبها منه وذبحها لضيفه . فغضب داود من فعلة هذا الغنى، وقال لناثان إن هذا الرجل يسـتحق الموت ، ويجب أن يرد النعجة أربعة أضعاف . فقال له ناثان إنك أنت نفسك هذا الرجل، وأخذ يؤنبه ويتوعده بما سيحيق به وبأهله من عذاب ونكال، فاعترف داود بذنبه، واستغفر ربه وتاب إليه، فغفر له ... إلى آخر ما ورد فى هذا السفر(14).
صفحة 7
والقصة على هذا الوضع محض افتراء، ولا يتصور صدور وقائعها من إنسان عادى ذى خلق، فضلاً عن نبى كريم .
ومن ثم أخطأ بعض المفسرين خطأ كبيراً إذ فسروا ما جاء فى القرآن الكريم فى صورة ص(15) عن داود والخصمين اللذين اختصما إليه على النحو الذى ورد فى سفر صموئيل، مع أن العبارات التى ذكرت بها القصـة فى القرآن الكريم لا تدل صراحة على شىء من ذلك، ولذلك كان على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول : " من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ". يقصد بذلك أن من يحدث هذا الحديث فإنه يرتكب جريمة القذف بدون حق، وحد هذا القذف فى الإسلام ثمانون جلدة، ولكن إذا تناول القذف نبياً كريماً كان مرتكبه خليقا بأن يضاعف له هذا الحد ضعفين .
وأشنع من هذا كله ما أورده سفر الخروج، وهو أحد أسفار توراتهم المزعومة، عن قصة عبادة بنى إسرائيل للعجل الذهبى، إذ قص هذه القصة فى صورة غريبة تدل على أن محررى هذه الأسفار لا يرعون لأنبيائهم حرمة، ولا يرجون لهم وقاراً، ولا يتورعون عن أن ينسبوا إليهم أية نقيصة، حتى خيانة الرسالة نفسها التى بعثوا من أجلها، ودفع قومهم إلى الشرك بالله، فقد نسب هذا السفر إلى هارون عليه السلام نفسه أنه قد يسر لبنى إسرائيل سبيل الشرك، ودفعهم إلى الوثنية وعبادة الحيوان والأصنام، فصنع لهم بيده فى سيناء عجلاً من ذهب ليعبدوه من دون الله . فذكر فى إصحاحه الثانى والثلاثين أن موسى لما غادر قومه لتلقى الألواح من ربه، وطال أمد غيابه عنهم، طلبوا إلى هارون أن يصنع لهم إلاها تدركه أبصارهم، لأنهم لا يعلمون ما انتهى إليه أمر موسى، ولا يدركون الإله الذى يحدثهم عنه . فطلب إليهم هارون أن يحضروا له جميع أقراط الذهب المدلاة من آذان نسائهم وبناتهم وبنيهم، فجمعوا هذه الحلى، فصهرها بنفسه، وصنع منها عجلاً ذهبياً ليتخذوه إلاها، فخر بنو إسرائيل سجداً له، وقدموا له القرابين، وقالوا هذا إله إسرائيل الذى أخرجهم من مصر وأنقذهم من شقائها(16).
وقد أشار القرآن الكريم إلى قصة هذا العجل إشارة مجملة فى عدة آيات، منها قوله تعالى : ( وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )(17) .
وذكر القرآن تفاصيل هذه القصة فى سورتى الأعراف وطه مبينا كذب ما نسبه محررو سفر الخروج إلى هارون، فقرر أن الذى قام بصنع هذا العجل وأغراهم بعبادته وفتنهم عن دينهم فى أثناء غياب موسى لتلقى الألواح من ربه رجل سامرى، أى منسوب إلى طائفة يقال لها السامرة، (وهى جماعة من غير بنى إسرائيل اعتنقت اليهودية وامتزجت بالإسرائيليين، وكان الإسرائيليون ينظرون إلى أفرادها على أنهم أحط منهم كثيراً قدراً ومنزلة، أو يرجع أصله إلى إقليم السامرة، وهو أحد أقاليم فلسطين )، وأن هارون لم يأل جهداً فى نهيهم عن ضلالهم والعمل على رجعهم إلى دينهم الحق، ولكنهم لم يستمعوا إليه، وأن كل ما أخذه موسى على هارون أنه لم يتركهم ويلحق به ليبلغه ما انتهى إليه أمرهم، أو لم يقاتلهم بمن عسى أن يكون معه، وأن هارون قد برر موقفه بأنه خشى إذا فعل ذلك أن يفرق بين بنى إسرائيل ويضرب بعضهم ببعض، وذلك إذ يقول فى سورة طه :
( ... فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ : (أى من الحلى التى أشار إليها فى الآية السابقة، وهى الحلى التى أهداها إليهم المصريون قبل خروجهم والتى اختلسوها منهم، وقد صهرها السامرى على صورة عجل بداخـل فمه تجاويف إذا مر فيها الهواء أحدث صوتا كصوت الخوار) * فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَراًّ وَلاَ نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)(18) .
وإذ يقول فى سورة الأعراف : ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداًّ لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ)(19) .
وأما قصة طلبهم من نبيهم أن يجعل لهم إلاها يحسونه، والتى ذكرها سفر الخروج فى حادث العجل زاعما أنهم قد طلبوا ذلك إلى هارون وأن هارون قد أذعن لرغبتهم الآثمة؛ فقد ذكرها القرآن الكريم على وجهها الصحيح، فقرر أن الطلب كان موجها إلى موسى نفسه لا إلى هارون، وأن موسى قد نهرهم وبين لهم ضلالهـم وسخافة تفكيرهـم وسـوء فهمهـم لذات الإله، وذلـك إذ يقول : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ ((20).
ومن الشناعات التى ترويها كتبهم المقدسة المزعومة ما تذكره عن سليمان وأنه فى أواخر ملكه ترك عبادة الله وانحرف إلى عبادة الأوثان، وبنى لها معبداً وسقط فى نظر الله ( إصحاح 11 من سفر الملوك الأول ) . وفى الرد على هذا يقول الله تعالى : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )(21) .
صفحة 8
4 - أن التحريف قد يتناول قصة ما لتبرير وضع اجتماعى أو سياسى ظالم سار عليه بنو إسرائيل فى مرحلة ما من مراحل تاريخهم .
فمن ذلك أن قصـة نوح مع ابنه التى حدثنا عنها القـرآن إذ يقـول : ( وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ)(22) ، قد حرفها سفر التكوين تحريفا كبيراً إذ يذكر أن حاما بن نوح قد رأى أباه وهو سكـران مكشوف العورة، فسخر منه، فلما أفاق نوح من سكره، وعلم ما كان من ابنه حام، دعا على ذريته، وهم الكنعانيون، بأن يكونوا عبيداً لعبيد أبناء ولديه الآخرين سام ويافث(23). ويقصد الذين حرفوا هذه القصة إلى هذا الوضع الغريب، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، أن يبرروا الأوضاع الشاذة الظالمة التى كان يسير عليها بنو إسرائيل حيال الكنعانيين إذ يقتلون رجالهم ويسبون نساءهم وأطفالهم ويتخذون منهم عبيداً وإماء، زاعمين أنهم بذلك يحققون دعوة نوح عليهم ويرجعونهم إلى الوضع الذى كتب عليهم فى الأزل أن يكونوا عليه(24) .
5 - وفى كثير من قصصهم الواردة فى عهدهم القديم بوجه عام، وفى تلمودهم المزعوم بوجه خاص، من المتناقضات والمفارقات والغفلة عن حقائق سبق إيرادها والخطأ فى جمع الأرقام وفى الحساب ... ما يجل عن الحصر بمكان ذكرها فى دراسة مختصرة كهذه الدراسة .
إن إلحاح الأحبار القدامى ومن بعدهم الفكر الصهيونى على إقناع الناس بأن هذه هى التوراة ( الكتاب المقدس ) الموحى به قد لاقى أول تحرك إعلامى قامت به الصهيونية فى طورها القديم، وزيادة فى هذا الإلحاح ظهر كتاب " التلمود " وأحيط من جانب الإعلام الصهيونى القديم بالجو الذى جعل منه سنداً فى نظر اليهود على أن لهم " قومية " ضائعة يسعون إلى وجودها.. وقد ركز الإعلام الصهيونى عن طريق هذين الكتابين وما تفرع عنهما من مخترعات الفكر الصهيونى على ما يأتى :
( أ ) أن اليهود دين وقومية .
(ب) أن اليهود هم شعب الله المختار .
(جـ) أن هناك شيئا اسمه أرض الميعاد .
( د ) أن المقصود من أرض الميعاد، هو الانطلاق إلى سائر الأجواء العالمية .
(هـ) أن ثأر اليهود من غيرهم فضيلة .
( و ) أن المفاهيم الخلقية المقررة عند غير اليهود ليست من المفاهيم الصحيحة للأخلاق التى يتبعها اليهود .
( ز ) أن العلاقات الإنسانية سواء بين جماعة وجماعة أو بين المرأة والرجل لابد أن تأخذ صورة أخرى غير ما اصطلح عليه الآخرون، وأن بعض المحرمات فى هذه العلاقات مباح لليهود وحدهم، ولا بأس من نشر هذه الإباحة بين الأخوين ما وجد اليهود سبيلا إلى ذلك لإحكام قبضة اليهود على غيرهم(25).
ويتضح من تركيز الإعلام اليهودى ( الصهيونى ) القديم على هذه النقاط السبع سالفة الذكر إنه كان موجهاً فى بداية الأمر إلى الأجيال اليهودية ذاتها ؛ غير أن الفكر الصهيونى مع مرور الوقت اتجه إلى محاولة جديدة ظهرت منذ حوالى خمسة قرون بظهور الحركة التى أطلق عليها حركة الإصلاح الدينى عند المسيحيين وهى الحركة التى قام بها "مارتن لوثر " وأسفرت عن ظهور المذهب البروتستانتى . من خلال هذه الحركة ظهر أول اختراق واقتحام إعلامى دينى قامت به الحركة الصهيونية القديمة . عندما أخذت بكل مظاهر التأييد لحركة مارتن لوثر حتى اطمأن البروتستانت إلى هذا التأييد اليهودى وهذا الاطمئنان البروتستانتى هو الذى مكن الإعلام الصهيونى القديم من إقحام ونشر أساطيره فى هذه الحركة ونتيجة لذلك الاختراق تمكن الإعلام الصهيونى القديم أن يوجد جواً من التعايش بين الفكر الصهيونى وبين بعض جوانب الفكر المسيحى عند بعض الطوائف الغربية، وهو التعايش الذى استغلته الصهيونية فى إعلامها الدينى على نطاق واسع(26). إن هذا التعايش قد أدخل الإعلام الصهيونى إلى مرحلة تسييس الإعلام ليصبح الإعلام صهيونى ذات طابع دينى. ومن أبرز أعمال هذه المرحلة أن أوجدت عملين إعلاميين، سرى وعلنى : الأول إعلام سرى موجه إلى اليهود على وجه التحديد، والعمل الثانى عمل إعلامى علنى موجه إلى المسيحيين بالذات: وقد اختار الإعلام الصهيونى لكل من هذين العملين الوقت الملائم له.
العمل الأول : هو وضع دستورى سرى للحركة الصهيونية تعمد الخلط بين الأساطير الدينية والأهداف السياسية، وهو الدستور الذى كلف زعماء الصهيونية أحبارهم بوضعه سراً فى نهاية القـرن التاسع عشـر، ويعرف باسم " بروتوكولات حكماء صهيون " . وقد بلغ شذوذ ما تضمنه من قوانين بالنسبة لغير اليهود، وحتى بالنسبة لليهود غير الصهاينة الحد الذى جعل الإعلام الصهيونى نفسه يتبرأ ويقوم بحملة إنكار عندما ظهرت مجموعة صغيرة من نسخ هذا الكتاب فى أيادى غير يهودية .
العمل الثانى : وهو وضع كتاب فلسفى جديد فى أعقاب قيام دولة إسرائيل يقصد به توجيه الرأى العام المسيحى، وخاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كتبت هذا الكتاب الكاتبة الصهيونية " روزمارين " بعنوان " البقاء اليهودي " وطبع ونشر فى نيويورك عام 1949م وتدور الفكرة فى هذا الكتاب وهى الفكرة الصهيونية ومفادها من أن يبقى اليهود - بقاءهم على النحو الذى يرونه ويصورونه إنما هو ضرورة تاريخية لصالح المجتمع البشرى.
صفحة 9
وتنتهى المؤلفة فى كتابها هذا وهو أصلاً موجه بالطبيعة إلى العالم الغربى المسيحى إلى النهايات الغريبة والعجيبة التالية :
1 - اليهود هم أصل الحضارة التى ينعم بها العالم الغربى قديما وحديثاً .
2 - إن الكفاءات التى ظهرت فى تاريخ الحضارة بين القديم والحديث تغلب عليها الطبيعة اليهودية .
3 - إن الكفاءات اليهودية، أو على الأصح الصهيونية، هى التى تؤمن وحدها على اقتصاد العالم .
4 - إن اليهود بطبعهم هم أكبر مصادر الإبداع فى الفكر والفن والحكمة .
وفى هذا الصدد يتضح من العنوان لهذا الكتاب ومن النهايات التى انتهى إليها البحث فيه أنه عمل من أعمال تسييس الإعلام الدينى بقصد التعاطف مع الحركة الصهيونية ودعاية لتميز الجنس اليهودى على غيره من الأجناس والأعراق، الأمر الذى يجعل الآخرين الموجهة إليهم هذه الدعايات يوقنون بأهداف الصهيونية على أنها أهداف حقيقية تستحق التأييد من جانب الذين تدعى الصهيونية أنها هى التى أكسبتهم هذه المزايا الحضارية .
وقد كان لهذا الكتاب آثار كبيرة ظهرت واضحة فيما يرد كثيراً من وصف بعض الساسة الأمريكيين للإسرائيليين بأنهم " شعب حضارى " .
إن مظاهر العنصرية والإرهاب وقتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال الفلسطينيين وتكسير عظامهم ترجع إلى عقائد اليهود الدينية التى تروج لها الصهيونية العالمية، وذلك بجعلها لليهود شعب الله المختار الذى اصطفاه الله وفضله على العالمين وقد تضمنت أسفار العهد القديم والتلمود تنظيماً كاملاً لشئون الدنيا والدين معاً، وبما أن التوراة قد حرفت وأدخل عليها الأحبار والربانيين الكثير من الافتراءات فإنها مع التلمود الذى تمت كتابته فى وقت متأخر على كتابة التوراة وجاء تفسيرا لها قد كيفت مع رغبات وطموحات ونزوات هؤلاء الأحبار التى تنظر إلى ما عدا الشعب اليهودى أنها شعوب وضيعة فى سلم الإنسانية، وتضع قوانينها ونظمها على هذا الأساس فتفرق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفى كثير من شئون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
فمن ذلك على سبيل المثال أن الإسرائيليين محرم عليهم فى هذه الشريعة أن يقتل بعضهم بعضا وأن يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، فى حين أنه مباح للإسرائيليين بل واجب عليهم، غزو الشعوب الأخرى، وخاصة شعب كنعان وواجب عليهم بعد انتصارهم على أى بلد أن يقتلوا رجالها البالغين فلا يبقوا على أحد منهم، ويسترقوا جميع نسائها وأطفالها ويستولون على جميع ما فيها من مال ومتاع وعقار أو ينهبوه حسب تعبير أسفارهم(27).
ومن ذلك إن الإسرائيلى إذا باع نفسه بيعا اختياريا لأخيه الإسرائيلى فى حالة عوزه وحاجته إلى المال فإن رقه يكون مؤقتا بأجل يرجع بعده إلى الحرية، على حين أن الرق المضروب على غير الإسرائيلى يظل قائما أبد الآبدين . بل تقر أسفارهم أن شعب كنعان قد كتب عليه أن يكون رقيقا لبنى إسرائيل إلى الأبد، وليس لهذا الشعب وظيفة فى الحياة غير العبودية، فإن تمرد الكنعانيون عليها أو تاقوا إلى الحرية وجب على بنى إسرائيل ردهم إلى العبودية بحد السيف، وأن هذا الوضع حسب أسفارهم جاء نتيجة لدعوة دعاها نوح على كنعان ونسله، وذلك أن نوحا حسب ما يزعمه سفر التكوين، قد شرب مرة نبيذ العنب الذى غرس كرمه بيده بعد الطوفان بدون أن يعلم خاصته المسكرة، ففقد وعيه وانكشفت سؤاته، فرآه ابنه حام على هذه الصورة فسخر منه، وحمل الخبر إلى أخويه سام ويافث، ولكن هذين الأخوين كانا مؤدبين وبارين بأبيهما، فحملا رداءً وسترا ما انكشف من جسمه، فلما أفاق نوح وبلغه ما كان من موقف أولاده حياله لعن كنعان بن حام، ودعا على نسله أن يكونوا عبيداً لعبيد أولاد سام ويافث (28).
وفى هذا المظهر برهان قاطع على أن أسفارهم هذه من صنع أيديهم، وأنهم قد ألفوها وأنشأوها على أهواءهم، وأنها بعيدة كل البعد عن الأسفار المقدسة التى أنزلها الله تعالى على موسى - عليه السلام -، فإن شريعة من عند الله لا يمكن أن تقر التفرقة العنصرية بين أفراد الآدميين : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(29) . وأن شريعة منزلة من عند الله لا يمكن أن تضع الأنبياء الأوائل أو البطاركة على حد زعم التوراة المكتوبة على المستوى الأخلاقى الذى يصل إلى مستوى الفاحشة والخسة عند الأفراد العاديين فما بالك عند الأنبياء، فالنبى إبراهيم مثلاً يتاجر بشرف زوجته سارة فى مصر وفى جيرار الفلسطينية من أجل الحصول على الأموال، ويتم سرد ذلك دون أى تحرج، وهو الأمر الذى يكرره بعد ذلك ابنه اسحق فى جيرار كما ورد فى سفر التكوين وفى قصة هلاك سدوم وعمورة، ينحو لوط وابنتيه الوحيدتين، ويسكن فى مدينة (صوغ ) لكنه لسبب غير مفهوم يتركها إلى الصحراء وتحكى الرواية إنه صعد إلى الجبل وابنتاه معه وفى المغارة قالت البنت البكر للصغيرة : أبونا قد شاخ وليس فى الأرض رجل ليدخل علينا، وكان أن اتفقتا على أن يسقين لوط خمراً ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، ثم تكررت العملية مع البنت الصغيرة فحبلت البنتان من أبيهما لوط فولدت البكر ابنا ودعت اسمه مؤاب، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم، والصغيرة ابنا ودعت اسمه بنى عمى، وهو أبو بنى عمون إلى اليوم(30). وعليه فلا غرابة أن تجد مثل هذه الأساطير وغيرها كتلك التى تقص علينا حياة العبرانيين فى مصر واستعباد الفرعون للعبرانيين الذين أنقذهم موسى بالخروج من مصر بعد أن بنوا الأهرامات حسب زعم الصهيونية الجديدة، فقد حدث أن زار الرئيس السادات الأهرامات مصاحبا ضيفه رئيس وزراء إسرائيل فى إحدى المرات التى زار فيها مصر وبينما كانوا يتجولون ويشاهدون إحدى عجائب الدنيا السبع قال مناحم بيجن موجها كلامه إلى الرئيس أنور السادات "رحم الله أجدادى الذين بنوا هذه المعجزة الشامخة فى التاريخ "، ولم يكن بيجن وحده صاحب هذه الدعاية، بل إن كثير من الكتاب والعاملين فى مجال الفن والمسرح والسينما مثل " سيبلبرج"(31) الناطق السينمائى باسم الخرافة اليهودية الصهيونية، وهو يهودى ويعد من أهم وأخطر مخرجى السينما الأمريكية، له قدرة على تحويل الأساطير والخرافات إلى واقع، فهو باعث الحياة فى الديناصورات المنقرضة وحولها إلى موضة شعبية حجرية فى عصر الكمبيوتر والفضاء فى فيلم حديقة الديناصورات، وبنفس الموهبة والقدرة على تجسيد الأوهام انتقل " ستيفن سبيلبرج " إلى توظيف السينما فى خدمة الصهيونية، وأصبح دوره أكبر أهمية من دور الحاخامات والجنرالات، فقد وصفته أمه عندما شاهدت الفيلم المتحرك "أمير مصر " بأنه نبى حين قالت إننى أنجبت نبياً يهودياً جاء إلى الناس حاملاً التوراة ومسلحا بالكاميرا .
صفحة 10
وأمير مصر من الأفلام والرسوم المتحركة التى تجسد سيدنا موسى واليهود فى مصر قبل الخروج منها فى عهد " الفرعون توت عنخ " وليس فى عهد "رمسيس" كما هو شائع وكما هو فى الفيلم، وكان قد سبق" استيفن سبيلبرج " " سيسل " الذى قدم القصة على شاشة السينما فى فيلمه الشهير " الوصايا العشر " الذى عرض عام 1956 م : وهذه القصة التى تحولت إلى رسوم متحركة بعد 40 سنة تحكى بأن أمير مصر موسى قد حكم مصر وبالتالى فهو مصرى ومن ثم فما وجه الدهشة أن يسترد اليهود عرشهم فى مصر، أو على الأقل يسيطرون على هذه البلاد وما وجه الغرابة أن يدعوا أنهم بناة الأهرام كما قال مناحم بيجن للرئيس السادات وهما يزوران معاً الأهرامات، وكما هو شائع فى كثير من النظريات التى تروج لها الدعاية الصهيونية وتجد من يروج لها من بعض المؤرخين من الخارج وبعض الكتاب فى الداخل، فمن المؤرخين فى الخارج " بازيل ستيورد " وهو أول من صاغ هذه الدعاية فى كتابه " سر الهرم " الذى يقول فيه " ليس ما يبرر القول إن المصـريين هم الذين بنوا الأهرام لمجرد أن الهرم موجود فى مصر "(32)، وأن بذور عظمة مصر بذرتها حفنة من المستوطنين قامت بالإنشاءات العظيمة ومنها الأهرام بطبيعة الحال : إن هؤلاء المستوطنون هم العبرانيون أصل اليهود الذين جاءوا من أرض الفرات، وكانوا على مستوى رفيع فى الكثير من المعارف العلمية والرياضية، ومنهم الذين نظموا عملية إنشاء الهرم الأكبر .
إن هذا التزوير وهذه الدعاية ما هى إلا جزء من كل، فقد قام اليهود بأكبر عملية تزوير وتحريف فى العقيدة، وما يهمنا فى هذا الصدد هو الاستخدام السياسى والدعاية السياسية، فالأسطورة الدينية كانت ولا تزال جاهزة لتقديم الخدمات وهى دائما كذلك، فأسطورة أرض الميعاد قدمت لهم دولة إسرائيل وأسطورة تحريم قتل اليهودى لأخيه اليهودى وتحليل قتل اليهودى لغير اليهودى قدمت لهم الفتوى فى قتل الفلسطينيين فى دير ياسين وقبية واللد وكفر قاسم وغيرها كثير من القرى والمدن الفلسطينية، وحرق المنازل وتدميرها بمن فيها من البشر ثم نهبها، بل إن الصهيونية الحديثة المستندة إلى تعاليم التوراة والتلمود قد خالفت الأسطورة التى تقول : " إن على اليهود حين انتصارهم قتل كل الذكور من البالغين وسبى واستعباد الأطفال والنساء ذلك لأن عصابة اشتيرن والهجانا بقيادة بيجين قد زادت فأباحت قتل النساء والأطفال والمسنين وقامت ببقر بطون الحوامل وقتل الأطفال فى بطون أمهاتهم كما حدث فى دير ياسين وغيرها، كما قدمت تلك الأساطير فتوى بإباحة قتل ما هو عربى وفلسطينى فقامت العصابات الصهيونية بتدمير 53 قرية وليس 418 كما يزعم الإسرائيليون (33)بعد إعلان الدولة العبرية، بهدف إرهاب سكانها وإجبارهم على الهجرة وعلى ترك هذه القرى ليصبح من السهل على الصهاينة تأكيد نظريتهم أن فلسطين أرض بلا شعب، وعندما رفض بعض المزارعين مغادرة أرضهم قام الصهاينة بقتل بعضهم وطرد من تبقى منهم إلى الجنوب وبنقلهم البعض الآخر إلى المعسكرات حسب أبحاث المؤرخ الإسرائيلى بنى موريس . أما الكاتبة الفرنسية " دانييل سالتاف " التى قامت فى أكتوبر 1997م بزيارة القرى المنسية فى إسرائيل وكتبت تحقيقا عنها نشرته الصحيفة الفرنسية "لوموند" تحت عنوان " فى قرى إسرائيل غير الشرعية " والتى وقع سكانها تحت قانون الغياب الذى يمنع العرب الذين طردوا من أرضهم فى الفترة من 1947م وقت التقسيم ومايو 1948م ثم هؤلاء الذين لم يغادروا فلسطين فى حرب 1948م -عام 1949م من العودة إلى أرضهم، وتضيف الكاتبة الفرنسية " من السخرية أن تصدر الكنيسة الإسرائيلية عام 1950م قانون العودة الذى يعطى كل يهودى الحـق فى العودة إلى إسرائيل ( فلسطين ) مشيرة إلى ذلك إنما هو مؤشر إلى التصرفات التى تعكس الانفصام فى الشخصية الإسرائيلية، وهكذا فإن هؤلاء الذين أطلق عليهم مهاجرى الداخل استقروا حيث طردوا ولكن بدون أى هوية قانونية .
وفى عام 1965م، أقامت إسرائيل خريطة عامة لكل المدن والقرى، ولكن تلك الخريطة لم تذكر إلا 113 قرية عربية وتجاهلت المئات الأخرى حيث سكانها لا يتمتعون بأى حقوق قانونية رغم أن قرار إعلان دولة إسرائيل نص على المساواة الكاملة بين كل المواطنين بدون تمييز فى الدينأو العرق أو الجنس: وتقول الكاتبة إن عدد هؤلاء السكان المحرومين يصل إلى 80 ألف نسمة ويشكلون 10% من سكان عرب الأرض المحتلة فى 1948م محرومون من حق البناء والتملك والزراعة وتربية المواشى ومن حق التصويت فى الانتخابات حيث أن ليس لهم عنوانا محدد (34)، كل هذا يجرى فى أعقاب إعلان دولة إسرائيل التى نجحت فى إقناع الدوائر الغربية والأمريكية على وجه الخصوص أنها تمثل واجهة الديمقراطية فى الشرق الأوسط الزاخر بالأنظمة السلطوية والمستبدة وذلك باستخدامها كل قدراتها السياسية والاقتصادية والدعائية، فمن الغرابة بمكان أن يميل جزء من النخبة السياسية العربية إلى هذا الرأى ويتقبلون الدعاية القائلة إن إسرائيل فعلاً ديمقراطية : وواقع الأمر فإن إسرائيل دولة ديمقراطية يتمتع بمزايا الديمقراطية فيها اليهود فقط دون العرب .