هذا هو الاسلام الذي نريد
هذا هو الإسلام الذي نحتاج والذي نريد والذي يرفع الرأس، ويكسب صاحبه ويخسر خصومه وأعداءه. هذا هو الإسلام الذي يمكن أن يشكل رافعة قوية للضعف الفلسطيني في وجه التفوق الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري التوسعي.
تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية ذات المرجعية الاسلامية هي المرشحة والعاملة كي توفر الجهد والطاقة والدعم لفلسطين وشعبها وقيادتها وتستجيب لتطلعاتها، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى الأمني، فهم يعملون على توطيد علاقاتهم مع الأمريكيين والاسرائيليين من موقع المصالح الوطنية التركية بدون أن يتخلوا عن فلسطين وسوريا والعراق وغيرهم من البلدان العربية، بل هم يوظفون علاقاتهم مع تل أبيب وواشنطن خدمة للمصالح الوطنية الفلسطينية والسورية والعراقية، لأنها تتقاطع مع مصالحهم ولا تتعارض معها، وهم يرفضون المخطط الامريكي للحرب على ايران في نفس الوقت الذي يختلفون فيه مع السياسة الايرانية، وهم رفضوا تمرير القوات الأميركية لاحتلال العراق عام 2004 ورفضوا جعل أراضيهم منطلقاً للعدوان على العراق على الرغم من أنهم لم يتبادلوا الود مع الرئيس الراحل صدام حسين ومع نظام حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في بغداد، فهم أتراك أولاً من وجهة نظر إسلامية وهم يتعاملون مع المسلمين من وجهة نظر المصالح التركية، ولذلك ينجحون ويكبرون وهذا ما يفسر تكرار نجاحهم في صناديق الاقتراع، بل يتعزز دورهم الوطني بأصوات الشعب التركي وخياراته الديمقراطية عبر الإنتخابات وأصوات الناخبين الأتراك.
وهذا ما يفسر أيضاً نجاح مؤتمر بلدان الجوار العراقي الذي جمع الأميركيين والأوروبيين وبلدان الجوار العراقي ايران والسعودية والكويت والبحرين والاردن وسوريا يوم 2/11/2007 في اسطنبول، ونجحوا في توفير الاجواء للقاء وليد المعلم السوري مع كوندا ليزا رايس الأميركية، مثلما نجحوا في جمع محمود عباس مع شمعون بيرس والخطاب أمام البرلمان التركي يوم 16/11/2007، ورفضوا استقبال خالد مشعل لحضور مؤتمر القدس في اسطنبول يوم 15/11/2007، بعد أن عملوا على نجاحه وتوفير كافة مستلزمات عقده.
ديناميكية سياسية، وعقيدة راسخة منفتحة، وثقة كبيرة بالنفس، وإسلام عصري يتمسك بالثوابت وعملي بالإجتهادات ذلك هو عنوان سياسة الحزب الحاكم التركي الذي أخرج تركيا من عزلتها الاسلامية بدون أن يتخلى عن الاسلام لصالح توطيد خياراته الاوروبية ويجعل خياراته متكافئة مع أمريكا واسرائيل بدون أن يتخلى عن جيرانه المسلمين إيران والعراق وسوريا وهو يبحث عن العلاقة مع اوروبا بدون أن ينهى علاقاته مع بلدان آسيا الوسطى الاسلامية ويوقع معهم معاهدات الصداقة والتعاون.
العرب بحاجة للتعلم من هذه السياسة، وعليهم توطيد علاقاتهم مع تركيا الاسلامية الاوروبية فهي مظلة لهم ودافع للتعلم كنموذج يحتذى، فقد كان عنوان الفشل العربي طوال سنوات استرداد الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية يكمن في عدم توطيد علاقاتنا مع البلدان المجاورة لنا، كانت سياستنا العربية عنواناً للفشل بسبب عدائنا للقوميات الكبيرة التي تعيش معنا بالجوار وهي تركيا وايران وأثيوبيا وبلدان جنوب الصحراء الافريقية، بدلا من العمل لتوطيد علاقاتنا مع هذه القوميات الكبيرة المؤثرة.
ثمة قنوات اتصال يجب تعزيزها وضخ دماء التبادل فيها ومعها يقف في طليعتها الاحزاب والنواب والنقابات والبلديات ومؤسسات المجتمع والكتاب ومراكز الابحاث المتبادلة والمماثلة ذات المهن الواحدة على جانبي الحدود بيننا وبينهم ومن عندنا ومن عندهم.
مع تركيا وايران وأثيوبيا، يجب أن لا تقتصر العلاقات معهم على المستويات الرسمية، بل يجب أن تتعزز بالدبلوماسية الشعبية الرديفة للعمل الرسمي وربما تتفوق عليه.
العلاقات العربية التركية
لم يكن عبثاً، وليس صدفة، ولا شكلاً من أشكال العلاقات العامة والنشاط الدبلوماسي عديم الجدوى، أن تكون تركيا خلال شهر واحد، شريكاً وموقعاً وهدفاً لعدة مؤتمرات واجتماعات وزيارات، بل هي تعبير عن حجم الاهتمام والمصالح والقواسم المشتركة بين العرب والأتراك.
ففي 2/11/2007 استقبلت تركيا اجتماع وزراء خارجية بلدان الجوار العراقي، بمشاركة سوريا والأردن والسعودية والكويت والبحرين وايران ومصر اضافة الى ممثلي المجموعة الأوروبية ووزيرة الخارجية الأميركية، سجل خلاله نتائج سياسية مهمة ليس فقط لمصلحة العراق النازف، بل ولمجمل شعوب وبلدان المنطقة العربية والإسلامية، خاصة وأن الاجتماعات واللقاءات الثنائية بين مختلف الاطراف لم تكن أقل أهمية من الاجتماع نفسه ومداولاته إن لم تكن أكثر أهمية وانعكست على تفاهمات أثرت ايجاباً على مؤتمر أنابوليس وعلى فلسطين وسوريا ولبنان وايران وطبعاً على العراق نفسه.
وفي 13/11/2007 جمعت أنقرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع الاسرائيلي شمعون بيرس ليتحدثا معاً أمام البرلمان التركي المتعاطف بقوة مع عدالة القضية الفلسطينية، وتطلعات شعبها المعذب ولهفته للتحرر من رجس الاحتلال وجرائمه ضد الانسانية. وقد أبرزت حصيلة هذا اللقاء توقيع الأطراف الثلاثة، تركيا وفلسطين واسرائيل على اتفاق إنشاء منطقة صناعية في ترقوميا الخليل تمهيداً لمد الخط البري المنفصل والواصل بين الضفة والقطاع لوصل شطري الدولة الفلسطينية المنشودة حال قيامها، ويتوسل الاتفاق توفير فرص عمل وتطوير معيشة الفلسطينيين المحرومين من الحد الأدنى لمتطلبات حياة كريمة مستقرة.
وفي 17/11/2007، تم عقد المؤتمر الدولي الثاني للتضامن مع القدس في مدينة اسطنبول بحضور أكثر من ثلاثة آلاف شخصية إسلامية ومسيحية من جميع أنحاء العالم، والذي كان مميزاً يعكس مكانة القدس كمدينة فلسطينية عربية اسلامية مسيحية محتلة من قبل الاسرائيليين، تستوجب التعاطف ورد الاعتبار، وتستحق دعم وإسناد المسلمين والمسيحيين لمنع تهويدها واسرلتها، وبذل الجهود والاجتهادات والتركيز على ضرورة الحفاظ على طابعها العربي الإسلامي المسيحي المقدس، وكجزء لا يتجزأ من فلسطين العربية وعاصمة لها، تواقة للانعتاق من الاحتلال وتسعى للحرية والاستقلال.
ولم يتردد الاتراك في تسريب ما يفيد أنهم منعوا خالد مشعل من المشاركة في مؤتمر القدس احتراماً للرئيس الفلسطيني، وسمحوا لكل من موسى أبو مرزوق ومحمد نزال من الحضور والمشاركة شريطة عدم تحدثهم أمام المؤتمر حفاظاً على الطابع الوحدوي الجامع للمؤتمر وإلغاء أي مظهر من مظاهر الانقسام الفلسطيني والتمايز الحزبي أو الخلاف بين المشاركين.
وفي 27/11/2007 شاركت تركيا مع عدد محدود من البلدان الإسلامية )أندونيسا وماليزيا والباكستان) مع أكثر من أربعين دولة عربية وعالمية في مؤتمر أنابوليس الأميركي المخصص لتسوية الصراع الفلسطيني - العربي- الاسرائيلي وبهدف فتح التفاوض مجدداً على قضايا المرحلة النهائية من أجل استعادة القدس وعودة اللاجئين وإزالة المستوطنات واستلام الحدود والمعابر وتقاسم المياه وتوفير الأمن للطرفين من وجهة النظر العربية والفلسطينية والاسلامية ولذلك جاءت تلبية البلدان العربية والإسلامية للمشاركة في أنابوليس بهدف معلن يتمثل في إسناد المفاوض الفلسطيني وإقرار مرجعية التفاوض المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة ذات الاختصاص بدءاً بقرار التقسيم 181 وقرار اللاجئين 194 وقرار الانسحاب 242 وقرار الدولتين 1397 وخارطة الطريق 1515 والمرفوضة بالكامل من قبل اسرائيل كمرجعية للتفاوض وكمراقبين للمفاوضات حتى ولو كانت المراقبة من قبل الولايات المتحدة، حيث تسعى اسرائيل للتفاوض الثنائي مع الفلسطينيين والاستفراد بهم معتمدة على موازين القوى وعلى الحقائق المادية التي فرضتها على الأرض خلافاً لحقوق الفلسطينيين وعلى حساب أرضهم وبما يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
النشاط التركي ومركز الاهتمام العربي لم يقتصر على الشراكة في المؤتمرات الأربعة، بل تعداها الى سلسلة زيارات رفيعة المستوى الى أنقرة تمت على التوالي للعاهل السعودي وللرئيس السوري والزيارة المرتقبة لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين الى تركيا.
فهل هذا صدفة أم أن هذه المؤتمرات والاجتماعات والزيارات مقطوعة الصلة عما سبقها من مقدمات ووقائع وأحداث؟؟ أو أنها لن تتكرر وستسجل فرادتها بدون ملاحق ومتابعات وتحقيق إنجازات؟؟ كما يمكن طرح السؤال المشروع حول هذه المبادرات هل تعكس الاهتمام والتوجه التركي وحده أم إنها صحوة عربية متأخرة نحو دولة اسلامية جارة قوية تتميز بالاعتدال والواقعية ولها موقعها ومكانتها الاقليمية والدولية؟؟ الواضح أن الجواب على السؤال المشروع أكثر وضوحاً وهو أن الاهتمام متبادل بين العرب وتركيا ويتم بالاتجاهين لأن تطور الاحداث والوقائع دلل بالملموس أن المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المشتركة أقوى من أي اعتبار وأهم من أي مشاعر كامنة لدى متطرفين هنا وهناك، وأن الذين يحاولون استحضار أوجاعاً أبقتها بعض المحطات التاريخية العابرة لا يستفيد منها سوى أعداء تركيا وأعداء العرب وكل من ليس له مصلحة في التقارب العربي التركي بين الشعبين المسلمين الجارين، والواضح أكثر أن هؤلاء سيهزمون لأن المصالح أقوى من الدسائس والانفعال ولأن ثمة قرارا سياسيا لدى أغلبية العواصم العربية ولدى أنقرة في إرساء التفاهم والحفاظ عليه بل وتطويره، ولهذا سينجح وسيكون العنوان للمرحلة المقبلة هو ''علاقات عربية تركية قوية وراسخة''.
2- العلاقات العربية التركية
في تركيا حينما تسأل أحدهم أنت مسلم يرد عليك'' الحمد لله'' باعتبارها نعمة، امتلكها وفاز بها، وهي حصيلة علينا ملاحظتها وتفهم مغزاها لندرك أهمية أن نكون جزءاً وامتداداً لهذا العالم الإسلامي الممزق ولكنه الموجود والفاعل ولا نستطيع تناسيه وخذلانه والقفز عنه والتهرب من الانتماء إليه والالتصاق به.
تركيا، العصرية، الديمقراطية، العلمانية، لشعب مسلم، استطاعت بفعل مصطفى أتاتورك وتداعياته وعوامل الزمن، أن تخلق وأن تبدع في المزاوجة بين الشرق والغرب وبين وعي شعبها المسلم المتمسك بقوة بتقاليده وتراثه وتقواه وبين اختياره لطريق الديمقراطية والانفتاح واقتصاد السوق والتعددية وفصل الدين وقيمه الروحية الكامنة في النفس البشرية عن مؤسسات الدولة وعملها وهي خيار وأسلوب أفلح فيه حزب العدالة والتنمية وجسده ونجح فيه ليكون نموذجاً يحتذى لكل القوى السياسية في العالم الإسلامي، وما نجاحه المتكرر سوى تأكيد على هذه الحصيلة الخلاقة.
تركيا صاحبة الأرض التي تزيد مساحتها عن 800 ألف كيلو متر مربع، تمتد بين آسيا وأوروبا، ويتجاوز سكانها السبعين مليونا، وهي عضو في المجلس الأوروبي وحلف الناتو ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الأوروبية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادي وتتطلع لأن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي، بلد بهذا المستوى والحضور تدلل على مدى أهميتها وقوتها ونفوذها، وحاجة الآخرين لها ومدى حاجتها للآخرين، فهل يستطيع العرب التهرب منها أو الافلات من أهمية العلاقات معها، وحاجتهم للتحالف والتعاضد والشراكة مع شعبها؟؟ العلاقات التركية العربية مرت بثلاثة مراحل في القرن العشرين بعد نهاية أربعة قرون من الاختلاط والتداخل السياسي والعقائدي في ظل الدولة العثمانية الإسلامية الواحدة التي أنتهت مع الحرب العالمية الأولى. في المرحلة الأولى كانت السلطة العثمانية وبشواتها بمثابة استعمار، حكمت العرب بالحديد والنار مثلها في ذلك مثل فرنسا مع الجزائر، وبريطانيا مع فلسطين واليمن وبلدان المستعمرات، وكان الرد العربي بالثورة ضد تركيا في 1916 بقيادة الشريف حسين، آملاً في التحرر والاستقلال والتخلص من الظلم والقسوة والجلادين.
وتمثلت المرحلة الثانية في سياسات العسكر والحزب الواحد التي جعلت من تركيا حليفاً في الخندق الأميركي الاسرائيلي، تقف معادية لمصالح العرب في فلسطين وضد العديد من العناوين والقضايا التي كانت تهم العرب ومشاعرهم وتطلعاتهم بينما تقف تركيا متعاكسة مع هذه المصالح وضد مشاعر العرب وأمانيهم.
وجاءت المرحلة الثالثة التي نعيش أنصع أوقاتها وبزوغ فجر واضح من حسن الجوار والتفهم المتبادل، بعد أن أدركت تركيا بوعي خصائص التوازن في سياساتها الخارجية وأولت اهتمامها للعلاقات مع العرب وسعت لتوطيد العلاقات معهم وارساء قيم التفاهم وإعلاء المصالح المشتركة مع بلدانهم، ولذلك لم يكن صدفة استضافتها لمؤتمر بلدان الجوار مع العراق يوم 2/11/2007، واستقبال برلمانها للرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم 13/11/2007، وإنجاحها لمؤتمر القدس يوم 17/11/2007، ومشاركتها في مؤتمر أنابوليس يوم 27/11/2007، واستقبالها على التوالي للعاهل السعودي وللرئيس السوري، وتجدد استقبالها لجلالة الملك عبدالله يوم 11/12/2007 في زيارته الثانية لتركيا بعد زيارته الأولى في أيلول 2005.