صفحة 1
المقدمة
التواصل تفاوض وتعايش
"الإعلام خلاف التواصل أو الاتصال". ما المقصود من وراء هذا التأكيد؟ إنه يعني بالنسبة إلى معظمنا أن الإعلام أمر جاد بينما التواصل ليس كذلك. ولذلك، يمكننا القول: نعم للإعلام ولا للتواصل الذي تحوم حوله على الدوام شبهة الإغراء والهيمنة . ذلك هو الروسم المترسخ في الأذهان. أما بالنسبة إلي فإن ما أصبو إليه هو إثبات عكس ذلك. إن التواصل أعقد من الإعلام لأسباب ثلاثة.
بداية، إذا اعتبرنا أن ليس للتواصل وجود من دون إعلام، فإن التواصل أصعب، دائماً، لأنه يطرح مسألة العلاقة، أي مسألة الآخر. هذا فضلاً عن عدم ضمان النتيجة إذ إن المرسِل قلّ ما يكون على صلة بالمرسَل إليه أو المتلقي. والعكس، أيضاً، صحيح.
من ثم، لأن هناك تناقضاً بين الشرعية التي يتمتع بها الإعلام والصورة المشوهة التي تلازم التواصل، بينما لم يسبق للبشر، أن أمضوا مثل هذا الزمن الطويل، منذ نصف قرن، في محاولتهم للتواصل فيما بينهم. كما لم يسبق، سعياً منهم لبلوغ ذلك، أن أنفقوا مثل هذا الكم من المال من أجل الحصول دائماً على تقنيات راقية. لماذا الحط من شأن هذا النشاط وانتقاده وتكريس هذا القدْر الكبير من الوقت والطاقة والمال؟ في النهاية، إن الحط من قيمة التواصل الذي لطالما سعى كل منا إليه في حياته الشخصية والمهنية والسياسية والاجتماعية هو حطّ من قدْر أنفسنا بالذات.
أخيراً، كيف يمكن لنا أن ننظر إلى الإعلام على أنه خير وإلى التواصل على أنه شر، في حين أن كليهما لم ينفصلا عن بعضهما بعضاً، طيلة قرنين، في كفاحهما من أجل الانعتاق الفردي والجمعي؟ ليس ثمة إعلام في ظل غياب مشروع للتواصل، لذلك هناك نوع من الفصام في هذه الإرادة التي تهدف إلى الذمّ بذا والمدح بذاك. أما فيما يتعلق بالتقنيات، من الهاتف إلى الراديو، ومن التلفاز إلى المعلوماتية، فإنها كانت، دائماً، تلعب دوراً أساسياً في الانعتاق الفردي والجمعي، ونجدها حاضرة أينما كان في حياة الجميع...
ولقد كان عملي يهدف منذ سنوات إلى عدم الفصل بين الإعلام "الجيّد" والتواصل "السيّئ" والتفكير، بالتالي، عليهما معاً. هذا مع التأكيد على المفارقة الراهنة ألا وهي أن توافر التقنيات إينما كان في عالم منفتح مشبع بالمعلومات، لم يعد يكفي لخفض التناقضات التي يتعثر بها التواصل.
التواصل تفاوض وتعايش
"الإعلام خلاف التواصل أو الاتصال". ما المقصود من وراء هذا التأكيد؟ إنه يعني بالنسبة إلى معظمنا أن الإعلام أمر جاد بينما التواصل ليس كذلك. ولذلك، يمكننا القول: نعم للإعلام ولا للتواصل الذي تحوم حوله على الدوام شبهة الإغراء والهيمنة . ذلك هو الروسم المترسخ في الأذهان. أما بالنسبة إلي فإن ما أصبو إليه هو إثبات عكس ذلك. إن التواصل أعقد من الإعلام لأسباب ثلاثة.
بداية، إذا اعتبرنا أن ليس للتواصل وجود من دون إعلام، فإن التواصل أصعب، دائماً، لأنه يطرح مسألة العلاقة، أي مسألة الآخر. هذا فضلاً عن عدم ضمان النتيجة إذ إن المرسِل قلّ ما يكون على صلة بالمرسَل إليه أو المتلقي. والعكس، أيضاً، صحيح.
من ثم، لأن هناك تناقضاً بين الشرعية التي يتمتع بها الإعلام والصورة المشوهة التي تلازم التواصل، بينما لم يسبق للبشر، أن أمضوا مثل هذا الزمن الطويل، منذ نصف قرن، في محاولتهم للتواصل فيما بينهم. كما لم يسبق، سعياً منهم لبلوغ ذلك، أن أنفقوا مثل هذا الكم من المال من أجل الحصول دائماً على تقنيات راقية. لماذا الحط من شأن هذا النشاط وانتقاده وتكريس هذا القدْر الكبير من الوقت والطاقة والمال؟ في النهاية، إن الحط من قيمة التواصل الذي لطالما سعى كل منا إليه في حياته الشخصية والمهنية والسياسية والاجتماعية هو حطّ من قدْر أنفسنا بالذات.
أخيراً، كيف يمكن لنا أن ننظر إلى الإعلام على أنه خير وإلى التواصل على أنه شر، في حين أن كليهما لم ينفصلا عن بعضهما بعضاً، طيلة قرنين، في كفاحهما من أجل الانعتاق الفردي والجمعي؟ ليس ثمة إعلام في ظل غياب مشروع للتواصل، لذلك هناك نوع من الفصام في هذه الإرادة التي تهدف إلى الذمّ بذا والمدح بذاك. أما فيما يتعلق بالتقنيات، من الهاتف إلى الراديو، ومن التلفاز إلى المعلوماتية، فإنها كانت، دائماً، تلعب دوراً أساسياً في الانعتاق الفردي والجمعي، ونجدها حاضرة أينما كان في حياة الجميع...
ولقد كان عملي يهدف منذ سنوات إلى عدم الفصل بين الإعلام "الجيّد" والتواصل "السيّئ" والتفكير، بالتالي، عليهما معاً. هذا مع التأكيد على المفارقة الراهنة ألا وهي أن توافر التقنيات إينما كان في عالم منفتح مشبع بالمعلومات، لم يعد يكفي لخفض التناقضات التي يتعثر بها التواصل.
صفحة 2
في هذا الكتاب، لديّ النية في أن أقلب الروسم السائد وتبيان كيف أن التحدي الحقيقي متعلق بالتواصل أكثر مما هو متعلق بالإعلام الذي يعتبر توافره غير كافٍ لإيجاد التواصل، إذ إن وجود المعلومات الكلي يزيد من صعوبة التواصل، بل إضافة إلى ذلك تقود ثورة الإعلام إلى حالة من التقلب في التواصل، وتكون النتيجة عندئذٍ غير متوقعة. كذلك لم تعد المشكلة متعلقة بالإعلام وحسب، وإنما هي أكثر من ذلك مشكلة شروط يتوجب استيفاؤها من أجل تمكن ملايين الأفراد من التواصل، أو بالأحرى من التوصل إلى التعايش في عالم أصبح فيه كل فرد يرى كل شيء ويعلم بكل شيء، وحيث الاختلافات اللسانية والفلسفية والسياسية والثقافية والدينية جعلت من التواصل والتسامح أمرين أكثر عسراً. وبكلمة، فإن الإعلام معني بالرسالة، أما التواصل فمعني بالعلاقة، وهذه مسألة أكثر تعقيداً.
إن الهدف لم يعد التقاسم مع الآخرين ما هو مشترك فيما بيننا بقدر ما هو تعلم كيفية تدبر الاختلافات التي تفصلنا. وذلك إنما على المستوى الفردي والجمعي على حد سواء. أخيراً، في التواصل، تبقى أبسط الأمور في جانب الرسائل والتقنيات بينما أعقدها فهي في جانب البشر والمجتمعات.
يعتبر القرن التاسع عشر عصر ثورة الإعلام، مع ما تحقق فيه من انتزاع للحريات، بينما يُعتبر القرن العشرون عصر انتصار الإعلام والتقنيات، مع ظهور الاتصالات المنفتحة على الجميع. أما القرن الواحد والعشرون فهو قرن التعايش، بمعنى تأمين الشروط المطلوبة لعيش مشترك بين وجهات نظر مختلفة، في عالم صغير للغاية يعلم فيه الأفراد كل شيء، ولا يقوى المرء على الإفلات منه.
لقد بات المرء بعيداً عن الخطاب القديم الذي يأخذ جانب الإعلام ويجافي التواصل، ولم يعد بالإمكان وضع تراتبية تحكم بينهما، لذلك يجب أن يتناولهما التفكير معاً مضافاً إليهما تعقيد خاص بالتواصل الذي يواجه المسألة الثلاثية المرتبطة بالعلاقة وبالآخر وبالمتلقي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن انتصار الإعلام بالذات في القرنين الماضيين هو الذي يوجب تحديد مرتبة التواصل من جديد، وإن هذا الانتصار لم يكن سوى نصف الطريق.
إن هدف هذا الكتاب، فهو التفكير على التواصل من جديد في زمن انتصار الإعلام وما يرافقه من تقنيات.
من ناحية أخرى لقد كان من شأن أزمة الرأسمالية منذ آب سنة 2008 أن تسرع التفكير النقدي على البعد السياسي للعلاقة بين الإعلام والتقنية والتواصل. فلأول مرة في التاريخ، تابعت الشعوب، بشكل مباشر، الأزمة وتبعاتها. لكن مما لا شك فيه أن ذلك الإعلام الوافر سوف يثير، بعد فترة من الذهول، نقداً جوهرياً موجهاً ضد الاقتصاديين والصحافيين ورجال السياسة والجامعيين والتكنوقراط الذين لم يحسنوا، أو لم يشاؤوا رؤية حدوث الكارثة، وسوف يُطلب إليهم تقديم حسابات وانتقادات ذاتية.
وتمثل هذه الأزمة أيضاً أزمة إعلام مالي بقي دائماً خارج المراقبة، ولا يمكن فصلها عن الإنترنت، مما يطرح، مرة إضافية، المسألة السياسية المتعلقة بتنظيم هذه الوسيلة ووضع ضوابط لها، هذا إن كان المراد فعلاً جعلها وسيلة في خدمة الحرية.
وفيما يتعدى التكهنات، فإن سرعة انتقال المعلومات، وغياب الضوابط، ونسيان المصلحة العامة، كلها تشكل مواضيع يدور حولها الخلاف. وهذه السرعة تشكل أول حدث سياسي عالمي يوجب التفكير من جديد على التحديات السياسية للإعلام والاتصالات. كونه يشبه قليلاً الأزمات الإقتصادية التي سرّعت على امتداد الأربعين سنة الماضية عملية إدراك سياسي، باتت مكتسبة اليوم، وتتعلق بالرهانات السياسية للبيئة.
إنَّ التحدي يظهر على النحو التالي: في عالم مشبع بالإعلام والاتصالات والتقنيات كيف هو السبيل إلى تأبيد القيم التحررية التي ارتبطت بكليهما منذ القرن السادس عشر؟ كيف السبيل إلى منع الإعلام والتواصل من أن يصبحا أداتي تسريع لسوء التفاهم والكراهية بعد أن كانا بالأمس عاملي تقارب؛ وذلك تماماً لأن كل الاختلافات والغيريات باتت مرئية. هذا هو كل معنى أبحاثي منذ ثلاثين عاماً: إعادة تأسيس القيم التحررية للإعلام والاتصالات في سياق أصبحت فيه كلّية الوجود ومتعددة اللغات على نحو مرعب.
إن الهدف لم يعد التقاسم مع الآخرين ما هو مشترك فيما بيننا بقدر ما هو تعلم كيفية تدبر الاختلافات التي تفصلنا. وذلك إنما على المستوى الفردي والجمعي على حد سواء. أخيراً، في التواصل، تبقى أبسط الأمور في جانب الرسائل والتقنيات بينما أعقدها فهي في جانب البشر والمجتمعات.
يعتبر القرن التاسع عشر عصر ثورة الإعلام، مع ما تحقق فيه من انتزاع للحريات، بينما يُعتبر القرن العشرون عصر انتصار الإعلام والتقنيات، مع ظهور الاتصالات المنفتحة على الجميع. أما القرن الواحد والعشرون فهو قرن التعايش، بمعنى تأمين الشروط المطلوبة لعيش مشترك بين وجهات نظر مختلفة، في عالم صغير للغاية يعلم فيه الأفراد كل شيء، ولا يقوى المرء على الإفلات منه.
لقد بات المرء بعيداً عن الخطاب القديم الذي يأخذ جانب الإعلام ويجافي التواصل، ولم يعد بالإمكان وضع تراتبية تحكم بينهما، لذلك يجب أن يتناولهما التفكير معاً مضافاً إليهما تعقيد خاص بالتواصل الذي يواجه المسألة الثلاثية المرتبطة بالعلاقة وبالآخر وبالمتلقي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن انتصار الإعلام بالذات في القرنين الماضيين هو الذي يوجب تحديد مرتبة التواصل من جديد، وإن هذا الانتصار لم يكن سوى نصف الطريق.
إن هدف هذا الكتاب، فهو التفكير على التواصل من جديد في زمن انتصار الإعلام وما يرافقه من تقنيات.
من ناحية أخرى لقد كان من شأن أزمة الرأسمالية منذ آب سنة 2008 أن تسرع التفكير النقدي على البعد السياسي للعلاقة بين الإعلام والتقنية والتواصل. فلأول مرة في التاريخ، تابعت الشعوب، بشكل مباشر، الأزمة وتبعاتها. لكن مما لا شك فيه أن ذلك الإعلام الوافر سوف يثير، بعد فترة من الذهول، نقداً جوهرياً موجهاً ضد الاقتصاديين والصحافيين ورجال السياسة والجامعيين والتكنوقراط الذين لم يحسنوا، أو لم يشاؤوا رؤية حدوث الكارثة، وسوف يُطلب إليهم تقديم حسابات وانتقادات ذاتية.
وتمثل هذه الأزمة أيضاً أزمة إعلام مالي بقي دائماً خارج المراقبة، ولا يمكن فصلها عن الإنترنت، مما يطرح، مرة إضافية، المسألة السياسية المتعلقة بتنظيم هذه الوسيلة ووضع ضوابط لها، هذا إن كان المراد فعلاً جعلها وسيلة في خدمة الحرية.
وفيما يتعدى التكهنات، فإن سرعة انتقال المعلومات، وغياب الضوابط، ونسيان المصلحة العامة، كلها تشكل مواضيع يدور حولها الخلاف. وهذه السرعة تشكل أول حدث سياسي عالمي يوجب التفكير من جديد على التحديات السياسية للإعلام والاتصالات. كونه يشبه قليلاً الأزمات الإقتصادية التي سرّعت على امتداد الأربعين سنة الماضية عملية إدراك سياسي، باتت مكتسبة اليوم، وتتعلق بالرهانات السياسية للبيئة.
إنَّ التحدي يظهر على النحو التالي: في عالم مشبع بالإعلام والاتصالات والتقنيات كيف هو السبيل إلى تأبيد القيم التحررية التي ارتبطت بكليهما منذ القرن السادس عشر؟ كيف السبيل إلى منع الإعلام والتواصل من أن يصبحا أداتي تسريع لسوء التفاهم والكراهية بعد أن كانا بالأمس عاملي تقارب؛ وذلك تماماً لأن كل الاختلافات والغيريات باتت مرئية. هذا هو كل معنى أبحاثي منذ ثلاثين عاماً: إعادة تأسيس القيم التحررية للإعلام والاتصالات في سياق أصبحت فيه كلّية الوجود ومتعددة اللغات على نحو مرعب.
صفحة 3
الفصل الأول
نظرية للتواصل والاتصال
ليست ثورة القرن الواحد والعشرين ثورة الإعلام، إنما هي ثورة التواصل والاتصالات. ليست ثورة الرسالة إنما ثورة العلاقة. ليست ثورة إنتاج الإعلام وتوزيعه بواسطة تقنيات راقية إنما ثورة في شروط القبول أو الرفض، من قبل ملايين المتلقين، المتباينين، والذين نادراً ما يكونون على خط تواصل مع المرسِلين. إن المتلقين، هدف الرسالة الإعلامية، يعقّدون التواصل، فيتعثر الإعلام في وجه الآخر. وفيما كان المرء يحلم بقرية كونية فقد تكشَّف الواقع عن برج بابل من جديد.
1- نظرية للتواصل والاتصال
إن تنوع المتلقّين قد جعل من النظرية السائدة في هذا المجال نظرية متقادمة. فلا زيادة المعلومات التي تُبثّ، ولا سرعة انتقالها بطريقة أكثر مساواة، تؤديان إلى زيادة في التواصل والتفاهم البيني. والمتلقون، أي الأفراد والشعوب، يقاومون المعلومات والأخبار التي تزعجهم، ويودون التمكن من تقديم رؤاهم الخاصة للعالم. لقد أصبح تعذر التفاهم الأفق المتاح للتواصل، الأمر الذي يجبر على التفاوض المستمر للتمكن من التعايش.
أين المفارقة هنا؟ في انتصار الإعلام الذي يكشف تلك الصعوبة المتنامية في التواصل. لقد شكل المصطلحان متلازمين إن لم نقل مترادفين، في إطار المعركة من أجل حرية التعبير، والانعتاق السياسي وحقوق الإنسان. فالإعلام هو الذي يفرض نفسه اليوم، بارزاً فكرة التواصل "التلقائي" أو الآلي بحدة أكثر، أما غداً فإن التحدي الأساسي سيتمثل في إشكالية التواصل، أي شروط قبول المتلقي للمعلومات من كل حدب وصوب، وشروط التفاوض بشأنها. لقد ازداد الإعلام غزارة بينما شح التواصل، فلم يعد كافياً أن ننتج معلومات أو نتبادلها وأن نصل إليها لتحقيق التواصل.
بالأمس، وعن طريق استخدام تقنيات محدودة، كانت الرسائل المتبادلة تعني جمهوراً متجانساً. أما اليوم، فالرسائل لا تعدّ ولا تحصى والتقنيات شبه كاملة، والمتلقون الذبن هم في تزايد مستمر، متباينون متحفظّون. والسبب في ذلك لا يعود إلى اللغات وحسب وإنما إلى تصادم التصورات والثقافات والرؤى إلى العالم. في مثل هذه الحالة، لم يعد كافياً أن نسرّع من وتيرة إنتاج وتوزيع المعلومات من أجل تحقيق تواصل أكبر، لا بل من شأن ذلك تضخيم النزاعات، ولأول مرة في التاريخ يحدث مثل هذا الفكاك.
ومن هنا فإن الإعلام والتواصل قد أصبحا في القرن الواحد والعشرين واحداً من الأهداف والرهانات سواء في السلم أم في الحرب. فكيف السبيل إلى التعايش عندما يغيب "التفاهم"، وعندما تظهّر الاختلافات للعيان بواسطة تقنيات أرقى باستمرار؟ أو عند التوصل إلى تنظيم التعايش بين وجهات نظر مختلفة، مع الواجب المزدوج المتمثل باحترام تنوع الهويات والإطار المشترك للتواصل في الوقت نفسه. أو أن ينطوي هؤلاء أو أولئك على أنفسهم ضمن معازل أو جماعات قوامها هويات متنازعة تقريباً تسمح لنا أن نتكهن كم أن العولمة تزيد من هذا الخطر. إذن هناك تزايد في عدم التواصل بسبب التزايد في المعلومات، تلك هي نتيجة لم تكن في الحسبان لثلاثين سنة خلت.
نظرية للتواصل والاتصال
ليست ثورة القرن الواحد والعشرين ثورة الإعلام، إنما هي ثورة التواصل والاتصالات. ليست ثورة الرسالة إنما ثورة العلاقة. ليست ثورة إنتاج الإعلام وتوزيعه بواسطة تقنيات راقية إنما ثورة في شروط القبول أو الرفض، من قبل ملايين المتلقين، المتباينين، والذين نادراً ما يكونون على خط تواصل مع المرسِلين. إن المتلقين، هدف الرسالة الإعلامية، يعقّدون التواصل، فيتعثر الإعلام في وجه الآخر. وفيما كان المرء يحلم بقرية كونية فقد تكشَّف الواقع عن برج بابل من جديد.
1- نظرية للتواصل والاتصال
إن تنوع المتلقّين قد جعل من النظرية السائدة في هذا المجال نظرية متقادمة. فلا زيادة المعلومات التي تُبثّ، ولا سرعة انتقالها بطريقة أكثر مساواة، تؤديان إلى زيادة في التواصل والتفاهم البيني. والمتلقون، أي الأفراد والشعوب، يقاومون المعلومات والأخبار التي تزعجهم، ويودون التمكن من تقديم رؤاهم الخاصة للعالم. لقد أصبح تعذر التفاهم الأفق المتاح للتواصل، الأمر الذي يجبر على التفاوض المستمر للتمكن من التعايش.
أين المفارقة هنا؟ في انتصار الإعلام الذي يكشف تلك الصعوبة المتنامية في التواصل. لقد شكل المصطلحان متلازمين إن لم نقل مترادفين، في إطار المعركة من أجل حرية التعبير، والانعتاق السياسي وحقوق الإنسان. فالإعلام هو الذي يفرض نفسه اليوم، بارزاً فكرة التواصل "التلقائي" أو الآلي بحدة أكثر، أما غداً فإن التحدي الأساسي سيتمثل في إشكالية التواصل، أي شروط قبول المتلقي للمعلومات من كل حدب وصوب، وشروط التفاوض بشأنها. لقد ازداد الإعلام غزارة بينما شح التواصل، فلم يعد كافياً أن ننتج معلومات أو نتبادلها وأن نصل إليها لتحقيق التواصل.
بالأمس، وعن طريق استخدام تقنيات محدودة، كانت الرسائل المتبادلة تعني جمهوراً متجانساً. أما اليوم، فالرسائل لا تعدّ ولا تحصى والتقنيات شبه كاملة، والمتلقون الذبن هم في تزايد مستمر، متباينون متحفظّون. والسبب في ذلك لا يعود إلى اللغات وحسب وإنما إلى تصادم التصورات والثقافات والرؤى إلى العالم. في مثل هذه الحالة، لم يعد كافياً أن نسرّع من وتيرة إنتاج وتوزيع المعلومات من أجل تحقيق تواصل أكبر، لا بل من شأن ذلك تضخيم النزاعات، ولأول مرة في التاريخ يحدث مثل هذا الفكاك.
ومن هنا فإن الإعلام والتواصل قد أصبحا في القرن الواحد والعشرين واحداً من الأهداف والرهانات سواء في السلم أم في الحرب. فكيف السبيل إلى التعايش عندما يغيب "التفاهم"، وعندما تظهّر الاختلافات للعيان بواسطة تقنيات أرقى باستمرار؟ أو عند التوصل إلى تنظيم التعايش بين وجهات نظر مختلفة، مع الواجب المزدوج المتمثل باحترام تنوع الهويات والإطار المشترك للتواصل في الوقت نفسه. أو أن ينطوي هؤلاء أو أولئك على أنفسهم ضمن معازل أو جماعات قوامها هويات متنازعة تقريباً تسمح لنا أن نتكهن كم أن العولمة تزيد من هذا الخطر. إذن هناك تزايد في عدم التواصل بسبب التزايد في المعلومات، تلك هي نتيجة لم تكن في الحسبان لثلاثين سنة خلت.
صفحة 4
الإعلام
ماذا علينا أن نفهم من الإعلام، والرسالة والتواصل والعلاقة؟ هناك ثلاث فئات من المعلومات، شفوياً، بالصورة وبالنص، وبالبيانات يمكن إدراجها ضمن أي وسيلة حاملة. المعلومة-النبأ المرتبطة بالصحافة. المعلومة-الخدمة المنتشرة على نطاق عالمي، لا سيما مع ظهور الإنترنت. المعلومة-المعرفة المرتبطة بازدهار بنوك المعلومات وقواعد البيانات. يبقى هناك المعلومة العلائقية التي تخترق كل الفئات السابقة وتحيل إلى الهدف الإنساني للتواصل.
التواصل
يتواصل الناس لأسباب عديدة ضمن ثلاث فئات غالباً ما تكون متداخلة ومتبدلة التراتبية تبعاً للظروف، ولكنها جميعها، تدفعنا إلى إقامة اتصال بشخص ما، وهنا تظهر بداية التقاسم. إن كل فرد يسعى للتواصل من أجل التقاسم والتبادل، إذ في الأمر هدف إنساني وعاطفي أساسي ولا مناص منه. فالعيش يعني التواصل والتبادل مع الآخر، وبأكثر الطرق أصالة في غالب الأحيان. ويلي ذلك الإغراء، وهو هدف ملازم لكل العلاقات الإنسانية والاجتماعية. وأخيراً الإقناع المرتبط بشتى صنوف منطق المحاججة المسخدمة للتفسير والرد على الاعتراضات. إن مثال التواصل هو بالطبع ذلك المرتبط بالتقاسم والعواطف والحب. تلك هي، على كلٍ، الحالة التي يخترق فيها التواصل الحاضر ويعود إلى الماضي ويتجه إلى المستقبل بكل احتمالاته. ولحسن الحظ التواصل في هذا الكتاب متركز على استخدامات الصوت والنص والصور، وقد استثني التواصل الجسدي غير الكلامي بسبب ضيق المكان. هذا مع العلم أنه من المعلوم جيداً أن حركة جسدية ونظرة وابتسامة هي أفصح من الكلمات. من دون أن نذكر لحظات الصمت التي غالباً ما تؤكد عكس دلالة الكلمات والحركات. نبقى هنا ضمن التعريف القديم الذي يحيل الإعلام فيه إلى الوحدة/المعلومة والرسالة، في حين أن التواصل يحيل إلى فكرة العلاقة والتقاسم والتفاوض. بالأمس كان الأفق المعياري يتمثل بالوصول إلى قيام التواصل، أما اليوم فقد أصبح الأفق تسيير عدم التواصل، عن طريق التفاوض، من أجل قيام تعايش ما.
المتلقّي
هنا تكمن القطيعة الثالثة. حيث المسألة لم تعد مسألة كفاية في الإعلام ليكون هناك تواصل، لأن الرسائل تتكاثر أكثر فأكثر، والتواصل يحتاج إلى إجراء فرز، ولكن لأن دور المتلقي يتعاظم أيضاً.
يتفاوضون ويصفّون ويضعون أولوياتهم ويرفضون الرسائل العديدة التي يتلقونها والتي نتلقاها نحن يومياً. والمتلقي الذي لم يكن يوماً سلبياً صار فاعلاً أكثر فأكثر في مقاومة الدفق الإعلامي الموجه إليه. علاوة على ذلك، يُفترض في هذه الحالة الحديث عن المتلقي- الفاعل للتشديد على البعد الحركي الذي تتطلبه تلك الوظيفة. إن إعادة تقييم مكانة المتلقي - الفاعل تعني إيضاً إعادة تقييم إشكالية التواصل بالذات كما فعل بعض المؤلفين المعاصرين، القليلين مع الأسف، من أمثال يورغن هابرماس وأمبرتو إيكو وميشال سيرّ وإدغار مورين وريجيس دوبريه وآخرين غيرهم. لا شيء أكثر تبسيطية من الخطابات العديدة المناهضة للتواصل التي تحط من مكانة المتلقي، المشتبه دائماً بأنه غبيّ بعض الشيء ويمكن الهيمنة والتأثير عليه. فعلى كل حال، الآخر هو الذي يعتبر دائماً قابلاً للتأثير عليه وليس نحن.
ماذا علينا أن نفهم من الإعلام، والرسالة والتواصل والعلاقة؟ هناك ثلاث فئات من المعلومات، شفوياً، بالصورة وبالنص، وبالبيانات يمكن إدراجها ضمن أي وسيلة حاملة. المعلومة-النبأ المرتبطة بالصحافة. المعلومة-الخدمة المنتشرة على نطاق عالمي، لا سيما مع ظهور الإنترنت. المعلومة-المعرفة المرتبطة بازدهار بنوك المعلومات وقواعد البيانات. يبقى هناك المعلومة العلائقية التي تخترق كل الفئات السابقة وتحيل إلى الهدف الإنساني للتواصل.
التواصل
يتواصل الناس لأسباب عديدة ضمن ثلاث فئات غالباً ما تكون متداخلة ومتبدلة التراتبية تبعاً للظروف، ولكنها جميعها، تدفعنا إلى إقامة اتصال بشخص ما، وهنا تظهر بداية التقاسم. إن كل فرد يسعى للتواصل من أجل التقاسم والتبادل، إذ في الأمر هدف إنساني وعاطفي أساسي ولا مناص منه. فالعيش يعني التواصل والتبادل مع الآخر، وبأكثر الطرق أصالة في غالب الأحيان. ويلي ذلك الإغراء، وهو هدف ملازم لكل العلاقات الإنسانية والاجتماعية. وأخيراً الإقناع المرتبط بشتى صنوف منطق المحاججة المسخدمة للتفسير والرد على الاعتراضات. إن مثال التواصل هو بالطبع ذلك المرتبط بالتقاسم والعواطف والحب. تلك هي، على كلٍ، الحالة التي يخترق فيها التواصل الحاضر ويعود إلى الماضي ويتجه إلى المستقبل بكل احتمالاته. ولحسن الحظ التواصل في هذا الكتاب متركز على استخدامات الصوت والنص والصور، وقد استثني التواصل الجسدي غير الكلامي بسبب ضيق المكان. هذا مع العلم أنه من المعلوم جيداً أن حركة جسدية ونظرة وابتسامة هي أفصح من الكلمات. من دون أن نذكر لحظات الصمت التي غالباً ما تؤكد عكس دلالة الكلمات والحركات. نبقى هنا ضمن التعريف القديم الذي يحيل الإعلام فيه إلى الوحدة/المعلومة والرسالة، في حين أن التواصل يحيل إلى فكرة العلاقة والتقاسم والتفاوض. بالأمس كان الأفق المعياري يتمثل بالوصول إلى قيام التواصل، أما اليوم فقد أصبح الأفق تسيير عدم التواصل، عن طريق التفاوض، من أجل قيام تعايش ما.
المتلقّي
هنا تكمن القطيعة الثالثة. حيث المسألة لم تعد مسألة كفاية في الإعلام ليكون هناك تواصل، لأن الرسائل تتكاثر أكثر فأكثر، والتواصل يحتاج إلى إجراء فرز، ولكن لأن دور المتلقي يتعاظم أيضاً.
يتفاوضون ويصفّون ويضعون أولوياتهم ويرفضون الرسائل العديدة التي يتلقونها والتي نتلقاها نحن يومياً. والمتلقي الذي لم يكن يوماً سلبياً صار فاعلاً أكثر فأكثر في مقاومة الدفق الإعلامي الموجه إليه. علاوة على ذلك، يُفترض في هذه الحالة الحديث عن المتلقي- الفاعل للتشديد على البعد الحركي الذي تتطلبه تلك الوظيفة. إن إعادة تقييم مكانة المتلقي - الفاعل تعني إيضاً إعادة تقييم إشكالية التواصل بالذات كما فعل بعض المؤلفين المعاصرين، القليلين مع الأسف، من أمثال يورغن هابرماس وأمبرتو إيكو وميشال سيرّ وإدغار مورين وريجيس دوبريه وآخرين غيرهم. لا شيء أكثر تبسيطية من الخطابات العديدة المناهضة للتواصل التي تحط من مكانة المتلقي، المشتبه دائماً بأنه غبيّ بعض الشيء ويمكن الهيمنة والتأثير عليه. فعلى كل حال، الآخر هو الذي يعتبر دائماً قابلاً للتأثير عليه وليس نحن.
صفحة 5
إن التواصل ثمرة للعبة معقدة بين ثلاثة أطراف. والمتلقّي لا يمكننا أن نعتبره بأنه دائماً على حقّ لا ليس على الإطلاق، وإلّا نكون قد وقعنا تحت قبضة استبداده، ولكنه يجبر على الانتقال من فكرة النقل (للمادة الإعلامية) إلى فكرة التفاوض بشأنها. بالأمس كان التواصل يعني النقل أو التحويل لأن العلاقات الإنسانية غالباً ما كانت تراتبية. أما اليوم فإنه يعني في معظم الأحيان التفاوض لأن الأفراد والجماعات باتوا أكثر في وضعية مساواة. إن مفهوم التفاوض ينتمي، على كلٍ، إلى الثقافة الديمقراطية، لأنه، أي التفاوض منتفٍ في مجتمع استبدادي أو شمولي. وإذا أمعنّا النظر في واقعنا، نكتشف أن كلّاً منا يقضي وقته اليوم في التفاوض، أكان ذلك ضمن العلاقة الزوجية، أم العائلة أم المدرسة أم المؤسسة أم المجتمع أم أوروبا أم العالم... وهكذا فإن الأمور المفروضة تسير في اتجاه تراجعي لتحل محلها، في كثير من الأحيان، الأمور المتفاوض عليها؛ فالأفراد ينزعون إلى التفاوض والنقد كلما كان الإعلام في متناولهم.
في وسعي، هنا، تلخيص المراحل الخمس للرسم البياني الذي يشرح نظرية التواصل التي أذود عنها،والتي تعني التواصل الإنساني بمقدار ما تعني التواصل عبر الوسائط التقنية.
أولاً: التواصل ملازم لقدر الإنسان. تنتفي الحياة الخاصة والجماعية بانتفاء إرادة التحدث والتواصل والتبادل على مستوى الفرد أو الجماعة، فإنْ نعيش يعني أن نتواصل. ثانياً: يود الإنسان التواصل لأسباب ثلاثة هي: التقاسم، الإقناع والإغراء. وفي أكثر الأحيان للأسباب الثلاثة مجتمعة، حتى لو لم يتم زعم ذلك. ثالثاً: يتعثر التواصل بعدم التواصل، إذ قد يكون المتلقي ليس على الخط، أو غير موافق. رابعاً: تنفتح مرحلة تفاوض حيث يتفاوض الفرقاء بحرية ومساواة تقريباً من أجل الوصول إلى نقطة اتفاق. خامساً: عندما تكون النتيجة إيجابية فإنها تسمى تعايشاً، مع ما يتصف به التعايش من نقاط قوة ونقاط ضعف. التفاوض والتعايش باعتبارهما إجراءين لتلافي عدم التواصل وعواقبه العدوانية في غالب الأحيان.
***
تستند نظرية التواصل هذه، المتواضعة في الظاهر، إلى فرضية تقول بأن ليس من فرد ولا مجتمع بقادر على الإفلات من التواصل، وبأن لهذه الفرضية خمس تبعات أو نتائج. إن أفق التواصل هو، في غالب الأحيان، عدم التواصل الجلي خصوصاً في الانقطاع بين الإعلام والتواصل؛ استحالة اقتصار التواصل على الكفاءة التقنية؛ إلزامية التفاوض بين الشركاء، وأفق التعايش. إن عدم التواصل البنيوي هذا يفرض، بالطبع، المساواة بين الأفرقاء وإلّا انتفى التفاوض، مما يجعل التواصل المعاصر واقعاً لا تنفصل عراه عن الثقافة الديمقراطية باعتباره عملية أوسع بكثير من مجرد التعبير. إذاً لا تواصل من دون حد أدنى من الوقت، والاحترام والثقة المتبادلة، الأمر الذي يجعل من التسامح أحد الشروط البنيوية لكل عملية تواصل. أخيراً إن كل نظرية، في هذا الخصوص، تحمل في طياتها رؤية للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية تبعاً لتقبلنا، إلى هذا الحد أو ذاك، واحداً من النموذجين المساواتي أو التراتبي. والتصور الذي نتبناه هنا، هو تصور إنساني النزعة قبل أن يكون تقنياً، مما يجعل من التبادل أفق
كل تجربة إنسانية واجتماعية. إنه تصور سياسي أيضاً بالمعنى الذي يُعطى فيه الأفضلية للتفاوض من أجل إرساء تسوية.
***
في نهاية المطاف ثمة تصوران متعارضان للتواصل. الأول، وهو المسيطر على نطاق واسع، يركز على الكفاءة التقنية كعلامة على تقدم الاتصالات ضمن نوع من السلسلة المستمرة، مع امتدادها لصالح الصناعات التي تمثل اليوم القطاع الأكثر توسعاً في العالم. أما التصور الثاني فأقلّي، وهو ما أتبناه، وينطلق من البعد الأنثروبولوجي للتواصل، ويعطي الأفضلية للعمليات السياسية الواجب تطبيقها تلافياً لأن يصبح أفق عدم التواصل بين الأفراد والشعوب، مصدراً لنزاعات فيما بينهم. إنهما تصوران لا يتمتعان بالعلاقة نفسها بالإنسان وبالتقنية.
***
هذا هو النموذج النظري الذي تنتظم بموجبه أبحاثي الميدانية منذ عدة سنوات في الميادين الخمسة التالية: العلاقات بين العلوم والتقنيات؛ وسائط الإعلام الجماهيرية والإنترنت؛ الفضاء العمومي والتواصل السياسي؛ العولمة والتنوع الثقافي وأوروبا؛ العلاقات بين العلوم ونظريات المعرفة والتواصل.
في وسعي، هنا، تلخيص المراحل الخمس للرسم البياني الذي يشرح نظرية التواصل التي أذود عنها،والتي تعني التواصل الإنساني بمقدار ما تعني التواصل عبر الوسائط التقنية.
أولاً: التواصل ملازم لقدر الإنسان. تنتفي الحياة الخاصة والجماعية بانتفاء إرادة التحدث والتواصل والتبادل على مستوى الفرد أو الجماعة، فإنْ نعيش يعني أن نتواصل. ثانياً: يود الإنسان التواصل لأسباب ثلاثة هي: التقاسم، الإقناع والإغراء. وفي أكثر الأحيان للأسباب الثلاثة مجتمعة، حتى لو لم يتم زعم ذلك. ثالثاً: يتعثر التواصل بعدم التواصل، إذ قد يكون المتلقي ليس على الخط، أو غير موافق. رابعاً: تنفتح مرحلة تفاوض حيث يتفاوض الفرقاء بحرية ومساواة تقريباً من أجل الوصول إلى نقطة اتفاق. خامساً: عندما تكون النتيجة إيجابية فإنها تسمى تعايشاً، مع ما يتصف به التعايش من نقاط قوة ونقاط ضعف. التفاوض والتعايش باعتبارهما إجراءين لتلافي عدم التواصل وعواقبه العدوانية في غالب الأحيان.
***
تستند نظرية التواصل هذه، المتواضعة في الظاهر، إلى فرضية تقول بأن ليس من فرد ولا مجتمع بقادر على الإفلات من التواصل، وبأن لهذه الفرضية خمس تبعات أو نتائج. إن أفق التواصل هو، في غالب الأحيان، عدم التواصل الجلي خصوصاً في الانقطاع بين الإعلام والتواصل؛ استحالة اقتصار التواصل على الكفاءة التقنية؛ إلزامية التفاوض بين الشركاء، وأفق التعايش. إن عدم التواصل البنيوي هذا يفرض، بالطبع، المساواة بين الأفرقاء وإلّا انتفى التفاوض، مما يجعل التواصل المعاصر واقعاً لا تنفصل عراه عن الثقافة الديمقراطية باعتباره عملية أوسع بكثير من مجرد التعبير. إذاً لا تواصل من دون حد أدنى من الوقت، والاحترام والثقة المتبادلة، الأمر الذي يجعل من التسامح أحد الشروط البنيوية لكل عملية تواصل. أخيراً إن كل نظرية، في هذا الخصوص، تحمل في طياتها رؤية للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية تبعاً لتقبلنا، إلى هذا الحد أو ذاك، واحداً من النموذجين المساواتي أو التراتبي. والتصور الذي نتبناه هنا، هو تصور إنساني النزعة قبل أن يكون تقنياً، مما يجعل من التبادل أفق
كل تجربة إنسانية واجتماعية. إنه تصور سياسي أيضاً بالمعنى الذي يُعطى فيه الأفضلية للتفاوض من أجل إرساء تسوية.
***
في نهاية المطاف ثمة تصوران متعارضان للتواصل. الأول، وهو المسيطر على نطاق واسع، يركز على الكفاءة التقنية كعلامة على تقدم الاتصالات ضمن نوع من السلسلة المستمرة، مع امتدادها لصالح الصناعات التي تمثل اليوم القطاع الأكثر توسعاً في العالم. أما التصور الثاني فأقلّي، وهو ما أتبناه، وينطلق من البعد الأنثروبولوجي للتواصل، ويعطي الأفضلية للعمليات السياسية الواجب تطبيقها تلافياً لأن يصبح أفق عدم التواصل بين الأفراد والشعوب، مصدراً لنزاعات فيما بينهم. إنهما تصوران لا يتمتعان بالعلاقة نفسها بالإنسان وبالتقنية.
***
هذا هو النموذج النظري الذي تنتظم بموجبه أبحاثي الميدانية منذ عدة سنوات في الميادين الخمسة التالية: العلاقات بين العلوم والتقنيات؛ وسائط الإعلام الجماهيرية والإنترنت؛ الفضاء العمومي والتواصل السياسي؛ العولمة والتنوع الثقافي وأوروبا؛ العلاقات بين العلوم ونظريات المعرفة والتواصل.
صفحة 6
2- من ثورة المعلومات إلى تقلبات الاتصالات
ربما قد تمّ قطف أفضل ثمار ثورة الإعلام والاتصالات في البداية حتى لو كان ذلك قد تطلب ثلاثة قرون من المعارك لأن كل شيء يتعقد مع تعميم الإعلام وتنوع المتلقين وحسهم النقدي، ثم العولمة. وعلى كل حال، كان التصور الرائج عن الإعلام حتى الآن تصوراً بسيطاً مقتصراً على رسالة في اتجاه واحد أكثر الأحيان، وتصوراً عن المتلقي قليل التعقيد في النهاية. وقد رافق ذلك نوع من السلسلة المستمرة مؤلفة من العنصرين، والاعتقاد بأن إعلاماً أغزر وأسرع من شأنه تحقيق تواصل أكبر. كان ذلك النموذج الكوني للتواصل، وهو يستوجب نوعاً من التحديث، بالرغم من، وبسبب، التقدم الصاعق الحاصل في تقنيات الاتصال خلال قرن من الزمن : تقنية الهاتف (1880)، الراديو (1900)، التلفاز (1930)، المعلوماتية (1940)، الشبكات (1980).
الجميع يحلم بالتفاهم، لكن سرعان ما تتكشف صعوبة ذلك حتى في سن الطفولة. مع التواصل فإن الآخر هو المسألة التي تظهر، وفي نهاية الأمر إنها المسألة الأكثر تعقيداً على مستوى التجربة الفردية والجماعية على حد سواء، بالرغم من كلية وجود التقنيات وكفاءاتها وحرية الأفراد. كان يفترض أن تسير كل الأمور على نحو أسرع، إلّا أنها أبطأ فأبطأ. يكفي تدليلاً على ذلك رؤية الوقت الذي نمضيه سعياً وراء التفاهم، بالرغم من مجموعة التقنيات التفاعلية والراقية الموضوعة تحت تصرفنا، ذلك أن شيطان الغيرية يتسلل إلى كل تبادلاتنا. و"الآخر" هو أنا وهو وهي وكل منا، وعدم التواصل أو الخلل فيه هو أفق التواصل. إنَّ الانقطاع المتكرر في التواصل بين الأجيال هو نوع من الاستعارة والتشبيه لانعدام التواصل بوجه عام. إنه انقلاب كامل بالنسبة للمخطط البياني schéma السياسي والثقافي الذي حكم الثورة المزدوجة في الإعلام والاتصالات منذ القرن السادس عشر. والقرية الكونية حقيقة تقنية غير أنها ليست اجتماعية ولا ثقافية ولا سياسية.
علاوة على ذلك، لم يكن بالإمكان اكتشاف حدود التواصل إلّا بعد انتصار الإعلام الذي يجد في الإنترنت رمزاً له اليوم؛ هو اكتشاف عدم التواصل الذي يوجب إعادة التفكير في التواصل جاعلاً منه أحد الرهانات السياسية الأساسية لبداية القرن الواحد والعشرين. فكيف السبيل إلى التعايش سلمياً في عالم يرى فيه الجميع كل شيء ويعلم بكل شيء وحيث الاختلافات أوضح وأقل قابلية للتفاوض؟ من هنا ضرورة التحول من فكرة التقاسم إلى فكرة التفاوض والتعايش، الأمر الذي يجعل الصلة بين التواصل والديمقراطية صلة أوضح بكثير. ما هي الديمقراطية بالفعل، إن لم تكن التفاوض والتعايش السلمي بين وجهات نظر غالباً ما تكون متصارعة؟ من أجل ذلك، لم يكن لمفهوم التواصل أن يفرض نفسه كمفهوم كبير إنساني النزعة وديمقراطي إلّا في أعقاب كل الثورات الهادفة إلى بسط حرية الأفراد والمساواة فيما بينهم.
نحن بعيدون عن التواصل المقتصر على "الكوم" (من com مختصر كلمة communication نجدها في عناوين التواصل الإلكتروني) ما هو الـ "كوم" (التواصل) ؟ إنها إرادة إثارة الرضى، والإغراء، والإقناع. شيء مشابه في النهاية للتواصل، مع الرغبة في أن ينجح ذلك هنا أيضاً، لأنَّ كلّاً منا يلجأ إليه يومياً، وفي كل المهن، وعلى جميع المستويات التراتبية والفئات العمرية. من هو هذا الذي يرفض أن يرضي؟ غير أن لا أحد يريد الإقرار بذلك، كما لو أن الحياة ليست سوى شأن عقلاني وجدّي خالٍ من الانفعالات. يا له من برنامج! غريبة هذه العملية المؤدية إلى الحط المستمر من قيمة "الكوم" التي نلهث جميعاً وراءها من غير الإقرار به، والتي يصعب علينا أن ننجح بها مثله مثل الاتصال. إن إدانة "الكوم" هي إذن أسهل من ملاحظة أنها تشكل الغرفة الخلفية للتواصل. إنها كبش الفداء الممتاز لمعارك التواصل التي خسرناها. هناك ثمة المزيد؛ يؤخذ على "الكوم" ويتمثل باستراتيجيات الإغراء والهيمنة. ولكن من منا لم يحاول في حياته هذا وذاك؟ نفاق رائع يسمح هنا أيضاً إخفاء كم هو صعب إغراء الآخر والهيمنة والتأثير عليه على الدوام...
من هنا الاهتمام والانبهار بالتقدم التقني. ثمة التباس أقل وعقلانية أكثر، أقلّه على هذا الصعيد، حتى لو لم يكن هناك على الطرف الآخر من الشبكات، والتقنيات، شبكات أخرى وإنما أيضاً أناس ومجتمعات. فمع التقنية كل شيء يميل إلى البساطة أما مع البشر والمجتمعات فكل شيء يميل إلى التعقيد. وفي الحقيقة فإن التواصل ينطوي على أبعاد ثلاثة يتمثل البعد الأوضح والأكثر إرضاءً بالتقنية، والأكثر تعقيداً، والأبطأ على فك رموزه وتوجيهه، يتمثل بالبعد الثقافي. أما الأكثر وعداً، مع تكاثر المبادلات والتقنيات فيتمثل بالبعد الاقتصادي.
يمكن القول، إذاً، إن آفاق التواصل هي: التقاسم والإقناع والإغراء والتأثير والتعايش وعدم التواصل. ولئن كانت النظم التقنية متصلة مع بعضها بعضاً، الآخر فإن البشر والمجتمعات نادراً ما هم على هذا النحو. لذلك فإن التقدم التقني هو أفضل وأسوء ما في التواصل في آن. لقد سمح بالخروج من التواصل المغلق ومضاعفة الرسائل والمبادلات، غير أنه لم يزد التواصل زيادة طردية مع كفاءة الأدوات، بل جعل مصائب عدم التواصل أجلى. يا له من انقلاب رهيب يُرفض إدراك تأثيره لكثرة ما أصبح العالم، على سبيل المثال، منذ عشرين عاماً يسلِّم تسليماً أعمى بأسطورة الإنترنت، مقتنعاً بأن تحول 6.5 مليار إنسان إلى استخدام الإنترنت قد يفضي إلى تواصل "أصيل"...
إنَّ التواصل في شكله المعاصر هو نتاج ثورة ثلاثية، في مجال الحريات الإنسانية والنماذج الديمقراطية وتقدم التقنيات، ونحن على مفترق طرق. ثمة إيديولوجيتان أخريان تتهددان التواصل تتمثلان بالنزعة الفردية، أي تقلص التواصل إلى حدود التعبير والتفاعل، والنزعة الجماعية (الطائفية) أي تهميش مسألة الغيرية، مع إمكانية الانغلاق ضمن فضاءات افتراضية أو احتمالية غير ملموسة.
ربما قد تمّ قطف أفضل ثمار ثورة الإعلام والاتصالات في البداية حتى لو كان ذلك قد تطلب ثلاثة قرون من المعارك لأن كل شيء يتعقد مع تعميم الإعلام وتنوع المتلقين وحسهم النقدي، ثم العولمة. وعلى كل حال، كان التصور الرائج عن الإعلام حتى الآن تصوراً بسيطاً مقتصراً على رسالة في اتجاه واحد أكثر الأحيان، وتصوراً عن المتلقي قليل التعقيد في النهاية. وقد رافق ذلك نوع من السلسلة المستمرة مؤلفة من العنصرين، والاعتقاد بأن إعلاماً أغزر وأسرع من شأنه تحقيق تواصل أكبر. كان ذلك النموذج الكوني للتواصل، وهو يستوجب نوعاً من التحديث، بالرغم من، وبسبب، التقدم الصاعق الحاصل في تقنيات الاتصال خلال قرن من الزمن : تقنية الهاتف (1880)، الراديو (1900)، التلفاز (1930)، المعلوماتية (1940)، الشبكات (1980).
الجميع يحلم بالتفاهم، لكن سرعان ما تتكشف صعوبة ذلك حتى في سن الطفولة. مع التواصل فإن الآخر هو المسألة التي تظهر، وفي نهاية الأمر إنها المسألة الأكثر تعقيداً على مستوى التجربة الفردية والجماعية على حد سواء، بالرغم من كلية وجود التقنيات وكفاءاتها وحرية الأفراد. كان يفترض أن تسير كل الأمور على نحو أسرع، إلّا أنها أبطأ فأبطأ. يكفي تدليلاً على ذلك رؤية الوقت الذي نمضيه سعياً وراء التفاهم، بالرغم من مجموعة التقنيات التفاعلية والراقية الموضوعة تحت تصرفنا، ذلك أن شيطان الغيرية يتسلل إلى كل تبادلاتنا. و"الآخر" هو أنا وهو وهي وكل منا، وعدم التواصل أو الخلل فيه هو أفق التواصل. إنَّ الانقطاع المتكرر في التواصل بين الأجيال هو نوع من الاستعارة والتشبيه لانعدام التواصل بوجه عام. إنه انقلاب كامل بالنسبة للمخطط البياني schéma السياسي والثقافي الذي حكم الثورة المزدوجة في الإعلام والاتصالات منذ القرن السادس عشر. والقرية الكونية حقيقة تقنية غير أنها ليست اجتماعية ولا ثقافية ولا سياسية.
علاوة على ذلك، لم يكن بالإمكان اكتشاف حدود التواصل إلّا بعد انتصار الإعلام الذي يجد في الإنترنت رمزاً له اليوم؛ هو اكتشاف عدم التواصل الذي يوجب إعادة التفكير في التواصل جاعلاً منه أحد الرهانات السياسية الأساسية لبداية القرن الواحد والعشرين. فكيف السبيل إلى التعايش سلمياً في عالم يرى فيه الجميع كل شيء ويعلم بكل شيء وحيث الاختلافات أوضح وأقل قابلية للتفاوض؟ من هنا ضرورة التحول من فكرة التقاسم إلى فكرة التفاوض والتعايش، الأمر الذي يجعل الصلة بين التواصل والديمقراطية صلة أوضح بكثير. ما هي الديمقراطية بالفعل، إن لم تكن التفاوض والتعايش السلمي بين وجهات نظر غالباً ما تكون متصارعة؟ من أجل ذلك، لم يكن لمفهوم التواصل أن يفرض نفسه كمفهوم كبير إنساني النزعة وديمقراطي إلّا في أعقاب كل الثورات الهادفة إلى بسط حرية الأفراد والمساواة فيما بينهم.
نحن بعيدون عن التواصل المقتصر على "الكوم" (من com مختصر كلمة communication نجدها في عناوين التواصل الإلكتروني) ما هو الـ "كوم" (التواصل) ؟ إنها إرادة إثارة الرضى، والإغراء، والإقناع. شيء مشابه في النهاية للتواصل، مع الرغبة في أن ينجح ذلك هنا أيضاً، لأنَّ كلّاً منا يلجأ إليه يومياً، وفي كل المهن، وعلى جميع المستويات التراتبية والفئات العمرية. من هو هذا الذي يرفض أن يرضي؟ غير أن لا أحد يريد الإقرار بذلك، كما لو أن الحياة ليست سوى شأن عقلاني وجدّي خالٍ من الانفعالات. يا له من برنامج! غريبة هذه العملية المؤدية إلى الحط المستمر من قيمة "الكوم" التي نلهث جميعاً وراءها من غير الإقرار به، والتي يصعب علينا أن ننجح بها مثله مثل الاتصال. إن إدانة "الكوم" هي إذن أسهل من ملاحظة أنها تشكل الغرفة الخلفية للتواصل. إنها كبش الفداء الممتاز لمعارك التواصل التي خسرناها. هناك ثمة المزيد؛ يؤخذ على "الكوم" ويتمثل باستراتيجيات الإغراء والهيمنة. ولكن من منا لم يحاول في حياته هذا وذاك؟ نفاق رائع يسمح هنا أيضاً إخفاء كم هو صعب إغراء الآخر والهيمنة والتأثير عليه على الدوام...
من هنا الاهتمام والانبهار بالتقدم التقني. ثمة التباس أقل وعقلانية أكثر، أقلّه على هذا الصعيد، حتى لو لم يكن هناك على الطرف الآخر من الشبكات، والتقنيات، شبكات أخرى وإنما أيضاً أناس ومجتمعات. فمع التقنية كل شيء يميل إلى البساطة أما مع البشر والمجتمعات فكل شيء يميل إلى التعقيد. وفي الحقيقة فإن التواصل ينطوي على أبعاد ثلاثة يتمثل البعد الأوضح والأكثر إرضاءً بالتقنية، والأكثر تعقيداً، والأبطأ على فك رموزه وتوجيهه، يتمثل بالبعد الثقافي. أما الأكثر وعداً، مع تكاثر المبادلات والتقنيات فيتمثل بالبعد الاقتصادي.
يمكن القول، إذاً، إن آفاق التواصل هي: التقاسم والإقناع والإغراء والتأثير والتعايش وعدم التواصل. ولئن كانت النظم التقنية متصلة مع بعضها بعضاً، الآخر فإن البشر والمجتمعات نادراً ما هم على هذا النحو. لذلك فإن التقدم التقني هو أفضل وأسوء ما في التواصل في آن. لقد سمح بالخروج من التواصل المغلق ومضاعفة الرسائل والمبادلات، غير أنه لم يزد التواصل زيادة طردية مع كفاءة الأدوات، بل جعل مصائب عدم التواصل أجلى. يا له من انقلاب رهيب يُرفض إدراك تأثيره لكثرة ما أصبح العالم، على سبيل المثال، منذ عشرين عاماً يسلِّم تسليماً أعمى بأسطورة الإنترنت، مقتنعاً بأن تحول 6.5 مليار إنسان إلى استخدام الإنترنت قد يفضي إلى تواصل "أصيل"...
إنَّ التواصل في شكله المعاصر هو نتاج ثورة ثلاثية، في مجال الحريات الإنسانية والنماذج الديمقراطية وتقدم التقنيات، ونحن على مفترق طرق. ثمة إيديولوجيتان أخريان تتهددان التواصل تتمثلان بالنزعة الفردية، أي تقلص التواصل إلى حدود التعبير والتفاعل، والنزعة الجماعية (الطائفية) أي تهميش مسألة الغيرية، مع إمكانية الانغلاق ضمن فضاءات افتراضية أو احتمالية غير ملموسة.
صفحة 7
3 - التواصل يعني التعايش
تنبع الصعوبة أيضاً من أن لكل من الإعلام والتواصل وجهين أو بُعدين متناقضين تقريباً، وإنما لا ينفصلان. الأول معياري يردّ، فيما يخص الإعلام، إلى فكرة الحقيقة؛ أما بالنسبة إلى التواصل فيردّ إلى فكرة التقاسم. أما البعد الثاني، فله طابع أداتي مرتبط بواقع أنه من غير الممكن في المجتمعات المعاصرة، الشديدة التعقيد في النهاية، العيش من دون معلومات/أخبار ومبادلات وتفاعلات. إذاً، إن إعادة التفكير في العلاقات بين الإعلام والتواصل يعني تناول المفهومين بمعنييهما السالفين، بلا تمييز، لأن البعد المعياري لكل منهما هو الأفق في كل الأحوال: أي الحقيقة بالنسبة إلى الإعلام والتقاسم بالنسبة إلى التواصل. بتعبير آخر، إبتداءً من الإعلام الأكثر خفة إلى التواصل بأكثر أشكاله تجارة يبقى الأفق في النهاية هو هو: البحث عن الآخر وعن العلاقة، مما يشهد على أن الأفراد لا ينسون أبداً مثل التفاهم فيما بينهم التي تبقى راسخة فيما يتعدى الوصفات أو الصور المسخ (الكاريكاتور). وفي هذا السِّياق نجد أن إيديولوجيتي الإعلام والتواصل، بالرغم من كل عوراتهما وتشويهاتهما، تنبعان من المثال الديمقراطي ذاته. وسواء كنا مع "الكوم" أم مع "الإعلام الجمهوروي "Information people ، فإننا لا نزال في الإطار المرجعي نفسه. لذلك، لا بد من تناول الأبعاد الوظيفية والمعيارية للإعلام والتواصل على حد سواء. وهذا يتمثل بأربعة أبعاد متضافرة في تشكيل الرابط الاجتماعي.
ولهذا السبب، أيضاً، فإن الإعلام والتواصل، فيما يتعدى التباساتهما، يشاركان في المسألة الكبرى لـ "المجتمع الجماهيري ذي النزعة الفردية" حيث كل واحد يبحث، بنحو متزامن، عن هاتين القيمتين المتناقضتين: الحرية الفردية، ومساواة الجميع. ما الذي يصنع رابطاً في المجتمعات المفتوحة حيث كل الاختلافات مباحة، ومطالب بها، ومؤكّد عليها على كل حال؟ كيف التوفيق بين الحرية والمساواة، وبين الفردية والهوية الجماعية؟ إن التواصل إشكالية من إشكاليات التعايش والرابط الاجتماعي، وينتمي إلى مجتمع يتصف بالحركة والتفاعل والسرعة والحرية والمساواة. إنني آمل أن تتمكن هذه النظرية المركّزة على التعايش من الإسهام في تجديد الشروط النظرية والعملية لهذا الرابط الاجتماعي للمجتمعات المفتوحة الشديدة الهشاشة والمعرضة لرياح العولمة العاتية المفتقدة إلى بوصلة. بالأمس كان الرابط الاجتماعي يحيل إلى العلاقات بين بنيتين اجتماعيتين وثقافيتين مستقرتين نسبياً، أما اليوم فيكاد الأمر أن يكون عكس ذلك، فكل شيء متفاعل. إن عمليات الإعلام والتواصل تسهم في هيكلة هذا الفضاء العمومي ذي الرابط الاجتماعي الأكثر حركية وهشاشة، عبر تفاعلات متعددة؛ ومن شأن إعادة تقييم مفهوم التعايش أن يساعد، بالتالي، على تجديد التفكير في طبيعة الرابط الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة حيث التفاعلات بين الأفرقاء أكثر عدداً وأشد تناقضاً.
إن تشجيع التعايش ضمن التواصل وأداء الفضاء العمومي لوظيفته، يعني إذاً التفكير أيضاً في ضرورة إدارة الاختلافات الملازمة لمجتمعاتنا والإبقاء على مبدأ الوحدة في آن، مع الإبقاء على التوجه الآيل إلى تجديد الخصائص المعاصرة للرابط الاجتماعي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما هو الرابط الاجتماعي إن لم يكن هذه الأعجوبة المتمثلة في إمكانية وجود ترابط فيما بين أفراد ومجموعات وجماعات وطبقات اجتماعية ضمن مجتمع ما، يحتوي، فضلاً عن ذلك، ما يفرقهم عن بعضهم بعضاً؟
خلاصة القول، إن التواصل والتعايش والرابط الاجتماعي مكونات للحداثة ولرؤية جديدة للزمكان. وإنَّ التواصل يعكس تماماً الطموحات المتناقضة لمجتمعاتنا المعاصرة حيث يتبنى المرء قيماً متناقضة في غالب الأحيان ألا وهي الحرية والمساواة، الانفتاح والهوية، العولمة والإقليمية، لذا فإن المفهوم المعياري للتعايش خير معبّر عن خصائص المجتمع المعاصر، باعتبار أن التعايش يشكل رمزاً لتوجه معياري هادف إلى التأليف بين قيم وأبعاد متناقضة.
بيد أن ثمة ما يضاف إلى ذلك؛ فالصلات المعقدة بين الإعلام والتواصل مترافقة أيضاً مع ازدواجية في المعنى.لأنَّ الإعلام (الخبر) يحيل في التقليد السياسي والفكري إلى ما يبرز فجأء ويُحدث قطيعة نوعاً ما. هذا صحيح بالنسبة إلى الصحافة، ولكنه صحيح أيضاً على مستوى أعمّ. فالخبر هو الحدث أو المعطى الذي يحدث اضطراباً في وضع مستتب سابق وهذا مصدر قوته. أما التواصل فيحيل إلى فكرة الرابط والتقاسم و"المشاركة". واليوم مع ظهور نظم المعلومات المعممة، ثمة انقلاب في المعنى جلي بخاصة مع ظهور الإنترنت. فالإعلام أو الخبر يصبح هو صانع الرابط، ضمن أفق مجتمع الإعلام، وهو المعنى المعاكس للإعلام - القطيعة. وعندما يكون كل شيء إشارة وتفاعلاً، فالإعلام هو الرباط. يكفي رؤية كيف أن الأجيال الجديدة قد جعلت من الإنترنت مصدر أخبارها ومعلوماتها المطلقين، وفي النهاية وسيلة تواصلها، وهي تمنحه، فضلاً عن ذلك، شرعية وثقة لا تشوبهما شائبة.
وبالعكس من ذلك فإننا نشهد التغيير نفسه في معنى كلمة تواصل. فقد بات اللفظ يدل في مستويات أقل على المعنى القديم لتقاسم قيم مشتركة مما يدل على فكرة التعايش المرتبطة بضرورة التواجد معاً لخطوط منطقية متباعدة. بالأمس كان التواصل اقتساماً وجمعاً وتوحيداً، أما اليوم فإنه يعني أكثر ما يعنيه تعايش الانقطاعات وإدارتها. إذاً فإن كلّ واحد من المفهومين، الإعلام والتواصل، يستولي على جزء من مرجعية الآخر. إن ثورة الإعلام والتواصل، بالمعنى الذي قصدت، تقلب إذاً كل العلاقات بين التواصل والثقافة والمعرفة، وتسهم في إعادة التفكير في شروط الرباط الاجتماعي المعاصر. لذلك فإن نظرية في الإعلام والتواصل لا تنفصل في الأخير عن رؤية للمجتمع إن لم نقل عن نظرية فيه، والتناقض الحاصل، اليوم، يتمثل في أنه لم يسبق قط أن جرى الحديث عن التواصل والتفاعل إلى درجة أريد معها أن يُصنع من التواصل نموذج لمجتمع، في وقت لم يسبق أن كان فيه، بصورة متزامنة، مثل هذا القدر من الجدران المادية بين الشعوب، ومن جدران عدم التفاهم بين الأغنياء والفقراء، الشيوخ والشباب، والمهاجرين وغيرهم، والمتخمين بالتكنولوجيات وأولئك المحرومين منها...
تنبع الصعوبة أيضاً من أن لكل من الإعلام والتواصل وجهين أو بُعدين متناقضين تقريباً، وإنما لا ينفصلان. الأول معياري يردّ، فيما يخص الإعلام، إلى فكرة الحقيقة؛ أما بالنسبة إلى التواصل فيردّ إلى فكرة التقاسم. أما البعد الثاني، فله طابع أداتي مرتبط بواقع أنه من غير الممكن في المجتمعات المعاصرة، الشديدة التعقيد في النهاية، العيش من دون معلومات/أخبار ومبادلات وتفاعلات. إذاً، إن إعادة التفكير في العلاقات بين الإعلام والتواصل يعني تناول المفهومين بمعنييهما السالفين، بلا تمييز، لأن البعد المعياري لكل منهما هو الأفق في كل الأحوال: أي الحقيقة بالنسبة إلى الإعلام والتقاسم بالنسبة إلى التواصل. بتعبير آخر، إبتداءً من الإعلام الأكثر خفة إلى التواصل بأكثر أشكاله تجارة يبقى الأفق في النهاية هو هو: البحث عن الآخر وعن العلاقة، مما يشهد على أن الأفراد لا ينسون أبداً مثل التفاهم فيما بينهم التي تبقى راسخة فيما يتعدى الوصفات أو الصور المسخ (الكاريكاتور). وفي هذا السِّياق نجد أن إيديولوجيتي الإعلام والتواصل، بالرغم من كل عوراتهما وتشويهاتهما، تنبعان من المثال الديمقراطي ذاته. وسواء كنا مع "الكوم" أم مع "الإعلام الجمهوروي "Information people ، فإننا لا نزال في الإطار المرجعي نفسه. لذلك، لا بد من تناول الأبعاد الوظيفية والمعيارية للإعلام والتواصل على حد سواء. وهذا يتمثل بأربعة أبعاد متضافرة في تشكيل الرابط الاجتماعي.
ولهذا السبب، أيضاً، فإن الإعلام والتواصل، فيما يتعدى التباساتهما، يشاركان في المسألة الكبرى لـ "المجتمع الجماهيري ذي النزعة الفردية" حيث كل واحد يبحث، بنحو متزامن، عن هاتين القيمتين المتناقضتين: الحرية الفردية، ومساواة الجميع. ما الذي يصنع رابطاً في المجتمعات المفتوحة حيث كل الاختلافات مباحة، ومطالب بها، ومؤكّد عليها على كل حال؟ كيف التوفيق بين الحرية والمساواة، وبين الفردية والهوية الجماعية؟ إن التواصل إشكالية من إشكاليات التعايش والرابط الاجتماعي، وينتمي إلى مجتمع يتصف بالحركة والتفاعل والسرعة والحرية والمساواة. إنني آمل أن تتمكن هذه النظرية المركّزة على التعايش من الإسهام في تجديد الشروط النظرية والعملية لهذا الرابط الاجتماعي للمجتمعات المفتوحة الشديدة الهشاشة والمعرضة لرياح العولمة العاتية المفتقدة إلى بوصلة. بالأمس كان الرابط الاجتماعي يحيل إلى العلاقات بين بنيتين اجتماعيتين وثقافيتين مستقرتين نسبياً، أما اليوم فيكاد الأمر أن يكون عكس ذلك، فكل شيء متفاعل. إن عمليات الإعلام والتواصل تسهم في هيكلة هذا الفضاء العمومي ذي الرابط الاجتماعي الأكثر حركية وهشاشة، عبر تفاعلات متعددة؛ ومن شأن إعادة تقييم مفهوم التعايش أن يساعد، بالتالي، على تجديد التفكير في طبيعة الرابط الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة حيث التفاعلات بين الأفرقاء أكثر عدداً وأشد تناقضاً.
إن تشجيع التعايش ضمن التواصل وأداء الفضاء العمومي لوظيفته، يعني إذاً التفكير أيضاً في ضرورة إدارة الاختلافات الملازمة لمجتمعاتنا والإبقاء على مبدأ الوحدة في آن، مع الإبقاء على التوجه الآيل إلى تجديد الخصائص المعاصرة للرابط الاجتماعي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما هو الرابط الاجتماعي إن لم يكن هذه الأعجوبة المتمثلة في إمكانية وجود ترابط فيما بين أفراد ومجموعات وجماعات وطبقات اجتماعية ضمن مجتمع ما، يحتوي، فضلاً عن ذلك، ما يفرقهم عن بعضهم بعضاً؟
خلاصة القول، إن التواصل والتعايش والرابط الاجتماعي مكونات للحداثة ولرؤية جديدة للزمكان. وإنَّ التواصل يعكس تماماً الطموحات المتناقضة لمجتمعاتنا المعاصرة حيث يتبنى المرء قيماً متناقضة في غالب الأحيان ألا وهي الحرية والمساواة، الانفتاح والهوية، العولمة والإقليمية، لذا فإن المفهوم المعياري للتعايش خير معبّر عن خصائص المجتمع المعاصر، باعتبار أن التعايش يشكل رمزاً لتوجه معياري هادف إلى التأليف بين قيم وأبعاد متناقضة.
بيد أن ثمة ما يضاف إلى ذلك؛ فالصلات المعقدة بين الإعلام والتواصل مترافقة أيضاً مع ازدواجية في المعنى.لأنَّ الإعلام (الخبر) يحيل في التقليد السياسي والفكري إلى ما يبرز فجأء ويُحدث قطيعة نوعاً ما. هذا صحيح بالنسبة إلى الصحافة، ولكنه صحيح أيضاً على مستوى أعمّ. فالخبر هو الحدث أو المعطى الذي يحدث اضطراباً في وضع مستتب سابق وهذا مصدر قوته. أما التواصل فيحيل إلى فكرة الرابط والتقاسم و"المشاركة". واليوم مع ظهور نظم المعلومات المعممة، ثمة انقلاب في المعنى جلي بخاصة مع ظهور الإنترنت. فالإعلام أو الخبر يصبح هو صانع الرابط، ضمن أفق مجتمع الإعلام، وهو المعنى المعاكس للإعلام - القطيعة. وعندما يكون كل شيء إشارة وتفاعلاً، فالإعلام هو الرباط. يكفي رؤية كيف أن الأجيال الجديدة قد جعلت من الإنترنت مصدر أخبارها ومعلوماتها المطلقين، وفي النهاية وسيلة تواصلها، وهي تمنحه، فضلاً عن ذلك، شرعية وثقة لا تشوبهما شائبة.
وبالعكس من ذلك فإننا نشهد التغيير نفسه في معنى كلمة تواصل. فقد بات اللفظ يدل في مستويات أقل على المعنى القديم لتقاسم قيم مشتركة مما يدل على فكرة التعايش المرتبطة بضرورة التواجد معاً لخطوط منطقية متباعدة. بالأمس كان التواصل اقتساماً وجمعاً وتوحيداً، أما اليوم فإنه يعني أكثر ما يعنيه تعايش الانقطاعات وإدارتها. إذاً فإن كلّ واحد من المفهومين، الإعلام والتواصل، يستولي على جزء من مرجعية الآخر. إن ثورة الإعلام والتواصل، بالمعنى الذي قصدت، تقلب إذاً كل العلاقات بين التواصل والثقافة والمعرفة، وتسهم في إعادة التفكير في شروط الرباط الاجتماعي المعاصر. لذلك فإن نظرية في الإعلام والتواصل لا تنفصل في الأخير عن رؤية للمجتمع إن لم نقل عن نظرية فيه، والتناقض الحاصل، اليوم، يتمثل في أنه لم يسبق قط أن جرى الحديث عن التواصل والتفاعل إلى درجة أريد معها أن يُصنع من التواصل نموذج لمجتمع، في وقت لم يسبق أن كان فيه، بصورة متزامنة، مثل هذا القدر من الجدران المادية بين الشعوب، ومن جدران عدم التفاهم بين الأغنياء والفقراء، الشيوخ والشباب، والمهاجرين وغيرهم، والمتخمين بالتكنولوجيات وأولئك المحرومين منها...
صفحة 8
الفصل الثاني
التقنيات:بين الانعتاق والإيديولوجيا
ماذا عن رهان هذا الكتاب؟ إعادة التفكير في مكانة التواصل وفقاً لمقياس الانقطاعات الثلاثة التي حدثت في غضون خمسين عاماً. إن انتصار الإعلام؛ وانتصار التقنيات مع دمج الاتصالات عن بعد والمعلوماتية والوسائل السمعية - البصرية يُبرز دور العولمة في تسريع هذين الانتصارين السالفين. أين التحدي؟ إنه في إخراج الإعلام والتواصل من سيطرة التقنية التي تكبح التفكير في التواصل بمقدار ما تمحي كفاءة المعدات أولئك المقصيين عن التواصل الإنساني والاجتماعي. إذاً، إنَّ التفكير في مسألة الانتقال من الإعلام إلى التواصل يعني تخليص التواصل من قبضة التقنية وإعادة هذه الأخيرة إلى مكانها.
1 - من التقنية إلى الإيديولوجيا التقنية
ما هو قوام الإيديولوجيا التقنية في التواصل؟ إنه إيلاء المعدات مهمة حل قضايا المجتمع التي لا تدخل في نطاق اختصاصها، وذلك يعني، هنا، الاعتقاد بأنه كلما ازدادت التقنيات، من قبيل أن يصبح هناك غداً 5,6 مليار رائد إنترنت، سوف يزداد التفاهم بين الأفراد، والتسليم بخضوع التقدم في التواصل الإنساني والاجتماعي لتقدم التقنيات، ومن ثم، الاعتراف لتلك التقنيات بالقدرة على تغيير نموذج المجتمع تغييراً بنوياً؛ وفي الأخير، الخلط بين دلالات الألفاظ أثناء الحديث مثلاً عن الحضارة والمجتمع الرقمي، ومجتمع الإعلام، والديمقراطية الرقمية، والمجتمع القائم على الشبكات... كلها ألفاظ تحيل إلى فكرة سلطان التقنية، إذ إنها تعطي أسماءها للمجتمعات التي تعتمد تطبيقها، وعندما يجعل من التجهيزات التقنية قلب نموذج المجتمع فإنما يتم الخلط بين واقعين مختلفين في طبيعتهما، التقنية والمجتمع، خاصة أن تلك التجهيزات التقنية تتعلق بجوهر النشاط الإنساني ألا وهو التواصل، ولا يجري الحديث عن المجتمع النووي.
إنَّ الإيديولوجيا التقنية ليست واحدة من الإيديولوجيات بين سواها أو من الإيديولوجيات الموجودة، مع التأكيد بأنه لا وجود لمجتمع من دون إيديولوجيا، ومن دون روابط توحد المجموعات الاجتماعية، بالنسبة إلى السياسة والدين والثقافة، وتتطور مع الزمن ويعاد تركيبها، ولا يستغنى عنها لقيام حياة اجتماعية. إن ما أتناوله بالنقد، هنا، هي الإيديولوجيا التقنية، كإحدى الإيديولوجيات من بين سواها، ترتكز على منح تقنيات الاتصال سلطة معيارية مبالغاً فيها بحيث تصبح العامل الأول في تنظيم المجمتع وإعطائه معناه. من ناحية أخرى، فإن الالتباس ناجم عن المفردات أيضاً: تقنية الاتصال توحد التقنيات، حيث ثمة كثير من التقدم بالفعل، مع التواصل حيث يغيب تقدم مماثل. إن تقدم التقنيات، مع الأسف، غير كاف لخلق التقدم في التواصل بين البشر والمجتمعات. فهل إنَّ الإنسان المغمور بعالم من التقنيات يتواصل مع نظيره الإنسان، بمعنى التفاهم المتبادل، بنحو أفضل مما كان عليه منذ خمسين عاماً؟ من هنا الحلم، المؤجل باستمرار، بأن تسمح تقنيات أفضل بقيام تواصل أفضل. إن آلة "البلاك بيري" Black berry تجسّد هذا الرمز حالياً أكثر من الحاسوب. فأنْ يكون العالم بمتناولنا - إمكانية القيام بكل شيء واستقبال كل شيء وإرسال كل شيء- بطرف أصابعنا، يولّد شعوراً بالسلطان والأمان. كيف يمكن أن يفشل التواصل بمثل هذه الأداة الفائقة القوة وبمثل هذا القدر من التفاعل؟
التقنيات:بين الانعتاق والإيديولوجيا
ماذا عن رهان هذا الكتاب؟ إعادة التفكير في مكانة التواصل وفقاً لمقياس الانقطاعات الثلاثة التي حدثت في غضون خمسين عاماً. إن انتصار الإعلام؛ وانتصار التقنيات مع دمج الاتصالات عن بعد والمعلوماتية والوسائل السمعية - البصرية يُبرز دور العولمة في تسريع هذين الانتصارين السالفين. أين التحدي؟ إنه في إخراج الإعلام والتواصل من سيطرة التقنية التي تكبح التفكير في التواصل بمقدار ما تمحي كفاءة المعدات أولئك المقصيين عن التواصل الإنساني والاجتماعي. إذاً، إنَّ التفكير في مسألة الانتقال من الإعلام إلى التواصل يعني تخليص التواصل من قبضة التقنية وإعادة هذه الأخيرة إلى مكانها.
1 - من التقنية إلى الإيديولوجيا التقنية
ما هو قوام الإيديولوجيا التقنية في التواصل؟ إنه إيلاء المعدات مهمة حل قضايا المجتمع التي لا تدخل في نطاق اختصاصها، وذلك يعني، هنا، الاعتقاد بأنه كلما ازدادت التقنيات، من قبيل أن يصبح هناك غداً 5,6 مليار رائد إنترنت، سوف يزداد التفاهم بين الأفراد، والتسليم بخضوع التقدم في التواصل الإنساني والاجتماعي لتقدم التقنيات، ومن ثم، الاعتراف لتلك التقنيات بالقدرة على تغيير نموذج المجتمع تغييراً بنوياً؛ وفي الأخير، الخلط بين دلالات الألفاظ أثناء الحديث مثلاً عن الحضارة والمجتمع الرقمي، ومجتمع الإعلام، والديمقراطية الرقمية، والمجتمع القائم على الشبكات... كلها ألفاظ تحيل إلى فكرة سلطان التقنية، إذ إنها تعطي أسماءها للمجتمعات التي تعتمد تطبيقها، وعندما يجعل من التجهيزات التقنية قلب نموذج المجتمع فإنما يتم الخلط بين واقعين مختلفين في طبيعتهما، التقنية والمجتمع، خاصة أن تلك التجهيزات التقنية تتعلق بجوهر النشاط الإنساني ألا وهو التواصل، ولا يجري الحديث عن المجتمع النووي.
إنَّ الإيديولوجيا التقنية ليست واحدة من الإيديولوجيات بين سواها أو من الإيديولوجيات الموجودة، مع التأكيد بأنه لا وجود لمجتمع من دون إيديولوجيا، ومن دون روابط توحد المجموعات الاجتماعية، بالنسبة إلى السياسة والدين والثقافة، وتتطور مع الزمن ويعاد تركيبها، ولا يستغنى عنها لقيام حياة اجتماعية. إن ما أتناوله بالنقد، هنا، هي الإيديولوجيا التقنية، كإحدى الإيديولوجيات من بين سواها، ترتكز على منح تقنيات الاتصال سلطة معيارية مبالغاً فيها بحيث تصبح العامل الأول في تنظيم المجمتع وإعطائه معناه. من ناحية أخرى، فإن الالتباس ناجم عن المفردات أيضاً: تقنية الاتصال توحد التقنيات، حيث ثمة كثير من التقدم بالفعل، مع التواصل حيث يغيب تقدم مماثل. إن تقدم التقنيات، مع الأسف، غير كاف لخلق التقدم في التواصل بين البشر والمجتمعات. فهل إنَّ الإنسان المغمور بعالم من التقنيات يتواصل مع نظيره الإنسان، بمعنى التفاهم المتبادل، بنحو أفضل مما كان عليه منذ خمسين عاماً؟ من هنا الحلم، المؤجل باستمرار، بأن تسمح تقنيات أفضل بقيام تواصل أفضل. إن آلة "البلاك بيري" Black berry تجسّد هذا الرمز حالياً أكثر من الحاسوب. فأنْ يكون العالم بمتناولنا - إمكانية القيام بكل شيء واستقبال كل شيء وإرسال كل شيء- بطرف أصابعنا، يولّد شعوراً بالسلطان والأمان. كيف يمكن أن يفشل التواصل بمثل هذه الأداة الفائقة القوة وبمثل هذا القدر من التفاعل؟
صفحة 9
ماذا عن تقنيات التواصل؟ إنها تعني التواصل من دون عدم التواصل. إنها تنشئ، مجدداً، مجموعة اتصالية بين الإعلام والتواصل حيث يسجل التواصل الإنساني فشلاً في غالب الأحيان. وإنها تنتمي إلى إيديولوجيا للنقل أو التحويل، تخلط بين سرعة الأدوات وكفاءتها، وتقلّب التواصل الإنساني وتعقيده. إن إعادة التفكير في العلاقات بين الإعلام والتواصل يعني بداية تخليص مسألة التواصل من قبضة التقنية، والتذكير بأن هذه الأخيرة، وإنْ كانت تيسّر، بلا شك، التواصل الإنساني، إلّا أنها لم تكن كافية، ولم تعد كافية؛ فنظرة إلى قرن مضى تؤكد ذلك. إن التوسيط الإعلامي والنقل الإعلامي والتفاعل ليست بالضرورة مرادفة للتواصل. نعم، لقد حققت التقنيات تقدماً هائلاً سمح بتحسين بعض التواصلات الاجتماعية، غير أنها ليست كافية لحل التناقضات الوجودية للتواصل الإنساني، وإلّا سرنا في هذه الحالة نحو حالات "التوحد التفاعلي".
فهل من مؤشر على إدماننا على تقنيات الاتصال؟ فلنراقب حالتنا النفسية عندما ننفصل عن حاسوبنا و/أو عن هاتفنا الجوال لأكثر من يومين. لا يمكن تصور ذلك... وكثيرون منا سيصاب بإعياء في مثل هذه الحالة. إن هذا الإدمان يفوق ببلاغته كل الخطابات. ولكن كيف كنا نتصرف قبل ذلك، منذ أقل من ثلاثين سنة؟ وماذا عن المليارات الثلاثة ممن لا يحوزون على تلك التقنيات؟ وما قيمة هذا العالم في المباشر أو تزامناً، عندما يكون الجوع هو حال ما ينوف على المليار إنسان؟ إنها لمفارقة بالغة، لا سيما أن هذه التبعية تمثل قبولاً منا أيضاً بالقابلية لتعقب الأثر traçabilité بينما كان انعتاقنا قائماً طيلة قرون على التخلص من كل تبعية خارجية (دينية، سياسية...). لقد أسهمت تقنيات الاتصال في هذه الحركة التحررية وأصبح الفرد، في اللحظة التي صار فيها حراً مستقلاً عن أي سلطة، خاضعاً، إرادياً، لتقنيات الاتصال التي مكّنته في السابق من الانعتاق. كثيرة هي إذاً "العبوديات الإرادية". إن الصلة التاريخية بين الانعتاق وتقنيات الاتصال هي من القوة بمكان لم تعد فيها الغالبية العظمى من "المستخدِمين" (بكسر الدال) ترى، حالياً، حالة الإدمان الجديدة التي بتنا مصابين بها، ولم يكن هناك سوى خطوة واحدة فاصلة بين أداة كانت في خدمة الانعتاق وأداة أصبحت تخدم القابلية لتعقب الأثر، فها هي قد اجتيزت في غضون جيل واحد، دونما ردّ فعل حتى الآن.... لقد التهمت التقنية أبناءها، سيما وأن ما نؤْثره في هذه التقنية هي السرعة والكفاءات والتفاعلية ومشاعر الحرية التي تتولد عنها، وكلها بعيدة كل البعد عن إدراك ما تكتنفه من إدمان...
التفاعلية، هي هذا اللفظ السحري الذي يرمز إلى مزيج من الحرية والذكاء بحيث أنّ الإدمان قد بلغ مبلغاً بتنا فيه نعرف الحرية بمقدار ما يتاح لنا تعدد خطوط الاتصال، غير أن الإنترنت ليس سوى شبكة، فإذاً شرك، أي عكس الحرية التي يرمز إليها. لذلك، لا يرى المرء، حتى الآن، في الإنترنت سوى الحرية، وليس التحكم، وشبه ضمانة للحرية الفردية، وفرصة للانعتاق والتنقل. ومع ظهور الإيديولوجيا التقنية انتقلنا إلى الجهة الأخرى من المرآة حيث كل شيء يتخذ الطابع الفردي خالياً من إشكالية جماعية. لقد تحول مبدأ "استطيع فعل أي شيء كما أشاء"، إلى مبدأ "الحرية الرقمية"، المضمون بـ "الوصول الحر" والمضخم بـ "التفاعلية المعممة". وهذا التحول لا يزال حديث العهد، وإن كانت هناك نقاط مشتركة كثيرة مع الآمال الجسام التي جرى تعليقها على ظهور التلفزة السلكية لخمسين سنة خلت، وكذلك على الراديو في ثلاثينيات القرن الماضي.
من جهة أخرى، يمكن ملاحظة الإيديولوجيا التقنية في نسيان أو غياب الثورات التقنية السابقة: الامتناع الدائم عن المقارنة والظن أن كل شيء يبدأ اليوم حيث لا تاريخ ولا نزعة مقارنة، بل إنها وضعية لا تحتمل أي نقد وتتطلب الولاء الكلّي لأنه مع ظهور الإيديولوجيا التقنية، كما بقية الإيديولوجيات، لم يعد ثمة من خيار، فإما الكل أو لا شيء، وكل نقد هو بمثابة رهاب تقني ونزعة محافظة. ومن الأمثلة على ذلك انتقاد الأطفال لقضائهم ساعات طويلة أمام التلفاز المشتبه دائماً بأنه يولد الاغتراب، ولكن لا يقال شيء عن جلوس الساعات نفسها أمام الحاسوب، لا بل يكاد العكس أن يكون صحيحاً إذ يُرى في هذا السلوك علامة على نوع من الذكاء والانفتاح الذهني، حتى أن بعضهم بات يحلم بأن يصبح في إمكان الأطفال، في مرحلة الحضانة، أن يستعملوا تلك الأدوات. لماذا لا نحفظ مزيداً من المسافة حيال الأمور؟ لماذا لا تزال الأزمات والأخطار غير مدركة كفاية؟
لقد أعطى القرن التاسع عشر وكذلك القرن العشرون مساحات واسعة وكبيرة سواء بالنسبة إلى حرية الإعلام أم الاتصال أم التقنية، وكان القرن العِشرون قرن الخلط بين التقدم التقني وتقدم الاتصالات، ومن المرجح أنَّ التمكن من الفصل، أو القطع بين العجائب التقنية وتناقضات التواصل سيحصل في مطلع القرن الواحد والعشرين بحيث أنَّ تقنيات الاتصال لا تزال ترافق حركات الانعتاق إلى اليوم، ومع أنَّ الإشكالية قد تغيّرت اليوم، ولكن أن المرء لا أحد يريد أن يرى ذلك. فالذين يعانون أكثر من الادمان لا يتحدثون عن الإنترنت إلّا كـ "تقنية"، وفي الوقت نفسه يجعلون منها الأداة التي سـ "تثوّر" و"تحرر" العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ثمة في ذلك ضرب من الابتذال والمبالغة في التقييم في آن، وبالنتيجة هناك نوع من الطوبيا- الإيديولوجيا تحل محل الإيديولوجيات السياسية الواقعة في أزمة حالياً، والتي تتوافق مع سيادة الفرد وأحلام بلوغ نماذج أخرى من العلاقات الاجتماعية، وكذلك مع الطريقة التي يمكن بها تدجين هذه العولمة المريبة للغاية. إن تلك الطوبيا- الإيديولوجيا تبعث من جديد أحلام التضامن على المستوى الكوني هذه المرة، وهذا سر قوتها. كذلك فإنَّ التقنية تتيح إيجاد الاستمرارية من جديد حيث يكشف التواصل النقاب عن الانقطاع وعدم التواصل، ولهذا السبب لا تزال الوقائع مجهولة الآن: إذ لا يبدو أن شيئاً قادر على المسّ بقوة نموذج التقنية سواء بما يتعلق بمخاطر القابلية لتعقب الأثر أم بما يتهدد الحريات وصولاً إلى "الوحدانيات التفاعلية".
فهل من مؤشر على إدماننا على تقنيات الاتصال؟ فلنراقب حالتنا النفسية عندما ننفصل عن حاسوبنا و/أو عن هاتفنا الجوال لأكثر من يومين. لا يمكن تصور ذلك... وكثيرون منا سيصاب بإعياء في مثل هذه الحالة. إن هذا الإدمان يفوق ببلاغته كل الخطابات. ولكن كيف كنا نتصرف قبل ذلك، منذ أقل من ثلاثين سنة؟ وماذا عن المليارات الثلاثة ممن لا يحوزون على تلك التقنيات؟ وما قيمة هذا العالم في المباشر أو تزامناً، عندما يكون الجوع هو حال ما ينوف على المليار إنسان؟ إنها لمفارقة بالغة، لا سيما أن هذه التبعية تمثل قبولاً منا أيضاً بالقابلية لتعقب الأثر traçabilité بينما كان انعتاقنا قائماً طيلة قرون على التخلص من كل تبعية خارجية (دينية، سياسية...). لقد أسهمت تقنيات الاتصال في هذه الحركة التحررية وأصبح الفرد، في اللحظة التي صار فيها حراً مستقلاً عن أي سلطة، خاضعاً، إرادياً، لتقنيات الاتصال التي مكّنته في السابق من الانعتاق. كثيرة هي إذاً "العبوديات الإرادية". إن الصلة التاريخية بين الانعتاق وتقنيات الاتصال هي من القوة بمكان لم تعد فيها الغالبية العظمى من "المستخدِمين" (بكسر الدال) ترى، حالياً، حالة الإدمان الجديدة التي بتنا مصابين بها، ولم يكن هناك سوى خطوة واحدة فاصلة بين أداة كانت في خدمة الانعتاق وأداة أصبحت تخدم القابلية لتعقب الأثر، فها هي قد اجتيزت في غضون جيل واحد، دونما ردّ فعل حتى الآن.... لقد التهمت التقنية أبناءها، سيما وأن ما نؤْثره في هذه التقنية هي السرعة والكفاءات والتفاعلية ومشاعر الحرية التي تتولد عنها، وكلها بعيدة كل البعد عن إدراك ما تكتنفه من إدمان...
التفاعلية، هي هذا اللفظ السحري الذي يرمز إلى مزيج من الحرية والذكاء بحيث أنّ الإدمان قد بلغ مبلغاً بتنا فيه نعرف الحرية بمقدار ما يتاح لنا تعدد خطوط الاتصال، غير أن الإنترنت ليس سوى شبكة، فإذاً شرك، أي عكس الحرية التي يرمز إليها. لذلك، لا يرى المرء، حتى الآن، في الإنترنت سوى الحرية، وليس التحكم، وشبه ضمانة للحرية الفردية، وفرصة للانعتاق والتنقل. ومع ظهور الإيديولوجيا التقنية انتقلنا إلى الجهة الأخرى من المرآة حيث كل شيء يتخذ الطابع الفردي خالياً من إشكالية جماعية. لقد تحول مبدأ "استطيع فعل أي شيء كما أشاء"، إلى مبدأ "الحرية الرقمية"، المضمون بـ "الوصول الحر" والمضخم بـ "التفاعلية المعممة". وهذا التحول لا يزال حديث العهد، وإن كانت هناك نقاط مشتركة كثيرة مع الآمال الجسام التي جرى تعليقها على ظهور التلفزة السلكية لخمسين سنة خلت، وكذلك على الراديو في ثلاثينيات القرن الماضي.
من جهة أخرى، يمكن ملاحظة الإيديولوجيا التقنية في نسيان أو غياب الثورات التقنية السابقة: الامتناع الدائم عن المقارنة والظن أن كل شيء يبدأ اليوم حيث لا تاريخ ولا نزعة مقارنة، بل إنها وضعية لا تحتمل أي نقد وتتطلب الولاء الكلّي لأنه مع ظهور الإيديولوجيا التقنية، كما بقية الإيديولوجيات، لم يعد ثمة من خيار، فإما الكل أو لا شيء، وكل نقد هو بمثابة رهاب تقني ونزعة محافظة. ومن الأمثلة على ذلك انتقاد الأطفال لقضائهم ساعات طويلة أمام التلفاز المشتبه دائماً بأنه يولد الاغتراب، ولكن لا يقال شيء عن جلوس الساعات نفسها أمام الحاسوب، لا بل يكاد العكس أن يكون صحيحاً إذ يُرى في هذا السلوك علامة على نوع من الذكاء والانفتاح الذهني، حتى أن بعضهم بات يحلم بأن يصبح في إمكان الأطفال، في مرحلة الحضانة، أن يستعملوا تلك الأدوات. لماذا لا نحفظ مزيداً من المسافة حيال الأمور؟ لماذا لا تزال الأزمات والأخطار غير مدركة كفاية؟
لقد أعطى القرن التاسع عشر وكذلك القرن العشرون مساحات واسعة وكبيرة سواء بالنسبة إلى حرية الإعلام أم الاتصال أم التقنية، وكان القرن العِشرون قرن الخلط بين التقدم التقني وتقدم الاتصالات، ومن المرجح أنَّ التمكن من الفصل، أو القطع بين العجائب التقنية وتناقضات التواصل سيحصل في مطلع القرن الواحد والعشرين بحيث أنَّ تقنيات الاتصال لا تزال ترافق حركات الانعتاق إلى اليوم، ومع أنَّ الإشكالية قد تغيّرت اليوم، ولكن أن المرء لا أحد يريد أن يرى ذلك. فالذين يعانون أكثر من الادمان لا يتحدثون عن الإنترنت إلّا كـ "تقنية"، وفي الوقت نفسه يجعلون منها الأداة التي سـ "تثوّر" و"تحرر" العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ثمة في ذلك ضرب من الابتذال والمبالغة في التقييم في آن، وبالنتيجة هناك نوع من الطوبيا- الإيديولوجيا تحل محل الإيديولوجيات السياسية الواقعة في أزمة حالياً، والتي تتوافق مع سيادة الفرد وأحلام بلوغ نماذج أخرى من العلاقات الاجتماعية، وكذلك مع الطريقة التي يمكن بها تدجين هذه العولمة المريبة للغاية. إن تلك الطوبيا- الإيديولوجيا تبعث من جديد أحلام التضامن على المستوى الكوني هذه المرة، وهذا سر قوتها. كذلك فإنَّ التقنية تتيح إيجاد الاستمرارية من جديد حيث يكشف التواصل النقاب عن الانقطاع وعدم التواصل، ولهذا السبب لا تزال الوقائع مجهولة الآن: إذ لا يبدو أن شيئاً قادر على المسّ بقوة نموذج التقنية سواء بما يتعلق بمخاطر القابلية لتعقب الأثر أم بما يتهدد الحريات وصولاً إلى "الوحدانيات التفاعلية".
صفحة 10
2- الإنترنت، بين الطوبيا والإيديولوجيا
لا بد قبل كل شيء من التمييز بين دور الإنترنت في الأنظمة الديكتاتورية ودوره في الأنظمة الديمقراطية. في الدكتاتوريات غالباً ما تجتمع وسائل الراديو والتلفزة والهاتف الجوال والإنترنت لتوفير أدوات لا غنى عنها لحرية الإعلام والنقد بيد المعارضين. ومن الجدير بالذكر في هذا الخصوص، أن النضال من أجل الحرية لم يبدأ، هنا أيضاً، مع ظهور الإنترنت وأن ثمة معارك لا تحصى خيضت من أجلها منذ مئة وخمسين عاماً، كذلك من المفيد التذكير بأن الأداة غير كافية لخلق الوظيفة. فلو لم يوجد، بداية، مناضلون في منظمة العفو الدولية وفي جميع المنظمات غير الحكومية والجمعيات ما كانت التقنية لتكون كافية لخلق الوعي النقدي والفعل السياسي. إن الإنترنت وسيلة مناسبة للعولمة شريطة عدم اعتبارها الوسيلة الوحيدة للمعارك من أجل الانعتاق، خصوصاً وأنَّ السلطات القمعية والاستبدادية تجيد هي أيضاً استخدامها من أجل زيادة حدة قمعها وتنظيم حملات التضليل والتشويه. باختصار، مهما بلغت قدرة الإنترنت كوسيلة لصالح الحريات، فإنها ليست عاجزة عن الحلول مكان التقنيات والإجراءات الأخرى وحسب، وإنما لا تخلو من بعض الالتباسات أيضاً، ولا بد من التنويه بدور الإنترنت الإيجابي بالنسبة إلى جاليات الانتشار في العالم. فهذه الجاليات تجد فيها وسيلة اتصال لا تضاهيها وسيلة لا سيما بالنسبة للمعلومات الصحافية والمعلومات الخدماتية. غير أن الإنترنت لا يلبي حاجة اللقاء فيما بيننا، لا بل بالعكس، إنه يزيد من تلك الحاجة. وكلما ازدادت إمكانية التبادل بسهولة تضاعفت الرغبة في المشاهدة الحيّة. ولحسن الحظ، نحن كيانات اجتماعية، ولسنا كيانات إعلامية، في كل الأحوال لا يتناول الحديث التالي دور الإنترنت في الدكتاتوريات وإنما في الديمقراطيات التعددية.
إن الإنترنت مثال صارخ على الإغراء الذي يحدثه هذا المزيج من الطوبيا والإيديولوجيا. ولقد سبق لي أن كرست كثيراً من الكتابات عن الإنترنت والرهانات عليه، (بخاصة كتاب ماذا بعد الإنترنت؟ 1999 Internet et après?- )، لكنني أريد هنا، فقط، تناول المسألة من جديد من وجهة نظر العلاقات بين الإعلام والتواصل. إن انتصار الإنترنت، ولا سيما في أوساط الشبيبة، هو أمر لا يمكن إنكاره، حتى لو كانت القطيعة الحقيقية تعني بالأخصّ الهاتف الجوال، أياً كان مدى اتساع خدماته، لأنه قبل كل شيء رمز التواصل الإنساني الثنائي، بواسطة الصوت. إن المساحة الخاصة الحقيقية تتمثّل بالهاتف الجوال حيث يمكن قول كل شيء لا سيما من الناحية العاطفية. وأكثر فأكثر يتراجع مرور أهم ما يحدث في الحياة الخاصة أو العامة عبر الإنترنت. بالأمس كان يعتبر استقبال مادة عبر البريد الإلكتروني امتيازاً، وشبه رمز للنفوذ أما اليوم فقد أصبح عبئاً حقيقياً، حيث الجميع يمضون أوقاتهم في إرسال رسائل إلكترونية ويمضون وقتاً هائلاً في "فتح بريدهم" والفرز والإجابة، كذلك أصبح توافر المعلومات والوصول إليها نوعاً من الاستبداد. فمن أجل القيام بالعمل، بصورة جادة، لا بد من الانقطاع عن هذه الوسيلة التقنية السهلة والبحث من جديد عن الوقت الكافي، إذ إن الحلم ينقلب أحياناً إلى كابوس، لا سيما أنه من المعروف أن أهم المعلومات والأخبار ذات الصلة بممارسة السلطة والقرارات لا تُبث أبداً عبر الإنترنت، وإنما عبر الهاتف أو شفاهة بين المعنيين. باختصار، فإن فتح مساحة مذهلة للإعلام التفاعلي بواسطة النت (شبكة الإنترنت) لا يبدّل شيئاً في العلاقة البالغة التعقيد التي يسيّر بها الأفراد العلاقات بين الإعلام-السلطة-السر-الإشاعة، ويهيمنون عليها ويؤثرون فيها. وهنا، أيضاً، لا تجدي الكفاءة التقنية نفعاً في تغيير علاقات الإنسان بالسلطة والإعلام. وفي كل الحالات ليس ثمة إنترنت وحسب، فهناك أيضاً، وبمقادير أعلى، الراديو والتلفزة. إن الأرقام تلزم من ناحية أخرى بنظرة نسبية إلى الأمور وإجراء شيء من المقارنة مع 5.4 مليار جهاز راديو، و5.3 مليار تلفاز، و5.2 مليار هاتف جوال، و8.1 مليار حاسوب.
لا بد قبل كل شيء من التمييز بين دور الإنترنت في الأنظمة الديكتاتورية ودوره في الأنظمة الديمقراطية. في الدكتاتوريات غالباً ما تجتمع وسائل الراديو والتلفزة والهاتف الجوال والإنترنت لتوفير أدوات لا غنى عنها لحرية الإعلام والنقد بيد المعارضين. ومن الجدير بالذكر في هذا الخصوص، أن النضال من أجل الحرية لم يبدأ، هنا أيضاً، مع ظهور الإنترنت وأن ثمة معارك لا تحصى خيضت من أجلها منذ مئة وخمسين عاماً، كذلك من المفيد التذكير بأن الأداة غير كافية لخلق الوظيفة. فلو لم يوجد، بداية، مناضلون في منظمة العفو الدولية وفي جميع المنظمات غير الحكومية والجمعيات ما كانت التقنية لتكون كافية لخلق الوعي النقدي والفعل السياسي. إن الإنترنت وسيلة مناسبة للعولمة شريطة عدم اعتبارها الوسيلة الوحيدة للمعارك من أجل الانعتاق، خصوصاً وأنَّ السلطات القمعية والاستبدادية تجيد هي أيضاً استخدامها من أجل زيادة حدة قمعها وتنظيم حملات التضليل والتشويه. باختصار، مهما بلغت قدرة الإنترنت كوسيلة لصالح الحريات، فإنها ليست عاجزة عن الحلول مكان التقنيات والإجراءات الأخرى وحسب، وإنما لا تخلو من بعض الالتباسات أيضاً، ولا بد من التنويه بدور الإنترنت الإيجابي بالنسبة إلى جاليات الانتشار في العالم. فهذه الجاليات تجد فيها وسيلة اتصال لا تضاهيها وسيلة لا سيما بالنسبة للمعلومات الصحافية والمعلومات الخدماتية. غير أن الإنترنت لا يلبي حاجة اللقاء فيما بيننا، لا بل بالعكس، إنه يزيد من تلك الحاجة. وكلما ازدادت إمكانية التبادل بسهولة تضاعفت الرغبة في المشاهدة الحيّة. ولحسن الحظ، نحن كيانات اجتماعية، ولسنا كيانات إعلامية، في كل الأحوال لا يتناول الحديث التالي دور الإنترنت في الدكتاتوريات وإنما في الديمقراطيات التعددية.
إن الإنترنت مثال صارخ على الإغراء الذي يحدثه هذا المزيج من الطوبيا والإيديولوجيا. ولقد سبق لي أن كرست كثيراً من الكتابات عن الإنترنت والرهانات عليه، (بخاصة كتاب ماذا بعد الإنترنت؟ 1999 Internet et après?- )، لكنني أريد هنا، فقط، تناول المسألة من جديد من وجهة نظر العلاقات بين الإعلام والتواصل. إن انتصار الإنترنت، ولا سيما في أوساط الشبيبة، هو أمر لا يمكن إنكاره، حتى لو كانت القطيعة الحقيقية تعني بالأخصّ الهاتف الجوال، أياً كان مدى اتساع خدماته، لأنه قبل كل شيء رمز التواصل الإنساني الثنائي، بواسطة الصوت. إن المساحة الخاصة الحقيقية تتمثّل بالهاتف الجوال حيث يمكن قول كل شيء لا سيما من الناحية العاطفية. وأكثر فأكثر يتراجع مرور أهم ما يحدث في الحياة الخاصة أو العامة عبر الإنترنت. بالأمس كان يعتبر استقبال مادة عبر البريد الإلكتروني امتيازاً، وشبه رمز للنفوذ أما اليوم فقد أصبح عبئاً حقيقياً، حيث الجميع يمضون أوقاتهم في إرسال رسائل إلكترونية ويمضون وقتاً هائلاً في "فتح بريدهم" والفرز والإجابة، كذلك أصبح توافر المعلومات والوصول إليها نوعاً من الاستبداد. فمن أجل القيام بالعمل، بصورة جادة، لا بد من الانقطاع عن هذه الوسيلة التقنية السهلة والبحث من جديد عن الوقت الكافي، إذ إن الحلم ينقلب أحياناً إلى كابوس، لا سيما أنه من المعروف أن أهم المعلومات والأخبار ذات الصلة بممارسة السلطة والقرارات لا تُبث أبداً عبر الإنترنت، وإنما عبر الهاتف أو شفاهة بين المعنيين. باختصار، فإن فتح مساحة مذهلة للإعلام التفاعلي بواسطة النت (شبكة الإنترنت) لا يبدّل شيئاً في العلاقة البالغة التعقيد التي يسيّر بها الأفراد العلاقات بين الإعلام-السلطة-السر-الإشاعة، ويهيمنون عليها ويؤثرون فيها. وهنا، أيضاً، لا تجدي الكفاءة التقنية نفعاً في تغيير علاقات الإنسان بالسلطة والإعلام. وفي كل الحالات ليس ثمة إنترنت وحسب، فهناك أيضاً، وبمقادير أعلى، الراديو والتلفزة. إن الأرقام تلزم من ناحية أخرى بنظرة نسبية إلى الأمور وإجراء شيء من المقارنة مع 5.4 مليار جهاز راديو، و5.3 مليار تلفاز، و5.2 مليار هاتف جوال، و8.1 مليار حاسوب.