eKtab
EN ع
العقد الاجتماعي
اقرأ عينة مجانية

العقد الاجتماعي

بقلم جان جاك روسو

صفحة 1

مقدّمة المترجم

أقدّم ترجمة «العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية» لجان جاك روسّو...
في اليوم الثاني والعشرين من يونيه(1) سنة 1712 وُلد جان جاك روسّو في جنيف.
وكان أبوه إسحق ساعيًّا(2)، وكانت أمّه سوزان برنارد ابنة قِسِّيس، وكان جدّه الأعلى ديديه روسّو قد هاجر من باريس إلى جنيف في سنة 1550، أي أيّام الحروب الدينية، وقد استقرّت أسرته، التي هي من أصل فرنسي خالص، بهذه المدينة منذ ذلك الحين.
ولم يعرف روسّو أمّه سوزان برنارد، فقد ماتت بُعيد وِلادته، ولم يكن ليجاوز اليوم الثامن من عمره حينما فقدها، فقام أبوه بشئون تربيته في البداءة، ولكن من غير أن يُعنَى بأمر تهذيبه كما يجب، ومع ذلك فقد تعلّم القراءة ابنًا للسادسة، وطالع مع أبيه كتبًا كثيرة قبل بلوغه العاشرة من سِنِيه.
وكان أبوه إسحق نَزِقًا عاطفيًّا ذا أَثَرة، وممّا حدث في سنة 1722 أن تشاجر هو وضابط في جنيف قريب للقاضي الذي يحكم في الدعوى، ففرّ من جنيف خشية القسوة عليه، وأقام بقرية نِيُون البعيدة حيث تزوّج واستقرّ حتّى آخر حياته، وقد نَدَر اجتماعه بابنه بعد ذلك.
ويقوم بشأن تربيته بعد فرار أبيه خالُه برنارد الذي كان مهندّسًا في مدينة جنيف، ويرسله خاله هذا إلى كاهن بواسي، لانبرسيه، ليتعهّد أموره، فقضي عنده عامين، ويكسر مُشط أخت معلّمه، ويعاقبه معلّمه هذا على فعل ما اقترفه، فيألم كثيرًا، ويعود إلى منزل خاله سنة 1724، وتُحسِن زوج خاله معاملته، وتَعطِف عليه.
ويبلغ الثالثة عشرة من سنيّه، ويجعله خاله تلميذًا لدى موثّق على الرغم منه، ويزدريه معلّمه لعدم نجاحه، ويعيده إلى خاله، فيرسله إلى نحّات في سنة 1725، ويحبّ فنّ النحت، ولكنّ النحّات يقسو عليه، ويكثر ضربه ويجعله بائسًا مكّارًا خبيثًا، وفي سنة 1728، حين كان في السادسَ عشرَ من عمره، ذهب مع أصدقاء له للنزهة خارج جنيف، ولمّا عاد مساء وجد أبواب هذه المدينة مقفلة، فتمثّلت له غِلظة أستاذه ولم يرجع إليه، وصار يطوف حول جنيف أيّامًا ويعيش مع الأشرار فانحطّ.
ويقصد روسّو دير كونفِنيون بمديرية سافوا الإيطالية، ويُلقِّنه كاهن هذا الدير، بونفير، مبادئ الكثلكة، ويبعده من البروتستانية التي كان يدين بها، ويرسله إلى مدام دوفارِنز بمدينة أَنْسي، وكانت هذه السيدة بالغة الجمال فحاولت أن تجعله كاثوليكيًّا مقبولًا في مدرسة كاتِشومِن بتورين حيث ارتدّ عن البروتستانية.
وجد روسّو رجال دير تورين فاسدي السيرة، وودّ لو ينجو منه، فساعده على الخلاص كاهنٌ عطوفٌ قام بزيارة عابرة لهذا الدير، وهكذا هرب روسّو منه ليعود إلى سابق فقره.
ظلّ روسّو عاطلًا من العمل جائلًا في الطرق حتّى نفد جميع ما عنده من نقد، وكاد يموت جوعًا فرجع إلى ذلك الكاهن المُحسِن فأشركه في معيشته موصيًا إيّاه بالصبر واحتمال الألم، ومن هذا الكاهن اقتبس الإخلاص وحبّ الإنسانية ومقْت النفاق.
ويبحث روسّو عن عمل يعيش منه، ويُستخدَم في حانوت حسناء إيطالية، ويطرده زوجها عن غَيرَة، ويعمل عند أرملة غنيّة، وتموت هذه السيدة، ثم يصير خادم مائدة في بيت إحدى الأُسر النبيلة، ثم يزوره صديق من جنيف فيرافقه ويترك الخدمة مفضِّلًا الحرية على الاستقرار.
ويفرغ كيسه، ويقصد ثانية منزل مدام دوفارنز بمدينة أنسي سنة 1729 ابنًا للثامنة عشرة، فيُرحّب به، ويقضي في هذه المدينة حياة سعادة، يقضيها في القراءة والدراسة، وترسله مدام دوفارنز إلى إحدى المدارس لإتقان اللاتينية فيقرّر أستاذه عدم صلاحه لهذا، ويسافر إلى ليون بعد شتاء يقضيه في منزل تلك السيدة، ويلقى حياة قاسية في ليون، ويعود إلى ذلك المنزل فيجد مدام دوفارنز مسافرة، ويسأل فلا يعرف أين تقيم، ولا متى تعود.
ومن المصادفات أن لاقى في أنسي خادمة جاءت للبحث عن مدام دوفارنز فلم تَعلَم أين هي أيضًا، ويسافر مع هذه الخادمة إلى قرية فرِيبُرغ حيث يقيم أبوها، ويمرّ في طريقه على أبيه في قرية نِيُون، ويتعانقان، ولا تحسن زوج أبيه قبوله، فيداوم على سفره إلى قرية فريبُرغ، ولا يحسن أبو الخادمة استقباله، فيتوجّه إلى مدينة لوزان معسرًا كثيرًا.
وفي لُوزان يزعم أنّه أهلٌ لتعليم الموسيقا مدَّعيًا أنّه تعلّمها في باريس مع أنّه لم يرها حتّى ذلك الحين، وهو على ما كان من كَلَفه بالموسيقا كان جاهلًا لها، فيُمنَي بحبوطٍ ذريع.
صفحة 2
ويغلِب الغموض على تاريخ تلك المغامرات التي حدّث عنها في «اعترافاته»، ولكنّها وقعت في ثلاث سنين كما يظهر، فلمّا حلّت سنة 1731 ذهب إلى مدينة بودري فوجد في أحد فنادقها قسيسًا يحدّث بلغةٍ لا يعرفها غيرُ روسّو، فاتّخذ روسّو ترجمانًا له، وصار يجوب معه بلادًا كثيرة حتّى انتهيا إلى سولور، فأعجب السفير الفرنسي فيها بروسّو وجعله موضع رعايته، ويرسله إلى باريس مع ضابط صغير، ويعتريه سأم من باريس ومظاهرها، ويَعلَم نبأ عودة مدام دوفارنز إلى أنسي ويَرجع إليها.
بلغ ليون خاويَ الوِفاض، فأخذ ينسخ قطعًا من الموسيقا، وظلّ يصنع هذا أيامًا حتّى تلقّى كتابًا من مدام دوفارنز تدعوه فيه إلى مدينة شانبري، فلبّى الدعوة غير آسفٍ على ليون لبُعدها من الحياة الريفية، وقد بقي محلّ رعاية مدام دوفارنز، وقضى حياة هدوء عندها سنين كثيرة سواء أفي شانْبِري أم في شارْمِت، وفي هاتين المدينتين أمعن روسّو في دراسة شتّى العلوم فكان لذلك أبلغ الأثر في كتابة رسائله وكُتُبه القادمة.
وفي سنة 1738 يُصاب روسّو بمرض شديد، ويُرسل إلى كليّة مونبليه للمعالجة، ولم تُحسِن مدام دوفارنز استقباله بعد شفائه لاشتعال قلبها بغرام حبيب آخر، وما بذله روسّو من جهودٍ كثيرة لإقصاء هذا المنافس كان على غير جدوَى.
وفي سنة 1740 سافر إلى ليون حيث مَكث عامًا، وحيث اتُّخِذ مربّيًا لأبناء حاكم ليون الأكبر دُومابْلي، ثم عاد إلى شارْمِت عن شوق إلى مدام دوفارنز، فكان قبولها له حسنًا على غير ما ينتظر، ولكن مع بقاء الحبيب المنافس محتلًّا للمكان الأول من فؤادها، فعزم على السفر إلى باريس.
ذهب إلى باريس سنة 1741 بالغًا التاسعة والعشرين من سنيه، ونزل بفندق سان كِنتان الوضيع، وقد كان ذا مزاعم في الموسيقا، وقد وجد في كسب عيشه من هذا الفنّ، فعرض في سنة 1742 على مجمع العلوم منهاجه فيها فلم يجده هذا المجمع جديدًا ولا نافعًا، فردّه، غير أنّ النجاح إذا لم يكن حليفه في هذا الحقل كانت له تعزيه بما اتفق له من اتصال برجال العلم والأدب والفلسفة في باريس وانتفاعه بمعارفهم.
وفي ذلك الفندق وقع نظر روسّو على فتاة ريفية اسمها تريز لُوفاسُّور بالغة من العمر اثنتين وعشرين سنة، وكانت هذه الفتاة تعمل خادمة فيه، وكانت من أهل أورْلِيان، وقد رقّ روسّو لها لما رأى من هُزوء الناس بها لبساطتها وبَلَهها، فاتخذها رفيقة له عن حبّ وعاطفة، وغادرا الفندق، وقد دامت حياتهما معًا ستًّا وعشرين سنة.
والحق أنّ تريز كانت على جانب عظيم من الغباوة، وكانت لا تُحسن شيئًا من القراءة والكتابة، وكانت كثيرة الشغب والنزاع، ومع ذلك كان روسّو كثير الإعجاب بها ناظرًا إليها بعين الحبّ راضيًا بجمالها وحُسن صوتها، متجاوزًا عن عيوبها وفقرها مُغضِيًا عمّا يفصله عنها من عبقرية ونبوغ، وقد دامت حاله هذه نحوها اثنتي عشرة سنة.
وتغيّر حبّ تريز له مع الزمن، وصارت لا تُبالى به ولا تفكّر فيه، وطلبت منه الفراق قبل موته بتسع سنين، فقد وَلَدت له خمسة أولاد، وسلَّمهم إلى ملجأ اللُّقطاء على مضض من الأمّ، وذلك من غير أن يترك ما يدلّ على أصلهم في المستقبل، ويعتذر عن ذلك بفقره واضطراره إلى كسب عيشه بكدّه، وإن كان يهدف في الحقيقة إلى الحياة الحرّة الطليقة التي لا تَشغَل باله بولد، وفي ذلك من الابتعاد عن الإنسانية والمروءة وحسّ الواجب ما لا يخفى، وقد أراد روسّو أن يكفّر عن خطيئته هذه التي لا تغتفر بوضعه كتاب «إميل» العظيم الشأن فيما بعد، ومع ذلك فقد وُجِدَ مَنْ شَكّ في صحّة حكاية أطفاله الخمسة تلك، ذاهبًا إلى أنّها دُسّت في«اعترافاته» التي نُشِرت بعد موته.
وفي اعترافاته تلك يذكر روسّو أنّه صرّح رسميًّا بزواجه بتريز بعد معاشرته إيّاها ربع قرن، وقد صرفها بذلك عن طلبها الفراق، فظلّت رفيقة له إلى أن مات، وإن لازمها الغمّ والألم حزنًا على أطفالها أولئك.
قلنا إنّ روسّو ذهب إلى باريس، وفي هذه المدينة قضى حياة عسيرة ككُتّاب ذلك العصر، فقد كان يتعيّش من استنساخ القطع الموسيقية فيها مع قبوله في رِدَاه المجتمع الراقي، ثم ذهب إلى البندقية سكرتيرًا لسفير فرنسة دومونْتيغ.
ويعود روسّو إلى باريس حيث أصبح مستخدمًا لدى الملتزم العام دوبان سنة 1748، وفي ذلك الحين يُقدّم إلى مدام ديبيناي، ويرتبط بأواصر الصداقة في دِيدِرو الذي كان من رجال الشعب أيضًا فيقضي حياة شاقّة مثله في باريس.
وبينا كان ذلك حال روسّو في سنة 1749، حين كان ابنًا للسابعة والثلاثين، نشرت أكاديمية ديجون إعلان مسابقة في موضوع: «هل أدّى تقدّم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أو إلى إصلاحها؟»، وكان صديقه ديدرو في سجن فِنْسِن وقتئذٍ بسبب «رسالته عن العُمي»، فاطّلع على ذلك الإعلان حين ذهابه إلى زيارته، فعنّ له وهو في الطريق أن يشترك في المسابقة، ويُكلّم ديدرو في الأمر فيشير عليه بالتزام جانب إفساد العلوم والفنون للأخلاق لما في هذا من طرافة وتوجيه نظر، ولِمَا ينطوي التزام جانب إصلاحهما للأخلاق من ابتذال.
صفحة 3
أعمل روسّو ذهنه وجمع قواه، وكتب في الموضوع فأقام الدليل على أنّ العلوم والفنون أفسدت الأخلاق وأوجبت شقاء الإنسان وادّعى أنّ الترف والحضارة من نتائج العلوم والفنون، وأنّهما عِلّة فساد الأخلاق، فقال بالرجوع إلى الحال الطبيعية، وممّا ذهب إليه في تلك الرسالة كونُ الثقافةِ أقربَ إلى الشرّ منها إلى الخير وكونُ التفكيرِ مناقضًا لطبيعة الإنسان، وكونُ الفضيلةِ والأمانة والصدق لا أثر لها في غير الحال الطبيعية حيث لا علوم ولا فنون...
وكتب روسّو رسالته تلك بقلمٍ حارّ وعاطفة جارفة، فجاءت مبتكرة في مجتمع بلغ الغاية من المدنيّة مخالفةً لما عليه الجمهور، فنال روسّو بها الجائزة.
ويُعَدّ روسّو في رسالته تلك كالمحامي الذي يلتزم طرفًا واحدًا في المرافعات فيصعب تصديق جديته في تمثيل دوره، ولذلك لا تتجلّى أهمية رسالته تلك في اشتمالها على مذهب إيجابي، بل في كونها مفتاحًا لنشوء روسّو الذهني وفي كونها مرحلة مؤدّية إلى «العقد الاجتماعي»، فالواقع أنّ هذه الرسالة تحتوي أصل مذهب روسّو وعقيدته، ومنها تُعْلَمُ عداوته للترف والمدنيّة ونظام الطبقات كما يُعلَم منها دفاعه عن الحرية.
ويَذيع صيتُ روسّو بتلك الرسالة بعد خُمُول ذِكْر، ويُعجب بها كتاب ويحمل عليها آخرون، ويجيب روسّو عن النقد الموجّه إليه بأنّه لم يرد الرجوع بالناس إلى الوراء، وإنّما أراد العَود إلى الفضائل والابتعاد عن الترف والرذائل وسيادة المساواة بين الأنام.
ويرى روسّو بعد وضع تلك الرسالة أن يوفّق بين سلوكه وما عرضه فيها من مبادئ ويعيش مستقلًّا، فيترك مكانه مستخدمًا ويجعل من نفسه ناسخًا للموسيقا.
وفي سنة 1753 أعلنت أكاديمية ديجون مسابقة أخرى عنوانها «ما أصل التفاوت بين الناس، وهل أجازه القانون الطبيعي؟»، ويشترك روسّو في المسابقة لما لاقى من نجاح في الأولى، ولكنّه لم ينل الجائزة لشدّة حمله على الاستبداد، وينشرها في سنة 1755 مقدّمة إلى جمهورية جنيف، ويذهب إلى جنيف بعد إصدارها، ويعود إلى باريس منتحلًا البروتستانية حاملًا لقب مواطن جنيف.
وتدلّ كلمة«الطبيعية» هنا على تطوّر كبير، فلا يُعارض روسّو بها شرور المجتمع معارضة فارغة، بل تنطوي على أمور إيجابية، فترى نصف «أصل التفاوت» يشتمل على وصف خيالي لحال الطبيعة التي يكون الإنسان فيها محصورًا ضمن أضيق مجال مع قليل احتياج إلى أمثاله وقليل اكتراث لِمَا وراء احتياجات الساعة الحاضرة.
وفي هذه الرسالة يُصرِّح روسّو بأنّه لا يفترض وجود الحال الطبيعية فعلًا، وإنّما يستحسن حالًا من الهمجية متوسطة بين الحال الطبيعية والحال الاجتماعية يحافظ الناس بها على البساطة ومنافع الطبيعة، ويظهر من تعليقات روسّو على متن الرسالة أنّه لا يريد رجوع المجتمع الفاسد الحاضر إلى حال الطبيعة، وإنّما يَعُدّ المجتمع أمرًا لا مفرَ منه مع فساده، وهو يعلّل هذا الفساد بالتفاوت بين أفراد المجتمع في المعاملات والحقوق فيتغنّى بالإنسان الطبيعي الطاهر، ويقول بتلك الحال المتوسطة حيث تسود المساواة.
وقد وجد من يؤاخذ روسّو على سلوكه منهاج التاريخ في «أصل التفاوت»، مع أنّه لا يحرص على إلباس هذه الرسالة ثوبًا تاريخيًّا، وانتحالُ المناحي التاريخية الزائفة من خصائص القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، وروسّو لم يُبالِ بهذه المناحي.
وفي سنة 1755 نشر روسّو رسالة «الاقتصاد السياسي»، وهنالك شكٌّ في كوْنها وُضعت قبل رسالة «أصل التفاوت» أو بعدها، فالذي يظهر أول وهلة كوْن رسالة «الاقتصاد السياسي» على نمط «العقد الاجتماعي»، وهذا يدلّ على أنّها أُلِّفت بعد «أصل التفاوت».
ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ روسّو بدأ هذه الرسالة بمناقشة حول طبيعة الدولة وإمكان التوفيق بين وجودها وحرية الإنسان، فرأى أنّ الدولة هيئة تهدف إلى سعادة جميع أعضائها، وجعل وجهات نظرة في الجباية تابعًا لهذا الهدف، وذهب إلى أن الكماليات وحدها هي ما يجب أن يكون تابعًا للضرائب وإلى وجوب فرض ضرائب فادحة على أمور الترف، وإلى عدم وضع ضريبة على الحاجيات كالقمح والملح.
ولم تشتمل رسالة «الاقتصاد السياسي» على كثير من مباحث الاقتصاد المعروفة، بل تحتوي آراء روسّو السياسية إجمالًا، وقد وضعها أيام عمّت المجاعة فرنسة فكان الفقراء يموتون عن احتياج، على حين يتمتّع الأغنياء بأطايب النعم وضروب الترف.
وقِسمُ «الاقتصاد السياسي» الأول هو أكثر ما يستوقف النظر، فهو يهدم ما يبالغ فيه غالبًا من المقابلة بين الدولة والأسرة، فيذهب إلى أنّ الدولة ليست ذات طبيعة أبوية، وأنّها تقوم على إرادة أعضائها العامّة.
ومن مطالعة كتاب «الاقتصاد السياسي» يُرى أنّ روسّو كاد يبلغ به مرحلة النضج في آرائه السياسية، فكان هذا مبشّرًا بكتاب «العقد الاجتماعي» في نهاية الأمر.
صفحة 4
ظهر «العَقد الاجتماعي» مع كتاب «إميل» سنة 1762، فدلّ بذلك على بلوغه الذروة من عمله، والواقع أن «العقد الاجتماعي» يشتمل عمليًّا على نظريته السياسية الإنشائية كلّها، ويدلّ عنوانه على موضوعه، ويسمى هذا الكتاب «مبادئ الحقوق السياسية» أيضًا، ويوضح هذا العنوان الثاني العنوان الأول.
وضع روسّو هذا الكتاب، وكان من الخطر البالغ أن يجهر الإنسان بأيّ رأى حرٍّ حينما وضعه، وكان روسّو جريئًا في كلّ ما أبداه فيه، وفي هذا الكتاب حمل روسّو على الرق وعدم المساواة وناضل عن حقوق الإنسان وأقامها على طبيعة الأمور، وقال إنّ هدف كلّ نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كلّ فرد، وإنّ الشعب وحده هو صاحب السيادة، وكان يهدف إلى النظام الجمهوري، فتحقّق هذا النظام بالثورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة حين اتخذ «العقد الاجتماعي» إنجيل هذه الثورة.
ولم يقل روسّو بحكومات زمنه لمنافاتها للطبيعة، ويقوم مذهبه على كون الإنسان صالحًا بطبيعته محبًّا للعدل والنظام، فأفسده المجتمع وجعله بائسًا، والمجتمع سيِّئ لأنّه لا يساوي بين الناس والمنافع، والتملك جائرٌ لأنّه مقتطعٌ من الملك الشائع الذي يجب أن يكون خاصًّا بالإنسانية وحدها، فيجب أن يُقضى على المجتمع إذن، وأن يُرجَع إلى الطبيعة، وهنالك يتّفق الناس بعقد اجتماعي على إقامة مجتمع يرضى به الجميع، فيُقيمون بذلك حكومة تمنح الجميع ذات الحقوق فتقوم سيادة الشعب مقام سيادة الملك، ويتساوى فيها الناس وتُنظَّم الثروة والتربية والديانة.
وفي كتاب «إيميل» ظهر روسّو الفيلسوف المربِّي بجانب روسّو الفيلسوف الاجتماعي، وقد حاول روسّو أن يُكفّر بكتاب «إميل» عن خطيئته تجاه أولاده كما قلنا، ويُعدّ روسّو بهذا الكتاب مؤسّس التربية الحديثة، ففيه ألقى دروسًا ممتعة في تربية الأطفال ومذاهب التربية والفضيلة والحياة الزوجية، وقد نال كتاب «إميل» من بعد الصيت والأثر ما أصبح معه مُعوّل علماء التربية، حتّى إنّ الفيلسوف الألماني الكبير كَنْتْ تأثّر به كثيرًا، وكَنْتْ حينما أخذ يطالعه أبى مغادرة منزله إلى نزهته اليومية قبل الفراغ من قراءته، وكَنْتْ مَن تَعلَمُ تمسُّكه بنزهته تلك وعدم عدوله عنها إلّا لأمرٍ جلل.
وقد ألّف روسّو قصة حياته الخاصّة في «اعترافاته» فوضع الجزء الأول منها سنة 1766، وقد ظهر روسّو في هذا الكتاب مثال القاضي المؤرّخ العادل النزيه، فلم يكتم شيئًا من خطيئاته ولم يزد من حسناته، ولم تنشر هذه «الاعترافات» إلّا بعد موته، وعليها يُعتمد في ترجمة حياته.
قلنا إنّ روسّو عاد من جنيف إلى باريس منتحلًا البروتستانية، وتعرِض عليه صديقته مدام ديبيناي في سنة 1756 ملجأ في وادي مونْمورَنسي بالإرْميتاج، فيقبله، وهنالك كتب رواية إلُوئيز عن حبّ كان يشعر به نحو بنت أخت مدام ديبيناي، مدام دو ديتو، التي كانت ذات صلة بالشاعر لَنْبِر، وقد كان لهذا الغرام المحزن أثر سيِّئ في نفس روسّو، فقد أصبح قاتم الطبع، فقطع اتصاله بمدام ديبيناي، وغادر الإرميتاج ليأوي إلى مونْلويس بالقرب من مونْمورنسي، إلى هذا المأوى الذي قدّمه إليه مريشال لوكسنبرغ، وإلى هذا الدور ترجع نظرياته الاجتماعية وأفكاره الإصلاحية التي أدرجها في «العقد الاجتماعي» و«إميل» وفي رسالته إلى دالنْبِر عن المسارح فباعدت هذه الرسالة بينه وبين فولتير وألقت بينهما بذور البغضاء، وفي «إميل» هاجم عقيدة الوحي منكرًا له مع قوله بوجود الإله، فحكمت عليه جنيف وباريس والبرلمان، فهاجر إلى مونتِه ترافير في حكومة نوشاتل حيث قضى حياة غريبة وتزيَّا بزيِّ الأرمن، وحيث وضع في سنة 1764 دفاعًا عن «إميل»، ويُحمل على مغادرة سويسرة، ويستقرّ بإنكلترة، بفوتُّون، عند الفيلسوف الإنكليزي هيُوم، ويكتب القسم الأول من «اعترافاته»، ولكنّه لم يلبث أن ترك هذا الفيلسوف الإنكليزي متّهمًا إيّاه بالائتمار به مع أعدائه.
ويعود روسّو إلى باريس في سنة 1770 بعد طواف في عدّة مدن بِدُوفينِه، متنكّرًا خشية الاعتقال، ويقيم بباريس سبع سنين غير واثق بأحد متمتّعًا بجمال الطبيعة في ضواحيها، ويكسب عيشه من نسخ قطع من الموسيقا، ويبتعد عن الناس والأصدقاء، ثم يترك استنساخ القطع الموسيقية عن ضعف وعجز فيغدو مُعوِزًا إلى الغاية.
صفحة 5
وفي السنة الأخيرة من حياته يقدّم إليه صديقه دو جيرادرن ملجأ في إرْمِنونْفيل البعيدة من باريس نحو عشرين كيلو مترًا فيقبله، ويموت فجأة بعد ستة أسابيع من انزوائه في هذا الكوخ، وكان ذلك في 3 من يوليه(3) سنة 1778. تاركًا هذه الحياة وما فيها من أحزان وآلام، ويُظَنّ على غير حقّ أنّه مات مسمومًا أو منتحرًا بطلقة فَرْد، ويدفن بجزيرة الحور في إرمنونفيل.
ويرقد في هذه الجزيرة حتّى سنة 1794، وفي 20 من فَنْديمور من السنة الثالثة (11 من أكتوبر(4) سنة 1794) يُنقُل رفاته باحتفال عظيم إلى مدفن العظماء بباريس (البانتيون) وفق مرسوم أصدره مجلس العهد، وذلك مع بقاء ضريحه قائمًا في تلك الجزيرة حيث مكث مدفونًا ستة عشر عامًا.
كان روسّو سيّئ الحظّ فعاش شريدًا بائسًا، ولعلّه كان لهذا أثر في عبقريته ووضع مبادئه، وعاش روسّو في بيئة فاسدة قاسية، وكان لهذا عمل عظيم في نضج آرائه والكشف عن كثير ممّا يحيط به من المفاسد والشرور والجهر بآرائه في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية.
وكان روسّو عليلًا فآثر الحياة الهادئة على غيرها، فكان هذا عاملًا في عمق تفكيره، وحمل روسّو على العقل ورفع من شأن الشعور فقال إنّ العقل إذا ما استطاع أن ينقض العقيدة بالله وأن ينكر الخلود فإنّ الشعور يؤيّدها، فلماذا لا نصدّق الشعور بدلًا من الشكّ الجامح الذي يؤدّي إليه العقل؟ وقد أراد كَنْتْ أن ينقذ الدين من العقل كذلك، فقامت رسالته على ذلك أيضًا.
ويعد روسّو من أعظم مَن أنجبت بهم فرنسة من الكتاب، غير أنّ آراءه تُقبَل أو تُرفض على حسب الأمزجة، وهو يُحبّ أو يُكرَه ككاتب أوحى بالثورة الفرنسية قبل كلّ شيء.
والآن يوجد لكتبه معنيان، فبها يُنفَذ إلى الذهنية التي كانت سائدة للقرن الثامن عشر، وهي ذات أثر بالغ في حوادث أوربّة التي وقعت فيما بعد، وبهذه الكتب يمثّل روسّو في عالم الفكر السياسي مرحلة الانتقال من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة حول الدولة.
ولم يعالج روسّو نظم الدول الموجودة، خلافًا لما صنع مونتسكيو وفولتير، فبينا كان مونتسكيو وفولتير، اللذان هما من أبناء الطبقة العليا، يقتصران على المطالبة بالإصلاح السياسي والديني وَثْلم شوكة الاستبداد كان ابنُ الساعي روسّو، كان ابن الشعب روسّو، الذي قضي شبابًا قاسيًا، ينتهي بآلامه إلى ضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدًا كليًّا، ومن قول روسّو: «لم يهدف مونتسكيو إلى معالجة مبادئ الحق السياسي، وإنّما كان يكتفي بمعالجة الحقّ الوضعي (القانون) للحكومة القائمة، فلا يمكن أن يبدوَ اختلاف بين دراستين أكثر من هذا»، ومن ثَمّ يكون روسّو قد تمثّل موضوعه مختلفًا عن موضوع «روح الشرائع» كلّ الاختلاف.
وعن روسّو وما كتب يقول المؤرّخ الاسكتلنديّ المشهور توماس كارليل: «لقد قدر العالم على إلجاء ذلك البطل إلى الأسطحة، وعلى اتخاذه أضحوكة يسخر منها كما يسخر من البُلْه والمجانين، وعلى إجاعته وتركه يتضوّر جوعًا كالوحش المسجون، فهل قدر العالم على منعه من إضرام الثورة وإشعال الأرض نارًا تلظّى؟ لقد وجدت الثورة الفرنسية إنجيلها في كتابات روسّو، وقد أحدثت آراؤه الشبيهة بالجنون في آفات المدينة وتفضيله عيش المتوحّشين على عيش المتمدنين جنونًا فاض في أنحاء فرنسة وغمرها».
عادل زعيتر
صفحة 6

تنبيه

استُخْلِصَت هذه الرسالة الصغيرة من كتاب أكثر اتساعًا، من كتاب شرعت فيه قديمًا من غير أن أزِن قدرتي فتركته زمنًا طويلًا، وهذا المقتطف هو أعظم ما أمكن اختياره من مختلف المختارات التي اقتبستُها ممّا كتبتُ، وقد بدا لي أنّه أقلّ تفهًا ممّا يُعرَض على الجمهور، وعاد ما بقي غيرَ موجود.

الباب الأول

أريد البحث عن إمكان وجود قاعدةٍ إدارية شرعية صحيحة في النظام المدنيّ عند النظر إلى الناس كما هم عليه وإلى القوانين كما يمكن أن تكون عليه، وسأحاول أن أمزج دائمًا، بين ما يبيحه الحقّ وما تأمر به المصلحة، وذلك لكيلا يُفصَل بين العدل والمنفعة مطلقًا.
وأدخل في البحث من غير أن أثبت أهميّة موضوعي، وسأُسأل عن كوني أميرًا أو مشترعًا حتّى أكتب في السياسة، ويكون جوابي: كلّا، ولذا أكتب عن السياسة، ولو كنت أميرًا أو مشترعًا ما أضعت وقتي في قول ما يجب أن يُصنَع، وأصنع ذلك أو أسكت.
وقد ولدت مواطنًا في دولة حرّة، وعضوًا لصاحبة سيادة، وعلى ما يمكن أن يكون لصوتي في الشئون العامّة من نفوذ ضعيف يكفي ماليَ من حقّ التصويت فيها لحملي على القيام بواجب دراستها، وأراني سعيدًا عندما أنعم النظر في الحكومات فأجِدُ في مباحثي، دائمًا، أسبابًا جديدة أُحِبُّ بها ما هو خاصٌّ ببلدي منها.

الفصل الأول

موضوع هذا الباب الأول

يُولد الإنسان حرًّا، ويوجد الإنسان مقيّدًا في كلّ مكان، وهو يظنّ أنّه سيّد الآخرين، وهو يظلّ عبدًا أكثر منهم، وكيف وقع هذا التحوّل؟ أجهل ذلك، وما الذي يمكن أن يجعله شرعيًّا؟ أراني قادرًا على حلّ هذه المسألة.
ولو كنت لا أنظر إلى غير القوّة وإلى غير ما يشتقّ منها من أثر لقلت: إنّ الخير هو ما يصنع الشعب ما أُكرِه على الطاعة وأطاع، وأحسن من ذلك أن يخلع النِّير عنه عندما يستطيع صنع هذا، وذلك لأنّه باسترداده حريّته لذات الحقّ الذي نُزعت به منه إمّا أن يكون معذورًا باستردادها وإمّا أن يكون من نزعوها منه غيرَ معذورين في ذلك، غير أنّ النظام الاجتماعي حقّ مقدّس يصلح قاعدةً لجميع الحقوق الأخرى، ومع ذلك فإنّ هذا الحقّ لا يصدر عن الطبيعة مطلقًا، وهو، إذن، قائم على عهود، والموضوع هو أن تُعرَف هذه العهود، وأرى أن أثبت ما أسلفتُ قبل أن أتناول ذلك.
صفحة 7

الفصل الثاني

المجتمعات الأُولى

مجتمع الأسرة هو أقدم المجتمعات، وهو المجتمع الطبيعيّ الوحيد، وذلك إلى أنّ الأولاد لا يبقَون مرتبطين في الأب إلّا للزمن الذي يحتاجون فيه إليه لحفظ أنفسهم، وتنحلّ الرابطة الطبيعية عند انقطاع هذا الاحتياج، ويعود الأولاد إلى الاستقلال بالتساوي عندما يُحلُّون من الطاعة الواجبة عليهم نحو الأب ويُحلّ الأب من رعاية الأولاد الواجبة عليه، وهم إذا ما استمرّوا على البقاء متّحدين، عاد هذا لا يكون طبعًا، بل طوعًا، ولم تَدُم الأسرة نفسُها إلّا عهدًا.
وهذه الحرية العامّة هي نتيجة طبيعة الإنسان، وقانون الإنسان الأول هو أن يعنى ببقائه الخاصّ، وواجبه تجاه نفسه هو أول ما يحرص عليه، وهو إذا ما بلغ سنّ الرشد أصبح سيّد نفسه لمَا يكون بذلك حَكَمًا في وسائله الخاصّة.
ويمكن أن تُعَدّ الأسرة، إذن، أوّل نموذج للمجتمعات السياسية، حيث يكون الرئيس هو صورة الأب، والشعب صورة الأولاد، وبما أنّ الجميع يُولدون أحرارًا متساوين فإنّهم لا يتنزَّلون عن حريتهم إلّا لنفعهم، وكلّ الفرق هو أنّ حبّ الأب لأولاده في الأسرة يُؤدّيه بما يرعاهم به، وأنّ لذّة القيادة في الدولة تقوم مقام هذا الحبّ الذي لا يحمله الرئيس نحو رعاياه.
وينكر غرُوسُيوس قيام كلّ سلطة بشريّة نفعًا للمحكوم فيهم، ويورد الرِّقّ مثالًا، ويقوم طرازه المعتاد في التعليل على تقرير الحقّ بالواقع(5) دائمًا، أجل، يمكن اتخاذ منهاجٍ أكثر منه منطقًا، ولكن لا شيء يكون للطّغاة أكثر منه ملاءمةً.
وعند غروسيوس أنّ من المشكوك فيه، إذن، كونَ الجنس البشري تابعًا لمئة من الناس، أو كون هؤلاء المئة من الناس تابعين للجنس البشري، ويبدو في جميع كتابه مَيلُه إلى الرأي الأول، وهذا هو شعور هُوبْز أيضًا، وهكذا يكون النوع البشري مقسومًا إلى قُطعان من حيوان فيكون لكلّ قطيع منها سائسه الذي يرعاه ليلتهمه.
وبما أنّ الراعي أعلى من قطيعه طبيعةً، فإنّ رُعاة الناس، الذين هم رؤساء لهم، أعلى من شعوبهم طبيعة، وهكذا كان يرى الإمبراطور كَليغولا على رواية فيلون، مستنتجًا من هذا القياس أنّ الملوك كانوا آلهة أو أنّ الشعوب كانت حيوانات.
ويتّفق كليغولا هو وهوبز وغروسيوس في الاستدلال، وكان أرسطو قد قال قبلهم جميعًا إنّ الناس ليسوا متساوين بحكم الطبيعة، وإنّما يولد بعضهم للعبودية ويولد الآخرون للسيطرة.
وكان أرسطو على حقّ لو لم يتّخذ المعلول محلّ العلّة، فلا شيء أكثر صحةً من كون الإنسان الذي يُولد عبدًا يولد للعبودية، ويخسر العبيد كلّ شيء بإيثاقهم حتّى الرغبة في الخروج منه، وهم يحبّون عبوديّتهم كما كان رفقاء أُولِيس يحبّون وحشيتهم(6)، وإذا وُجد عبيد عن طبيعة، إذن، فذلك لما كان من وجود عبيد ضدّ الطبيعة، فالقوّة صنعت العبيد الأوّلين والنذالة أدامتهم.
ولم أقل شيئًا عن المَلِك آدم، ولا عن العاهل نوح، بجانب الملوك العظماء الثلاثة الذين اقتسموا العالم فيما بينهم كما صنع أولاد ساتورن الذين ظُنّ أنّهم معروفون، وأرجو أن أقنع بهذا الاعتدال، وذلك بما أنّني سليل أحد هؤلاء الأمراء رأسًا، سليل الفرع الأسنِّ على ما يحتمل، فكيف أعرف أنّني لا أكون الملك الشرعيّ للجنس البشري بالبحث في الوثائق؟ ومهما يكن من أمرٍ، فإنّه لا يمكن أن يُنكَر أنّ آدم كان ملك العالم كما كان روبنسن ملك جزيرته ما بقى ساكنه الوحيد، وكلّ ما هو سائغ في هذه الإمبراطورية هو أنّ الملك المطمئن إلى عرشه لم يكن ليخشى تمرُّدًا ولا حربًا ولا مؤتمرين.
صفحة 8

الفصل الثالث

حقّ الأقوى

لا يكون الأقوى قويًّا بما فيه الكفاية، مطلقًا، حتّى يكون سيّدًا دائمًا، ما لم يُحوِّل قوّته إلى حقّ وطاعته إلى واجب، ومن ثًم كان حقّ الأقوى، هذا الحقّ الذي يتلقّى بسخرية ظاهرًا والذي يوضع كمبدأ حقيقة، ولكن أليس علينا أن نوضح هذه الكلمة؟ إن القوّة طاقة فزيوية، ولا أرى أيّ أدب يمكن أن ينشأ عن معلولاتها، والإذعان للقوّة هو عمل ضرورة، لا عمل إرادة، وهو أثر حَذَرٍ غالبًا، وما المعنى الذي يُحمَل به هذا على الواجب؟
ولنفترض هذا الحقّ المزعوم هنيهة، فأقول إنّه لا ينشأ عنه غير هراء يتعذّر تفسيره، وذلك إذا كانت القوّة هي التي تصنع الحقّ، فإنّ المعلول يتغيّر بتغيُّر العلّة، وتخلّف الأولى في حقّها كلّ قوّة تقهرها، ومتى أمكن العصيان بلا عقاب صار العصيان شرعيًّا، وبما أنّ الحقّ يكون بجانب الأقوى دائمًا فإنّ الأمر الوحيد الذي يُهِمّ هو أنّ يُسارَ بما يُصار به الأقوى، ولكن ما الحقّ الذي يزول بانقطاع القوّة؟ وإذا ما لزمت الطاعة قهرًا لم تكن هنالك ضرورة إليها عن واجب، وإذا عدنا غير مكرهين على الطاعة عدنا غير محمولين عليها، ولذا ترى أنّ كلمة «الحق» هذه لا تضيف إلى القوّة شيئًا. ولذا فهي لا معنى لها هنا أبدًا.
وأطيعوا السلطات، فإذا كان معنى هذا: أذعنوا للقوّة، فالمبدأ صالح، ولكنّه هادر، أجبتُ بأنّه لا يُنقَضُ مطلقًا، وأعترف بأنّ كلّ سلطان يأتي من الربّ، غير أنّ كلّ مرض يأتي منه أيضًا، وهل يُقصَد بهذا حظر دعوة الطبيب؟ وإذا ما فاجأني قاطع طريق في زاوية من غابة وجب عليّ أن أعطي كيسي قسرًا، ولكن هل أكون ملزمًا وجدانًا بأن أعطيَه إيّاه إذا كنت قادرًا على منعه منه؟ وذلك لأنّ السلاح الذي يحمله هو سلطة أيضًا.
ولنعترف، إذن، بأنّ القوّة لا تخلق الحقّ، وبأنّنا غير ملزمين بغير الطاعة للسلطات الشرعية، وهكذا فإنّ مسألتي الأولى ترجع دائمًا.

الفصل الرابع

العبودية

بما أنّه ليس لإنسان سلطان طبيعي على مثله، وبما أنّ القوّة لا توجب أيّ حقّ، فإنّ العهود تظلّ أساسًا لكلّ سلطان شرعي بين الناس.
ومن قول غروسيوس أنّ الفرد إذا كان يستطيع بيع حريّته فيصبح عبد سيدٍ فلماذا لا يستطيع شعب أن يبيع حريّته ويصبح تابعًا لملك؟ توجد كلمات كثيرة مبهمة في ذلك تحتاج إلى إيضاح، ولكن لنقف عند كلمة «البيع»، فالبيع هو الشِّرى أو المنح، والواقع أنّ الإنسان الذي يجعل نفسه عبد آخرٍ لا يمنح نفسه، وإنّما يبيع نفسه نَيْلًا لمعاشه، ولكن لِمَ يبيع شعب نفسه؟ إنّ من المستبعد أن يجهِّز الملك رعاياه بمعاشهم مع أنّه ينال معاشه منهم، ولا يقنع الملك بالقليل كما يرى رابْلِه، والرعايا يمنحون أشخاصهم، إذن، على أن يأخذ الملك أموالهم أيضًا، ولا أرى ما يَبقَى لهم للحِفظ.
وقد يقال إنّ المستبدّ يضمن السكون المدني لرعاياه، وليكن ذلك، ولكن ما يكسبون من ذلك إذا كانوا يُكدَّرون بالحروب التي يسوقهم إليها طموحه وبطمعه الذي لا يشبع وبمظالم عمّاله أكثر ممّا بتفرُّقهم؟ وما يكسبون من ذلك إذا كان هذا السكون من بؤسهم؟ وقد تُقضى حياة سكون في السجون المظلمة أيضًا، ولكن أيكفي هذا لجعلها أمّاكن طيّبة للعيش فيها؟ وكان الأغارقة الذين حُبِسُوا في غار سكلوب يعيشون ساكنين، ولكن مع انتظارهم أن يُفترَسوا بدورهم.
والقول إنّ الإنسان يعطي نفسه متبرعًا محالٌ لا يمكن تصوّره، وعقد مثل هذا باطل غير شرعي، ولا يصدر هذا العقد عن رشيد، وقول ذلك عن شعب يفترِض جنونَ هذا الشعب، والجنون لا يوجد حقًّا.
صفحة 9
وإذا ما استطاع كلّ واحد أن يبيع نفسه فإنّه لا يقدر على بيع أولاده، فهؤلاء الأولاد يولدون أناسًا وأحرارًا، وتكون حريّتهم خاصّة بهم، فلا يستطيع أحد غيرهم أن يتصرّف فيها، ويمكن أباهم، قبل أن يبلغوا سنّ الرشد، أن يضع شروطًا لحفظهم وسعادتهم، لا أن يهبهم هبة مطلقة لا رجعة فيها وذلك لأنّ هذه الهبة مخالفة لمقاصد الطبيعة وتجاوز حقوق الأبوة، ولذا يُقتضى تحوّلُ الحكومة المرادية(7) إلى حكومة شرعية أن يكون الشعب في كلّ جيل حكمًا في قبولها أو رفضها، ولكن هذه الحكومة تعود غير مرادية إذ ذاك.
وتنزُّل الإنسان عن حريّته يعني تنزُّلًا عن صفة الإنسان فيه وتنزُّلًا عن الحقوق الإنسانية، وعن واجباتها أيضًا، ولا تعويض يمكن لمن يتنزّل عن كلّ شيء، وتنزّلٌ كهذا يناقض طبيعةَ الإنسان، ونزعُ كلّ حريّة من إرادة الإنسان هو نزع كلّ أدب من أعماله، ثم إنّ من العهود الباطلة المتناقضة اشتراطَ سلطان مطلق من ناحية وطاعة لا حدّ لها من ناحية أخرى، أليس من الواضح أنّنا غير ملزمين بشيء نحو شخص يحقّ لنا أن نطالبه بكلّ شيء؟ أليس هذا الشرط وحده يتضمّن بطلان العقد عند عدم وجود بدل أو معادل؟ وأيّ حقٍ يكون لعبدي تجاهي ما دام كلّ ما عنده خاصًّا بي، وما دام حقّي هذا تجاه نفسي كلمة لا معنى لها مطلقًا عن كون حقّ عبدي هو لي؟
ويستنبط غروسيوس وآخرون من الحرب مصدرًا آخر لحقّ العبودية المزعوم، فبما أنّ للغالب عندهم حقّ قتل المغلوب فإنّه يمكن المغلوبَ هذا أن يشتري حياته على حساب حريّته، ويكون هذا العهد أكثر العهود شرعية لقيامه على نفع الطرفين.
بيد أنّ من الواضح عدم صدور حقّ قتل المغلوبين المزعوم هذا عن حال الحرب قطعًا، ولهذا وحده لا تجد بين الناس، الذين يعيشون على استقلالهم الفطري، أيّة علاقة ثابتة بما فيه الكفاية يكونون بها في حال السّلم وحال الحرب، فلا يكون بعضهم عدوّا لبعض بحكم الطبيعة، وعلاقة الأشياء بعضها ببعض، لا علاقة الناس، هي التي توجب الحرب، ولا يُمكِن حالَ الحرب أن تنشأ عن الصّلات الشخصية، بل تنشأ عن الصّلات الحقيقية فقط، ولا يمكن الحربَ الخاصّة أو حربَ الإنسان للإنسان أن تكون في الحال الطبيعية حيث لا يوجد ملك ثابت مطلقًا، ولا في الحال الاجتماعية حيث يكون الجميع تحت سلطان القوانين.
وتعدّ المنازعات الخاصّة والمبارزات والمصارعات أفعالًا لا تتألّف منها مهنة مطلقًا، وإذا نظرت إلى الحروب الخاصّة التي أباحتها نظامات ملك فرنسة، لويس التاسع، ومنعها السلام الإلهي، وجدتها من سوء استعمال الحكومة الإقطاعية، هذا النظام المضادّ للصواب إذا ما وجد، والمخالف لمبادئ الحقوق الطبيعية وكلّ سياسة صالحة.
وليست الحرب، إذن، صلة إنسان بإنسان، بل صلة دولة بدولة، أي صلة لا يكون بعض الناس فيها أعداء لبعض إلا عرضًا، وذلك كجنود، لا كأناس مطلقًا، ولا كمواطنين(8) أيضًا، وذلك كحُماة الوطن، لا كأعضاء له مطلقًا، ثم إنّ كلّ دولة لا يُمكن أن يكون لها من الأعداء غير دول أخرى، لا أناسٌ، لما لا يمكن أن يقرَّرَ بين مختلف الطبائع أيّةُ علاقة حقيقية.
ثم إنّ هذا المبدأ يلائم جميع القواعد المقرّرة في جميع الأزمنة وتعاملَ جميع الأمم المتمدنة الدائم، وشَهرُ الحرب أقلُّ إنذارًا إلى الدول ممّا إلى رعاياها، وليس الأجنبي الذي يسرق، أو يقتل، أو يَعتقل، الرعايا من غير شهر الحرب على الأمير عدوًّا، بل قاطع طريق، سواء أكان ذلك الأجنبي ملكًا أم فردًا أم شعبًا، حتّى إنّ الأمير المنصف يستولي في بلاد العدوّ، حين الحرب، على كلّ ما هو خاصّ بالجمهور، ولكن مع احترام شخص الأفراد وأموالهم ومع احترام الحقوق التي قامت عليها حقوقُه، وبما أنّ غاية الحرب هي تقويض دولة العدوّ فإنّ من الحقّ قتل حُماتِها ما داموا حاملين سلاحًا، فإذا ما وضعوا هذا السلاح وسلّموا أنفسهم عادوا لا يكونون أعداء أو أداة للعدوّ، بل صاروا أناسًا فقط، وأصبح لا يكون لأحد حقّ في نزع حياتهم، ومن الممكن أحيانًا قتل الدولة من غير قتل أحد من أعضائها، والواقع أنّ الحرب لا تمنح حقًّا غير ضروري لبلوغ غايتها، وليست هذه مبادئ غروسيوس، ولم تقم على براهين الشعراء، وإنّما تُشتَقّ من طبيعة الأمور، وتستند إلى العقل.
وليس للفتح أساس غير قانون الأقوى، وإذا كانت الحرب لا تمنح الغالب حقّ قتل الشعوب المغلوبة مطلقًا فإنّ هذا الحقّ الذي ليس له لا يُمكِن أن يُقِيم حقّ استعبادها، ولا يحقّ قتل العدو إلا عند تعذُّر استرقاقه، وحقّ استرقاقه لا يأتي، إذن، من حقّ قتله، وتعد، إذن، مبادلة جائرة تلك التي يُحمل بها على اشتراء حياته بحريته مع أنّه لا حقّ للغالب على الحياة، أليس من الواضح أنّه يُوقَع ضمن دائرة معيبة بإقامة حقّ الحياة والموت على حقّ الاسترقاق وبإقامة حقّ الاسترقاق على حقّ الحياة والموت؟
حتّى إنّني أقول، عند افتراض هذا الحقّ الهائل في قتل الجميع، إنّ العبد الذي مُلِك في الحرب، أو الشعب المقهور، غير ملزَم نحو مولاه بغير الطاعة ما أُكرِه عليها، والغالب، إذ يأخذ منه ما يعدل حياته، لا يكون قدّ منّ عليه بها مطلقًا، أي قد قتله قتلًا مُجديًا بدلًا من قتله على غير جدوى، وبَعُدَ، إذن، نيلُه عليه سلطانًا مضافًا إلى سلطان الحرب، فتظلّ حال الحرب قائمة بينهما كما في الماضي، وتكون صلة كلٍّ منهما بالآخر معلولًا لها، ولا يَفترِض استعمالُ حقّ الحرب أيّةَ معاهدة سلم، أجل، قد وُضع عهد، غير أنّ هذا العهد يفترض دوام حال الحرب مع بُعده من القضاء عليها.
وهكذا، مهما تكن الجهة التي يُنظر منها إلى الأمور، يكون حقّ الاسترقاق باطلًا، لا لأنّه غير شرعي فقط، بل لأنّه مخالف للعقل خالٍ من كلّ معنى أيضًا، فكلمتا الاستعباد والحقّ متناقضتان، متنافيتان مبادلة، ومن الحماقة أن يقول رجل لرجل أو لشعب: أضع معك عهدًا يجعل كلّ غرم عليك وكل غنم لي، وأراعي هذا العهد ما راقني وتراعيه ما راقني.
صفحة 10

الفصل الخامس

يَجبُ الرّجُوعُ إلى أوّلِ عهدٍ دائمًا

إذا مُنحتُ جميعَ ما كنت قد مُنعتُ لم يتزحزح أصحاب الاستبداد، ويكون، في كلّ وقت، فرق عظيم بين إخضاع جمع وإدارة مجتمع، وإذا ما استعبِد أناس متفرّقون من قِبل واحد بالتتابع، مهما كان عددهم، لم أرَ هنالك غير سيد وعبيد، لا شعبًا ورئيسًا، وذلك كما لو كنت أرى تكتلًا، لا شركة، فلا يوجد هنالك نفع عام ولا هيئة سياسية، ولا يعدو ذلك الرجل كونَه فردًا دائمًا ولو استعبَد نصفَ العالم، وليست مصلحته غير مصلحة خاصة عند فصلها عن مصلحة الآخرين، فإذا ما هلك ذلك الرجل ظلّت إمبراطوريته متفرّقة بلا ارتباط، وذلك كالبلّوطة التي تنحل وتتحوّل إلى ركام رماد بعد أن تُحرقها النار.
والشعب، عند غروسْيوس، يستطيع أن يَهَبَ نفسَه لملِك، والشعبُ، عند غروسيوس، إذَن، شعبٌ قبلَ أن يَهَبَ نفسَه لملِك، وهذه الهبة نفسُها عقدٌ مدنيٌّ ينطوي على تشاوُرٍ عامٍّ، ولذا يَصْلُح درسُ العَقد الذي يكون به الشعب شعبًا قبل درس العَقد الذي يختار به الشعب ملكًا، وبما أنّ ذلك العقد أقدم من الآخر بحكم الضرورة فإنّه أساس المجتمع الحقيقي. والواقع أنّه إذا لم يوجد عهد سابق فأين يكون، عند عدم الإجماع في الانتخاب، إلزام الأقلية بالخضوع لاختيار الأكثرية؟ ومن أين يحقّ للمئة الذين يرغبون في سيّدٍ أن يصوّتوا عن العشرة الذين لا يريدونه مطلقًا؟ وهل قانون أكثرية الأصوات أمر قرر بعهد فيَفترِض الإجماعَ لمرّةٍ واحدة على الأقلّ؟