eKtab
EN ع
الأعمال المسرحية
اقرأ عينة مجانية

الأعمال المسرحية

بقلم آمنة الربيع

صفحة 1
تقديم
 
ما الحياة إلاّ ظلِِ ٌيمشي، ممثل ٌمسكين يتبختر ُويستشيط ُساعتهُ على المسرح، ثم لا يسمعهُ أحد: إنها حكاية ٌيحكيها معتوه ٌ ملؤها الصخب ُوالعنف ُ، ولا تعني شيئا
 
وليم شكسبير
 
في واحد من المطاعم الاستهلاكية كنت بصحبة أخي محمد في عام 9 8 9 1م لتناول وجبة العشاء في ذلك الوقت كنت أتدرب لمدة ثلاثة أشهر في مسرح الشباببسلطنة عمان ، على كيفية إعداد الممثل المسرحيّ ، والكتابة والإخراج المسرحيين ولا ُأخفي تذمري وإحباطي الشديدين؛ ِلما كانت تتسم به الدورة من فقر وضحالة وإدعاء!
 
أتذكر أننا كطلبة كنا مأخوذون بالحماس والطاقة ، كنا نتدرب على قراءة مسرحيات مترجمة كثيرة ، لكنّ الذي استوقفني من بين تلك النصوص، هو مسرحية أوديب ملكا لسفوكليس ، في ترجمة توفيق الحكيم ، وتساءلت أليس من الأنسب أيضا أن نقرأ المسرحية في ترجمة طه حسين أيضا ، لمعرفة جمالية الإبداع بين الترجمتين·
 
··· المهم أنني كنت أتلذذ بمقطع الملك أوديب وهو يخطب أمام شعبه قائلا : أيها الأبناء إنكم لخليقون بالإشفاق ···إلخ كان هذا المقطع هو ثان مقطع مسرحي أتلذذ به وأحفظه كما أحفظ اسمي الأول ؛ بعد مقطع هاملت : أكون أو لا أكون···
 
وكعادة أي متحمس للعلم وللمعرفة ، اجتهدت في حفظ مقطع أوديب ، وكان لا بد أن يشهد أحدهم ، وإن كان أحدَ العابرين في حياتنا اليومية على قوّة القول الذي أحفظهومن ُحسن طالعي كان معي أخي الذي ظل يلازمني طيلة تلك المدة في مسقط بصفته محْرَما شرّعيا!!
 
كان أخي يحضر معي بعض الدورات ، وفي أثناء الليل كنت ُأخبره عما أخذته من خبرات مسرحيّة لم تكنْ جديدة تماما عليّ، وفي غمرة فرحتي قلت له : لقد حفظت مقطع الملك أوديب كاملا وأرغب أن ُأسمعُك إياه ، فقال مازحاً بعربية جميلة :
 
حسنا سأستمع لك ، ولكن بشرط أن أتناول العشاء على حسابك في مطعم KENTUCKY القريب من البيت ، فوافقت وذهبنا ، وبعد أن فرغنا من الطعام عرض عليّ أن يؤدي دور الملك أوديب أمامي في المطعم فسألته : أتحفظ المقطع جيدا ؟ أجاب بحركة مسرحيّة من عينيه ويديه الجميلتين : نعم·
 
كان ما أدهشني أنه وقف في مكانه وأخذ يتمسرحُ ويتقمصُ أمام الذين كانوا في المطعم بصوت خطابيّ مرتفع ، جعلهم يستمعون وينصتون ويصفقون بحرارة ، فما كان إلاّ أن أغرورقت عيناي بالدموع ، وفي طريق العودة قلت له : لقد أدهشتني ، متى حفظت المقطع ؟ فقال وهو يضحك محاولا إخفاء الحقيقة الأكثر بروزا فيه: أنا ممثل، وكنت ُبعد أن تنامين اقرأ المقطع يوميا ، ألا يليقُ أن أكون مقِلدا ؟ حينها ضحكت وتجاهلت الأمر· وإذ أتذكّر ذلك المشهد المسرحيّ أقول في نفسي ، لعل التعبير المناسب الذي لم ُيسعفه لسانه إليه هو أن يقول : إني ُأقلد ما ُأصدقه ، أو ما أود أن أكونه : ممثلا إن ما يجعلني أستعيد هذا المشهد أمرين اثنين :
 
الأمرُ الأول إنني قرّرت أن أجمع أعمالي المسرحية في طبعة جديدة مزيّدة ومنقّحة ِلما لاقته بعض الإصداراتِ ، من ضعف ، وأخطــاء وإخراج سيىء ، وتوزيع أسوأ أتحملُ لا شك بعضهُ ولا أود أن أقولَ إن هذه الطبعة ُتلغي مضمون ما سبقها، ولا يعني ذلك أنها تتقاطع معها فالذين سيكتفون بقراءة هذه الطبعةِ ، ُربما سيكتفون بها من دونِ إحساسهم بأدنى تأنيب للضمير يحملونه فوق أكتافهم ، وأنا لا ُيزعجني هذا الإحساسُ· أما الذين قرأوا الطبعة السابقة ورغِبوا أن يبذلوا ُجهدا ُمضاعفا لقراءة الطبعة الجديدة ، فسُيلاحظون أن ثمة تدارُكا قد تم، ينتصِرُ للتشكيل المسرحي وتقنياته المعروفة كالإضاءة والصوتِ وهيئة جسد الممثلِ وتبادلِ الأدوارِ واللغةِ فالنصوصُ المسرحية الأولى : الحلم ، الجسر والبئر قد ُكتبت في أزمنة مختلفة ومتباينة ، قد يَلحَظُ عليها القاريء العناية باللغة وبالحوار وتغليبهما على الحركة ، وتم ذلك من مبدأ النص أولا وقد يتساءل أحد ُالقراءِ:
 
لماذا لم أجعل مسرحيّة الطعنة وهي أول ُإصدار مسرحيّ لي من ضمن هذا الإصدار ؟ الجواب ببساطة إن نص الطعنة يفترقُ مُناخيا عن بقية النصوص من حيث المضمون الشعري الذي ُيغلفها والشكلُ المسرحي الذي يؤطرها ؛ فما قمت به في المسرحية هو قراءة قصيدة الشاعر أمل دنقل لا ُتصالح برؤية مسرحية· وفي النصين الأخيرين الذين على يمين··· ومنتهي الحب··· أود أن أشير إلى مسألة مهمة : فقد تلقت بعض الأوساطُ الثقافيّة النصيّن كدلالة على حال سياسي عربيّ معيّن لكنْ تلك النظرة في واقع الأمر لا تعدو أن تكون إلاّ نظرة إقليميّة ضّيقة ومسّطحة· وفي لقاء صحفي أشرت إلى أن هذين النصين ، إنما ينطلقان من َفْهمٍ واضحٍ ومعقد في آن للعبة المسرحيّة وتركيبة الشخصيات ، هي لعبةُ التمسرح أو التقمص ، فما تنطق به تلك الشخصيات من حوار وما تقوم به من أفعال لا يقل رعبا أو مسرحة عن خطاب تلك الحكاية المتخيلة التي تفترض بأن بعض العصافير راحت تبحث عن أقفاصها! وتكشف هذه الحكاية عن مدى قوة وتماسك وتخلل وهيمنة السلطة ومستويات الضبط في حياتنا اليومية·
صفحة 2
أما الأمرُ الثاني فقد رحلَ أخي محمد كأيّ ممثل مسكين ، تبختر ساعته على مسرح الحياة ، في وسطِ عالمٍ مليء بالصخبِ والعنفِ والبربريةِ ، وبرحيله أدركتُ أكثرَ مما مضى أن هذه الحياة لغو وهراء ، وأن مشهدها الدرامي المعاصر ، ليس أنبل من الموت ، لكنه أفضلُ حالا من خطابات المساجد والكنائس ! لتتأكد بذلك قوة الموت في حياتنا أكثر من قوة الحياة ويتفوق خطاب قوة السلطة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ، أكثر من نضال وتدافع الحوار بين الناس·
 
المسرح يغلّف الكون كالسلطة تماما ، ولكن : هل ما زلنا في حاجة للمسرح في حياتنا ؟ َمنْ سوف يحكي الحكاية، ومن سيُخرج العرض المسرحيّ ؟ أهو المجتمع أم المؤلف أم الحكواتي ؟
 
في هذه اللحظة التاريخية الحرِجة ألتمسُ كلمة سعد الله ونوس : الجوع للحوار·
 
نعم إننا محكومون بالأمل ، وجائعون لحوار لا يؤذينا نبحث ُعن حوار يجيبنا على أسئلتنا القلقة المتعقلة بوجودنا ، وتاريخِنا ، وثقافتِنا وجوهر تكويننا ، وتمثيلنا الرمزي ، حواراً يدفعنا نحو خطوة واحدة فقط : كيف نفهمُ الإختلاف ، وكيف نحترم من يختلف عنا ؟ كيف علينا أن نفهمَ الأشياءُ ونقدر جريان الأحداثِ ، والمتغيرات والمنعطفات التاريخية التي مرت علينا ؟
 
يظل هاجس هذه النصوص ، هو البحثُ عن وسيلة فعّاَلة للتفكير في علاقاتنا الإنسانية التي تليق بمقام الفرد ، والنظر في ممارساته ، وطموحاته والتزاماته الإنسانية اليومية ، ضمن خطاباتٍ لم ينجحْ منها إلاّ خطاب السلطة المنتشرة في كل مكان كما يقول ميشيل فوكو·
 
وإيماني بوجود مسرّحيون متدرّبون يأتي تاليا لإيماني العميق بالحريّة الشخصيّة والعدالة الإنسانيّة ، فالإنسانيّة العاقلة الحرة ، هي القادرة على أن ترسي لنا أساس أي حوار للعلاقات بين : السيد والعبد ، والمالك والمستأجر ، والراهن والمرتهن ، والزوج والزوجة ، والمعلم والتلميذ·
 
من هنا أجد أن ملابساتِ تأليفِ هذه النصوص ، وإعادة النظر من جديد في صياغتها السابقة ، لتخرَج في نسخة جديدة ، هو رغبتُها الأكيدة أن تبني حوارا ، وتؤسس علاقةً متكافئة مع إنسـان عاقـل وحـر لا يزايد على عقله أو حريته ، إنسان لا يكون إلاّ نفسه، إنسان لا يمثل إلاّ ما يريد أن يكونه ، وهذا الإنسان المأمول هو الذي يستطيع أن ينتج ممارساته ، وطموحاته الحرة من تلقاء ذاته ، وليس عبر منظومة من العلامات المستلبة ، الدالة على العبوديّة والجهل والتبعيّة والمرض والتخلف·
 
وليس حرجا كما جرت عادة خطاب المراقبة والضبط أن أنوه بأن :
 
هذه النصوص من صنع الخيال ، وكل تشابه بينها وبين الواقع ، هو محض مصادفة حبلى ليست مقصودة
 
آ· ر
 
4 إبريل/ نيسان 3 0 0 2 / ظفار
صفحة 3
نص مسرحي من فصل واحد
 
* كتب هذا النص عام 2000م- الأردن·
 
* الشخصيات:
 
1- بشار: الممثل الذي سيؤدي دور مهيار الملك·
 
2- منار: الممثلة التي ستؤدي دور فلوة أخت الملك·
 
3- مجد: الممثل الذي سيؤدي دور أبسال· أسود تماما·
 
4- حياة: مخرجة العرض·
 
5- مصمم المنظر المسرحي·
 
6- ممثلون مساعدون يقومون بأدوار مختلفة كالرقص وأجساد الموتى والجوقة·
 
* يتداخل في النص نصين، أو لنقل يتداخل في العرض نصين· نص المؤلفة الفعليّ، ونص الرؤية الإخراجية للمخرجة· لا يوجد بين النصين رؤية منفصلة، لذلك يمكن عدّ نص المخرجة بروفة أولى مفترضة·
 
* الزمان والمكان مفتوحان· أعمار الشخصيات ليست مهمة·
 
* نوع المسرح دائري·
 
يقسم المسرح إلى مستويين، مستوى الخشبة/المسرح وخلفها على الجدار وشاح لونه أبيض، ومستوى لقطعة دائرية توضع أمام المستوى الأول بين جمهور الصالة، وينبغي ألاّ يفهم من هذا التقسيم أي انفصال عما يحدث على الخشبة الرئيسة·
صفحة 4
المشهد الأول
 
التردد عدو القرار
 
- نحن الآن فيما قبل البروفة· خشبة المسرح غير مرتبة أصوات وهمهمات متداخلة تأتي من وراء الكواليس· ممثلون وعمال وفنيون يدخلون ويخرجون وكأنهم في سوق للخضار· أصوات الممثلين من الوراء تتصاعد وتخفت· يعلو فجأة صوت الآت للموسيقى وتحديدا الكمنجة· يدخل مجموعة عمال يحملون وشاحا أبيض يحاولون تثبيته لكن المخرجة تدخل مسرعة وتمنعهم فيتوقفون وينصرفون وهم يتأففون ضجرين·
 
- المخرجة تعيد النظر للمكان وتخرج من جيب بنطالها مسودة النص· يدخل بشار ينظر من حوله وينبطح على الأرضية·
 
بشار: تأخرنا بما فيه الكفاية· متى سنبدأ يا حياة ؟
 
حياة: لم نتفق بعد على توزيع الأدوار· ما زلت أقرأ النص·
 
(تشطب بعض الملاحظات التي كانت قد دونتها سابقا)
 
بشار: في كل الحالات لن أتنازل عن دور الملك· أعجبتني الشخصية·
 
حياة: أنا من يرشح الأدوار يا بشار·
 
بشار (بحركة رياضية واثقة يضع يديه أسفل ظهره ويقفز نحوها ويمسكها من ذراعيها بقوة): لا تنسي أمرا واحدا· إذا لم نمثل الآن فلن نمثل بعدها· هذه فرصتنا الوحيدة وأشعر أنها الأخيرة· لا يجب أن نفوت مسابقة المهرجان·
 
حياة: فرصة المهرجان أمامنا· (بغضب) ومرة أخرى لا تلمسني هكذا·
 
بشار (بعصبية): التردد عدو القرار يا حياة· لن أسمح للفرصة أن تفوتني· قولي إنك ما عدت تميلين للمسرح· صار يستهويك الدراما التلفزيونية والفيديو كليب والإعلانات· أما المسرح نركنه على الرف·
 
حياة (تضربه بكلتا يديها فوق صدره): أيها المجنون ماذا تقول؟ كأنك تتهمني بخيانة الوطن! (تخرج علبة السيجارة فتسقط على الأرض محتويات الجيب، تضحك بحزن) فواتير الماء والكهرباء··· حتى عود ثقاب لا يتوفر عندي·
 
بشار (يخرج الولاعة فتدخن): فكري جيدا ليس عندنا وقتا كافيا·
 
حياة: ما زلت غير مقتنعة بالمشهد التاسع· يوميا أعيد قراءته· أريد حوارا عذبا، وأجسادا مرنة·التجريب يفترض حركة الكلمة بجسد الممثل· (تتدارك) أقصد اللغة والموسيقى بحركة الجسد، وأنا أريد الحوار والتجريب معا·
 
بشار: ليست المعادلة صعبة·أين المشكلة؟ الطلبة المسرحيون الجيدون كثيرون· إعلانا واحدا و···
 
حياة: بين هؤلاء الكثيرون أبحث عن الذين يفكرون·
 
بشار (بخجل وتراجع): أنا آسف عما قلته· تخيلت أنك تراجعتِ عن أحلامنا·
 
ما رأيك لو رشحت لك بعض أسماء الزميلات! دعد تصلح في دور أختي· أما سناء ففي دور····
 
حياة (وهي تنصرف خارجا): أنا المخرجة، وأنا من تختار·
 
- إظلام·
صفحة 5
المشهد الثاني
 
على المخرجة أن تعيد صياغة أدواتها·
 
- تبدو الخشبة الرئيسة على حالتها السابقة· الأدوات موزعة بشكل عشوائي جدا· كراتين وقطع من الفلين والحبال والبنادق والملابس والمجسمات وتمثالين عاريين لرجل وامرأة· طاولة دائرية في جهة يمين الخشبة· لمبة ضوء متجهة من الأعلى نحو الطاولة· حياة جالسة تكتب وتدخن وتأكل البرتقال وتشرب الحليب·
 
- تترك الكرسي وتسير في المكان تفكر· تفتح أحد الكراتين وتتناول منه قناعين الأول يائسا والثاني باسما، تتأملهما· تلقي بالأقنعة بعيدا· تركض لتكتب· تجلس على بطنها وتخرج ورقة تدون عليها ملاحظاتها· تشعر أنها عثرت على بغيتها· تركض مسرورة نحو الكرسي وتمزق ما كتبته وتبدأ من جديد·
 
- تخفت إضاءة اللمبة تدريجيا·
صفحة 6
المشهد الثالث
 
هناك ما هو حقيقي، وهناك ما هو خيال·
 
- إظلام تام على المستويين· الخشبة عارية تماما· تصعد حياة من بين الجمهور تحمل لافتة مكتوبا عليها بخط كبير ومقروء وكرتوني الجملة التالية: المسرح لعبة، وللعبة حكاية· تترك اللافتة وتعود إلى مقعدها بين الجمهور· منشور ضوئي يصوب على اللافتة· إظلام تام على المستويين·
 
- منشور ضوئي يدخل فيه بشار ومجد ومنار· يقفون ويتأملون اللافتة، ثم يلتفتون من حولها ويستمرون في الدوران· في تلك الأثناء وفي غفلة منهم يدخل المساعدون بآلة الكمنجة ودرج خشبي مكون من 3 درجات وميكروفون ورّق وينسحبون· يخرج الثلاثة أقنعة مسرحية ضاحكة من جيوبهم ويضعونها على أعينهم ويتجه كل واحد منهم باتجاه الأداة التي ستلازمه في هذا المشهد· يتجه مجد نحو الرّق، بينما تتجه منار نحو الميكروفون، ويحمل بشار الكمنجة· الثلاثة يستعدون لتقديم بروفة·
 
ينقر مجد نقرات صغيرة وخفيفة على الرّق· ويبدأ بشار في عزف مقطوعة رثاء وتصاحبه منار في الأداء وكأنهما في بروفة عرض حقيقي:-
 
على بيتنا كان يشهق صمت ويبكي سكون
 
لأن أبي مات أجدب حقل وماتت سنونو(1)
 
مجد (وهو ينقر بأصابعه على الرّق): لا يعجبني هذا الحزن· انظروا إلى هذا القناع· ينبغي أن نقول مثلا (يغني)
 
(في الدروب هيا نغني
 
في المسارح والساحات
 
في الحقول هيا نغني
 
ينطلق لحن الحياة······)
 
منار (توبخه): علينا الالتزام بالحكاية يا مجد·
 
مجد: الحكاية أم النص· أنا أرفض هذه القيود· سيكون من الجميل لو تم دمج الصوتين صو، ولا في مقطع موسيقي واحد ليصبح على هذا النحو: دو ري مي فا صو لا سي دو
 
بشار: هييييييه! دوختنا بصوتك· هيا يا منار أعيدي النشيد· وأنت خذ مكانك· لنترك هذه الأقنعة ونبدأ البروفة من جديد·
 
- يبدأون بروفتهم ثانية· ينتهي المشهد بإظلام تدريجي على الخشبة·
صفحة 7
المشهد الرابع
 
أيهما الصورة، وأيهما الأصل ؟
 
- الخشبة الرئيسة· حزمة ضوء على جدار الخلفية، تتجسد وراءها أجساد لأموات بأكفانهم البيضاء· تمتد أجساد الممثلين إلى مساحة كبيرة من الخشبة الرئيسة، بحيث يتداخل ما يتم رؤيته على الجدار وعلى الخشبة، تداخلا واضحا لا نعرف من وراءه إذا كنا أمام مشهد حقيقي تماما أم مشهد خيالي تماما· على وجوه الأجساد الميتة أقنعة تساعدهم على رؤية ما يحدث أمامهم·
 
* الدرج ذو الثلاثة درجات في المنتصف تحوطه الأكفان·
 
* يدخل بشار مرتديا عباءة نسائية ويصعد فوق الدرج· يتمسرح أمام الأجساد الميتة التي بمجرد أن تستشعر حركته وتراه من ثقوب الأقنعة تجلس نصف جلسة متأهبة لسماع خطبته·
 
* على الإضاءة والإيقاع الانتظام في طقس ثقيل وموحي بجو المقابر والظلام·
 
بشار: أيها الأبناء: إنكم لخليقون بالإشفاق· إن الذي تطلبونه ليس غريبا بالقياس إليّ فإني أعرفه، نعم أعرفه حق المعرفة· لست أجهل أنكم تتألمون جميعا· ولكن ثقوا بأن ليس منكم من يألم كما آلم· (الأجساد تصفق وتصفر بحرارة) كل واحد منكم يألم لنفسه، لا يتجاوزه الألم إلى غيره، أما أنا فإني آلم ···(2)
 
* قبيل أن ينهي بشار خطبته نسمع كلمة stop stop من المخرجة التي تدخل حاملة ورقا وقلما·
 
* الأكفان بسماعها كلمة المخرجة تلقائيا تنام· بينما تعود الإضاءة قوية وساطعة·
 
حياة: خفف من حدة التقمص يا بشار· الأداء ضعيف تماما· أما الأجساد فحركتها ميكانيكية· انتبهوا جميعكم· (الأجساد تنتبه ويخلعون الأقنعة) أريد أرواحكم· شعوركم بأنكم لستم ميتون، ينقص حركتكم التلقائية· رقم 2 خذ مكان رقم 5 ورقم 6 خذ مكان رقم 4 هيا تحركوا· لنبدأ العمل من جديد·
 
بشار (متفاعلا من جديد): أما أنا فإني آلم····
 
حياة: أتظن أنهم يستحقون كل ذلك الألم يا بشار· بالمناسبة، هناك إشكال غريب في هذا النص·
 
بشار (بعصبية): منذ شهر ونحن نتدرب يا حياة·
 
حياة (تقلده ساخرة): كل واحد منكم يألم لنفسه··· ما هذا الأداء البارد؟
 
بشار (يصرخ): أيتها الأجساد قومي، انفعلي، انفجري· ماذا لا يعجبك ؟
 
حياة: دعني أوضح لك أمرا ربما تكون قد نسيته· لا يوجد سلطة رحيمة مهما كان نوع الحكم· وتلك هي القاعدة· (تركض وتصعد الدرج وتقلده) إنكم تتألمون جميعا (تترك الدرج) لا تتقمص الدور بأكمله إلاّ فيما يخصنا· أترك مسافة بينك وبينه· (تتلذذ ببعض الكلمات) الصورة، الخيال، السحر، الانعتاق· تلك هي الوشيجة المطلوبة·
 
بشار (يترك الدرج): ما يخصنا تجاه بعضنا هو القبول المبني ضمنيا على الإختلاف· أما ما يخصنا ويشدنا نحو النص هو الرضا بأن هذه الخشبة والأدوار تناسب كل واحد منا بمقدار· (يصعد الدرج ثانية) دعيني أتقمص حتى الأخير·
 
حياة (تترك الدرج): لا أتفق معك· أريد انعتاقا وسفرا· أيتها الأجساد عودي إلى البداية· لنبدأ من جديد ثانية·
 
- تعود الأجساد ويتمسرح بشار خطبة الملك أوديب من جديد·
 
- الإضاءة تبدأ في الخفوت·
صفحة 8
المشهد الخامس
 
إن زمن السرد، يبدأ بالحكاية من هنا·
 
- الخشبة الرئيسة· حزم ضوئية متداخلة على جدار الخلفية التي يتجسد عليها حوض ماء تسبح فيه ثلاث نساء عاريات ويخضن فيما بينهن صراعا غريبا تحاول الأولى الإمساك برأس مهيار وتحاول الثانية أن تلقمه ثديها، بينما يبدو رأس المرأة الثالثة أكبر حجما من جسدها لذلك تحاول جاهدة تقبيله في عنقه أما مهيار فيحاول التهرب منهن والركض بعيدا، فيسحبنه بشعورهن ويغرقنه في الحوض، فيتصاعد منه دخان ملون مع أصوات متتابعة لفقاعات الماء· مهيار يجلس متكورا وهو يرتدي عباءة الملك ؛ كأنه يتخيل أو يسترجع الصورة التي كانت تعرض على جدار الخلفية· إن محاولة المرأة الثالثة تجعله يخاف ويرجف ويصرخ· تدخل فلوة التي كانت تراقبه من بعيد خلسة وكأنها تعلم ما يمر به ·
 
فلوة (تقف ممسكة بظهره): ماذا أصابك يا حبيبي؟
 
مهيار (منزعجا): متى دخلت، ولماذا ترتدين هذا الثوب؟
 
فلوة (وهي ترقص في نشوة): ألا تذكره يا مهيار؟ إنه آخر هدية حصلت عليها من أبينا الملك في عيد المملكة الخمسين·
 
مهيار (يقترب ويمسكها من كتفيها ويمرر كفيه فوق الثوب): لا أريدك أن ترتدي هذا الثوب بعد اليوم· ما رأيك أن تتخلصي منه؟ (بلهجة آمرة لكنها ضعيفة) إرميه في القمامة أو إحرقيه كما أحرق نيرون روما·
 
فلوة (تبتعد متسائلة): أرمي بهدية أبي؟ (تتغير لهجتها وتلتمع شرارة في عينيها) حسنا· ما رأيك لو رميته في حوض السباحة؟
 
مهيار (يضع كفه على فمها): الحوض لا·
 
فلوة (تضع كفها على فمه): القمامة لا·
 
مهيار (وهو يهدد ويتوعد): إن خالفتِ أوامري يا فلوة لأضربنك·
 
فلوة (تطوقه من عنقه): وإن ضربتني لأقبلنك هكذا· (تحاول تقبيله فيمنعها)
 
مهيار: إحذري غضبي ويدي التي تبطش·
 
فلوة: بأية حق تحذرني يا مهيار؟
 
مهيار (يصعد فوق الدرج): الملك يا فلوة· أنا الملك·
 
فلوة (تصعد نحوه وتمسك بخناقه): أي سخف أسمع ؟ تقتل أبي كمدا لتجلس مكانه وتصبح ملكا علىّ وعلى الشعب جميعا· أبهذه البساطة تتحول الصفات· مات الملك، عاش الملك· (تشد خناقه وتصرخ) أيها الداعر لا يليق بك أن تكون ملكا أبدا·
صفحة 9
مهيار (يخرسها ويلقيها أرضا): أخرسي أيتها المجنونة· أتشكين في العلامات؟ لقد رأيتها وسأعلنها أمام الشعب في أول خطبة لي؟
 
فلوة (تمسك برجليه): منذ متى تهتم بعلم العلامات؟
 
مهيار (يجلس قبالتها): لست وحدك من تهتم· أعرف ولعك وترددك الشديد لزيارة علماء الفلك· كنت أراقبك مثلما راقبت أبي الملك وهو يختلي بعلمائه وكهنته، وسحرته ومريديهم· لست وحدك من يؤمن· أنا أيضا مؤمن·
 
فلوة (تتركه وتؤدي بقدميها حركة عنيفة راقصة): أنا أؤمن بأن النجوم لا تكذب· (تصدر أصواتا قريبة لغناء الأفريقيين عموما) زمبليللالا زمبليللا·
 
(بهدوء) في اليوم السابع من الشهر الثامن ألقى أبي الملك خطبته الأخيرة·
 
- على جدار الخلفية يتجسد مشهد تسترجع من خلاله فلوة الملك وهو يخطب· على هيئة الملك أن تكون كبيرة وضخمة بحيث يبدو عملاقا يذكرنا بتماثيل اليونان، وحركة الملك بيده اليمنى موجهة للأمام ؛ كأنه يقود شعبا ويقول لهم بإصبعه السبابة: إلى هناك·
 
(تواصل سردها) ثم عانق أمَّنا وقبّلها، ودخل غرفة الهيكل ونظر من النافذة ورأى منظرا تخجل العين منه، بكى ثم نام، ومن ثم مات· (تقفز وتمسكه من عنقه وتحاول خنقه وتصرخ) أيها السافل كان يلاط بك· (تلطمه على خده)
 
مهيار (يتحمس) يهوووووووه الصورة، الخيال، السحر، الانعتاق تلك هي الوشيجة المطلوبة· (يخرج لسانه ويلعب به وكأنه يلعق شيئا) يلاط بي هاااااا! أكنت على علم بذلك حقا! أيتها الصغيرة· لا ما عدت صغيرة· (يمسكها من شعرها ويمسده) متى كانت ليلتك القمرية· كيف لم أنتبه؟
 
فلوة (ترى في عينيه شرارة): يااااااه· ما رأيت هذا الشر في عينيك كما أراه اليوم·
 
مهيار: علينا أن نرى ما نريد يا أختاه· (بغضب يسحبها أرضا نحوالخارج) سأعمل على أن تري ما أريده· (ينشد) أرى ما أريد···أرى ما أريد····
 
- تظلم الخشبة فورا· درجت الكاميرا تاريخيا في بدايات التصوير الأوليّ الخروج بقفلة صوتية قوية· وهذا ما نوده للإضاءة هنا·
صفحة 10
المشهد السادس
 
يا ولدي: لا تقصص رؤياك عليهم·
 
- الخشبة عارية· إضاءة على جدار الخلفية يتجسد عليها مشهد لخيال الظل يظهر ثلاث شخصيات هي المعلم، والرجل والصبي· نموذج المعلم الأراجوز كبير نسبيا، حيث يرتدي جبة وقفطانا كبيرين· أما نموذج الرجل الأراجوز فهو ضخم جدا بحيث تظهر عليه أثار النعمة بإطلاق· ويظل لدينا نموذج الأراجوز الصغير جدا وهو من يؤدي دور الصبي·
 
- أبسال يتمدد على ظهره واضعا رأسه فوق يديه على المستوى الثاني·
 
الرجل: يا معلم، أستميحك عذرا، أعده إلى حلقة الدرس ثانية·
 
المعلم: اشترطت عليك ألاّ يثير الضغائن أثناء الدرس، إنه يشوش عقول التلاميذ حين يطرح تلك الأسئلة الكافرة·
 
الرجل (يحشر في كمار المعلم كيسا يصدر رنينا تهتز له بطنه ويسيل لعابه): صبي صغير ولا يعرف الأشياء· ضاقت أمه به ذرعا· ذلك الكيس دفعة أولى فيما إذا تمكنت من غسل رأسه· (يضرب الصبي على رأسه) ولك كيس آخر إذا عاد إلى حضنها لا يعرف من الدنيا إلاّ اسمه، ومغمضة عيناه عما يجب ألاّ يرى، وأذنيه عما يجب ألاّ يسمع· لقد ضقت به· (يوجه كلامه للصبي) اسمع كلام معلمك يا أبسال، من هم في مثل سنك يلعبون ويأكلون الحلوى· لا تعد للمناكفة ثانية· (يعلو صوته) والله أنني سأضربك إذا سمعت أنك عدت ثانية للمشاكسة· (ينصرف)
 
المعلم: والآن أخبرني يا بني ماذا يحدث معك بالضبط ؟
 
أبسال: كيف يأتي ملك الموت ويقبض الأرواح؟ ولماذا قبض روح أبي وأين ذهب بها؟ إذا كان الله رجلا بعضلات فلماذا لا يقبض روح ذلك الرجل الذي يقول إنه عمي؟
 
المعلم: وماذا بعد، استرسل يا بني ولن أخبر عمك·
 
أبسال: لماذا كل هذا الماء الذي في جسدي؟ لماذا تغلق أمي الباب حين تكون برفقة ذلك الرجل ؟ لماذا تصدر منهما تلك الأصوات الغريبة؟
 
(الإضاءة تميل للضبابية يصاحبها أصوات وتنهدات وزفرات لأنفس بشرية تلهث وتتنفس بسرعة يستحيل معها تمييز مصدر الأصوات أتتم بين رجل وامرأة أم بين أعداد كبيرة مختلطة)
 
وفي آخر الليل يكون صوت صنبور الماء عاليا فأعرف أنه بدأ يغتسل وحينما أسأل أمي، فإنها تكتفي بالإبتسام وتقرصني بين فخذي ولا تقول شيئا· هذا ما يحدث معي بالضبط يا معلم· أريد أن أعرف·