صفحة 1
المقدمة
I
هل يحقُّ للشاعر أن يتكلم عن شعره؟كم يحقُّ للشاعر أن يتكلم عن تجربته الشعرية، أن يخرج من نفسه وينظر إليها من مَيل آخر، ومن ثم يقدم لنا شهادةً، ضوءً على مسافات في رحلته مع الكلمات، أن يخرج الشاعر من نفسه ليقولها بلغة أخرى غيرَ لغة الشعر·· هل يعني هذا أن قصيدة الشاعر لم تكن كافية، لأنها ليست كلّ صوته؟
أي شك يعتريني، الآن، وأنا أخرج من الشاعر لأتخذ لنفسي موقع المتلصص على نفسه·
***
لطالما اعتبرتُ الفنان شخصاً متطرفاً·· إنه رؤيوي بصوت إنساني· مخيف، بالنسبة إليّ، أن يكون المرء نبويِّاً، كما اقترح بعض شعراء العربية الذين سبقونا إلى كتابة شعر جديد·
والآن، أتساءل بين متسائلين آخرين قاربوا أسئلة مشابهة، إلى أي مدى نحن شعراء مجدِّدون؟ وما الحداثة، وقد حوّلتها خطاباتٌ متناقضةٌ ومتضاربةٌ إلى شيءٍ يشبه العقدةَ مرةً والفوضى مراتٍ؟
وإذا كان الشعر قد تغيّر، فهل تغيّرت الرؤى العميقة المحرّكة للشاعر، والباعثة على الشعر؟ لماذا لا يكفّ الشاعر العربي عن توقّع إمكان لعب دور البطل المتفوِّق على الزمن، بدلاً من أن يكون شخصاً في قرية أو مدينة؟!
أسئلة طالما شغلني التفكير فيها، وحضّني انشغالي بها، أحياناً، على عدم الاكتفاء بقصيدتي·
***
هل أستطيع أن أتكلم عن نفسي دون أن أسقط في فخِّ الانتماء إليها بصورة صارخة، دون أن أتشرنق وأتوارى حيث يبدأ الوجود وينتهي في شخص واحد؟
فلأجرِّب إذن طريقة أخرى، ولتكن رحلة بين مجهول النفس وشمس الورق·
صفحة 2
II
يولد الشاعر انتحارياً، ويولد منتحراً· إنه كشاف غوامض، وغوّاص في وجودٍ يظلُّ مجهولاً وعصيِّاً على الكشف· وهو في غوصه يندفع في مغامرة تأخذ شطرَ الخطر، وتهدِّد باللاعودة· ولا يتحقق الشاعرُ إلا في تلك الاندفاعات الشعورية المتطرفة المعبرة عن نفسها في حالات متبدّلة ومتغيِّرة، سرعان ما تترجمها إلى شعرٍ، مخيلةٌ رهيفةٌ وعلاقة مع الكلمات لا تقرّ على نظامٍ ولا تأمنُ نظاماً·لذلك يبدو لي، باستمرار، وبشيء من الإدراك الحسي أن الشاعر إرهابي، لما في علاقته باللغة والأشياء من تطرف وتمرد، على رغم ما في مسلكه من علامات لطف، وعلى رغم ما يسبغه حضوره في العالم وعلى الأشياء، من لطائفَ ونباهات-·
إرهابي، بمعنى أن كلماته، صياغاتها، صور مخيلته، دلالاتها، إيقاعاته، عنف الطاقة التي فيها، عناصر الإدهاش، مصادرها في اللغة، منطقه، سمات التوتر الشعوري الكامنة في الكلمات، حركة الجمال في ظلال لغته، اللحظات المجسّدة كأسرار، كل هذا، وغيره أيضاً، في أوقات وحالات من حياة الشعر وحياة الشعور، يملك أن يُرهبَ·
كم مرة قيل لشاعر كلماتك ترهبني؟
***
يولدُ الشاعرُ مراراً· في كلِّ قصيدةٍ له مولدٌ· وفي كلِّ مولدٍ له روحٌ جديدٌ يهدِّدُهُ الموتُ· والقصيدةُ التي لا تختلف عن غيرها من قصائد الشاعر تنذرُ بموت روحٍ من أرواحه· في دورته الشعورية (نظير دورة الدم) وفي الجينات التي تولّد صفاته المائزة يسري طابعه الخاص· لذلك لا تعني الكتابةُ شيئاً مهماً لشاعر، ما لم تصدر بقوة وطغيان حقيقيين عن تلك المنطقة الأعمق فيه، حيث يسكن كائنه الأحبُّ، شخصُه الأول: الطفلُ النائمُ، المستيقظُ، اللاعبُ، الدهشُ، الغاضبُ، المتفرِّجُ، الساهي، المتردِّدُ، الخائفُ، النافرُ، المستعدُّ، الفوضويُّ، الأنيقُ، المشاكسُ··· ولكن، دائماً، العاشقُ النزقُ المتطرِّفُ·
لا تتحقَّقُ الكتابةُ في أبهى حالاتها قبل الوصول إلى هذا الطفل المتواري فينا· وما يتمُّ هذا لكائناتٍ يَعْوَزُها نزوعٌ جامحٌ علامتُه انحيازٌ مطلقٌ ونهائيٌّ نحو الحبِّ، واستلهامٌللجمال هو في حقيقته شوقٌ إلى الحرِّيَّة· عند هذه التخوم يولدُ الخَطَرُ، ومن صدمةِ المعاكِس والمخالِف يتخلّقُ المفارقُ والمأسويُّ
***
يولدُ الشاعرُ وفي روحه تسري محبتان: محبَّةُ الحبِّ كجوهرٍ لا يموتُ، ومحبَّةُ المحبوبِ كشخصٍ ميت· من ألم الإدراك يتخلَّقُ الشِّعْرُ، ومن علاقات الفاني بالخالدِ تنسجُ الموهبةُ فلَكَها في شاعر·
من فداحةٍ وإشراق، ومن يأسٍ هو كلُّ ما يملكه مؤمنٌ شكّاكٌ، يتخلَّقُ الشعر· وما الجمالُ في شعر شاعرٍ إلا لبوساً، أو نظيراً لتطرُّف الحركةِ في الشعور، وعلامتُه ما يهز ويخضُّ ويسحرُ· هنا، أيضاً، على هذا الصراط، يلتقي الخصمان الكبيران: الحياةُ والموتُ· من هذا العلو تهب روح الشاعر، وتتنزّل كلماته·
ولا يتناقضُ هذا، بالمعنى الجوهري والعميق للكلمةِ، مع صورة الشاعر شخصاً مقيماً أو مسافراً في العام 1999، وفي سنة 2007، رهينة نظم ودول وقوانين وأعراف تصوغ وترسّخ أوضاعاً ومجريات مجتمعية وإنسانية معاصرة، فكلامنا ليس تصويراً لكائنٍ نبويٍّ، بل تصويرٌ للشاعر رائياً ومقتحمَ وجودات وراء وجودٍ مظهريٍّ تتكرَّرُ ملامحُه، فهو - الشاعر - بداهةً، كاسرُ قشرةٍ ومخترقُ ألبابٍ، شخصٌ حيٌّ، يسلكُ كغيره في الشَّبكةِ المرئيَّة، لكنه يتصلُ بحركةِ الأعمقِ والأكثرِ جوهرية في الكينونةِ، حيث يكون في وسعه الانصات إلى الأشياءِ الهاربةِ، بدءاً منها في تجلياتها البسيطة ووقائعياتها الملحوظة (في اليومي وظلاله) وصولاً إلى ما تتيحه اختراقاتُ الحواسِ من وصولٍ إلى مصادر النِّعمة، حيث يُدْرَكُ المُدْرَكُ من المعرفةِ بالحسِّ، وتنكشَّفُ الحياةُ السريَّةُ للأشياءِ· حيث النورُ لا يزال بصيصاً في كنف ظلمةِ الوجود، وحيث يخفقُ الماءُ الأول للمخيلة·
هل يبدو هذا التصور رومانطيقياً؟
ربما، إنما في مثل هذا الميل يتبدَّى اللاذعُ مما لا طعمَ له، والفاترُ مما يتوهج· وهل إنَّ برقَ اللغةِ غير دليل إلى نفس تبرقُ، وفتورُها علامةُ نفسٍ رخوةٍ خامدةٍ؟ ومن ثم ألا يمكننا في ضوءٍ كهذا أن نتبيَّنَ الشاعرَ من لصِّ الكلمات؟
صفحة 3
III
الشعراءُ الحقيقيّون هم، عندي، أولئك الذين كتبوا شعرَهم وهجستْ أرواحُهم بالموت، وكادت أجسادُهم تميل وتذهبُ بخفةٍ وسعادةٍ، ولم يفصحوا، في أيِّ وقتٍ عن رغبتهم في الانتحار، لكنهم عاشوا صراعَ الفكرةِ، بدمويتها القُصوى، مع كلِّ كلمةٍ كتبوا· هؤلاء المتطرفون هم الشعراء·مع كلِّ قصيدةٍ، للشاعر هناك تجربةُ انتحار، ومشروعُ خلاصٍ من الموت· فالموت له جاذبيَّةٌ استثنائيةٌ لا سيما عندما يرى فيه الشاعر وجها آخر لحياةٍ تختزلها قصيدة تتوق إلى السيطرة على الزمن وإذابته في سيجها: (ماضياً) كذكرى، (حاضراً) كذكرى، (مقبلاً) كتوقع منذور لأن يتحول إلى (ذكرى)·
هنا، في انشغالِ الشاعرِ بالهارب، ربما، يكمن الكشفُ عما هو عبثيُّ في وجودِ الكائنِ، وما هو خالدٌ في الفن، بينما هو يقف على الزمن كحدوث متصل يرفعه الإنسان إلى مرتبة القدر
IV
في حركة الكلمات يتحوَّلُ الزمنُ بكلِّيته إلى حَجَرٍ·· ليكن ألماساً، لكنه حجرٌ يطوّح به الشاعرُ نحو الأقصى من الوجود، ونلمحُه في الشعر كشهابٍ يندفعُ، ونسمِّيه، من ثم، انخطافَ القصيدةِ نحو جاذبيةٍ طاغيةٍ· لكن الحجرَ ما يني يرتدُّ عائداً إلى المدار كفلك مضيءٍ مُغْرٍ·هنا مشابهةٌ ليس في أصلها اختلافٌ جذريٌّ مع حالةِ الصخرةِ التي يحملها سيزيف من الهاوية ويرتقي بها الجبلَ إلى القمَّةِ، وما إن يتركها حتى تُفلت وتعود فتستقرّ في القاعِ، ليعاود إلى ما لا نهاية النزولَ إلى الهاويةِ والصعودَ إلى القمة·
طغيانُ الجاذبيَّةِ، وعنادُ الأشياءِ يصنعانِ قَدَرَ الإنسانِ المضادّ لحريته، وانفتاحَ الحريَّةِ على الموت
V
ثمَّةَ بُعْدٌ قصيّ في نفس الشاعرِ· أصوات تهوّم وتناديه، كمثل أصوات حوريات البحر عند هومير اللواتي نادين أوديسيوس في مياه رحلته الإغريقية، ولم يكن في وسعه الفكاك من سحر أصواتهن·وإن كان أوديسيوس أدرك إمكان المضيِّ في المغامرة مع إمكان السيطرة على نفس ترغب أن تطيعَ إغراءَ الجمالِ وتستجيب لسحره، فطلب من رفاقه شدَّ وثاقه إلى صاري السفينةِ عندما راحوا يقتربون من منطقة تلك الأصواتِ، فإن الشاعر هو ذاك المغامر الذي يبقي جَسَدَهُ حراً طوعَ حواسه، وحواسَه حرَّة لتنجذب نحو تلك الجهةِ الغامضةِ فيه بكلِّ ما يسكنها ويمورُ فيها من أصوات لا تَحَقُّقَ لشعره من دون الوصول إليها، ولا وصول إليها من دون الاستعداد للفناء فيها· بل إن شعر الشاعر نفسه هو ضوء ذلك الانغمار في غموض تلك الأصوات وما تمثله من تعدد في شخصية الشاعر إذ يستجيب لإغرائها، ويقدّ من هذا الإغراء ما يسميه النقاد (سرّ الشعر) وجماله الغريب· هذه استجابة تحمل المتعة مقرونة بالألم، والفرح بغموض الشعور· من على هذا المعبر المفتوح على المفاجآت يندفع الشاعر في مغامرته المتطرفة، وتتجاذبه في تلك الوجهة قوّتا الحياة والموت على نحو ممزِّق·
ولا فرق جوهرياً بين حالتي أوديسيوس والشاعر، لأن أصوات جنِّيَّات الأول هي الأصوات التي سمعها هومير في ذروة تحققه في بطل ملحمته·
فهل يكون، إذن، في مشابهةٍ أخرى، مَثَلُ الشاعر في علاقته بنفسه كمثل الشخص المُنْتَظَر في الحكاية العجيبة، المنذور لفتح غرفةٍ ظلَّتْ مغلقةً لأزمانٍ، فما تنكشف أسرارها إلا مع وصول ذلك الشخص استثنائي القُدْرَةِ والقّدَر؟
وكما إن في بعض الحالات التي تصوغها الحكايات العجيبة مثال من يدخل غرفةً فلا يخرج منها أبداً، كذلك في حالة الشاعر وكينونته هنالك ذاك التوقع المخيف من أن يحمل العبور بعيداً وعميقاً في أنوار النفس وظلماتها مصيراً مأسوياً·
***
إن مغامرة الاكتشاف عبر النفس قد تقود عالِماً في الفيزياء إلى السيطرة على الذات ومحيطها معاً، لكنها بالنسبة إلى الشاعر تحمل مخاطر الوقوف على نهاية العالم· مخاطر الهلاك·
إن الشعر للشاعر تجربة قاتلة لمجرد كونه انفتاحاً هائلاً على العالم، واستعداداً للفناء فيه، على اعتبار أن ما من تجربةٍ ذاتِ لهبٍ قدسيٍّ ما لم يكن خوضُها حدثاً غير مسبوقٍ، بكلِّ ما يعنيه ذلك من صداماتٍ وارتطاماتٍ للشعور وهو يرهفُ ويشفّ حتى ليكادُ يذيبُ صاحبَه ويسكبه في كلِّ مرئيَّةٍ من مرئيّاتِ الوجود، فلا تعود تستحقُّ التجربةُ اسم المغامرة لو ظلَّ شاعرَها دون هذه الحالة· وذا ضربٌ ساطعٌ من ضروبِ التطرف·
صفحة 4
VI
من هنا أيضاً، من تحوُّل المرئيِّ عن عاديَّته إلى غموضٍ ينادينا لنكشف سرَّه يتلغَّز الجمال، ومن هبوب الفراغ، من مغادرته شيئيَّته ليعبر الحواس ويتحقق كخلاءٍ حيٍّينذرنا بولادةٍ ما، يولد الشعر مفاجئاً ومدهشاً، ومخيفاً في طاقته وغموضِ خروجه من عماء الحواسّ إلى نور الكلمات
وما الكلمة بعد ذلك غير نعمةٍ تهدِّئُ الروع، كونها تضبط ذلك الانفلات المخيف للروح، ذلك السَّرحان، ذلك التيه والهيام حدَّ التلاشي في الأشياء، ومن ثم التحول فيها، ليس على نحو ما يَحْدُثُ للدراويش والمتصوفة في انجذابهم نحو المحبوب الذي هو الحق، فما تقرُّ عينُ الحبيب حتى يقرَّ في محبوبه وقد أفناه الوجدُ، إنما على نحو يبعث في الكائن مع كلِّ تجربةٍ روحاً جديداً· فالكلمات في شعر هي نظام من العلاقات يمسك بالشاعر عن خوضٍ أبعد، يستعيده إلى الحياة وهو يكادُ أن يُفْلِتَ، فلا يترك له أن يتبدَّد· فهي نظامٌ له القدرةُ على إعادة التشكُّل في حَيِّزٍ من الاستقلال عن الشاعر، يتضاءل ويعظم· وللشاعر مكابداتُه، وصراعُه مع هذه القدرة· لكنهما، في حدودٍ غير
متعيِّنة، نظامٌ وتشكيلٌ يصونان حياة الشاعر، يبقيانه في تخومٍ من الانفصال يمكن للأرضِ أن تستعيدَه منها
هنا، من تعقيد العلاقة بين الشاعر ومخيِّلته، والشاعر ولغته، وبين المخيِّلة والتجربة الإنسانية لصاحبها· في هذه الشبكة المركَّبة، تكمن الهِبَةُ في صورةِ قصيدةٍ· ومن ثم القصيدة حقلُ دلالاتٍ التحققِ والاخفاق معاً، وما الرجوع بها غير دليل ناقص على: (الخلاص من الموت··· العودة بسلام··· إلى ماضٍ آخر على صورةِ مستقبلٍ، هذه المرة، إلى ما قبل القصيدة وبعدها· أيضاً إلى ما ينسف وجودها تماماً، للبدء من جديدٍ في مغامرةٍ كيانية أخرى)·
القصيدة، إذن هي الهِبَةُ الشقيَّةُ· فأن يبقى الشاعر بعد ولادة القصيدة، أن لا يموت بولادتها، أن لا يموت بموتها··· أن يقبض الثمن··· أن لا يدفعه أبداً··· أنَّ··· وأنَّ·· ذلكم هو المأزق الوجودي الأفدح للشاعر، ودليل، بلا علامات، إلى محن لا تنقطع
VII
عند آفاق كهذه نعثر في شعر الشاعر على بذرة الانتحار، حيث تختفي الكلمات وتولد الصور، وحيث يتلاشى النحو ويولد الصوت، ويُرى، ولكن من جهات لا مرئية، يصعب تحديدها· ننسى الشعرَ في سطوع الشعور كطغيان نهائي لجاذبية الروح وجمالات تفتحها على العالم· صور تخلب وتصدم، وأصوات تُغْبِطُ وتُقْلِقُ· ومن ثم سوف يخيفنا ما يبرق ويوسوس في هذا الذي نسميه الشعر، ثم لا نعثر له على قواعد نشد إليها جسده الزئبقي النافر على سطوح متوترة، ولا على تقاليد تسبق القصيدة كأثر يتيم·***
إن كلَّ شعرٍ يذكّرنا بنظير أو يحيلنا على مَرْجِعٍ له، إنما يعتوره خللٌ فادحٌ فيه مقتله·
القصيدة إذن، هي الهِبَةُ التي رجع الشاعر بها، وبواسطتها، من انتصار على الموت· والغريب أن الشاعر سرعان ما يُعْرِضُ عن هذه المكافأة، ويبدو كما لو كان يتنكّر للنِّعمة ومانحها، إذ يتحول انتباهه عنها، ويتهيأ لحدث آخر·
قد يشعر بعض مرهفي الحس والذكاء من الشعراء بمشاعر مركّبة ومتناقضة بإزاء قصائدهم، مشاعر تدخل فيها عاطفتا الحب والكره، وكذلك الخوف، وربما أحاسيس هي غبطات جسدية هاربة· ولا غرابة في الأمر· أولم يلحٌّ شعراءٌ ومعهم نقادٌ على تشبيه لحظة ولادة القصيدة بذروة النشوة، يكسر بَرْقُها الصُّلْبَ· أو تكون القصيدة حقاً أثراً مما هو خاطف في لقاء جسدين عاشقين؟
والسؤال الآن: من كان الطرف الثاني في لحظة الشاعر عند ذروة الخلق؟ امرأة؟ ذات أخرى؟
أم هي اللغة؛ كائنها السري؟
صفحة 5
VIII
لأي قارئ سأقول كفَّ عن تذكّر اسمي، وانس أنكَ عرفتَ هذا الاسم، انس وجودي لأتمكن، أنا أيضاً من نسيانه، لأتمكن من أن أجهل اسمي ووجودي اللذين لا يكفان عن تهديدي· خذ القصيدة، واترك الشاعر·لا تفكِّر بي بالطريقة التي فكَّرْتَ أنها تليق بهذا الشخص·· الحقائقُ هي الأوهامُ، لقد امتلأت وهماً، وملأتك، ولم يعد ينقصني، إذا أصلُ وأجدُ يومَ الناس مسجَّى في دمٍ لا نهايةَ له، إلا أن أتمدَّدَ فيه، وأُشبهه، أن أشعر بقوةٍ أنني هالكٌ مثله، أن أكفّ عن الاعتقاد بانتصارٍ طالما هددني به وجودي، فأغريتُ به نفسي وأغريتك، أيها القارئُ الوهميُّ، القارئ الذي طالما توهَّمْتُ· لم يعد يكفيني لأستحقَّ عبورَ هذا اليوم، إلا أن أخون صورتي، إلا أن أتمادى في خيانةِ صورتي·
IV
بالكلمات تهدم شخصاً، بالكلماتِ تستعيدُهُ من الموت، بالكلمات تفتحُ وجوداً وتدخلُ، تغيبُ في زهرةٍ وتظهرُ في أخرى، تنهلُ من الرَّحيقِ وتنهلُ من الموتِ الذي في الرَّحيقِ، ومن ثم تكون قصيدتُك عسلاً، لكن نهارَك يُمسي غريباً لأنه خَرَجَ إلى قصيدتك وترككَ فارغاً، لأنَّكَ خلوٌّ من كلِّ روحٍ، لأنك ميتُ في حياةِ القصيدةِ، ولأن حواسَك الهاربة تعيشُ في الكلماتِ، الكلماتِ التي ما تنفصل عنك إلا لتؤكِّدَ أنها عَدُوُّكَ، الكلماتِ التي تخرجُ منك لتؤكِّدَ أنك لم تعد لها، ولم تعد لكَ· أنتَ لم تعد موجوداً·***
الكلماتُ تحملني على التساؤل: من الأكثر خطورةً، الشاعر أم القارئ؟ الشاعرُ يلعبُ بدمه والقارئُ يتفرَّجُ· يلعبُ الشاعرُ بدمه، لا لأنه يستهينُ بوجوده، ولكن لأن نداء عميقاً، مسَّا غريبا يسري في دمه، ويهمس إليه، فيُفْتَتَنُ حتى ما يعودُ يُطيق حدودا لجريانِ الرُّوحِ في الجسد وجريانِها في الأشياء·
أهو همس الأسرار النِّعَمُ السريَّة، الجمالُ مروِّعاً، والجمالُ مروَّعاً لأن المخيلة تعمل، حرّة ومنفلتة حتى من شاعرها··
***
يخسرُ الشاعر كلَّ شيءٍ ولا تبقى له إلا الكلمات·· وعندما لا تبقى له حتى الكلمات، عندما لا تعود تكفيه، عندما لا تعود ممكنةً، من الأخطر، أهو ذاك الأكثر ديمومة؟ أم الأكثر عَرَضاً في عبورِهِ وانقضائه؟
بالكلماتِ يثري القارئُ بما يملأه شعوراً وضياءً، ويذهبُ الشاعرُ إلى فراغه المعتم·
لمنْ أكتبُ، لمنْ كتبتُ هذه الكلمات؟
نوري الجرّاح
من نص محاضرة حول الشعر كتبت وألقيت سنة 1991
صفحة 6
دائرة الطباشير الدمشقية
أغنية قديمة
مَنْ رآهُ،من رأى القمر
يزحفُ نحو غابةِ القصب
يصِلُ الزمنَ بين طرفين
ويشِفُّ·
رجلٌ فضيٌّ من نأْيٍ يتدلَّى فوق البحيرة·
أوَّلُ وحيدٍ يخطفه الصائدونَ،
تاركين وراءَهم آثاراً من هشيمِ القَصب
أوَّلُ أميرٍ يترك صورتَه الفوتوغرافيةَ لعذارى البحيرات
ويصعدُ درجاتِ أرواحِ الأمَّهاتِ
إلى قصره الضَّبابيِّ في الأعالي··
َنْهَدُ النُّسوةُ من أنفسهن، إلى بهاء نفسه
- يا حبيبي، يا قمر
وفي وقتٍ لا يُحَدُّ بين كوكبينِ
يتركه الصائدونَ مُكَسَّرَ الأضلاعِ، شاحباً
الصَّبيُّ من وراءِ النافذةِ يراه
العائدُ إلى حتفه يراه
النائمةُ تراه
هائماً في بِرَكِ الوحلِ
عيناهُ من طينٍ
أنفُهمن خزفٍ أزرقَ
شفتاهُ الرَّاجفتانِ حبَّتا صفصاف·
من رآهُ
من رأى القمر
يزحفُ نحو غابةِ القصب؟
في البدء كان مَلِكَ القرية
ثم مَلِكَ المدينة
فملكا على المدن الثلاث·
أتراهُ يخرجمعي إلى الأبعد
فأقولللذين خرجوا أولا
افتحوا الأبوابَ
ورائيَ
ملك كونفدراليٌّ على مملكةِ الفَناء
أم تراني أدخل فيوصَدُ ورائي المَعْبَرُ بالحجارةِ
ويرجِعُ ضاحكاً إلى سماءِ القرية الوحيدة؟
وجهه صورةٌ لنفسهِ عن نفسهِ،
خواتمُ من فِضَّةٍ مسروقةٍ
رَجُلُ الحجرات كُلِّها
يتنفس قريباً من أعناقهن
قريباً، قريباً من ارتعاشاتهنَّ الدفيئةِ
إنه
لصُّ القُبَلِ التي ينفرطُ عِقْدُها
روما 1981
صفحة 7
كما يحدث لطائر ليلي أبيض
قليلاًقليلاً
وتحرِّك أصابعَها
قليلاً··
وتخرج من الرسم الفوتوغرافي على الحائط
على حائط الموت عشرُ ورداتٍ
في كلِّ وردةٍ قمر·
في وجه المرأةِالجميلة
مقلتان
في كل مقلة بحيرة·
لا تلمس يدي
لا تلمس يدي
أنا لستُ أنا·
على حائطِ الموتِ
بندقيتان
في كلبندقية رصاصة·
واحدة لي والأخرى لكِ·
لاتلمس يدي
لا تلمس يدي
أنا لست أنت·
في وجه المرأةِ الجميلة
بحيرتان
في كلِّ بحيرة أنا·
مرَّةً أحبَّ عصفورٌ قصبةً · انقضى
الربيعُ ورحلتِ العصافيرُ، ولم يُفلح
العصفورُ بإقناعِ القصبةِ تركَ
الضفَّةِ· انقضى الخريفُ والقصبةُ في
مكانها على ضِفَّةِ النَّهر· وعندما
جاء الشتاء ··
على حائطِ الوردِ
عشرُ رصاصاتٍ
في كلِّ رصاصةٍ عصفور·
في المدينة التي ذهبنا إليها معاً
كانَ رجلانِ
الأول أهداني وردةً
والثاني أطلق عليَّ النار·
آه
أنتِ لا تتذكَّرين
أنتِ مثلي تماماً
لا تتذكَّرين·
ولأنَّ الله أقربُ إليكِ مني
أنا أخشى عليكِ منه،
كما أخشى عليَّ
من أحدٍ وراءَ الجدارِ
يقبضُ على حفنةِ ياسمين·
على حائطِ الموتِ عشرُ ياسميناتٍ
في كلِّ ياسمينةٍ صباحٌ·
وكنسمةٍ في الرِّيفِ البعيد
حيثً لا عرباتٍ، ولا وقع خُطاً مضطربة
أنتِ تمرِّين
وأنا أعقدُ يديَّ وأقعدُ صامتاً
متأملاً تقاطيعَ وجهكِ
كم تدومُ قطرةُ المطرِ على صفحةِ الشارع؟
أنتِ تعرفين أكثرَ مما أعرف
وأنا لا أشكُّ أبداً
في أنكِ المرأة التي لا تنتظرُ أحدا·ً
ومع هذا أنا أبتعدُ عن هالةِ الضوءِ
لأراك جيداً·
كم تظلُّ الوردةُ على الغصن!
***
خيطٌ من الضوءِ، خيطٌ من الوردِ، خيطٌ من الفرح
أنا ممسكٌ بجميعِ الخيوط··
ولأن الأسى لا يمكن أن يُمسك من طرفٍ
كخيط الصُّوف
أحياناً أجِدُ بقعاً زرقاءَ ورمادية
تحت عينيك
فأبتسمُ··
كم أنت رائعة·
***
الوردةُ ليستْ للإناءِ
ما هو جديرٌ بها حقاً أن تُطفأ وتموت
كما يحدثُ لطائرٍ ليليٍّ أبيض
أو لفراشةٍ تغلُّ في الضَّوء·
وكنهرٍ رمى ضفتيه
تسقطُ السماءُ الأخيرةُ من الطَّابقِ الأخير
وتَخْفُقُ مثلَ نيزكٍ·
وأنا أندفعُ مذعوراً، مقرِّباً يديَّ من النَّار·
يحدثُ أن أبكي، ويحدثُ أن أضحك
وعلى حائط الموت أرى بقعاً بيضاءَ
فأحملُ فرشاتي، وأصِلُ الأبيضَ بالأبيضِ
وعلى المساحةِ الناصعةِ كياسمينةٍ
أرسم بالأخضرِ كوخاً
ولا أنسى المدخنةَ، وخيوطَ الدُّخان·
وكطائرٍ شديدِ الزُّرقةِ
تهبطُ السماءُ على رأس الصَّبيِّ الواقفِ أمام الحائط·
هوذا أنا مقصوفُ العمر العائدُ من الأزقة
إلى قفصِ المساء
معفَّرَ الوجهِ والثيابِ، وفي راحتيَّ عصفورٌ من طين·
***
القُبْلَةُ أولا، ثم يأتي الحُبُّ
أسرعَ من حركةِ اليدِ
أبعدَ من رعشةِ الشَّفَةِ
أكثرَ شفافيةً من الفراشةِ
وأقصرَ عُمراً من النَّحْلَة·
الرصاصةُ أولا، ويدخل الحُبُّ كرجلٍ مُسلَّحِ
يفتحُ النار على الجميع··
لا يقتلُ أحداً، ولا يجرحُ غيري·
***
عند كلِّ منعطفٍ أتوقَّعُ أن أراكِ
ووراءَ كلِّ نافذةٍ يخيَّلُ إليَّ أنكِ تجلسين
وفي الأمكنةِ التي لا يمكن أن تطرُقيها
أذهبُ لأفتشَ عنكِ·
أنتِ ما أُحِبُّ وما لا أُحِب
ما أجهَدُ في بنائه ثم أُديرُ له ظَهري
لا تلمس يدي
لا تلمس يدي·
انحلَّتِ العقدةُ
وطارتِ الشريطةُ
ومن الغيمةِ العاليةِ
تدلَّى طرفُها·
لا تصعدْ
لا تُمْسِكْ بشعري
ابن آوى يرانا·
الفأسُ في القبضةِ
والملكُ في القصر·
دمشق 1980
صفحة 8
مارجاريتا
على الغيابشمسُ ليماسوس التي لم تشرق
شمسُ روحيَ الضائعةِ في وهادِ البلد·
قلبيَ ليس لي
ويدايَ غريبتان·
أين أضيِّعُكِ، يا حبيبتي··
بين وتَرَيِّ البزقِ الحزينِ
في مقهىً صغيرٍ على مفترق ليدرا ستريت
حيثُ يتنزه الصِبيةُ
وتختالُ البناتُ بثيابهنَّ الأرجوانية؟
آهِ لو أستطيع،
أيتها الوردةُ العاريةُ
أن أضمَّكِ إلى شجرةٍ في فيءِ صدري
إلى أبدٍ بين زهرتين·
قلبي حزينٌ
ويداي غريبتان
وعلى أطرافِ الأصابعِ تتلاشى الموسيقى
ويتفرَّقِ الراقصون·
وبين غيمتين بيضاوين كالحليب
في بِركةٍ من صوفِ الخِرافِ أقفُ·
لتخرجِ الحديقةُ من البلد،
ليرجعِ العازفون إلى بيوتهم،
لتستحم الأميرة في صمتها··
حيث الأبعدُ من أصابعي، ومن عيون الأبد·
في شارعِ الشتاء واحدٌ وثلاثونَ متظاهراً
واحدٌ وثلاثونَ ثعلباً صغيراً
مكبِّرُ الصوتِ
وعربةُ الشرطة
وأنا
واحدةٌ وثلاثون ذكرى
و
واحدةٌ وثلاثونَ خطوةً إلى ما لست أدري
ومفترقٌ·
إلى اليمين تقع المقبرة
ثم عينايَ الحزينتانَ، يا إليزا،
يا ··· أين أجدك·
لا مطر على مكاريوس آفينيو
لا مطر على أغصانِ روحي
وفي مكانٍ ضائعٍ من غابةِ القلب
عنوانُ رجلٍ وحيد
لا أجدهُ·
آه، يا مارجاريتا مارجارو
أيَّها البلدُ الصَّغيرُ
يا الطفلةُ الأصغرُ من نفسِها
يا وتراً لأصابعِ الحقولِ
ويا ميناءَ المطرْ·
أيتها المرأةُ الأجملُ منَ الأرض·
لو تعرفين
أننا قَبْلَ جبلِ النَّارِ
نريدُ جبهتَكِ العالية·
كلُّ شيءٍ أو لا شيءَ·
ومع هذا نحن لسنا أشراراً
في المنزل تركنا أمهاتنا،
جميلاتٍ يأمرنَ بالمعروف وينهينَ عن المُنكرِ·
لذا ترينني دافئا وشفيفاً·
أُفَكِّرُ بكِ قبلَ أيِّ أحدٍ
بكِ
وأنسى كلَّ شيء·
وأتخيَّلُ أنني ذات يوم
سأضعُ قدمِي بباب أثينا طالباً يدَكِ·
وفي غرفةٍ من شرائطِ البحرِ
على سطحِ مركبٍ أخضرَ من غسقِ الدَّمِ
سيجلسُ المغنِّي
ببزقِهِ
وأسرابِ موسيقاه؛ عصافير برونزِ الظَّهيرةِ
بنيرانِ أجنحتها الخارجةِ من كورِ الحدَّاد
إلى فضاءِ المطر·
مطرٌ
في قطنٍ سماويٍّ··
وفي معدنِ الأرضِ ونارِ السُّهوب
الزوربا
جنونُ الخالقِ في مخلوقِهِ
آه، يا مارجاريتا مارجارو
يا كلَّ شيءٍ قبلَ أيِّ شيء·
لا شيءَ قبل خدِّكِ صنيعة الزبد·
لا شرطة
لا حكوماتٍ
لا موسيقيينَ زائفين·
هوذا ما أريدُ
وأنا أصعدُ درجاتِ السُلَّمِ المؤدية إلى شهرِ أيَّار·
لانعم
لا لا
قبل سطوعِ النَّارِ في منزلِ المَلِكِ··
حرسهُ بالأبوابِ
عيناهُ على الأسلاكِ الشائكة؛
الشِّبْرُ الأخيرُ من لحمنا·
لا
لذرَّةِ ترابٍ واحدةٍ
يا مارجاريتا مارجارو
قبلَ الهواءِ، الهواءِ، الهواء
للرئة الحبيسة·
ليبق الطائرُ في القفصِ
والغائبُ في الغياب·
فالأرض التي في الحدودِ كذبةُ النَّباتاتِ،
خدعةُ المعادنِ،
أُخْتُ القَدَمِ المحطَّمةِ·
لخدِّكِ الأرجوانيِّ،
لزبدِ اللازورد،
لحليِّ أصابعكِ،
لخصركِ الظبيِّ··
لعشَّاقِهِ الملطَّخينَ بأوراقِ دَمِكِ
نريدُ
يا مارجاريتا مارجارو، يا زهرة المدائن
حوضَ الأزرقِ المتورِّدِ
آمراً بالقميصِ ليوم الجمعةِ
وبالخبز والأزاهير والمنزلِ للجميع·
لا شيءَ قبلَ أيِّ شيء،
لا شمسَ بعدَ خطاكِ
لأن أحداً لا يجيءُ
في هذه السَّاعة المتأخرةِ من هوى النفس،
أحداً
لا يتركُ مِزْقَةً من ردائهِ
على مسمار نافذتي في مكاريوس آفنيو
حيث لا مطرَ، لا مطر
قبلَ أيِّ شيءٍ أو بعدَه··
وفي مكانٍ ضائعٍ من غابةِ القلب
عنوانُ رجلٍ
وحيدٍ
لا أَجِدُهُ·
مارجريتا مارجارو: أغنية للموسيقار اليوناني ليكيس ثيدوراكيس·
مكاريوس افينيو: شارع في نيقوسيا·
ليدرا ستريت: محلة قلب نيقوسيا القديمة·
ليماسوس1982/3/26
صفحة 9
الصبي
I
صباحُ الخير أيتها المُعَلِّمةأنا ولدٌ لا يطيق الدُّروس
وها أنذا أمدُّ يدي
لأتناول نصيبيَ من عصاكِ السَّاحرة·
أيتها المُعَلِّمة
سأفتحُ البابَ وأغيبُ وراءَه
تاركاً رفاقيَ حفظةَ الأناشيدِ الجليلةِ
يتحلَّقونَ حول سُفرةِ كلماتِكِ الشَّهيةِ
متنازلاً لعريف الصَّف
عن حصَّتي المتواضعةِ من العِلم·
أيتها المُعَلِّمة، الفئرانُ أيضاً تجيدُ قَرْضَ الكتب·
إنَّما لو نظرتِ من النافذة
لرأيتِ كيف أن الشمسَ سطعتْ هذا الصَّباح
وأنا أرى نجوماً
هناك
في السماءِ الأولى
حيثُ يبدو جلياً سقفُ معرفتنا
مصنوعا من الخشبِ والطِّينِ الممزوجِ بالتِّبن·
أيتها المُعَلِّمة
صباح الخير
أحضرتُ لكِ بنفسجةً·
الصَّبيُّ المولعُ بالشَّمسِ وتسلُّقِ الأشجارِ
و الذي يرى نجوماً في الصباحاتِ
سوف يفتحُ عينيه فجاءةً
ويطرحُ أسئلتَه على النَّهر·
الصَّبيُّ يُلِحُّ، والنَّهرُ لا يجيب
فيفترقان·
النهر يَنْزِلُ السَّفْحَ
والصَّبيُّ يصعدُ الجبل·
المعلِّمُة قرصتْ أذنَه
عندما حاول إرشادَها بإصبعه إلى النجوم·
صفحة 10
II
- صباح الخير أيتها المُعَلِّمةكان بودِّي أن أهديَكِ بستاناً
ولا أستطيع
ولأنني أكرهُ الأناشيدَ
نسيتُ كتابَ الاستظهارِ في البيت·
سأرمي بنظري إلى الأرض
ريثما
تفرغينَ من توبيخي
ثم أنسحبُ إلى المقعد الأخير·
وإذا كان لا بُدَّ من السؤال:
لِمَ كنت شديدَ التَّعلقِ بالمقاعدِ الأولى
سأجيب:
لأنه كان من السَّهْلِ عليَّ
النظر إلى ساقيكِ العاريتين
بحجَّةِ التْقاطِ قلمٍ أو ممحاة·
آه أيتها المُعَلِّمة، آه، يا معلمتي
اسمحي ليَ أن أضعَ قَدَمِي على الأرض
قليلاً
فأنا لا أستطيع أنْ أظلَّ
لعشرِ دقائقَ
واقفاً على ساقٍ واحدةٍ
كطائرِ اللُّقْلَُقِ··
وإذا كان لا بُدَّ من العقاب
فأنا لا أُفَضِّلُ
كتابةَ خمسينَ سطراً من:
النهارُ جميلٌ والنَّاسُ سعداءٌ وأنا ذاهبٌ لأضحك·
آه أيتها المُعَلِّمة، آه، يا معلمتي
اسمحي لي أن أفتحَ النَّافذة
وأدفعَ بطائرتي إلى الفضاء
ستطيرُ
وتَقَعُ عند قدمي الرجُل·
الرجُلُ الذي يحملُ كيس الخضار لزوجِهِ·
أنتِ وأنا
نبتسمُ
والرجلُ يُقَلِّدُنا
هو لا يستطيعُ الابتسامَ حقاً
لأنه يحملُ كيساً ثقيلاً··
بينما أنسى دفاتري
في المطبخ
وخلفَ بابِ الزُّقاق
وعلى الرصيف··
وأحياناً
على المقعد·
وبالرغم من أن صفحاتِها مرقمةٌ
بخطِّ أختيَ الكبرى
كنتُ أستطيعُ أن أصنعَ الكثيرَ من الطَّائرات
غير أني لا أستطيع
يا مُعَلِّمَتي
أن أظلَّ لخمسِ دقائقَ أخرى
واقفاً
على ساقٍ واحدةٍ
كطائر اللُّقْلُقِ
وإذا كان لا بُدَّ من العقاب
فأنا لا أُفَضِّلُ
كتابةَ خمسين سطراً من:
النَّهار جميلٌ: والنَّاسُ سعداءٌ وأنا ذاهبٌ لأضحك·
دمشق 1980-1978