صفحة 1
في البدءِ:
رغم ان بعض هذه المجاميع الست التي يضمها المجلد قد طبع أكثر من مرة سواء في بغداد أو بيروت أو دمشق أو القاهرة فإن طبعاتها قد نفذت كلها وأصبح العثور على نسخة منها أمرا متعذرا·
وبعض الطبعات الأولى من هذه المجاميع لا أمتلك منها حتى على نسخة واحدة في أرشيفي الشخصي·
وغالبا ما تردني طلبات من أصدقاء أو دارسين للقصة القصيرة من أجل الحصول على هذه المجموعة أو تلك فأعتذر لعدم توفرها أو ألجأ الى تصويرها من نسخة دار الكتب الوطنية بتونس التي لا يبخل القائمون عليها بمساعدتي في هذا المجال·
وهنا أشير انني استعنت بهذه الدار العريقة عندما أعددت هذه المجموعة للنشر لتكون في متناول القراء وبمجلد واحد آثرت أن أطلق عليه أقاصيص المرحلة الأولى التي تنتهي في الثمانينات لأتبعها بمجلد ثان يضم أقاصيص المرحلة الثانية التي تبدأ من الثمانينات وحتى نهاية الألفية الثانية·
وما يجعل مشروع نشر المجلد الثاني مؤجلا في الوقت الحاضر هو ان المجاميع التي ستدرج فيه طبعت في تونس ما عدا مجموعة الأفواه والتي ما زالت متوفرة في المكتبات·
آمل أن تقرأ هذه الأقاصيص المجموعة في المجلد الأول بالحفاوة نفسها التي قرئت فيها عندما صدرت في طبعتها الأولى وما لقيته من اهتمام أعتز به سواء من القراء أو النقاد·
آمل ذلك لأنها كانت بشكل وآخر تمتلك رؤية مستقبلية بحيث يخيل لقارئها انها قصص جديدة ولم يكتب البعض منها قبل أكثر من ثلاثة عقود·
وان النص الجيد هو نص متجدد لا يأسره زمن معين ولا تطوقه مرحلة محددة بل هو منفتح على الآتي بقدر ما هو صوت مرحلته·
السيف والسفينة
هذه المجموعة صدرت طبعتها الأولى عام 1966
صفحة 2
-
الصوت العقيمخيولنا متعبة ونفوسنا أكثر منها تعبا ونحن محاصرون الآن، نحن محاطون بعدو يفوقنا بسلاحه وعزيمته وفي صدره تعتلق نار الثأر من رقابنا التي انتصبت بالنصر طويلا··· وبعد قليل ستتوالى على جسدي الطعنات وسأنتهي بين سيوفهم فلا انتصاراتي الماضية تنتشلني ولا رغائبي ولا انطلاقتي المشؤومة، سأموت بعد قليل وهنا الفجيعة الكبرى، لكن الذي يحز في نفسي بأن كلماتي واقفة في العراء ولن تجد الصدر الذي يضمها بحنو·درت برأسي ولكن بلا جدوى فأنا معزول تماما تنكرني حتى أعضائي· لمن هذا الركام من الكلمات المخضبة التي ترهق حنجرتي؟ لمن يا أماه؟لم يسمعني أحد من قبل فقد قضيت العمر بائسا مواويلي تموت دون أن يترنم بها جريح·يا أمي لقد نسيت حتى وجهك لكنني لا أزال أتحسس رائحة ثدييك وأتذكر بأن لي أما بين نساء الأرض تبكي غيابي وتشعل لآلهتها الشموع من أجلي وتقدم لهم القرابين والنذور، لكن الآلهة أخفوا وجوههم عنك فلقد أتعبتهم معصياتي وذنوبي لذا لن تبصري وجهي بعد الآن، لن تجديني، فبعد قليل ستتوالى على جسدي طعنات الأعداء وفي لجة الموت أقذفك بآخر كلماتي فيقتحم جدرانك الحنونة نبأ مصرعي، وبعد فوات الأوان ستدركين من كان ابنك؟لقد تساوت التناقضات في رأسي وجزعت رسالتي وأنا الآن متعب جدا، وسهم هارب جبان كفيل بأن يكتم آخر أنفاسي وأخرُّ صريعا تحت حوافر خيول الأعداء·كنت قاتلا وكفى، أما في عرف أتباعي فقد كنت قائدهم الصلب، لكن سري لن يدركه هؤلاء الأغبياء، لماذا قتلت وقاتلت؟ لماذا يا أمي؟إنه التساؤل المرير الذي عذبني وأخفيته في داخلي وجوابه سري الذي لن يدركه الآخرون·لم أسكر وحقك منذ مدة طويلة، حتى هذه المتعة الرخيصة حرمت منها فالقتل قد استنفد وقتي كله، أقتل وأقتل وهذا الجرح الذي يتوسط ساعدي من بقايا معركة البارحة لن يعيقني عن خوض المعركة القادمة، كل شيء ممسوخ هنا والقتل هو الحقيقة الوحيدة·قبل أن أحمل سيفي أريدك أن تسمعيني فلم نتحدث منذ سنين طويلة، حديث ابن لأمه ولأبدأ يا أمي بحبي وخفقات قلبي الأولى فخيولنا متعبة ونفوسنا أكثر منها تعبا وأعرف جيدا بأنك حزينة الآن وأنت فوق سطح بيتنا تنتظرين أخباري فلا أحد غيرك ينتظرها ولذا كتبت إليك·
صفحة 3
أنت تتذكرينني صبيا وديعا وكان أقراني يكرهونني فقد كنت أفوقهم في كل ميدان، وأنت تذكرين تلك الصبية المترفة التي امتزج صباها بصبايا وتذكرين نهايتي معها فلم أعلن فشلي إلا أمامك، لقد كنت أحبها يا أمي وأترصدها في مفترق كل طريق وأقول في عينيها أحلى الكلمات، وكنت تقولين لي بطيبة:(إنها ليست من نوعك يا وحيدي، وعليك أن تمد رجليك على قدر غطائك) وكنت أبتسم من كلماتك هذه وأرد عليك: (إن عالمي لا يعرف الحدود يا أمي) وكان رأسي في الحلم ولكنك لم تدركي ما أعنيه فقد عجزت عن فهمي يا أمي منذ زمان، منذ أن فلسفت وجودي شعرت أني فقدتك وأقلعت عنك بعيدا، حتى نفسي فقدتها·
كنت أردد: (علي أن أكون الها أبصق في أعين الرعاع وإلا فلأنهي حياتي من بدايتها) لذا اتجهت وجهات كثيرة بحثا عن صلاحيتي لأكون الها، فاخترت القتل فهذه العقول المكبلة لن يتربع فوقها غير السيف· ويومئذ صرت اله القتل ولكن اله القتل نفسه مهدد بالقتل اليوم والإله لا ينتهي، لذا عرفت بأني نصاب كبير وعبثا أحاول الرجوع لأبدأ من جديد، كان الأولى بي أن أكون اله التثاؤب مثلا لكن الوقت قد فات وخيولنا متعبة الآن ونفوسنا أكثر منها تعبا وربما استسلم للفاتحين فيبصق على جثتي جنودي، لقد أحببت تلك الفتاة المترفة فأنا كما أخبرتك بأن عالمي لا يعرف الحدود، إنه الطموح الأرعن وأحلام الحرمان فقد أضعت أشياء كثيرة كنت بأمس الحاجة إليها، أنت تذكرين هذا جيدا ولا أريد الآن أن أفضح أشيائنا الخاصة·
كنت أحلم بهذه الصبية المترفة ولكن المحظور قد وقع يوما فقد قالت لي ساخرة: (أنت معدم أيها الغريب، فمن رماك في طريقي؟ أنا أنشد الترف وأنت الحرمان بعينه) ثم مضت عني· أواه يا أمي إنه كابوس مؤرق! أنهار كلما تذكرته، لقد قتلت الخيبة حلم صباي، ولذا أردت أن أكون شيئا عاليا لا ينسى وهل هناك غير مكانة الآلهة؟
وحين دخلت هذه البلاد التي يحل جسدي فيها الآن كنت وحيدا وفي يمناي سيفي، ثم جعلوا مني قائدا لهم وقد احتج بعضهم آنذاك قائلين:(أيقودنا هذا الشريد الذي لا نعرفه؟) ولكنها بلاد خيرة فقد قال رجال دينهم: (إنه بشر مثلكم، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، وقد زوجوني بواحدة من بناتهم وظلت زوجتي تخافني ثم ماتت بين ذراعي ونحن في وضع أخجل عن ذكره لك الآن· لم أحب زوجتي يوما فقد كان قلبي مع تلك المترفة وإن عدت يوما متوجا بالذهب والهتاف فسأبحث عنها، قولي لها بأني لم أخض معركة إلا وكان اسمها يرفرف على شفتي كعلم النصر الذي يرفعه جنودي كلما دخلنا مدينة فاتحين، لكن خيولنا متعبة الآن ونفوسنا أكثر منها تعبا ونحن محاصرون·
-انهض يا سيدي، إن الأعداء يكتلون قواهم حولنا وصهيل خيولهم ينفذ إلى خيامنا·
صفحة 4
كان هذا الصوت لواحد من أتباعي، لكني لم أرد عليه بشيء، وبقيت أحتسي قهوتي ببرودي الذي تذكرينه، إنني متعب الآن حتى الموت، لقد مللت كل شيء، أشتهي أن أختلي مع نفسي لأحلم ولو للحظات· الحلم، هذا العالم الواسع لم أجد الوقت لاختراقه، للطواف فيه·
قمت ببطءٍ وتحسست سيفي، كان طويلا ومرعبا، كم قطع من رقاب! لكنه سيصدأ بعدي فلن يطيق حمله أحد غيري· وببرود حملته وسرت يتبعني قوادي وأنا صامت لا أشعر بشيء ووجهي (مقفل)، أريد أن أضحكك الآن يا أمي بواحدة من حكاياتنا الخاصة جدا فالدنيا لا تساوي شيئا ونحن محاصرون الآن، وبعد قليل سأنتهي مخلفا حكاية بلهاء، أتذكرين حكاية وجهي (المقفل)؟!
لقد تذكرتها أنا في موقعة البارحة ودمائي تنزف من ساعدي، بعدما صرعت فارسا ذا وجه حقيقي، وجه فيه شيء لا أدركه؟ انه صريح يا أمي لم يلفحه زيفنا بعكس وجهي (المقفل؟!) أتذكرين أنك قلت لي يوما في مطلع شبابي (ما بك واجما ووجهك مقفل؟!) وقد ضحكنا في وقته من هذا الوجه (المقفل) لا أدري لم ضحكنا من هذا الوجه (المقفل) وأي سر في هذه الكلمات؟!
لكنها نكتتنا ولن تهم الآخرين، وكم تذكرتها في قلب المعارك فتندفع البسمة الى شفتيّ بينما ينغرس سيفي في قلب عدوي؟!
وأحاط بي جنودي مخذولين فقد تسربت إلى صفوفهم أنباء الجيش الذي يحاصرنا، همس في أذني أحد أتباعي: (اخطب فيهم يا سيدي، قل كلمة تدفعهم للقتال فهم يحبونك وأنت ملاذهم الآن؟!) ثم ابتسمت : (هل أعيد على أسماعهم نفاقي الأول؟!)·
سحبت سيفي من غمده وتطلعت الى وجوههم المغلوبة قبل المعركة وكان القمر يتوسط السماء وكأنه يضحك من سخفنا إذ سنقاتل بعد قليل وتخر أجسادنا صريعة فوق هذه الأرض السبخة·
كان ضوء القمر يتكدس في نصل سيفي وأنا أحركه يمينا وشمالا بينما تصفع كلماتي أسماعهم، ولقد نسيت ما قلته في وقته لكن أحد أتباعي قال لي بعد أن فرغت: (لقد كان خطابك مؤثرا يا سيدي وسيزيد في اندفاعهم للقتال)·
وكنت أعرف جيدا بأنه ليس كذلك ولكنهم يتملقونني، الكل متملقون ومنافقون هنا، لذا أكرههم فهم يكرهونني في أعماقهم، وأصبحت أحترم من لا يحبونني فهم وحدهم يدركون حقيقتي·
قلت لجنودي : (اتبعوني) ففعلوا ما أمرتهم به، وقدتهم الى مضارب الأعداء، ونحن متعبون جدا، نفوسنا متعبة وخيولنا أكثر منها تعبا· وبعد لحظات ستحتدم المعركة·
صفحة 5
ظلال اللحظات
لم أتوصل للحكم الأخير بعد، فلتكن الخيبة السيف القاطع لعنقي المرصوص فوجهك يا يسرى يخترقني كالرصاصة وما دمت هكذا فلم الطموح بعد؟!
في طفولتي كنت أنطرح على ظهري فوق سطح الدار إذ كانت ليالي صيف الجنوب رائعة كالأحلام، كنت أعد النجوم حتى أتعب وانكفئ على وجهي في سبات طويل· لقد كنت يومذاك صبيا ملعونا، أمسك مصيدتي بيدي وأطارد الطيور في أعشاشها وأتشاجر لأتفه الأسباب وأشتم أجداد الناس، وكان ناهض ذلك العجوز الطيب الذي يقطن قبالة بيتنا يأخذني معه إلى النهر ليعلمني العوم وكان يقول: (أنت كالسمكة تخرج من البيضة وهي تعرف العوم!)· وكان قرويا طيبا يؤمن بأن الانسان لا يتطهر إلا بماء النهر وأنه سقط مغشيا عليه عندما دخل الحمام للمرة الأولى في حياته، وحتى في هذه اللحظة المتأخرة جدا أحس بأنني لا زلت أهواك، وكلي علم بأن طريقي لن يكون طريقك والخطوات لن تلتقي ولكن القلوب اختارت أن ترتجف وسط هذه الأزمة المريعة فالحرام كل الحرام أن نوصد قلوبنا ولا نتركها تحلق في سماء من يحبوننا·
وكانت أمي الشاحبة تتفقدني في الليالي وعندما تراني مستيقظا وعيني شاخصتين في النجوم كانت تقول :
- هل رجعت لعد النجوم ثانية؟
- أحبها يا أمي لماذا لا تأتين إلي بواحدة؟
- إنها ملك الله وحده وملكه لا نعرف حدوده ولا نطيق إحصاءه·
- هل يكرهني الله إذا أحببت النجوم؟
- لكن لا تعدها فستنبت في يدك ثوءلولة·
وأخاف من ذكر الثوءلولة هذه· أتذكر بأن واحدة قد نبتت في يدي يوما وقد ذقت الألم المر عندما شنقها والدي بخيط أبيض نحيف وحرق مكانها بعقب سيجارته· ولكنها عادت لتنبت ثانية وامتلأت يدي بالثآليل·
كانت طفولة ساحرة يا يسرى، وكان في سطح دارنا برج حمام وضعت فيه ما يربو على الخمسين حمامة، أتركها تطير كل صباح وأصفر لها وأصفق بيدي حتى تحلق كالأنجم في الفضاء وكان الجيران يستيقظون على صوتي ويتشاجرون مع أمي ولا زلت أذكر (قسمة) البدينة السليطة التي كانت تشتمني كل صباح وأذكر ابنها عائد الذي كنت أحول ثورتي صوبه فأضربه لأتفه الأسباب وأتوعد به الفرص ، وأذكر يوم كنا نتعلم قراءة القرآن عند الشيخ داغر الذي كان يكرهني لمشاكستي له وأكرهه لأني سجين عالمه الضيق وكلماته الباردة وقد علقني يوما في سقف الغرفة وأوقع بي ضربا حتى تقيأت دمي وتجمع العابرون على صراخي ومن يومها هربت منه بعد أن أدميت رأسه بطابوقة كبيرة، وكادت الحادثة أن تصل إلى أسماع الشرطة لولا والدي الذي أعطاه دينارا وقتل الفتنة في مهدها·
صفحة 6
انني ما زلت أتذكر كل الماضي بنفس ذلك النقاء الذي أضعته فيما بعد وأحس كأنني أتعبد في مسجد واسع· وفي اليوم الذي دخلت فيه المدرسة جلست على رحلتي ولكن خيالي كان مشدودا إلى زقاقنا وناهض وقسمة وعائد وأمي والحمائم، وشعرت بالغربة وسط هذه القيود وأنا الذي اعتدت أن أقفز حافيا من سطح إلى آخر، وبصقت عند رؤيتي للمعلم الأصلع القميء وتساءلت:
- كيف يمكنني أن أرى وجهه المقرف كل صباح؟
وذات يوم وضعت في جيبه نواة مشمش· وقد تسببت الحادثة في استجواب جميع الطلاب ولم يصلوا إلى الجاني الحقيقي وعوقب أحد زملائي بعشرين ضربة عصا بسببي·
كنت عاقا يا يسرى ومشحونا بنزوات وانطلاقات كثيرة ولو أنك رأيتني ذلك الوقت ببنطلوني القصير وساقي السمراوين المليئتين بالكدمات، ولو رأيت شعري الذي كان والدي يصر على قصه بالموسى ولا يترك له أثرا، لو رأيت كل هذا وعشت معي صباي النزق لربما ضحكت من ذلك الماضي·
لو كنت مثل صبيحة جارتنا الصغيرة حيث كنا نمثل معا دور العروس والعريس ولكنها لم تدخل مدرسة بعد ذلك ولم تتعلم وقد تزوجت مبكرة من قريب لها، وعندما رأيتها بعد سنين كانت تبدو كالقرويات القادمات إلى المدينة فضحكت في سري: كيف أحببتها يوما؟
وفي ذات يوم ثارت ثائرتي على رشدي ذلك الطفل الذي كان ينافسني في الشراسة وكنا قد اتفقنا آنذاك على شراء كرة كبيرة وقد جمعنا المبلغ فلسا فلسا حتى نؤلف بعد ذلك فريقا ينازل فريق شارع الهواء ومحلة الجديدة والسيف1· ولكن رشدي كان يصر على أن يكون الرئيس ولم أرض بذلك فقد كنت مارقا متكبرا منذ طفولتي وهذا الداء لاحقني حتى الأخير وتحول إلى كبرياء قاتلة شوهت بعض مشاريعي وأفقدتني صداقة الكثيرين· وقد تشاجرت معه أمام جمع من الأولاد وكان قويا حقا وكاد أن يدحرني لولا مجيء أبيه الذي أوطرني ضربا فوقعت كالقتيل وتجمع أقربائي وأقرباؤه وكانت معركة حامية الوطيس استعملت فيها العصي والأحذية والعقل والطابوق ولم تشهد المحلة مثيلا لها، وقد أنفق والدي وابن أخيه ليلتهما في موقف الشرطة لأن ابن عمي قد شج رأس أحد أقرباء رشدي، لكن غريمي قد أصبح صديقي فيما بعد ويبدو أن الشر قد استحوذ عليه حتى الأخير وقد سمعت بأنه الآن نزيل أحد السجون·
كانت الدنيا حلوة كالسباحة في النهر في أمسيات الصيف وليست كما هي عليه الآن فالدروب قد أقفلت أمامي وعيناك هما المنفذ وهما مصب الأحزان القاتمة ونشيد البدء الموعود·
وهنا أنا الآن على سطح الدار بعد عشرين عاما ولكنني لست كما كنت في الماضي، أمي انتهت وناهض وقسمة، ومدينتي الأولى هجرتها بحثا عن المجد والخلاص ولم أعد طفلا يرتدي بنطلونا قصيرا وساقاه مليئتان بالكدمات، فأنا اليوم رجل طويل أسمر الجبهة، أحلق ذقني كل صباح وأشاكس النساء في الدروب والباصات، أشياء كثيرة تغيرت يا يسرىوربما أنت كذلك فقد طال أنيني أمامك دون أن تحاولي انقاذي، أعد النجوم ولكني لن أخاف من أن تنبت في يدي ثوءلولة، وقبلك أحببت يا يسرى وهمت بعيون من أحببت وقلت الشعر وثملت وقبلك يا يسرى عشت مع الساقطين والمشردين وأفلست وجعت وجاهدت، لكن الغريب أن وجهي خال لا يحمل شيئا من هذا ولو كان الماضي يترك حزوزا لكانت جبهتي تثير قرفك ولم تحمل عينيك على الالتفات صوبها طويلا·
ويوم رأيتك أدركت أنها نهاية المطاف، ولكن يبدو لي أن الأمور ستبقى ضدي حتى الأخير لذا ترددت كثيرا قبل أن أكلمك·
صفحة 7
كنت أحس بأن لا حاجة لي لأن أكلمك كلمة واحدة رغم أننا نعرف بعضنا وغالبا ما نبستم عند اللقاء وفي اليوم الذي لا أراك فيه أحس بأعمق حزن يصل في ضلوعي، لن أكلمك، فما الداعي لهذا؟ الطيور والحيوانات تحب وتتآلف بدون أن تنبس بكلمة ذات حروف رنانة، إن بيننا خيوطا متينة تشدنا كالموت وعندما حدثتك عن حبي تلك الظهيرة شعرت بأنني قد أهنت أحاسيسي عندما حولتها إلى كلمات نطقها العشرات غيري·
لقد عشت الحب قبلك كأعنف ما يكون فنحن جيوش المحرومين الذين شاءت الأقدار أن تجعلنا الجسر الطويل ليعبر علينا آلاف الأغبياء سنبقى أبد الدهر جياعا، تروينا الكلمات الدافئة وهي تنطلق من الأفواه التي نرتجف شوقا للثمها، وقبلك عرفت ليلى إذ كنت متطلعا لأن ينتظرني قلب صغير، وكانت عنيدة مشوهة تتمنى أن يأتي فارسها وبيده مقود سيارته الفارهة وأنا المعدم البائس المتصعلك في المقاهي والحانات بماذا أجيء إليها؟ أن الخير كله في أنني أستطيع أن أنتعل حذاء معتدل الثمن، وذهبت ليلى عني بعد أن تركت لوعة لم أنسها إلا بعد ضنك مرير فرغم تلوثي لا تزال في أعماقي كبرياء البدوي الراحل في وحشة الصحراء على ظهر ناقته العزيزة، وخرجت من التجربة سالما لكنني لست الأول فأدميت قلب كل من تقع في طريقي، كان في نيتي أن أتعامل مع الشيطان من أجل أن أعلو وأنا أعرف أن اللعبة غادرة ولكنني لا أريد أن أعيش ضائعا، أريد أن أتسلق صوب الطابق الأعلى وأريد أن تتأملني العيون باحترام وأن ينهض الجميع عند قدومي ولا أنزوي في المقاهي ككلب أجرب·
ويوم رأيتك يا يسرى كنت افرط في أناقتي رغم بؤس أعماقي وقد شوت الشمس سحنتي لكثرة ما صليت في محرابها ولا زلت أعيش روعة هذه الأمسيات الجديدة، وأنا أراك فاتحة باب حديقة الدار ومتمددة بارتخاء على المقعد الخيزراني الطويل وشعرك القصير تداعبه أنسام المساء وانت شقراء كالشمس وأنا المحترق المولع بك حتى الجنون·
لقد أحببتك بعد أمي تلك القروية التي أورثتني حزنها الغامض، كانت تتكلم بثقة وذكاء رغم أنها لم تجلس على مقعد درس ولم تلبس حذاء عالي الكعب ولم تعرف أن لكل زي موسمه، وكانت تسهر على رعايتي كالرجل الشديد عند غياب والدي وكانت أرق من الماء وهي تهدهدني في فراشي وتحدثني عن (حمدة وحمد) وعن النسر الذي سرق ابنة السلطان، ويوم موتها لم أكن كبيرا ولكنني لا زلت أسمع حشرجات الموت تنطلق من حنجرتها الحبيبة بأنين أبدي عتيق، وكانت ممدة وقد صغر حجمها ولم أصدق أن هذه هي أمي الباسلة، أمي الرائعة الطيبة، وماتت، وذهلت أحقا أنها قد انتهت؟ وفرت الدموع من عيني ولم أبك بل أخذت أتأمل النساء بانبهار وذهول وهن يلطمن في ساحة الدار، وسألت أبي:
- أين ذهبت أمي؟
- لقد ذهبت إلى الله
- هل كل شيء يذهب إلى الله؟ كانت تمنعني من عد النجوم لأنها ملك الله وهي اليوم ذاهبة إليه ألا يمنعها من الدخول في بيته؟
- أبدا فأمك نظيفة·
- ومتى أراها؟
- قد تطول رحلتها إذا سافرت؟
وانتحب أبي ولم يرد علي بشيء·
ونسيت أمي يا يسرى ونسيت ليلى وصبيحة ولم تبق في ذاكرتي امرأة سواك، رغم أنني أجهل موقفك اليوم وقد أعدت عليك مرارا بأنني لا أستجدي عواطفك أبدا، بعد كل هذا الطوفان الطويل أنت الباقية، أتذكرك الآن بحزن مع أنني قد التقيت بك في موعد عابر صباح اليوم كنا فيه منفعلين ولم قل كلمة ذات معنى، وافترقنا والجراح قد ازدادت صليلا، أتذكرك يا يسرى وعبد الوهاب ينتحب في المذياع القريب مني، الجو مظلم خانق وأنا وحيد في بغداد، منذ شهور لم أر أهلي ولا إخوتي ولا أحبابي، كم كنت رائعة عصر اليوم وأنت في حديقة الدار بثوبك الوردي الهفهاف، تستلقين على الحشيش الأخضر وتبتسمين بطفولة رغم جنون عينيك، ومضيت عنك وقلبي يسرع في نبضه والدم يحتقن في عروقي، انني كئيب جدا، لقد قلت لي بأنك سترحلين قريبا، والبعد لغز كبير وفزاعة قد تصطادك، وأنا محب موله قد أضاع تاريخه ولم يخطط لأيامه القادمة بعد ولن يمنعني عائق من اللحاق بركبك أينما ذهبت، فلم يعد لي شيء، أمي رحلت وطالت غيبتها في السماء وليلى أم الآن لها زوج وبيت ومشاغل، وأنت مقفلة كئيبة، قلت لك: أما كفاك تعذيبا لي؟ متى نهدأ؟ ولم تردي بشيء·
يسرى·· يسرى·· ماذا بعد كل هذا الأنين؟ أشعر بالحمى تطفئ عيني والليل بدون وجهك رهيب مخيف، وأزيز طائرة قادمة يشوه الصمت·
سأدخن الآن، أقتل نصف ما بعلبة سجائري حتى أتعب وتمتد أناملك الناعمة لتداعب شعري وأغفو بدعة وسلام على لمساتها الحنون·
صفحة 8
موت الجفاف
لا الليل ولا الأحلام ولا صرخاتي المهزوزة تحررني منك (أنت مطرق) ما دمت أتطرق إليك سأحاول أن أشرب من نبعك المزيد·
لقد ظننتك سهلا يوم وقفت قبالتي بذلك التواضع الرقيق (وكنت تبتسم بإجهاد) وفي المرة الأخرى (وقد جئتك بشوق أعنف) وجدت أنك لست الأول ذاك بل أنك قد بدأت تنسج حولك خيوطا بشعة تجعلك بعيدا عني كنجمة شتوية (على شحوبها) تقتحم ظلام الغيوم السود لترصع وجه السماء·
مالك هكذا؟ أنا أحادثك الآن وأحس بالأسف العميق لأنني خدعت بك لحظة وصعب التحول بعد ذلك، ألا ترفع وجهك إلي؟ ارتضي منك بالقليل ولا أريدك أن تتمادى، لقد حدثتني عن أشياء كثيرة وكنت أسمع كلماتك واحدة واحدة وأحفظها كالصلاة (حتى التافه منها) وتبدو لي واثقا من كلماتك ثقة شاهقة لم أعرفها إلا فيك (أيها النذل المريض)، كلماتك التي تنبع من أعماق تجربة مميتة حيث حدثتني عن الوطنية والماضي وأحسستك ممثلا مجيدا فمن يصدق أن رجلا باردا مثلك يعقد ربطة عنقه بأناقة متناهية ويتحدث عن الموت والضجر والزوارق المبحرة بلا مودعين كان شيئا آخر؟
لقد أبقيتني حائرة كل الحيرة حتى لا أطيق أن أطلق حكما بينا على الرجل الذي في داخلك (رغم عاديته الظاهرة) كل الذي أحمله عنك صورة هيكلك المائل للبدانة ووجهك المخمور أبدا (حتى التقزز) وعينيك المقفلتين على ماض وأتعاب، على حرمان لم أحدده (رغم محاولاتي)، ترى لو عرفتك منذ أول يوم أحسست فيه بالشوق لكلمات أنثى هل استطعت أن أصلك؟ لا أظنني فأنا بعد كل هذا الخوض في مستنقعك الآسن لم أمسك بشيء ثابت (وها أنا أضحك من ياقتك المنشاة وهي تحيط بعنقك الثقيل) أيها المتكبر، أيها البارد·
عندما كنت تحدثني (في الايام الأولى وكنت قريبة منك بعض الشيء) وكان حديثك يتوجه صوب الالتزام وتحديد الافكار في قضية تملي طبيعة الآراء والسلوكيات أمام النداءات التي تعلو من كل جانب، وقد اخترت دربا أوقعك في الخيبة فكان أن عدت ناقما تنوي تهديم كل ما تقع عليه يداك·
إذا فشلت أنت فهل من العدل أن تحمل الآخرين وزر فشلك؟ (وسأظل أرى رجل الماضي الخاسئ وهو لا يريد أن يبتسم من جديد)·
لست أدري كيف يتسنى لأحد أن يصلك وأنت في عزلتك المنفية (أيها المتوحد أبدا) ولا يمكن للأقدام أن تطأ أرضك ووحدي المسكينة التي حاولت الوصول إليك وها هي زوابع الثلج والأمطار القاسية تصد دربي وتسقط همتي، ولكنني مازلت مصرة بعناد، مؤمنة بك، مرتبطة بصدرك بكل جذوري وكل خصل شعري وحواسي، أنتظر أن تفصح مرة، أن تشتمني، أن ···
صفحة 9
ها أنت تسعل، ياويحي! إنك تمد رجليك في قبرك، سأنتهي معك (أيها الشقي الغامض الصامت حتى لو تحدثت بغزارة) أيها المهجور كباب دار عافها أهلها بعد جفاف·
تتثاءب ثم تربت على صدرك، وتعود لتقلب صفحات مجلة ملونة وتتوقف عند صورة لحورية تحررت من أمواج البحر ووقفت عارية تبتسم، وكانت بقايا المياه المالحة تلمع على جسدها الفاتن، وتبدو في عينيك سحابة الغموض تلك التي أستطيع التقاطها في اللحظات التي يطلب فيها منك إعطاء قرارك الأخير بشيء واجهته، ورأيت الجوع في عينيك أيضا، ما دمت هكذا فلم لا تشدني إليك وتذبحني على صدرك؟! علني أعرف حقيقتك وأنت بين يدي، أية قوة وأي ضعف ستبديهما آنذاك؟
ويأتي صوبنا صاحبك كريم فتبتسم له فتبتسم له ويبدو وجهك كالرجل الضاحك في شعار الممثلين، فأود لو أصفعك، أصر على أسناني وأشتمك في داخلي، ولكنك تغتال رغبتي بنهوضك وامتدادك الصنمي فأرى نفسي بجانبك ضئيلة زائدة، ثم تصافح يده وتجلسان سوية ليقول لك:
- لو لم أرك اليوم لبكيت، أستطيع أن أملأ هذا القدح بدموع الشوق إليك، وقد تركت لك رسالة قصيرة في المقهى هل وصلتك؟
- أنت تزداد سخفا، لقد قرأت ثرثرة متناهية!
- عليك أن تباركني إذا استطعت أن أجيد شيئا بعد كل الفشل المتعاقب·
- لكنه شيء غير مهم؟
- ......
- نحن نماذج طيبة للبشر الملوثين
- وأنت الرأس
ثم ضحكتما وبدأتما التدخين، وأنا أنقل بصري الكليل من إحدكما إلى الآخر، وأهملتماني تماما وأحست بأني فائضة عن الحاجة لكنني بقيت مسحورة·
كم أحسد كريما هذا لأنه أكثر قربا مني إليك فأنت تحدثه بعري واندماج لا تفعلهما معي، وتجشأ كريم وأنا أرى الغبار يسبت على شعره المجعد ووجهه يزداد صفرة من التبغ والأرق، وقد حاولت من قبل أن أغامر معه، لكنه جاف جدا تحبه فتاة أعرفها يركلها بحذائه ويشتم أجدادها أمام الله والناس، وقد سخر مني منذ أول مرة حدثته فيها ولكنك بوجهك الخشبي لم تنهرني ولم تطردني، أنت لن تحبني بالمعنى الذي أريده ولي بعض العزاء في أنك لن تحب أخرى، وكل اللواتي عرفنك قبلي بدأن يشتمنك عند ورود اسمك، أنفقن أيامهن في صداع متواصل سرعان ما تحررن منه ووحدي الضعيفة التي بقيت تجري وراءك·
صفحة 10
لن تحب أبدا وستظل دوما تضع المبررات للسقوط الذي لا تنفك من اقترافه في لياليك الباردة وأنت تصطاد العاهرات من الدرب لترميهن بعد وقت قصير ولا تحاول أن ترتبط بالتزام أنظف، ولم أكن صافية عندما جئتك فقد مستني بعض الأيدي، خدعوني بأنني سأربح التجربة، ولكن أية تجربة ربحتها منهم وأنا أراهم يلعقون حلمتي كالكلاب؟ ثم يضع كريم يده على كتفك ويقول:
- هل فكرت يوما بأننا مرفوضون قبل أن نكون رافضين؟
- ولم، أفكر؟
- وأن تلوثك فطري؟
- لن أقتنع بتشخيص سريع لحالتي·
- لكن الحل عندي
- وأين يستقر؟
- فوق موائد الحانات
وقهقهتما، والتفت صوبي كريم قائلا:
- إنه ثقيل الظل صاحبي هذا، وأعتقد بأن عليك مجالسة زميل آخر يحدثك عن أفلام الأسبوع وجديد الاسطوانات التي تصل بغداد أما هذا الجلف فسيعقد أفكارك ويشوهك، وأنت تجالسينه لكنني أجزم بأنك لم تربحي منه ما يفرحك، وقد يشدك غموضه المفتعل، رغم إنه فارغ كالطبل، وبحره فظيع لم يجازف بخوضه بحار وستغرقين فيه·
وابتسمت (رد فعل مضحك) لم يكن في حديثه شيء جديد فأنا أعرفه منذ أن اخترت طريقك، لكنك كنت تنظر في عيني مرات (عقاب دون ذنب) وها أنت قد عدت الآن لتتأملهما من جديد، وكان هذا سببا في أن أصمت دون أن أرد عليه بشيء·
- أنا أعرف بأنه لم يؤثر فيك وأنت لم تؤثر فيه أبدا، لأن لكل واحد منكما أبعاده القائمة وحدها ولكنكما تلتقيان في الغربة التي تعيشانها، كل واحد منكما يحمل جنسيته الخاصة ويرطن بلغة ترابه ولكنكما هنا بين هذه الجدران تطالعان الكتب نفسها وتجيبان لى أسئلة واحدة يطرحها عليكما أستاذ مخضرم له نظارات ورأس وأفكار من الواجب أن يكون مكانها القبر، ووحدي التي تحاول حفظ لغتكما لأرددها أمام نفسي بلذة من يصل إلى كنه سر حاول جاهدا إدراكه، ولذا تراني اليوم أحبك بتصوف ذليل وأنثر زهراتي البكر في دربك الأسود، وتظل تتمعن في عيني، وتلف وجهك غيمة الدخان، والمجلة لا زالت مفتوحة عند الحورية العارية ورأسها الشامخ يمتد إلى أعلى كرأس فرس أصيلة ورأسي مطأطأ عندك دون أن تترك لي المجال في أن أعطي رأيي بشيء فقد امتدت أرجلك (أيها الأخطبوط الشره) إلى كل زاوية من زواياي السرية ورقدت فيها، لذا أتنفس الآن بثقل وسأموت يوما في حضرتك وأنا أجلس على كرسي تلميذة مواظبة تضع كتبها على ركبتيها وتحلم بالسماء الزرقاء الصافية وبثوب أبيض يكسو جسدها البكر·