eKtab
EN ع
العالم بين التناهي واللاتناهي لدى ابن رشد
اقرأ عينة مجانية

العالم بين التناهي واللاتناهي لدى ابن رشد

بقلم د. محمد مساعد

صفحة 1

إهداء

إلى كل الكرماء: معلمين وأقرباء وأصدقاء...

صفحة 2

مدخـــــل

عندما اسْتُقْبِلَ ابن رشد، أول مرة فيما يبدو، في قصر الخليفة «ابو يعقوب يوسف»، كما تحدثنا عن ذلك كتب التاريخ والأخبار، وأيضاً تواليف الرجال والطبقات(1)، كان للحدث وقع خاص لا لدى الرجلين فحسب، ومعهما أبو بكر بن طفيل باعتباره، بحسب الرواية نفسها، «راعي» ذلك اللقاء والممهد له، وربما أيضاً الداعي له والمشير به على الرجلين معاً، وإنما للحدث مكانته الخاصة، أيضاً، لدى المؤرخين ورجال الفكر والفلسفة والعلوم بإطلاق.

لا تنبثق أهمية هذا اللقاء/الحدث من مجرد حفاوة الاستقبال التي حظي بها أبو الوليد من قبل الخليفة، ولا فقط من كون كل واحد من الرجلين قد وقع، منذ أول لقاء بينهما، موقعاً حسناً من نفس صاحبه(2)، ولا أيضاً مما ترتب عن ذلك اللقاء من تبعات وما آل إليه من نتائج تتعلق، من بين ما تتعلق به، بإكباب ابن رشد على النظر في كتب أرسطو، وذلك بحسب الاعتقاد السائد الذي لا يخلو من سذاجة وقصور في النظر، بل ولا يخلو من تجن على ابن رشد وعلى الفلسفة بوجه عام(3)، وإنما يستمد اللقاء بين الفيلسوف والخليفة قيمته، أساساً، من أمر آخر يبدو، في نظرنا على الأقل، ذا أهمية بالغة بصرف النظر عن إمكان الموافقة أو عدم الموافقة على الآراء السائدة بهذا الخصوص، وهو أمر لم يلفت عناية الدارسين، بحسب ما انتهى إليه علمنا في الموضوع، إذ لم يقف ولا واحد منهم على الموضوع الذي كان موضع فحص، أو مقاولة، بين الرجلين، باعتباره الموضوع الذي استأثر بكل الزمان الذي استغرقه اللقاء بين الفيلسوف والخليفة، أو أن هذا الموضوع حظي بأن كان هاجس الجلسة بكاملها، أو موضوعها الرئيس على الأقل، أو أنه قد شكل، في أضيق الحدود، لحظة إثارة الكلام والمقاولة بين ابن رشد والخليفة(4).

يتمثل موضوع المقاولة، هاهنا، في أحد المجالات الفلسفية الكبرى والأساسية، بل وذات الحساسية البالغة، لا لما لها من امتدادات علمية فلسفية فحسب وإنما، أيضاً وربما أساساً، لما لها من انعكاسات وأصداء تيولوجية دينية. وليس هذا المجال سوى مجال القول في السماء والعالم، ولاسيما في إحدى مسائله الكبرى والأساسية وهي مسألة مدى كون السماء قديمة أو حادثة لدى الفلاسفة القدامى، أو الأوائل، أولاً، ومنهم بوجه خاص أرسطو وأفلاطون، ولدى فلاسفة الإسلام، ثم عموم أهل الإسلام، بعد ذلك.

يقول عبد الواحد المراكشي، حكاية عن «أبو بكر بندود بن يحيى القرطبي»، وهو فيما يبدو من تلامذة ابن رشد(5): إن الخليفة لما لقي أبا الوليد بن رشد فاتحه، أو كما يقول ابن رشد على لسان أبي بكر هذا:

«كان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين، بعد أن سألني عن اسمي ونسبي، أن قال لي ما رأيهم في السماء، يعني الفلاسفة، أقديمة هي أم حادثة... فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم...»(6).

يستفاد، من ذلك، أن موضوع السماء والعالم عموماً، ومطلب القدم أو الحدوث منه بوجه خاص، كان من الموضوعات الأساسية التي تشغل جمهور أهل النظر من فلاسفة وغيرهم، فقهاء كانوا أو رجال سلطة وسلطان بالمعنى السياسي والفقهي- القضائي للعبارة. ولقد كانت المذاهب الفلسفية، بهذا الصدد، أكثر إثارة للاهتمام والحفيظة في آن واحد، حتى إن أبا يعقوب يوسف لم يكن ليقدم على ذلك أي موضوع ولا أية مسألة.

لعل ذلك إنما يرتد، فيما يرتد إليه بوجه خاص، إلى أن هذه المسألة كانت من بين المسائل الثلاث التي كفَّر فيها الغزالي الفلاسفة، خاصة وأنه اعتبرها، في تهافت الفلاسفة على خلاف وضعها الطبيعي، مسألة ميتافيزيقية لاطبيعية(7)، مع العلم أن حجة الإسلام كان من بين الحجج والدعائم النظرية الكبرى التي بنى عليها الموحدون دولتهم ولو في بدايات التأسيس لهذه الدولة، كما تشهد بذلك عدة دلالات وقرائن(8).

مهما يكن من أمر هذا الإشكال فلعل مما لا يمكن مناقضته، فيما نحن بسبيله في هذا المقام، أن جمهور النظار ورجال الدين والسياسة، ومنهم الخليفة أبو يعقوب باعتباره أمير المومنين، يريدون معرفة مقالات الفلاسفة في مسألة من أعوص المسائل الفلسفية، وهي هل السماء قديمة أو حادثة؟ غير كائنة أو كائنة؟ لا بدء لها أم أنها، على العكس من ذلك، ذات بداية؟ لامتناهية أو متناهية؟

صفحة 3

إن القول بأن العالم قديم معناه القول بأنه غير كائن ولا بداية له، ومن ثم، فهو لامتناهٍ. أما القول بأن العالم حادث فمعناه، على خلاف ذلك تماماً، القول بأنه كائن ذو بداية، ومن ثم، فهو متناه. نعم، إن القدم والحدوث لا يغطي سوى جزء يسير من أشكال التناهي واللاتناهي، وهو الجزء المتعلق بالزمان دون ما يتعلق، من ذلك، بالعدد وبالعظم، أو المقدار. لكنه يقدم لنا، مع ذلك، صورة عن الوضع الخاص بإشكال تناهي العالم أو لاتناهيه ككل، إذ إن حكم الجزء، هاهنا، ينسحب على الكل، لا في تاريخ الفلسفة فحسب، وإنما، أيضاً، في المدينة العربية الإسلامية، عموماً، وفي الغرب الإسلامي على وجه الخصوص.

من هنا، الأهمية البالغة للنظر في مفهوم العالم ككل، وفي مسألة التناهي أو اللاتناهي بوجه خاص، لدى فيلسوف قرطبة ومراكش أبي الوليد بن رشد. ذلك أنها لم تكن بالنسبة للفيلسوف ترفاً نظرياً خالصاً، ولا إسهاماً في مراكمة الأقاويل والردود، من جهة، والمختصرات والتلاخيص والشروح والتعاليق، ومن ثم، التأويلات والتبريرات ومستويات الفهم المختلفة، من جهة ثانية.

إن المسألة بقدر ما تحيل على تاريخ الفلسفة الخاص، وأيضاً على تاريخ العلم، بل وعلى تاريخ المتن، فهي تحيل، كذلك، على تاريخ المجتمع، ومن ثم، على تاريخ الدين والسياسة في العالم الإسلامي، عموماً، وفي الغرب الإسلامي منه بوجه خاص.

لكن، وقبل أن نبسط القول في مختلف هذه الإحالات، فما معنى أن نتحدث عن منزلة العالم بين التناهي واللاتناهي لدى ابن رشد؟

لعل من الواضح أنّ هذا السؤال إنما يستمد قيمته من المقاصد الدلالية التي قد توحي بها الصيغة التي نقترحها للعبارة، ومن ثم، للإعلان عن المضمون العام والمسار الكلي للبحث الذي نحن بسبيله، إذ إنها تشي بعدة احتمالات للفهم، وبغير قليل من جهات النظر. ذلك أن الحديث عن العالم بين التناهي واللاتناهي، لدى ابن رشد، يمكن أن يفهم بمعنى المنزلة بين المنزلتين، أي أن العالم يتنزل، بالنسبة لفيلسوف قرطبة ومراكش، منزلة وسطى، أو انتقالية، بين التناهي واللاتناهي. فهل يمكن الاعتقاد، فعلاً، بوجود مرتبة مماثلة في العالم؟ هل يجوز التفكير في ثالث غير مرفوع بين التناهي ونقيضه، أي اللاتناهي، بهذا الشأن؟

الظاهر أننا، هاهنا، لا بإزاء متضادين تحتمل العلاقة بينهما أن تندس، في ثنايا مواقع التماس ومواضع التقاطع والمتاخمة بينهما، مراتب أو، على الأقل، مرتبة أخرى ثالثة، وإنما نحن، على العكس من ذلك، بإزاء طرفين يحتكم التقابل القائم بينهما إلى التناقض التام الذي ينعدم فيه أي احتمال للتوسط أو التدرج، فالثالث الممكن بين التناهي واللاتناهي مرفوع بإطلاق.

معنى ذلك، أنه لا بد من إقصاء الفهم الذي يستفاد، بمقتضاه، من الصيغة المشار إليها سلفاً، أننا قد نروم القول بأن أبا الوليد بن رشد إنما يضع العالم في منزلة وسطى بين التناهي واللاتناهي، وذلك لمكان التقابل التام، ومن ثم، التناقض البالغ منتهاه بين المفهومين.

هنالك احتمال آخر لفهم عبارة العالم بين التناهي واللاتناهي لدى ابن رشد، وهو الاحتمال الذي قد يراد به مسار التصور الرشدي للعالم من التناهي إلى اللاتناهي أو العكس، مع التأكيد على الاتجاه الأول لتقدم مفهوم التناهي على مفهوم اللاتناهي في العبارة المقترحة، كما سنوضح ذلك فيما بعد.

سنكون، بهذا المعنى، أمام نوع من التطور التاريخي، أو التحول الكرونولوجي، الذي ينتقل أبو الوليد بمقتضاه ولهذا السبب أو ذاك، من القول بتناهي العالم إلى اعتناق فكرة لاتناهيه.

سوف يكون علينا، لو صح هذا الفهم، أن نميز بين النصوص والمصنفات التي تذهب هذا المذهب أو ذاك، وأن نحدد أزمنة كتابتها ضمن كرونولوجيا تواليف ابن رشد، وان نستقصي الأسباب والعوامل التي أدت إلى هذا التحول، إلى غير ذلك من المطالب والفحوص التي ينبغي العناية بها في هذا المقام.

صفحة 4

لكن، ودونما حاجة إلى أن نتجشم هذا العناء بكامله، فمن الضروري إقصاء هذا الاحتمال، أيضاً، لأننا لا نلفي أبا الوليد يقول، في مرحلة أولى وفي بعض مصنفاته التي تنتمي إلى هذه المرحلة، بأن العالم متناهٍ، ثم يتراجع عن ذلك، في مرحلة أخرى ثانية وفي بعض الكتب التي وضعها في هذه المرحلة الثانية، ليقول بأن العالم لامتناه.

ينتصب، أمام بوار الاحتمالين السالفين، الأول والثاني، احتمال ثالث بدأت ملامحه ترتسم من خلال تقاسيم الاحتمال الثاني السابق الذكر والذي يستفاد منه أن أبا الوليد ظل، على امتداد نظره في مسألة التناهي أو اللاتناهي في العالم، يتردد بين هذا المعنى وذاك، إما بأن يقول، في نص وزمان معينين، بأن العالم ككل متناه، أحياناً، بينما يميل، أحياناً أخرى وفي النص والزمان نفسيهما، إلى القول بأنه لامتناه، وإما بأن يتردد، في المسألة الواحدة وفي الآن نفسه، ومن ثم، في الكتاب الواحد عينه، بين هذا وذاك، أي بين التناهي واللاتناهي، وإما بأن يقول، في هذه المسألة على امتداد مراحل فكره وتواليفه، بالتناهي، لكنه يجنح، في مسألة أخرى غيرها وفي كل الأزمنة والتواليف، إلى الاعتقاد باللاتناهي.

لا تسعفنا مواقف ابن رشد، بتاتا، بالموافقة على الوجهين الأول والثاني من الأوجه الثلاثة التي يتضمنها هذا الاحتمال الأخير. وليس ذلك لما فيهما من مفارقات معلومة وبينة بإطلاق، ولا لتعاطف غير مبرر مع فيلسوف اشتهر بالمجاهدة ضد الآراء المتناقضة لما فيها من شناعات وميول سفسطائية، بل لأن الرجل لا يذهب فعلاً، ولا في مرحلة من مراحل تشكل فكره ولا، أيضاً، في واحد من كتبه، إلى مناقضة ما يذهب إليه في مرحلة أخرى أو في كتاب آخر من تلك المراحل والكتب.

ليس من غير الهين، على الملاحظ اليقظ، أن ينتبه إلى معالم احتمال رابع وقد شرعت في التشكل بين ثنايا هذا الاحتمال الثالث، كما يعبر عنها الوجه الثالث الوارد فيه، وهو الوجه الذي يفيد، فضلاً عما تقدم وكما ألمعنا إلى ذلك آنفاً، نوعاً من التردد بين اختياري التناهي واللاتناهي. لكنه، بحسب ما هو واضح من أمره، ليس التردد الذي يتعاقب فيه الاختياران أو يتقاطعان بصورة متزامنة، سواء في المسألة الواحدة بعينها، أو سواء في إشكال العالم ككل، وإنما بالمعنى الذي تختص فيه مسائل متباينة، من مسائل العالم، بأحد الاختيارين دون الآخر، أي بحسب جهة النظر إلى العالم، فعندما ننظر إليه من خلال مسألة، أو مسائل، بعينها، كالعظم والعدد والاسطقسات والعلل، نراه متناهياً، لكن حينما نتفرسه عبر مسألة، أو مسائل أخرى، غير الأول، كالحركة، في بعض أحوالها، والزمان والوجود، نراه غير متناه.

ذلك ما نلفيه لدى أبي الوليد على امتداد مراحل فكره، وفي مختلف كتبه وأنماط تواليفه ومصنفاته، أي سواء في المراحل المبكرة من تشكل آرائه في العلم والفلسفة، أو سواء في المراحل الناضجة من هذا التشكل، مع ما بينهما من مراحل وسيطة وانتقالية، وذلك كما تمثلها مختصراته وتلاخيصه وشروحه، فضلاً عن تواليفه الموضوعة.

لا يخلو التردد، بهذا المعنى، من فصل مقال. إنه تردد، أو مراوحة، بين الفصل والتردد. أما الفصل ففي القول، أبداً وفي كل التواليف، بأن العالم، من جهة، متناه، وبأنه، من جهة أخرى، غير متناه. وأما التردد ففي هذه المراوحة ذاتها لا في غير هذا المعنى من المراوحة، مما يجعلنا، ونحن نتابع مواقف ابن رشد من تناهي العالم أو لاتناهيه، أمام نوع من فصل المقال بين ما في العالم من اتصال أو انفصال، أي من تناه أو لاتناه.

من هنا، يكتسب كل واحد من طرفي النقيض منزلته ضمن المسألة، فبقدر ما يكون العالم غير متناه يكون كذلك متناهياً، والعكس صحيح، أي أنه بقدر ما يكون متناهياً يكون، أيضاً، غير متناه.

على أن حل الإشكال بهذه الكيفية لا يعصم الناظر في الموضوع من الوقوع في إشكال آخر لا يقل أهمية ولا خطورة عن السابق، ومفاده، كما ألمعنا إلى ذلك فيما تقدم، أنه إذا لم يكن هنالك كبير إشكال في نعت لفظ التناهي بأنه من الألفاظ التي تغتني بشحنة مفاهيمية ثرة واضحة المعالم، فما مدى جواز انتماء لفظ اللاتناهي إلى الدائرة المفاهيمية التي ترقى به من مجرد اللفظية البسيطة العادية والمتداولة إلى مستوى الاختصاص الذي تعبر عنه لغة محددة ومجال علمي بعينه؟

مصدر هذا الإشكال، بحسب ما هو متعارف عليه في تاريخ الفلسفة، أن لفظ اللاتناهي إنما يحيل، منذ البدايات الأولى لتاريخ الفلسفة مع الإغريق، على عدم الكمال واللاتعين والنقص، أو الحرمان من الصورة(9)، ومن ثم، على العدم وعلى اللاوجود أو، على الأقل، على ما هو في طور التكوين، والذي لم يكن ممكناً لأرسطو، ولا لمن تلاه من النظار فيما بعد، أن يتعامل معه على أنه موضوع للنظر، بصورة موضوعية، لولا الدفعة التي قام بها أفلاطون في هذا الاتجاه، بالرغم من أن اللامتناهي يبدو خارج العقل، ويتجلى، من ثم، من حيث هو المجال الخاص للتيولوجيا، كما يقول بذلك بعض الدارسين المعاصرين(10).

إذا كانت الفلسفة اليونانية قد استحضرت مفهوم اللاتناهي وجعلته موضوعاً للتأمل إلّا أن أرسطو، نفسه، وهو يقر باللامتناهي، لم يعترف منه إلا باللامتناهي بالقوة دون اللامتناهي بالفعل، وهو الأمر الذي سوف يتم تجاوزه بدءًا من القرن السادس عشر مع بعض المناطقة والفلاسفة(11).

على أن بعض التطورات التي عرفها الفكر المسيحي، قبل هؤلاء المفكرين، هي التي سوف تتيح، فيما يبدو، الإرهاصات الأولى للتفكير في اللامتناهي من حيث هو مفهوم إيجابي، بالمعنى الكامل للفظ، غير سالب، إن لم نقل إنها سوف تعبد الطريق في هذا الاتجاه، إذ بالرغم مما يوجد من تنافر، أو نشاز، في القول بأن العالم غير متناه وهو، مع ذلك، من خلق الله، حيث يبدو، من المتناقض جداً، الجمع بين فكرة عدم تناهي العالم وفكرة الخلق، أي كونه مخلوقاً من قبل الله الذي هو وحده لامتناه(12)، إلّا أن بعض المفكرين المسيحيين هم الذين سوف يميلون بالمسيحية إلى تقبل القول بأن العالم، أيضاً، لامتناه، كما نلفي ذلك لدى Nicolas de Cues الذي، بحسب ما يرى «الكسندر كويري»، وإن لم يحدث ثورة علمية في الموضوع ولا قال، بالضبط، بأن العالم لامتناهٍ، إلّا أنه، مع ذلك، يذهب إلى أن العالم لامحدود، أي أنه لامتعين (indéfini)(13)، الأمر الذي قد يفسر العلة التي من جرائها أصابت محرقة محاكم التفتيش، بعد ذلك بحوالي قرنين من الزمان، «جيوردانو برونو» الذي يقول بأن العالم غير متناه لأنه إنما كان يريد بذلك لانهائية العوالم وليس لامحدودية العالم مثلما هو الشأن، فيما يبدو، لدى Nicolas de Cues ما دام هنالك اختلاف بين مفهومي اللامتناهي واللامحدود، إذ إن اللامتناهي أو:

«اللامنتهي هو الفضاء الذي يمكن أن نمسك فيه حجماً أو طولاً بالقدر الذي نرغب»(14).

صفحة 5

ومن ثم فاللامحدود على خلاف ذلك، أي أنه الفضاء الذي لا يمكن أن نمسك فيه حجماً أو طولاً بالقدر الذي نرغب فيه.

وبالجملة فمفهوم اللامتناهي يتقاطع مع عدة مفاهيم أخرى متاخمة له أهمها اللامحدود واللامحدد واللامتعين واللامعرف وما لا حاصر له... إلى غير ذلك مما ليس من اليسير تمييزه بسهولة عما هو غير متناه مما سنشير إليه فيما يلي من أقاويل ومناظرات(15).

بيد ان هنالك مسلكاً آخر يمكن، من خلاله، تأسيس أهمية اللامتناهي بموازاة مع المتناهي وربما قبله لدى ابن رشد، وهو المسلك الذي يذهب فيه أبو الوليد، في مختصر السماع الطبيعي، إلى النظر في اللامتناهي دون المتناهي، وذلك في مستهل المقالة الثالثة حيث يخص ما لانهاية له بالفحص مشيراً إلى أن بعض معانيه إنما يقال عليها اللامتناهي باستعارة، الأمر الذي يستفاد منه أن معانيه الأخرى التي لا تقال باستعارة فهي تقال على نقيض ذلك وبخلافه، أي على الحقيقة وبتقديم(16). ذلك ما يستفاد منه، أيضاً، إمكان انطباق التمييز الدلالي نفسه على مجال صلاحية لفظ التناهي الذي لا يخلو، هو كذلك، من أن يقال باشتراك لا بتواطؤ، حيث إن القول بتناهي العالم في العدد لا يحتمل الدلالات نفسها التي يقال فيها إنه متناه في العظم أو المقدار، كما أن القول بتناهيه عددياً ككل ليس هو عينه القول بأنه متناه في العدد من جهة الاسطقسات أو من جهة العلل والأسباب. لكن ما يجب التأكيد عليه، في هذا المقام، هو أنه إذا لم تكن الوحدة في التناهي، ها هنا، وحدة تواطئية فهي، على الأقل، وحدة ترتبط بالموضوع، أي بالعالم، إذ مما لا يجوز أن يختلف فيه أن ابن رشد يقول بأن العالم متناه من جهة العدد والعظم والعلية وأنه، بخلاف ذلك، غير متناه من حيث الحركة والزمان والوجود.

لعل الموقف الرشدي، إذن، وكما ألمعنا إلى ذلك آنفاً، إنما يتميز، عن غيره من المواقف في تاريخ الفلسفة، في هذا الصدد، بالجمع بين فكرتي التناهي واللاتناهي، وذلك تبعاً للأصل الذي يتعامل معه، وهو الموقف الأرسطي، دون أن نجعل منه، كما سنؤكد على ذلك في غير ما موضع من عملنا هذا، نسخة طبق الأصل لهذا الأصل، لأن من أهم موجهات هذا الموقف الفضاء العربي الإسلامي الذي يوافق هذا التصور الأرسطي في القول بأن العالم متناه، لكنه، من جهة أخرى، لا يشاطره الرأي فيما يخص اعتناق فكرة اللاتناهي بالنسبة للإله على الأقل، الأمر الذي يضع ابن رشد بإزاء غير قليل من الإحراج، كما سنقف على ذلك فيما بعد، ولاسيما منها الإحراجات العقدية الاجتماعية بل والعلمية بمراعاة ما يذهب إليه بعض من التفتوا إلى شيء من أقاويل ابن رشد، من النظار المعاصرين، إذ يقولون بكونه لم يكن ينصت إلى التطورات التي عرفها عصره سواء في المغرب أو المشرق(17)، وإن كان بعضهم الآخر يميل إلى نقيض ما يجنح إليه هؤلاء(18).

مهما يكن من أمر هذا الصراع الذي لا نزعم أننا سنقدم فيه حلولاً سحرية لا، فقط، لأنه لا يدخل، مباشرة، في مجال اهتمامنا، وإنما أيضاً لأنه مما يحتاج إلى فحص دقيق ومتواصل نأمل أن يجد من يوجه إليه عنايته بما يستحق من جدية وجدة، في آن واحد، بعيداً عن التعاطف أو المصارعة مع ابن رشد مما لا مجال فيه للعلمية والرصانة المتوخاة في مثل هذا المقام.

وبالجملة، وبصرف النظر عن المعطيات السابقة، فإذا كان ما نرومه من الكلام في منزلة العالم بين التناهي واللاتناهي، عند ابن رشد، هو ما أشرنا إليه، فيما تقدم، وإذا كان هذا الكلام يحيلنا، بالضرورة، على مختلف الإحالات السالفة الذكر، من علمية وفلسفية واجتماعية ونسقية، فإننا، ونحن على وعي تام بهذه التقاطعات والاستلزامات، لا نزعم، إذ نريد الإقدام على دراسة مفهوم العالم، أو صورته، لدى ابن رشد، من خلال مسألة التناهي واللاتناهي على وجه التحديد، أننا سنوفي كل العناصر المشار إليها حقها من الفحص والنظر، بقدر ما سنعمل على مراعاتها انطلاقاً من المتن الرشدي ذاته، وذلك بمراعاة تطوراته المختلفة وانعطافاته المتعددة في اتجاه كل التواريخ التي يحيل عليها ويمتح منها، وهي، أساساً، تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم وتاريخ المذاهب والأفكار وتاريخ المتن في اتجاه تاريخ النسق.

لا يمكن النظر في قضايا الفلسفة الرشدية ومسائلها دون ارتياد النهج الذي نرسمه في هذا العمل، وهو المصير من المتن إلى النسق. إننا إذ نجعل المتن نقطة ارتكاز هذا المسار، وكذا لحظة انطلاقه الأولى، فلأننا ندرك الخطورة التي يكتسيها في فلسفة ابن رشد، لا فقط لأن فيلسوف قرطبة ومراكش قارئ لمتن آخر هو المتن الأرسطي، بوجه خاص، وكما هو معلوم لدى جمهور النظار، وإنما، أيضاً وأساساً، لخصوصية المتن الرشدي ذاته من حيث جسامة المعضلات التي يثيرها بين يدي الدارس، وهي المعضلات التي يؤكد عليها كل قراء ابن رشد، والتي اجتهد الأستاذ المرحوم «جمال الدين العلوي» وجاهد في بيانها بما يكفي من الجدية والجلاء في كتابه حول المتن الرشدي(19).

من هنا، لا بد للفحص في القول الرشدي في العالم من أن يسلك المسلك ذاته، فننطلق فيه، أولاً، من المتن الرشدي وما يقدمه من معطيات، ثم لا مناص ثانياً، من مراجعة المتن الأرسطي للوقوف على ما بين المتنين من أشباه ونظائر، أو، على خلاف ذلك، من فروق وتباعدات، مع مراعاة متون أخرى ممكنة، وذلك في مختلف الصياغات والترجمات الممكنة، للخلوص، من ذلك كله، إلى ما نستطيع معه القول، ببعض الاطمئنان، بأنه القول الرشدي في العالم، وفي مسألة تناهيه أو عدم تناهيه على وجه الخصوص.

وتحاشياً للخوض في مشكلات المتن بكامله، لعواصتها ولعدم حاجتنا إليها ككل، فمن الواجب أن نقصر النظر، فيما نحن بسبيله، على النص أو النصوص ذات الصلة المباشرة بموضوع العالم، وما يحوم في فلكه من مسائل ومقولات وإشكالات، باعتباره المقصد الأسنى والمرام الأقصى لهذا العمل.

فما هو هذا النص أو النصوص التي يستحيل، بدونها، مباشرة قول جدي وجاد في تناهي العالم أو لاتناهيه لدى ابن رشد؟ وما الإشكالات النصية أو المتنية التي تثيرها وتعتمل فيها؟ وما المحددات التي تفرض اختيارها وتصديرها على غيرها من النصوص؟

تحاشياً للموقف الفلسفي العام الذي يطابق، أو يكاد، بين النظر في مسائل مفهوم العالم وقضاياه وبين الفلسفة ككل، على أن الفلسفة ليست، بالنسبة لهذا الموقف، شيئاً غير القول في العالم أو البحث فيه(20)، وهو الموقف الذي قد نجد صداه يتردد لدى ابن رشد نفسه، حيث يجعل مصير الفلسفة ذاتها رهيناً بمصير النظر في العالم، ومن ثم، فهي قد لا تكون برهانية، في تقديره إلا لنظرها في العالم، وبالضبط في إحدى مشكلاته المركزية، وهي قضية الخلق(21)، بصرف النظر عن ذلك كله فنحن إنما نوجه عنايتنا، في هذا العمل، إلى أحد المواقف الراسخة في التقليد الفلسفي والعلمي الأرسطي والمشائي عموماً، وهو الموقف الذي يرى أن النظر في مفهوم العالم إنما ينتمي، بالقصد الأول، إلى كتاب السماء، أو في السماء، أو السماء والعالم بحسب الترجمة العربية القديمة لهذا الكتاب(22).

من هنا، يندرج هذا القول، بالطبع وبالذات، في مجال الفلسفة الطبيعية، أو العلم الطبيعي. لذلك يقتضي النظر في مفهوم العالم ومسائله النظر في كل تواليف المنظومة الطبيعية، من منطلق أن كل واحد منها يمس، أو يعالج، جانباً من جوانب هذا المفهوم وتلك المسائل، بل إن من النظار من يرى أن كتاب «السماء» يفحص في موضوع الفلسفة الطبيعية، أي في الجسم، على أن هذا الموضوع هو موضوع هذه الفلسفة ككل(23).

لهذا السبب، لا بد للناظر في مفهوم العالم لدى ابن رشد، أو أيضاً لدى غيره من المشائين بدءًا من أرسطو، أن يحصر الإشكال المنظور فيه لئلا يجد نفسه وهو تتقاذفه الإشكالات المتعددة، وتعبث به السياقات المختلفة، فيفلت منه الزمام، ولا سيما أن تمام الفحص في هذا المفهوم يحتاج، أيضاً، إلى مراجعة النصوص الميتافيزيقية والمنطقية وغيرها من تواليف ابن رشد الفلسفية والعلمية، بل من نصوص شارحة وموضوعة في آن واحد.

لقد وقع اختيارنا، من هذا المنطلق، على إشكال التناهي واللاتناهي في العالم، مع ما يتميز به من خصائص، وما يثيره من شكوك وعواصات، وما له من انعكاسات في المتن والفلسفة الرشديين، على أن هذا الاختيار ليس مجرد صدفة، ولا تابعاً لمزاج، وإنما تفرضه المنزلة التي يحظى بها هذا الإشكال، فعلاً، لدى أبي الوليد بن رشد ذاته، وذلك في أفق سنوح الفرصة للنظر في الإشكالات التي يقتضيها تمام القول في مفهوم العالم وصورته ككل لدى ابن رشد.

ليس معنى ذلك تضييق فضاء الفحص بتقليص المتن المفحوص فيه، بل لا بد من الاستعانة بكل التواليف التي يقتضيها القصد العام والأساس للقول في مفهوم العالم، عموماً، وفي معضلة تناهيه أو لاتناهيه، بوجه خاص، سواء كانت تلك التواليف طبيعية أو ميتافيزيقية أو منطقية أو غير ذلك. لكن لا بد، في مقابل ذلك، من توجيه العناية إلى النص، أو النصوص، الأكثر قرابة من موضوع العالم ككل ومن الإشكال الذي نحن بصدد النظر فيه، وهو، على وجه الدقة، إشكال التناهي واللاتناهي.

لا يند القول الرشدي في العالم عما نلفيه لدى غير أبي الوليد من المشائين تأسياً، في ذلك، بتعاليم المعلم الأول وأقاويله. ذلك أن فيلسوف قرطبة ومراكش يخص كتاب السماء والعالم بمهمة النظر في مفهوم العالم ومسائله. ولعل مما يؤكد الأهمية البالغة لهذا الكتاب وموضوعه، لدى ابن رشد، أنه من التواليف الأرسطية القليلة التي حظيت، من قبله، بعناية تامة، إذ إنه وضع له الأنماط الثلاثة من الشروح المعروفة في المتن الرشدي، وهي المختصرات أو الجوامع، أو الشروح الصغرى والوجيزة، ثم التلاخيص أو الشروح الوسطى، فالتفاسير أو الشروح الكبرى، وهي التي يكون شرحها على اللفظ، بحسب عبارة ابن رشد نفسه(24).

صفحة 6

لقد ضاعف من تأكيد هذه الأهمية أن الخزانة الرشدية العربية جعلت كتاب السماء والعالم يتفرد، من بين كل شروح ابن رشد الطبيعية، بقيمة خاصة لكونها حفظت منه كل هذه الأنماط الثلاثة، وذلك على خلاف كتاب السماع الطبيعي الذي لم يبق منه إلّا المختصر أو الجوامع، دون التلخيص والشرح، وأيضاً على خلاف كتاب النفس الذي لم يصلنا منه في أصله العربي إلّا المختصر والتلخيص(25)، فضلاً عن كتابي الكون والفساد والآثار العلوية اللذين لم يضع منهما أبو الوليد نفسه إلّا المختصر والتلخيص دون الشرح(26)، وكذلك على خلاف كتاب الحس والمحسوس الذي لم يضع له ابن رشد إلا المختصر(27)، وعلى غير مآل كتاب الحيوان الذي لم يصلنا شيء مما كتبه فيه(28).

نعم، إن شروح «السماء والعالم» لم تسلم كلها من عبث الزمان، فإذا كان بأيدينا النص الكامل لكل من المختصر، أو الجوامع، والتلخيص(29) فإننا لا نملك، من الشرح الكبير لكتاب السماء والعالم، إلّا شذرات من المقالتين الأولى والثانية لعلها وإن كانت، بحسب الظاهر من أمرها، معظم ما في المقالة الثانية فإنها لا تمثل إلّا جزءًا يسيراً جداً مما في المقالة الأولى(30) من مطالب ومواقف، وإن كان بعض من نظر، نظراً ما، في الموضوع يرى خلاف هذا الرأي، وهو: إن ما ضاع من المقالة الأولى ليس إلا مباحث قليلة(31)، في حين كان مآل المقالتين الثالثة والرابعة الضياع التام.

لعل مما يثير الدهشة، في هذا المقام، أننا لا نعلم العلة في أن بعض المهتمين بالدراسات الرشدية لا يذكرون هذا الشرح عندما يتحدثون عما بقي من شروح ابن رشد بالعربية وعما لم يبق منها إلا بالعبرية أو اللاتينية أو هما معاً، إلّا أن نقول: إنه لم يتناه إلى علمهم العثور على بعض أجزائه في لغته الأصلية، مع العلم أن هذا لم يعد سراً منذ ما لا يقل عن عقدين من الزمان(32).

يبقى كتاب السماء والعالم، مع ذلك، ومن خلال تواليفه الثلاثة، النص الأكثر حظاً من بين كل تواليف أبي الوليد لا الطبيعية فحسب، كما أوضحنا ذلك فيما تقدم، وإنما الميتافيزيقية أيضاً، حيث لم يصلنا تلخيص ما بعد الطبيعة الذي يعتبر من النصوص الرشدية المفقودة في أصلها العربي(33).

لا يداني كتاب السماء والعالم، بهذا الصدد، إلّا كتاب البرهان الذي حفظت منه المكتبة الرشدية العربية كلاً من المختصر والتلخيص والشرح وإن كان لم يسلم، مثله في ذلك مثل شرح السماء والعالم، من بتور وخروم امتدت إلى المقالة الثانية كاملة حول الحد وبعضاً من أجزاء المقالة الأولى حول البرهان(34).

لعل مما يؤكد أهمية النظر في منزلة العالم بين التناهي واللاتناهي، ومن خلاله في كتاب السماء والعالم، لدى ابن رشد، بوجه خاص، إن تواليف أبي الوليد في الموضوع تكاد تكون، ضمن الواصل إلينا من المتن القديم الشارح لكتاب أرسطو في السماء، الإرثَ الوحيدَ المتميز بكل الثراء والخصوبة المطلوبة، كماً وكيفاً، بهذا الخصوص، ومن ثم، في تاريخ العلم والفلسفة خلال الأزمنة القديمة والوسيطة، ولا سيما منهما علم وفلسفة السماء والعالم، اللهم إلّا إذا استثنينا، مع غير قليل من الحيطة والحذر، كتاب «سمبليسيوس» في «السماء»، وهو الكتاب الذي لا نجد له ذكراً لدى المفهرسين القدامى في التراث العربي الإسلامي(35)، كما أننا لا نقف له على أثر ضمن ما عثر عليه اليوم من مترجمات الكتابات الإغريقية والقديمة، عموماً، إلى العربية، بل إننا لا نجد له أثراً يذكر لدى ابن رشد نفسه بالرغم من أهمية بعض آرائه ومواقفه مما سنشير إليه في مواضع لاحقة أليق به مما نحن الآن بسبيله، وإلّا إذا استثنينا، أيضاً، كتاب السماء الذي وضعه «طيوفراسط» والذي يذكر فيه سماء أرسطو، كما يخبرنا بذلك «زيلر» وينقله عنه «هاملان»(36)، مع العلم أنه إذا كانت بعض الفهارس القديمة تتحدث عن أن طيوفراسط قد وضع كتاب «السماء»، مثلما نقف على ذلك لدى «ديوجين اللايرسي»(37) فإن الفهارس العربية القديمة لا تحدثنا عن هذا الكتاب ولا عن ترجمته إلى العربية(38)، مثلما أننا لا نجده من بين ما حفظته الخزانة العربية مما أمكن العثور عليه اليوم من تلك المحفوظات، وذلك أمام ضياع شرح الإسكندر على كتاب السماء سواء في أصله الإغريقي أو في ترجمته العربية، وهو الشرح الذي ينقل إلينا «سمبليسيوس» شذرات منه في كتابه السالف الذكر(39)، وإن كان ابن النديم لا يحدثنا، في لحظة أولى، أي بمناسبة كلامه عن كتب أرسطو، إلا عن شرح الإسكندر لبعض من المقالة الأولى دون أن يخبرنا عن ترجمته إلى العربية، إن كان ذلك قد حدث، ولا عن تولي أحد المترجمين مهمة نقله إلى لغة الضاد، الأمر الذي قد يستفاد منه أن هذا الشرح، الذي يبدو وكأنه لا يفي بالغرض، لم يكن موضع عناية ولا واحد من المترجمين حيث نقرأ قول ابن النديم:

«وشرح الإسكندر الأفروديسي من هذا الكتاب (أي كتاب السماء) بعض المقالة الأولى»(40).

على أن ابن النديم نفسه وهو يتكلم عن «متى بن يونس»، يذكر أن «متى»

«نقل كتاب تفسير الإسكندر لكتاب السماء»(41).

معنى ذلك، أن شرح الإسكندر لكتاب السماء قد نقل إلى العربية. ولعل الإسكندر، بمقتضى ذلك، قد أنجز شرحاً للكتاب بكامله لا بعضاً من المقالة الأولى منه فحسب، كما قد يفهم من الكلام السابق لابن النديم، وهو ما لم يثر، فيما يبدو، انتباه الدارسين المعاصرين، مثلما نقف على ذلك لدى عبد الرحمن بدوي الذي اكتفى بالوقوف عند النص الأول دون أن يعرض للنص الثاني الذي أوردناه نحن، مما يعنى أن الرجل لم يكن يستثمر كل المواضع الممكنة، أو أنه لم يكن يقرأ كل ما يمكنه من ذلك، فغاب عنه التفكير في الاحتمال الثاني الذي لا نرى مانعاً في إمكان وقوعه أو جوازه(42).

لا يختلف مصير شرح ثامسطيوس لكتاب السماء عن مصائر كثير من شروح غيره على الكتاب نفسه، ولاسيما منها شرحا الإسكندر وطيوفراسط وفيلوبونوس، أو يحيى النحوي كما لقبه العرب المسلمون نقلاً عن اللاتين والمسيحيين أنفسهم(43). فإذا كان لثامسطيوس منزلة خاصة في فعل الشرح والتفسير، إلى حدود أنه يعتبر نفسه مبدع هذا الفعل،وذلك ما لا يوافقه فيه بعض الدارسين المعاصرين بدعوى أن من الخطأ ادعاء أن الشرح قد اكتمل مع ثامسطيوس، إذ إن الأفلوطينيين هم الذين سوف يضيفون إليه أبعاداً جديدة(44)، وإذا كان ثامسطيوس قد وضع شرحاً لكتاب السماء، كما أنه إذا كان هذا الشرح، ومكان صاحبه من الشرح والتفسير مكانه، قد نقل إلى العربية(45)، إلّا أنه، مع كل تلك الاعتبارات، مفقودسواء في العربية أو في لغته الأصلية، وهي الإغريقية، وإن كانت قد بقيت منه الترجمة العبرية التي تمت عن الترجمة العربية القديمة، وكذا الترجمة اللاتينية التي تمت، هي نفسها، عن نظيرتها العبرية فكانت، لذلك، ترجمة ضعيفة جداً بحسب المهتمين(46).

يستفاد من القول السابق إن شرح ثامسطيوس لكتاب السماء قد ترجم إلى العربية، دون أن نعلم شيئاً دقيقاً ولا ذا بال عن هوية مترجمه هل هو، بالضبط، يحيى بن عدي أم أنه شخص آخر اكتفى «يحيى» بإصلاح ترجمته، كما يفهم ذلك من كلام ابن النديم، إذ يقول:

«ولثامسطيوس شرح الكتاب كله، نقله أو أصلحه يحيى بن عدي»(47).

صفحة 7

ونحن، وإن لم نكن نجد هذه الترجمة اليوم ضمن نفائس الخزانة العربية، إلا أننا نعتقد أنها كانت بين يدي ابن رشد، بل لعلها كانت المرجع الذي تعرف أبو الوليد، من خلاله، إلى آراء الإسكندر في السماء، وفي شروحه على كتاب السماء لأرسطو بوجه خاص، كما سنؤكد على ذلك في حينه. على أننا نشير، في هذا المقام، إلى أن ابن رشد كان يملك، فعلاً، نسخة من شرح ثامسطيوس لكتاب السماء، إذ إنه لا يكتفي بالإحالة عليه مباشرة في تلخيص السماء والعالم، بخصوص إشكال وجود أو عدم وجود الموضوع للجرم السماوي(48)، بل إنه، فيما يبدو، ينقل عن هذا الشرح نصاً ويعمد إلى تلخيص ما نقله بالحرف في تفسير ما بعد الطبيعة بخصوص الإشكال نفسه(49). نعم، إن نقل ابن رشد، هاهنا، قد لا يكون عن شرح ثامسطيوس لكتاب السماء وإنما عن شرحه، أو تلخيصه كما يقول أبو الوليد نفسه(50)، لـِمقالة اللام من ميتافيزيقا أرسطو، لكن لمكان توافق كل من كتابي السماء والميتافيزيقا، بهذا الصدد، يمكن القول بأننا بإزاء غرض واحد. فضلاً عن أن ابن رشد يحيل، في تلخيص كتاب السماء، مباشرة على شرح ثامسطيوس لكتاب السماء، الأمر الذي يستفاد منه أنه كان بين يديه(51).

ومهما يكن من أمر فنحن بإزاء حضور باهت لـِكتاب السماء في الوسط الفلسفي والعلمي، لا الإغريقي اللاتيني فحسب وإنما، أيضاً، في الوسط العربي الإسلامي. على أننا إنما نقصد بذلك، بالقصد الأول، ما تعرضت له الشروح المذكورة، وغيرها مما لا نعرفه، لمكان عدم إشارة الفهارس القديمة إليه، من تلف وضياع يجعل من المستحيل على الدارس المعاصر أن يطلع على مختلف المواقف والاتجاهات في العالم وإشكالاته وفي شرح سماء المعلم الأول بوجه خاص.

قد ينضاف إلى ذلك، أيضاً، عدم اهتمام كثير من الشراح والفلاسفة المسلمين بالكتاب، فضلاً عن ضياع معظم ما وضعوه من تآليف وشروح على سماء المعلم الأول. ذلك أن الكندي لم يعن بهذا الكتاب شرحاً وتفسيراً وفي كليته، أو أنه، على الأصح، إنما التفت إلى شيء منه لعله، فيما نعتقد، من أهم قضاياه إثارة للفضول والعواصات، كما نرنو إلى بيان ذلك في هذا العمل، وهو مسألة النهاية أو اللانهاية في العالم وما يتصل بها من قضايا ومسائل، كما سنوضح ذلك فيما بعد، إذ يذكر ابن النديم، من كتب الكندي، كتاب الإبانة أنه لا يمكن أن يكون جرم العالم بلانهاية، كما يذكر كتاب رسالته في أن العالم و(كل ما)(52) فيه كري الشكل، ويشير أيضاً إلى كتاب رسالته في الإبانة عن أنه ليس شيء من العناصر الأولى والجرم الأقصى غير كري، وكتاب رسالته في أن الكرة أعظم الأشكال الجرمية والدائرة أعظم من جميع الأشكال البسيطة، وكتاب رسالته في أن طبيعة الفلك مخالفة لطبائع العناصر الأربعة وأنه طبيعة خامسة، وكتاب رسالته في العالم الأقصى، وأيضاً كتاب في امتناع الجرم الأقصى من الاستحالة، وكتاب رسالته في تناهي جرم العالم(53).

على أن من هذه الرسائل ما هو بأيدينا اليوم، كما تشهد لذلك الرسائل التي نشرها «أبو ريدة»(54) مثلاً وهي، على وجه الخصوص، رسالة في إيضاح تناهي جرم العالم(55)، ورسالة «في مائية ما لا يمكن أن يكون لانهاية له وما الذي يقال لانهاية له(56)، ورسالة في وحدانية الله وتناهي جرم العالم(57)، ورسالة في الإبانة عن سجود الجرم الأقصى وطاعته لله عز وجل(58).

إن نظرة سريعة على هذه الكتب، أو الرسائل، فضلاً عن غيرها مما لم نذكره هاهنا، دليل كاف على أن الكندي خص مشكلات السماء والعالم بغير قليل من العناية والنظر، لكنه، مع ذلك، لم يتناولها على أنها موضوع مفرد ولا على أنها كتاب واحد خاص، فأتت لديه متناثرة تفتقد إلى النسقية والشمولية اللازمة لصياغة تصور متكامل فبالأحرى أن يكون ذا ولاء للمشائية، كما عرفت في هذا المقام، بالرغم من أنه من غير الجائز إنكار إمكان النظر إلى الكندي على أنه من ممثلي المذهب الأرسطي بوجه عام(59).

إذا لم يكن الفارابي قد اهتم بـِكتاب السماء لا جملة وتفصيلاً، كما نلفي ذلك لدى ابن رشد، ولا تفصيلاً فحسب، مثلما هو الشأن لدى الكندي، إذ لم يضع شرحاً للكتاب ولا لبعض من قضاياه، بحسب ما يستفاد من اللائحة التي يوردها، مثلاً، كل من ابن النديم وبروكلمان لتواليف المعلم الثاني(60)، إذا كان هذا هكذا فلعل الأمر لدى المعلم الثاني لا يتوافق، فعلاً، مع واقع الحال في تواليف أبي نصر، وذلك بحسب ما يرد في بعض الفهارس القديمة التي تذكر أن الفارابي قد أقبل، بالفعل، على شرح كتاب السماء والعالم، وذلك ما يقره كل من القفطي وابن أبي أصيبعة(61). ومهما يكن من أمر هذا الكتاب ما دام من تواليف الفارابي المفقودة اليوم، فإن بأيدينا ما يشهد أن أبا نصر قد قرأ كتاب أرسطو في السماء، كما أنه اعتمده في كثير من المواضع أهمها الرد من خلاله على يحيى النحوي، دفاعاً عن أرسطو، في رسالة وضعها، لهذا الغرض(62)، ومن بينها أيضاً أنه يستحضره في مناسبة شرحه لصدري المقالتين الأولى والخامسة من كتاب الأصول لإقليدس(63).

بالرغم من ذلك فليس لدينا، في الوقت الراهن، ما يمكننا من تشكيل صورة واضحة عن مواقف الفارابي في السماء والعالم، ولا سيما بإزاء فقدان شرحه لكتاب السماء والعالم إذا كان فعلاً قد فعل ذلك.

أما ما كتبه ابن سينا في الموضوع فليس شرحاً وإنما هو تأليف على طريقة الشيخ الرئيس الخاصة في التعامل مع المنظومة العلمية والفلسفية الأرسطية بوجه خاص(64)، على أننا لسنا، هاهنا، في حاجة إلى إصدار أحكام بالمفاضلة بين ابن سينا وأرسطو أو غيره، من قبيل القول بأن كتاب ابن سينا «أشد ضبطاً وأحسن تنسيقاً من كتاب السماء»، وذلك لمجرد أن الشيخ الرئيس حذف مسألة من مسائل سماء أرسطو، أو لأنه تناول مسألة أخرى تناولاً عاماً، أو لأنه لم يقبل بموقف المعلم الأول في مسألة ثالثة(65). إن ما يهمنا، في هذا المقام، هو أن ابن سينا لايقدم عملاً متكاملاً في السماء والعالم، فضلاً عن أنه لم يرتبط بِـكتاب «السماء لأرسطو حتى يكون من شراحه أو مفسريه بالمعنى الحق. لا بد، مع ذلك، من الإشارة، في هذا السياق أيضاً، إلى ما وضعه ابن سينا في الأجوبة عن مسائل أبي ريحان البيروني التي يتناول فيها الشيخ الرئيس، كما يقول «عبد الرحمن بدوي»، عشرة مسائل أشكل فهمها على البيروني فتكفل بالنظر فيها، وبمحاولة حلها، الشيخ الرئيس(66).

أما ابن باجة فلعله، أيضاً، ومكانه من العناية بطبيعيات المعلم الأول مكانه، لم يترك لنا شرحاً لـِكتاب السماء، على غرار ما فعل بالنسبة لكتب السماع الطبيعي والكون والفساد والآثار العلوية والحيوان، كما تؤكد ذلك القوائم التي وضعها أصحاب الفهارس القديمة والمعاصرة لتواليف أبي بكر بن الصائغ(67)، اللهم إلا إذا استثنينا بعضاً من تعاليقه على جمل من الهيئة وصناعة النجوم التي قد تمت بصلة ما إلى كتاب السماء والعالم، ولعلها هي نفسها الأقوال التي يشير إليها ابن رشد في مختصر السماء والعالم، حيث يقول إن ابن باجة وافق ابن سينا في «بعض التعاليق المنسوبة إليه(68) ويلومه عل تلك الموافقة مع أن مكانه من العلم مكانه، بحسب عبارة ابن رشد نفسه، اللهم إلّا أن نقول، كما اقترحنا ذلك في دراسة سابقة(69)، بأن أبا الوليد إنما يشير، هاهنا، إلى تعاليق تخص كتاب السماء والعالم مما كان بيدي ابن رشد وضاع في ظروف غامضة فلم يتناه إلى علم أصحاب الفهارس، ولاسيما أن أبا بكر قد يكون أشار في شرحه للآثار العلوية إلى تلخيصه للسماء والعالم، إذا جاز ما يقوله عنه ابن رشد بهذا الصدد، كما ألمعنا إلى ذلك في نشرتنا لهذا الكتاب(70).

صفحة 8

نحن، إذن، بإزاء احتفاء رشدي واضح وخاص لا يضاهى لدى القدماء والوسطويين بـِكتاب السماء والعالم. ولعل مما يزيد هذا الاحتفاء رونقاً وأهمية، كما ألمعنا إلى ذلك فيما تقدم، أن القسط الأوفر من شروح أبي الوليد على كتاب السماء لا تزال توشح قائمة المحفوظات العربية إلى اليوم.

والعجب أن هذا الاحتفاء الرشدي بهذا الكتاب سوف يقابل بغير قليل من الإهمال من قبل أهل التحقيق والنشر من المعاصرين، فباستثناء التلخيص الذي حظي، من لدن المرحوم «جمال الدين العلوي»، بجليل العناية والتقدير، نشراً وتحقيقاً ونقلاً من الحرف العبري إلى الحرف العربي، كما ألمعنا إلى ذلك فيما تقدم، لم يجد ما تبقى من الشرح العناية ذاتها، اللهم إلا إذا استحضرنا العمل المشترك الموعود به، وغير المنجز حتى الآن، من قبل الأستاذين المرحوم «جمال الدين العلوي» و«غرهارد اندرس»، وذلك بسبب وفاة الأستاذ «جمال الدين العلوي»، كما يصرح بذلك الأستاذ «اندرس»(71) الذي يبدو أنه كان يشتغل على ذلك بمفرده في بداية الأمر بحسب شهادة الأستاذ «جمال الدين العلوي»(72). ومهما يكن من أمر هذا الاشتغال فالظاهر أن الباحث «اندرس» إنما عمل على تعويض ذلك، ولو بصورة مؤقتة، بالإشراف على التقديم للنسخة المصورة لـِكتاب شرح السماء والعالم عن المخطوط الوحيد الذي يضم ما تبقى من هذا الشرح والموجود بالمكتبة الوطنية بتونس، وهي النسخة التي أقدم على نشرها معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بألمانيا الاتحادية(73)، وقد أقدم أحد المهتمين العرب أخيراً على نشر ما تبقى من هذا الشرح(74).

لا يختلف مصير مختصر السماء والعالم كثيراً عن حال الشرح الكبير للكتاب نفسه، إذ لم ينشر هذا المختصر، بحسب ما انتهى إليه علمنا في الموضوع، سوى نشرتين: أولاهما هي نشرة حيدر آباد الدكن، وذلك ضمن مجموعة رسائل ابن رشد، سنة 1947م، والثانية تلك التي أقدم على إنجازها كل من «رفيق العجم» و«جيرار جهامي» اللذين يصرحان بأنهما إنما اعتمدا نسخة مصورة عن نشرة حيدر آباد لهذه الرسائل(75). والحق إن الحال التي توجد عليها هذه النشرة أفضل من تلك التي جاءت عليها نشرة الرجلين المذكورين بالرغم من الزعم الذي يصرحان، بمقتضاه، بأنهما إنما يتحريان في نشرتهما نشرة حيدر آباد، مع التأكيد على أنهما قد استدركا جزءًا من الأخطاء الواردة في نشرة حيدر آباد(76).

ومهما يكن من أمر، بهذا الصدد، فإن مختصر السماء والعالم أقل حظاً، من هذه الجهة، من مختصرات ابن رشد الطبيعية الأخرى التي كانت موضع نشرتين أو أكثر مع بعض العناية بأمور النشر والتحقيقوالتقويم بمراعاة ما بين مختلف تلك النشرات من تجويد أو قصور وهفوات، مثلما هو الشأن بالنسبة لكل من مختصر السماع الطبيعي(77)، ومختصر الكون والفساد(78)، ومختصر الآثار العلوية(79)، ومختصر النفس(80)، ومختصر الحس والمحسوس(81).

كم هو بعيد جداً، إذن، تعامل الرشديين(82) المعاصرين، وغيرهم ممن لامسوا جانبا من جوانب الرشدية، لهذا السبب أو ذاك، مع تواليف ابن رشد في السماء والعالم وما تحبل به من قضايا وإشكالات، عن الاحتفاء الرشدي بذلك كله، إلى حدود أنه يمكن اعتبار ابن رشد من المفكرين الذين جعلوا العالم في صلب، أو في مركز، تفكيرهم، الأمر الذي يقتضي ضرورة العناية به بما يستحق من دقة وبعد نظر، كما رام ذلك بعض النظار المعاصرين من الغربيين في تعاملهم مع أئمة النظر الكوسمولوجي في تارخ العلم والفلسفة الغربيين(83).

نعم، لقد اهتم فريق من الباحثين بشيء من ذلك في بعض قراءاتهم لفكر ابن رشد، لكن لا في صيغته الشمولية والفلسفية وإنما، أساساً، في مواضع بعينها قد تقف عند شروح دون غيرها، أو قد تبقى في حدود الشروح دون التواليف الموضوعة، وفي قضايا محددة غالباً ما لا تتجاوز طبيعة النظام الفلكي الرشدي ومواقف أبي الوليد من فلك بطليميوس وموقع آرائه الفلكية، ومن ثم الكوسمولوجية، بين الفيزياء والرياضيات، من منطلق أن ذلك من بين أهم الإشكالات التي تستأثر باهتمام الدارسين المعاصرين لتاريخ العلم، عموماً، ولتاريخ العلم العربي الإسلامي على وجه الخصوص، ولقضايا السماء والعالم وما يرتبط بها من مسائل ذات صلة بعلم الهيئة بوجه أخص، ظناً منهم أن ذلك، أيضاً، ما كان يستأثر بعناية أبي الوليد ويلفت انتباهه دون سواه من المعضلات والقضايا المرتبطة بالنظر في العالم، أو اعتقاداً منهم بأن ذلك، وإن لم يكن من أوجب ما استرعى نظر فيلسوف الأندلس والمغرب، إلا أنه مما قد يشكل أهم ما يمكن تحيين القول فيه، اليوم، من الرشدية في تاريخ العلم، مع ما في ذلك نفسه من قصور نظر لا يليق الجنوح إلى اعتناقه لمكان مجانبته الصواب في انتصاره لأرسطو على بطليميوس، أو في مراوحته وانتقاله من هذا إلى ذاك سواء بحكم ما عرفته آراؤه من تطور عبر مراحل حياته الفكرية المختلفة(84)، أو سواء بحكم علاقة تصوره الكوسمولوجي لنظام العالم بطبيعة البيئة الفكرية السائدة في زمانه ومكانه(85).

بما أن الأمر، لدى رواد الثقافة الغربية المعاصرة، على خلاف ذلك تماماً، إذ إن الدراسات في تارخ العلم والفلسفة الغربيين، بل وفي تاريخ الأفكار الغربي ككل، امتدت، فضلاً عن كل العلماء والفلاسفة الذين لهم قول حول العالم، إلى كل مناحي القول في العالم، سواء في أبعادها الفلسفية أو العلمية، الفينومنولوجية منها، والانتروبولوجية(86)، والوجودية(87) والكوسمولوجية، والفيزيائية، والرياضية(88)، بل والميتافيزيقية التيولوجية(89)، بما أن الأمر كذلك فإن من غير اللائق أن لا يمتد النظر، بهذا الصدد ومن الآن فصاعداً، إلى التصورات العربية الإسلامية ومنها، بحسب ما يستاثر باهتمامنا في هذا العمل، التصور الرشدي.

صفحة 9

ودونما حاجة للوقوف عند كل الأعمال التي مست شيئاً من القول في مفهوم العالم لدى ابن رشد، إذ سنشير إليها في مناسبات كثيرة لاحقة من هذا العمل، نكتفي فقط بأن نقول عنها، هاهنا، انها لم تنظر في مفهوم العالم لدى ابن رشد، ولا سيما في إشكال التناهي واللاتناهي وما يتصل به من قضايا ومسائل، كما أنها لم تتابع المتن الرشدي في كل لحظاته الشارحة والموضوعة، وذلك ما ينبري العمل الذي نقدمه، هاهنا، لمحصه وبسط القول فيه، فضلاً عن أن كثيراً منها لا يعد واضعوه من المشتغلين بالدراسات الرشدية إذ أنهم إنما وجدوا انفسهم، لدافع من الدوافع وفي مناسبة من المناسبات، يكتبون مقالة أو مصنفاً يشيرون فيه إلى هذه المسألة أو تلك من مسائل العالم لدى فيلسوف قرطبة ومراكش، الأمر الذي يتعذر معه اعتمادهم من بين أئمة النظر فيما نحن بسبيله(90).

إن التعامل مع التصور الأرسطي لمفهوم العالم سوف يتيح لابن رشد الانفلات من المجال الضيق لهذا المفهوم بحسب ما تمت صياغته في التصور الكلامي الإسلامي اعتماداً على الخلفية الدينية التاريخية واللغوية التي لا تخلو من نفحة فلسفية، كما عبر عنها، مثلاً وبصورة مجملة جامعة، إمام الحرمين الجويني من خلال الوصل بين الدلالات التيولوجية واللغوية المتمثلة في العلم والعالِم والعالَم والربوبية والجوهر والموجود إذ يقول:

«فمما أطلقوه العالَم. فإن قيل ما العالَم ولم سمي العالَم عالَماً؟ قلنا العالَم، عند سلف الأمة، عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، وعند خلف الأمة عبارة عن الجوهر والأعراض. فأما قوله لم سمي العالِم عالِماً؟ فمشتق من العلم والعلامة.وإنما سمي العلم علما لأنه إمارة منصوبة على وجود صاحب العلم، فكذلك العالَم بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى»(91).

إذا كانت بعض الاتجاهات في التفسير توافق ما يذهب إليه إمام الحرمين في الشق الأخير من كلامه، فيما يخص توثيق الرباط بين العالم والعلم والعلامة، كما نلفي ذلك في تفسير الجلالين(92)، فإن ابن منظور ينقل لنا، في لسان العرب، خلاصة رأي المتقدمين في معنى العالم، فإضافة إلى القول بانه «الخلق كله»(93)، أو أنه «ما احتواه بطن الفلك»(94)، وفضلاً عن القول بأنه جمع لأشياء متفقة لا مختلفة، ومن ثم، فلا واحد له، وإنه يجمع على عالمين وعوالم، فضلاً عن ذلك كله يورد صاحب اللسان اختلاف المفسرين الأوائل في دلالة لفظ العالم، حيث يرى ابن عباس أنه «الجن والأنس»، في حين يذهب قتادة إلى أنه «الخلق كلهم»، بما في ذلك «البهائم والملائكة»، بينما ينحاز الأزهري إلى مذهب ابن عباس بدليل أن الرسول لا يمكن أن يكون نذيراً لغير الأنس والجن من البهائم والملائكة(95).

أما المذهب الذي يقول به الخلف، أو خلف الأمة كما يقول الجويني، فنجده واضحاً لدى الباقلاني في التمهيد، حيث يرى: إن

«جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن هذين الجنسين، أعني الجواهر والأعراض»(96).

إذا كان واضحاً أن المذهب الثاني، وهو مذهب المتكلمين، أو رأي جماعة منهم على الأقل فيما يبدو، قد اعترف باستدماج ألفاظ، أو مقولات ومفاهيم، فلسفية في تعريف العالم، وذلك خلافاً لما يذهب إليه سلف الأمة الذي بقي منغلقاً في تصور لغوي تيولوجي، فإن هذا الاعتراف سيبقى قاصراً عن الوفاء بكل طموح ابن رشد، إذ لم يكن مفهوما الجوهر والعرض، ولا مفهوم الموجود، بالمفاهيم الكافية لإضفاء الطابع الفلسفي على التصور الذي يريده ابن رشد للعالم، لأن هذه المفاهيم، بالرغم من حمولتها الفلسفية الواضحة، لا تستحضر الجانب العلمي، كما رسمته المنظومة الطبيعية والتعاليمية الأرسطية وغير الأرسطية من بطليمية وغيرها. ذلك ما توحي به مختلف الدلالات التي يعرض لها أرسطو، وبعده ابن رشد، حول معنى العالم، فقد يراد بالعالم، ولا سيما عند مواطئته للفظ السماء، أحد ثلاثة معاني: أولها فلك الكواكب الثابتة، والثاني الجزء المتحرك دوراً من العالم، وهو الجرم السماوي ككل، والثالث العالم بكامله. ذلك ما يقره أرسطو ويؤكد عليه ابن رشد وغيره من دارسي أرسطو القدامى منهم والمعاصرين(97).

معنى ذلك، أنه كان لا بد من تجاوز التصور الكلامي حول العالم لانحباسه، مع المتقدمين بوجه خاص، في أساس تيولوجي لغوي، بالرغم من إقراره، لدى المتأخرين أساساً، بنوع من النزوع الفلسفية، وذلك لصالح تصور فلسفي علمي يستحضر علوم التعاليم، ولا سيما منها علم الهيئة، والعلم الطبيعي في أبعاده الفيزيائية والكوسمولوجية، فضلاً عما يقتضيه ذلك من آليات الاستدلال والافتراض والترسيم ذات الأصول المنطقية والهندسية والجبرية.

إذا كان بعض ممن لهم قول في هذا الشأن قد استحضروا شيئاً من الروح الأرسطية في تعريف العالم والسماء، ولاسيما أنهم لا يغفلون، في تعريفهم ذاك، هذا البعد العلمي الفلكي، إلا أنهم مع ذلك لم يفوا بما يجب الوفاء به في ذلك، مثلما نلفي لدى صاحب كشاف اصطلاحات الفنون، حيث إنه، من جهة أولى، يدرج علم السماء والعالم ضمن العلم الطبيعي لا التعاليمي(98)، وذلك ما يوافق التصنيف الأرسطي الذي لا يمكن، بوجه عام، إلّا أن يحظى بموافقة ابن رشد، لكن التهانوي، من جهة ثانية، ينثني بعض انثناء عن الخط الأرسطي الرشدي، أو ما يبدو أنه كذلك، عندما يعدد معاني السماء باستعمال ألفاظ غريبة لا يبدو أنها تلائم الألفاظ المتعارف عليها في أوساط المشائين بهذا الصدد(99)، بل إنه إنما يجعل السماء جزءًا من العالم فحسب ولا ينتبه، قصداً أو عن غير قصد، إلى أن هذا اللفظ قد ينطبق على معنى العالم ككل(100).

على أن التصور الكلامي للعالم لا ينحصر في هذه الصورة فحسب، بل إنه يقدم، خاصة بحسب ما يهمنا في هذا العمل، صورة احتمالية للعالم تجعله، إن لم تعصف بإمكان وجوده ككل، مجرد حالة من الحالات الممكنة، وذلك ما يذهب إليه الأشاعرة بمقتضى دليل الحدوث الذي قال به متقدموهم، وهو نفسه المذهب الذي صاغه متأخروهم في ما يمكن الاصطلاح عليه بعبارة دليل الجواز، مثلما نلفيه لدى إمام الحرمين «أبو المعالي الجويني»، بحسب ما يذكر ذلك ابن رشد نفسه، ولاسيما إذ ينسب ما يصطلح على نعته بطريقة المتأخرين إلى الجويني(101)، وهو ما قد يخالفه فيه بعض الدارسين القدامى والمعاصرين، وإن كان بعضهم الآخر يوافقه في ذلك أو يتردد فيه(102).

إن العالم، بموجب فلسفة التجويز التي يقتضيها هذا الدليل، جائز أن يكون كله على غير ما هو عليه الآن، سواء في هيئته أو من حيث القوانين التي إليها يحتكم، وذلك ما يسمح، في التصور الأشعري، لا باحتمال وجود أنظمة أخرى للعالم فحسب وإنما، أيضاً، بجواز لاتناهي هذه الأنظمة، ومن ثم، بإمكان القول بتعدد العوالم ولاتناهيها مما لا يمكن لابن رشد، ولا بحال من الأحوال، أن يقبل به لمكان تنافره التام مع التصور الرشدي للعالم.

لعل مما سوف لا يروق ابن رشد، أيضاً، إن بعضاً من المفكرين والعلماء اللاحقين عليه سوف يستعيدون التصور الفلسفي المنطقي للعالم، دون التصور العلمي الفلكي، بل إن بعضاً منهم سوف يرتدون إلى التصور اللغوي التيولوجي، دون التصور الفلسفي ككل، مثلما نقف على ذلك، فيما يخص «النكوص» الأول، لدى ابن البنا المراكشي إذ يقول، في سياق آخر غير السياق الكوسمولوجي الذي يشغلنا في هذا العمل: إن العالم جوهر وعرض، كما أن عالم الرياضيات المغربي المراكشي يمزج هذا التصور المنطقي بأمشاج تعاليمية رياضية وأخرى فيزيائية تيولوجية يغيب فيها البعد الفلكي والكوسمولوجي عموماً، حيث يقول:

«العالم جوهر وعرض. والعرض تسعة اجناس، والجوهر قسمان، حاصر ومحصور. فالحاصر تسعة وهي السماوات السبع والكرسي والعرش، والمحصور فيها تسعة، العناصر الأربعة النار والهواء والماء والتراب، والمتكون منها (جنسا)(103) المعدن والنبات، والحيوان ثلاثة، والجن والملائكة»(104).

صفحة 10

أما فيما يتعلق بالنكوص الثاني، أي استعادة التصور اللغوي التيولوجي، فيمكن الإشارة إلى الجرجاني في التعريفات، حيث يذكر أن «العالم لغة عبارة عما يعلم به الشيء، واصطلاحاً عبارة عن كل ما سوى الله من حيث أسماؤه وصفاته»(105).

ومهما يكن من أمر بهذا الخصوص، أي بالنسبة للتصورات السابقة على ابن رشد، أو المتزامنة معه، أو حتى بالنسبة للتطورات اللاحقة عليه في مفهوم العالم، فنحن مع أبي الوليد، بوجه خاص، بإزاء نوع من العلاقة بين العلم والفلسفة لا يمكن، بدونها، إدراك القيمة البالغة للتصور الرشدي حول العالم، ومن ثم، بين تناهيه أو لاتناهيه. لقد كان ابن رشد، بحسب عبارة «غيرهارد اندرس»، يطبق العلم في الفلسفة، إذ ليس من الممكن لديه إيجاد الفلسفة الأرسطية الحق إلّا عبر العلم(106).

يتداخل، من هذا المنطلق، تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة في الفكر الرشدي بقدر ما يتداخل، لدى فيلسوف قرطبة ومراكش، تاريخ المتن مع تاريخ النسق. لذلك فإذا لم يكن يجوز للدارس أن يقرأ فكر ابن رشد دون مراعاة المتن في مختلف لحظاته وإشكالاته، فإنه لا يحق له، أيضاً، التعاطي للنظر في فلسفة الرجل دون الإقدام على معرفة مساهماته في تاريخ العلم، أو دون الإكباب، على الأقل، على معرفة الكيفية، أو الكيفيات، التي سوف يتمكن بها من استثمار العلم في الفلسفة، إذا اعتبرنا أن ابن رشد لم يكن يمتهن صناعة العلم بقدر ما كان من محترفي صناعة الفلسفة.

نحن، إذن، أمام أربعة تواريخ على الأقل هي تاريخ المتن، شكلاً ومضموناً، وتاريخ الفلسفة وتاريخ العلم، فضلاً عن تاريخ المجتمع الذي ينتمي إليه أبو الوليد بكل معطياته المتعارف عليها في العالم الإسلامي الوسيط، ولا سيما في الجناح الغربي من هذا العالم. فكيف تتضافر هذه التواريخ جميعها في تشكيل التصور الرشدي للعالم؟ كيف يتكامل، أو ربما أيضاً يتنافر، كل من مختصر السماء والعالم وتلخيص السماء والعالم وشرح السماء والعالم، ومن ثم، كل النصوص الشارحة لدى أبي الوليد، مع النصوص الموضوعة في صياغة هذا التصور؟ ما العلاقة التي تصل هذا التصور بغيره من التصورات حول العالم وفي مقدمتها التصور الأرسطي باعتباره نقطة ارتكاز العمل الذي سيقدمه أبو الوليد بهذا الصدد؟

معنى ذلك، أننا سنضطر إلى التوسل ببعض آليات المنهج الفيلولوجي التي تراعي، أولاً، تاريخ المتن وحالاته المختلفة وموقعه ضمن المنتوج العام لفكر ابن رشد وتطوره، والتي تراعي، ثانياً، علاقة ذلك كله بالتصور الأرسطي للعالم، أو ما يمكن النظر إليه على أنه كذلك، لا من خلال مشكلات المتن فحسب، مثلما هو الشأن بالنسبة لابن رشد، ولكن عبر أفاعيل القراءة ومستويات الفهم والتأويل التي خضع لها التصور الأرسطي حول العالم، الأمر الذي يستدعي، ثالثاً، مراعاة علاقة القول الرشدي في العالم بغير التصور الأرسطي مما له صلة بالقضايا ذات الصدارة فيما نحن بسبيله.

لا بد، من هنا، من توزيع تواليف السماء والعالم لدى ابن رشد، والتي حفظتها لنا الخزانة الرشدية، بوجه عام، والعربية منها على وجه الخصوص(107)، على مختلف محطات حياته الفكرية، السابق منها واللاحق، مع الوعي بمحدودية الرؤية الكرونولوجية وإشكالاتها، في بعض الأحوال والمقامات، واستخلاص النتائج الممكنة من ذلك.

لعل أهم ما بأيدينا، بهذا الصدد، ما قدمه أستاذنا المرحوم «جمال الدين العلوي» ملخصاً آراء سابقيه ومقدماً اجتهاداته الخاصة وإضافاته النوعية في الموضوع، حيث يذهب، اعتماداً على ما أقره «أرنست رينان» والأب «الونسو» والأب «بويج»، وكذا استناداً إلى بعض ملاحظاته الخاصة، إلى أن أبا الوليد ابن رشد وضع مختصر، أو جوامع، السماء والعالم سنة 554هـ، أي أن هذا المختصر، أو الجامع، ينتمي إلى المرحلة المبكرة من حياة الرجل الفكرية، بينما وضع تلخيص السماء والعالم سنة 566هـ، وهي المرحلة الوسطى في تطوره الفكري الفلسفي والعلمي، في حين أنه لم يكتب شرح السماء والعالم إلّا في مراحل لاحقة، ومن ثم، ناضجة، من هذا التطور. والباحث المرحوم وإن لم يضع، في بداية الأمر، أي في تحقيقه لـِتلخيص السماء والعالم، تاريخاً محدداً لذلك، لصعوبة الأمر فيما يبدو، فإنه يؤكد أن الشرح كتب بين سنة 575هـ وبين زمن كتابة شرح ما بعد الطبيعة، لكنه، بعد ذلك بحوالى سنتين، أي في كتابه المتن الرشدي، يقترح أن شرح السماء والعالم قد يكون صنف سنة 584هـ(108).

إذا كان الأستاذ «جمال الدين العلوي» يؤكد على أن الشروح تتضمن العبارة النهائية عن الرشدية الحق، فإنه يقر، مع ذلك، بظاهرة المراجعة في أنماط الكتابة الرشدية، الأمر الذي سوف يعمد أبو الوليد، بمقتضاه، إلى إعادة النظر في بعض ما كتبه في المختصرات والجوامع، مثلاً، على ضوء ما انتهى إليه في التلاخيص والشروح، أو بناءً على ما عن له بين قراءة وأخرى من قراءاته المتكررة للمتن الأرسطي ولغيره من المتون والشروح على هذا المتن أو غيره، وأيضاً على ضوء مختلف التحولات التي سوف تعرفها المدينة الإسلامية، عموماً، والمغربية الأندلسية بوجه خاص(109).

سوف تتنزل المختصرات، ومنها مختصر السماء والعالم، بمقتضى هذا المبدأ، منزلة متدنية في العبارة عن فكر ابن رشد. إنها لا تستدعى، في أحسن الأحوال، إلّا للشهادة على مقدار التطور الحاصل في آراء ابن رشد وأقاويله ككل، وبخصوص مسائل السماء والعالم ومنها، على وجه التحديد وبحسب ما يشغلنا في هذا العمل، مسألة تناهيه أو عدم تناهيه.

بصرف النظر عن الاختلاف الشاسع بين المهتمين بابن رشد، ولاسيما منه الاختلاف المتعلق بأشكال النصوص التي تعبر فعلاً عن فكره «الحق»، هل هي التواليف الموضوعة دون الشروح، بحسب اقتراحات بعض الدارسين(110)، أم إنها، على العكس من ذلك، الكتابات الشارحة، سواء منها الشروح أو التلاخيص أو المختصرات والجوامع، كما يذهب إلى ذلك غير هؤلاء من النظار(111)، بصرف النظر عن ذلك كله فنحن نرى أنه يجب التأكيد، فيما نحن بسبيله، على أمور خاصة أساسية أهمها: أننا لا نرى أهمية للتمييز بين المختصرات والجوامع، فـمختصر السماء والعالم، مثلاً، هو نفسه جوامع السماء والعالم، فضلاً عن ذلك فالمختصرات لا تقل قيمة، في العبارة عن فكر ابن رشد، عن التلاخيص أو الشروح، وذلك بمراعاة ظاهرة المراجعة ذاتها التي تدل، في نظرنا على أمرين هامين بالنسبة لهذا النمط من الكتابة الرشدية، وهما: أولاً، إن أبا الوليد إنما يريد بهذه المراجعة، أو المراجعات، تحيين تلك المختصرات، ومن ثم، فهي تعني، من جهة ثانية، امتداد نمط الكتابة المختصراتية إلى ما بعد المرحلة المبكرة من حياة ابن رشد الفكرية، بل إلى ما بعد مرحلة الشروح الكبرى نفسها، ومن ثم، فهي تحتفظ بكامل أهميتها على امتداد هذه الحياة، حتى إننا لنكاد نقول بأن المختصرات تحظى، في المتن الرشدي، بما لم يحظ به أي نمط آخر من أنماط الكتابة لدى ابن رشد.

ذلك ما يصدق في حق مختصر السماء والعالم، ولاسيما بإزاء ضياع المقالتين الثالثة والرابعة، وكذا الجزء الأعظم من المقالة الثانية، مع شيء غير يسير من المقالة الأولى(112) من شرح السماء والعالم. وذلك ما يمنح هذا المختصر، بوجه خاص، أهمية بالغة بإزاء كل من التلخيص والشرح، ولاسيما بالمقارنة مع الشرح وقد ضاع منه القدر الهائل المشار إليه. إن الصورة الكاملة الممكنة للقول الرشدي في العالم، وفي تناهيه أو لاتناهيه، إنما تستلزم المعالجة الشاملة لكل المتن الواصل إلينا من تواليف ابن رشد حول السماء والعالم، مع مراعاة ما يمكن أن يكون فيها من تطورات وانعطافات تتلاقى جميعها في بؤرة واحدة أساسية هي القول الرشدي في العالم ككل، وفي تناهيه أو لاتناهيه بوجه خاص.

إن مراعاة تشكل المتن الرشدي حول السماء والعالم، في كرونولوجيته وإشكالاته، باعتبارها ملمحاً هاماً من الملامح الأساسية للمنهج الفيلولوجي الذي نختار الاهتداء ببعض توجهاته ومساراته، تقتضي منا، أيضاً، كما ألمعنا إلى ذلك فيما تقدم، المقابلة بين آراء ابن رشد وأقاويله في السماء والعالم وبين مواقف المعلم الأول في الموضوع ذاته.

لقد أثار المتن الأرسطي، بصفة عامة، أي في كل مناحي المنظومة الفلسفية والعلمية الأرسطية، جدالاً حاداً في أوساط المشتغلين بالدراسات الأرسطية بين ما كتبه أرسطو فعلاً وما لم يكتبه، أو ما هو منحول عليه، أو كتبه باشتراك مع غيره من تلامذته وزملائه، وبين ما كتبه لأجل النشر وما كتبه لأجل استعماله الخاص، أي في سياق إنجاز دروسه ومحاضراته من حيث هو صيغة بيداغوجية للتدريس، وبين ما كتبه في بدايات حياته الفكرية وما ألفه في أيام نضجه الفلسفي والعلمي، وبين ما تركه مكتملاً ومجمعاً في نص واحد وما لم يتركه كذلك؛ لكن تلاميذ أرسطو، أو غيرهم ممن وقع إليهم المتن الأرسطي أو بعض من أجزائه، عملوا، استناداً إلى مبادئ وتصورات خاصة، على جمعه وتنسيقه بالطريقة التي وصل بها إلينا على أنه لأرسطو لا لسواه(113).

والظاهر أن تلك كانت، أيضاً، حال كتاب السماء، إذ لا يختلف وضعه، وهو الكتاب الثاني ضمن المنظومة الطبيعية الأرسطية(114)، عن الوضع العام الذي عليه كامل المتن الأرسطي، بهذا الصدد، حتى إنه ليكاد يكون لواحد واحد من الباحثين الذين اشتغلوا عليه رأي غير آراء غيره من النظار الآخرين. ذلك أن كتاب السماء لم يسلم، لدى البعض، من النحل أو، على الأقل، من عدم مساوقة بعض ما فيه لبعضه الآخر، الأمر الذي قد يفسر العلة في كون كتاب السماء يضم عناصر وفقرات من كتاباته الأولى ذات الطابع المحاوراتي، ولاسيما منها كتاب، أو محاورة، في الفلسفة(115)، مما يدع الباب مشرعاً للقول بأن يداً غريبة، غير يد أرسطو، قد امتدت إليه بهذه الطريقة أو بتلك(116).

لكن البعض الآخر لا يرى، في ذلك، سوى مجرد دلالة على أن أرسطو لم يكتب أعماله، ومنها كتاب السماء، دفعة واحدة ووفق برنامج محدد ومخطط له سلفاً بقدر ما كان، ساعة فساعة، يراجع ما كتبه في أزمنة مختلفة وبروح مخالفة، فيعمل على تجميعه في بنية متناسقة(117)، بل إن من ذلك المكتوب ما لم يكن أرسطو يبغي نشره لأنه إنما كان يضعه لاستعماله الخاص، أي لإنجاز دروسه، لذلك فقد كان، هو نفسه، يعمد إلى نشر تواليفه، ولا سيما منها العلمية، بصورة منظمة ومنهجية(118).

يذهب جماعة من النظار، بموازاة مع ما تقدم، إلى أن ما يلاحظ، لدى أرسطو، من اختلال فهو إنما يدل على تطور فكر أرسطو منذ اللحظة المبكرة من حياته الفكرية حيث كان لا يزال واقعاً تحت تأثير الأفلاطونية،وإذا كان كتاب السماء من الكتب التي وضعها أرسطو في المرحلة التي كان لا يزال فيها واقعاً كلية تحت التأثير الأفلاطوني(119)، فلعله، لذات السبب نفسه، ليست بعض المواقف التي يتبناها، في هذا الكتاب، مثلما هي الحال في القول بأن للعالم نفساً، سوى إيذان بالتطور من التصور الأفلاطوني الأسطوري، إلى تصور فيزيائي محض للعقل(120).

لقد حاول فريق آخر من الدارسين إنكار إمكان أن يكون أرسطو قد مال إلى القول بأن للعالم نفساً، على أنه إذا كان الأمر كذلك، فيما يبدو، أي في حال وجود نفس للعالم لدى أرسطو، فعلى جهة التشبيه والقول الاستعاري، فبما أن أرسطو يرى أن علة الحركة في العالم هو الأثير، والكلام لديه هاهنا عن الجرم السماوي بالقصد الأول، فالأثير للعالم بمثابة النفس، أي أنه شبيه بالنفس ليست نفساً(121).

بيد أن ثلة من المهتمين يذهبون، على خلاف ذلك، إلى أن أرسطو، وإن كان يقول بأن للعالم نفساً، إلّا أن هذه النفس مغايرة للنفوس الإنسانية(122).

سوف يميل قوم، بموازاة مع ذلك، إلى أن كتاب السماء لا يكفي نفسه بنفسه، فهو يحتاج إلى المقالة الثانية من كتاب الكون والفساد حيث سوف يعمل على دراسة العناصر لا من جهة علاقة الثقل والخفة مثلما هي الحال في السماء وإنما من جهة قدرتها على التأثير في بعضها البعض ومن ثم على إنتاج الأنماط الثلاثة الأخرى من الحركة(123)، بل لقد جرت عادة أرسطو، فيما يرى بعض المهتمين، أن يذكر كتابي السماء والكون والفساد وكأنهما كتاب واحد(124). ثم إن كتاب السماء يحتاج، أيضاً، إلى مطالب من كتاب الآثار العلوية، خاصة وإن العالم «الوسيط» الذي يهتم به كتاب الآثار متصل اتصالا ما بالحركات السماوية(125)، فضلاً عن عدم حاجة كتاب السماء إلى المقالة الثالثة والرابعة منه، أي من كتاب السماء نفسه(126)، أو أن هاتين المقالتين إنما هما متكاملتان مع المقالة الرابعة من الآثار، فضلاً عن الكون والفساد حيث عاد أرسطو من جديد إلى دراسة العناصر الأربعة(127).

سوف ينعكس ذلك كله على موضوعات كتاب السماء ومسائله، ما ذكره منها أرسطو، فعلاً أو تلميحاً، وما لم يذكره، وسواء ذلك بالنسبة للأمور والقضايا الجزئية، مثل مسألة مدى وجود نفس للعالم أو عدم وجودها له، كما ألمعنا إلى ذلك سابقاً، ومثل مسألة العنصر الخامس وما يثيره من إشكالات ترتبط بمفهوم السماء والعالم ذاته، أو سواء فيما يتعلق بموضوع الكتاب بكامله هل هو دراسة للعالم ككل، كما يرى الإسكندر بحسب رواية سمبلسيوس(128)، أم أنه هو العناصر الخمسة كما يستفاد من كلام سمبلسيوس(129)، أم أنه الجوهر المتحرك الحركة الدورية، مثلما يذهب إلى ذلك بعض الافلوطينيين(130)، أم أنه نظام حركة الكواكب أو حركة الأجسام السماوية في المقالتين الأولى والثانية وحركة الأجسام الأرضية في المقالتين الثالثة والرابعة(131) أم ربما هو، كما أشرنا إلى ذلك في موضع سابق من هذه الديباجة، الفلسفة الطبيعية أو، بالضبط، البحث عن موضوع للفلسفة الطبيعية(132)، الأمر الذي قد لا يجعله إلا مجموعة ذاكرة علمية من المتعذر جداً أن نحصره في موضوع واحد(133). لذلك لا ينبغي البحث له عن موضوع، ولا عن قصد مفرد واحد ووحيد، ولا عن تصور نسقي متكامل وشامل. وذلك ما يجب الوعي به عند النظر في فكر أرسطو بكامله، سواء في هذا الكتاب، أو في فلسفته ككل، إذ لا ينبغي البحث عن الوحدة والنسقية مهما كلف ذلك من ثمن(134)، مع الإقرار، في الآن نفسه، بأن القول بالتطور والتغير لا يتنافى مع القول بالوحدة والتراكم، ومن ثم، فهو لا يتعارض مع نوع من النسقية لا يمكن إنكاره(135).

لعل من نافلة القول التأكيد على الأثر البالغ الذي سيتركه كتاب السماء، في صورته هذه، على القول الرشدي في العالم، وخاصة في مسألة تناهيه أو لاتناهيه، وذلك إضافة إلى المشكلات التي سوف تضاعف من تعقيدات هذه الصورة الإشكالية والتي ستثيرها الترجمة العربية للكتاب، إذ إنها تشكل قراءة جديدة، ومن ثم، قيمة مضافة في التراكم التأويلي، الموروث والمتجدد، لهذا الكتاب، وذلك في قائمة القراءات المختلفة التي مورست على كتاب السماء ومن خلاله على القول الأرسطي في العالم.

على أننا لا نعلم كثيراً عن الترجمات والشروح التي شكلت، بالنسبة لابن رشد بهذا الصدد، معيناً لا ينضب. صحيح أن أبا الوليد ذاته يشير إلى الإسكندر والى ثامسطيوس ويحاورهما فيما يذهبان إليه من مواقف وآراء، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وهو ما سنقف عليه فيما بعد بما يلزم من البسط والإسهاب، ولعل فيلسوف المغرب والأندلس نفسه يرشدنا إلى الترجمة، أو الترجمات، التي اعتمدها لكتاب أرسطو في السماء، وهي ترجمة الكندي التي لا نعلم إذا ما كانت ترجمة بالفعل أم شرحاً، وربما أيضاً ترجمة إسحاق بن حنين أو حنين بن إسحاق(136)، بل قد يكون إنما استعمل ترجمة يحيى بن البطريق(137)، أو قد يكون، في نظرنا، استعمل كل تلك الترجمات أو غيرها مما لا نعرفه، حيث لا يمنع مانع من أن تكون قد تأدت إليه كل تلك الترجمات والتعديلات، إذ عادة ما كان أبو الوليد يحيل على أكثر من ترجمة في شروحه على أرسطو، مثلما يخبرنا بذلك مثلاً، في غير ما مواضع، من شرحه الكبير لكتاب ما بعد الطبيعة(138)، كما أنه عندما لا تكون يديه إلا نسخة أو ترجمة واحدة فهو لا يكف عن التصريح بذلك، مثلما يفعل في مختصره وتلخيصه للآثار العلوية(139). قد يكون كل ذلك صحيحاً إلّا أن الأصح هو أن أبا الوليد كان، وهو يطالع سماء أرسطو، كعادته مع مختلف تواليف الحكيم، لا يكف عن مطالعة «سماوات» أخرى تلهمه بما ينبغي أن يكون عليه الأمر في هذه المسألة أو تلك، وفي هذا الإشكال أو ذاك، من مسائل السماء والعالم وإشكالاته، ومنها، على وجه الخصوص، مسألة تناهي العالم أو لاتناهيه.

لا يسعنا، من هذا المنطلق، إلّا أن نسلك النهج الفيلولوجي المشار إليه آنفاً، مع مراعاة حدود ذلك النهج في المعطيات وفي النتائج، بحسب ما أوضحناه فيما تقدم وكما سنؤكد ذلك على امتداد صفحات هذا العمل. وليس لقائل أن يقول إن الفحص الفيلولوجي يتعارض مع النظر الفلسفي، إذ لا يوجد، في نظرنا، مجال لهذا القول، ولا سيما في سياق الفلسفة الإسلامية حيث تحظى النصوص بأهمية بالغة، وحيث الحال التي عليها هذه النصوص من العسر والعواصة والاستكراه مما يتعذر تحاشيه أو إغفاله أو غض الطرف عنه.

وبالجملة، فنحن بإزاء مجموعة من المطالب المتشابكة لا نستطيع، بدون استحضارها، أن ننجز قولاً مستقصى ولا نظراً دقيقاً في مفهوم العالم عموماً، وفي تناهيه أو لاتناهيه، بوجه خاص، لدى أبي الوليد بن رشد. وهذه المطالب، أو الدعاوى، هي، أولاً، ضرورة مراعاة العلاقة بين الشكل والمضمون، من خلال أولوية النظر في جغرافية المتن على أنه كله يحظى بنفس القيمة في صياغة التصور الرشدي حول العالم ككل ولمسألة تناهيه أو عدم تناهيه عبر ذلك، وثانياً، ضرورة الانتباه إلى أن مفهوم العالم ومكانته بين التناهي واللاتناهي، مثله في ذلك مثل كثير من مفاهيم الفلسفة الرشدية وقضاياها، إنما يتشكل عبر علاقة وطيدة بين العلم والفلسفة، الأمر الذي يجعلنا أمام نوع من استغلال الفلسفة للعلم، أو ربما- ولم لا - خدمة الفلسفة للعلم، مع ضرورة الانتباه، أيضاً، إلى الإمكانات الثرة التي سوف يساهم بها ابن رشد، وغيره من فلاسفة الإسلام في إغناء تاريخ العلم بحسب زمانهم ومكانهم. أما الدعوى الثالثة التي لا بد من الوعي بها، فيما نحن بسبيله، فهي استبعاد الوهم بوجود نسق متراص في القول الرشدي حول العالم وتناهيه أو لاتناهيه، بل لا يمكن للدارس، على العكس من ذلك، إلّا أن يلاحظ، في غير قليل من المناسبات، غير قليل من التناقضات، أو المفارقات، إما لعدم انسجام النص المشروح ذاته، أو لعواصة قضايا العالم وإشكالات تناهيه أو لاتناهيه واستعصائها على التحليل والنظر، أو لغير ذلك من العلل والأسباب...

نعم، إن الوضع، لدى ابن رشد، يختلف بعض اختلاف عما هو عليه الأمر لدى أرسطو. ذلك أن أبا الوليد، وهو يؤسس لقوله في العالم ويباشره، كان بإزاء ثلاثة أمور لا أثر لها لدى المعلم الأول. فلقد كان ابن رشد، أولاً، يقرأ المتن الأرسطي بكامله، كما أنه كان، ثانياً، يراجع مختلف المواقف التي عالجت هذا المتن واهتمت بما فيه من قضايا وإشكالات والتي عملت، من خلاله، على صياغة آرائها الخاصة في الموضوع، فضلاً عن أبا الوليد كان، من جهة ثالثة، يضع نصب عينيه، وهو يشتغل على ذلك كله، مستجدات الحياة السوسيوثقافية، السياسية منها والعقدية، في العالم الإسلامي عموماً، وفي الغرب الإسلامي على وجه الخصوص.

سوف نضع تلك المطالب والدعاوى والمعطيات على محك النظر، ومن ثم، موضع سبر واختبار، من خلال مسألة واحدة أساسية، من مسائل العالم لدى ابن رشد، هي مسألة تناهي العالم أو لاتناهيه، ومن ثم، وحدته أو كثرته، وكذلك امتداده إلى اللانهاية في العظم أو انحصاره ومحدوديته، وأخيراً كونه وفساده أو لا كونه ولا فساده، وذلك في العدد والعظم، أو المقدار، وفي الزمان والحركة والوجود والجوهر.

تتشكل، من هنا، أربعة أقسام للعمل الذي نحن بصدد إنجازه نفرد الثلاثة الأوائل منها للنظر في قضية تناهي العالم لدى ابن رشد، بينما نخص الرابع لفحص قضية لاتناهي العالم لديه.

ينبري القسم الأول لمحص تناهي العالم وأجرامه البسيطة الأول في العدد، لذلك وضعنا له عنوان «تناهي العالم وأجرامه في العدد»، ويتمفصل، من ثم، إلى ثلاثة فصول يهتم أولها ببيان إن العالم ككل واحد لا كثير، وإن تناهيه إنما يتم من خلال وحدته، وعنوانه «العالم واحد لا كثير»، في حين يختص الفصل الثاني بإثبات ملامح التعدد والتناهي، في آن واحد، بالنسبة للأجسام الأربعة، وهو الموسوم بعنوان «الأجسام الأربعة وأفق الثنائية»، ليركز الفصل الثالث، بعد ذلك، على القول في تناهي الأجرام ككل من خلال إبراز وجود جرم خامس ينتهي بالموقف الرشدي إلى نوع من المفارقة بين التناهي واللاتناهي في العالم، وقد رسمناه بعنوان «الجرم الخامس وأفق الثنائية».

لا يحيد القسم الثاني، أيضاً، عن إشكال التناهي، لذلك خصصناه للنظر في مسألة لا تقل أهمية عن المسائل السابقة، في هذا الشأن، وهي «مسألة تناهي الأسباب والعلل» التي جعلناها عنوانا للقسم ككل، لنوجه العناية في الفصلين اللذين يتشكل منهما هذا القسم إلى مسألة «تناهي العلل إلى أربعة» وهي الصيغة التي يختص بها الفصل الأول، والى مختلف المناظرات التي يواجهها ابن رشد في هذا السياق، وهي مهمة الفصل الثاني الذي رسمناه بعنوان «في السياق المناظراتي لتناهي العلل إلى أربعة».

أما القسم الثالث فيبقى، هو أيضاً، على صلة تامة بإشكال التناهي لكن في العظم لا في العدد، مثلما هي الحال في القسمين السالفين. من هنا عنوانه الأساس، وهو «تناهي عظم جرم العالم». ويتفرع هذا القسم، أيضاً، إلى ثلاثة فصول، ينظر أولها في «تناهي الجرم الخامس»، ولذلك رسمناه بهذا العنوان، أما الفصل الثاني فافردناه للقول في «تناهي عظم الأجسام الأربعة» وهو العنوان الذي رسمناه به، وخلصنا من ذلك إلى قضية «تناهي جرم العالم ككل» وهو العنوان الذي وضعناه علامة على الفصل الثالث والأخير من هذا القسم.

لم يبق، إذن، من الأقسام الأربعة المشار إليها، هاهنا، إلا القسم الرابع الذي يختص ببيان نقيض ما تهتم به الأقسام الثلاثة الأولى وهو إشكال اللاتناهي، لذلك فعنوان هذا القسم هو «في معالم لاتناهي العالم»، وينقسم إلى قسمين أولهما يتكلم «في مدى كون العالم أو فساده ككل» وهو عنوانه، في حين رسمنا الفصل الثاني بالعنوان الذي يدل على مقاصده وهو «في مدى كون وفساد الإسطقسات».

وقد ذيلنا ذلك كله بخاتمة حددنا فيها الخلاصات الأساسية للعمل وكذا آفاقه الممكنة، بعد أن صدرنا للعمل بكامله بمدخل أوردناه على جهة التقديم، أو التوطئة، رسمنا فيه التوجهات الكبرى للعمل، والدلالات الأساسية للصيغة التي اقترحناها عنواناً له، والمقاربات الضرورية التي يفرضها علينا عنوان مماثل، ومراميه القصوى والقريبة، فضلاً عن النصوص والتواليف المركزية التي لا بد من مراجعتها لتحقيق تلك الغايات وإنجاز تلك المقاربات والفحوص، مع التنبيه على مستويات الحيطة والحذر التي لا بد منها في ثنايا ومنعطفات ذينك التحقيق والإنجاز.