eKtab
EN ع
العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث
اقرأ عينة مجانية

العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث

بقلم وهبة بن مصطفى الزحيلي

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تمسك بشرعته إلى يوم الدين:

وبعد:

فما يزال القوي مسموع الكلمة، نافذ الرأي، مرهوب الجانب، ويظل منطق القوة والسلطة الغالبة هو المسيطر في علاقات الدول والجماعات والأفراد. وأما الضعيف فلا يكاد يسمع قوله، ولا يؤبه له في الواقع، وإن ارتفع صوته وعلا صراخه، وكان الحق والعدل في جانبه، دون أن يستطيع حماية مصالحه وحقوقه المشروعة، أو التأثير الفعال في تقرير مصير العالم.

ويتضح الأمر بصفة جلية في عصرنا الحاضر حيث يتزعم العالم قوتان كبيرتان بزعامة أمريكة وروسية، وقد ينفرد بالزعامة الحاسمة قوة الولايات المتحدة الأمريكية في حل مشكلات الدول والظفر بنصيب الأسد في النهاية. بالرغم مما يسود المجتمع الدولي من المبادئ المثالية، والدعوات الإنسانية والمنظمات العالمية كعصبة الأمم في الماضي، ومنظمة الأمم المتحدة في الوقت الحاضر. وما يزال السلم القائم مقنعاً من وراء ستار، بقوة الجيوش الجرارة، والآلات المدمرة، والذّرة المفنية بمختلف وسائلها الحربية المروعة.

لذا فإن دعوة القرآن الكريم للمسلمين إلى ضرورة إعداد القوى المادية والمعنوية، وجعل الجهاد ذروة سنام الإسلام هي دعوة صحيحة في ميزان المنطق، والواقع المشاهد معاً.

صفحة 2

وحال المسلمين اليوم من الضعف، والفُرقة والتخلف لا تجتذب أنظار العالم إلى الإصغاء لكلمتهم، ومعرفة فكرتهم، وتبنِّي أحكام شريعتهم مع الأسف.

فمهما تكلمنا على القيم الإنسانية والأخلاق السليمة والمبادئ السامية، ومهما أراد الكاتب أو الباحث بيان صورة الإسلام المشرفة في سلمه وحربه، في أخلاقه وكفالته الحريات وصون كرامة الإنسان، فإن ذلك يلقى فتوراً أو قلة اهتمام واكتراث، حتى من شباب الإسلام المعاصر المفتون بتقدم الغرب، وتحضر الأمم الصناعية الأخرى المتربعة على عرش الحضارة الحديثة والتقنية المعاصرة، فكل فكرة أو تنظيم بحاجة لدعم أدبي ومادي، وقوة رادعة حصينة تحمي حدود الدولة وأجزاء البلاد، وأحكام الشرائع والأنظمة، وأصول الحياة القائمة.

ولكن بالرغم مما طرأ على تصورات ومفاهيم الناس، وأنظمة المعاش من تغير وتبدل واتجاه نحو المادة والآلة، وإشباع مطالب الحياة، فإن البشرية تظل بحاجة ماسة إلى قبس من هدي السماء المتمثل في دستور القرآن الكريم، والسنة النبوية، لتخفيف حُمّى المادية وتوفير السعادة، والطمأنينة، والرخاء للإنسان. وقد أبان القرآن الكريم أهم مبادئ معاملة الرعايا الأجانب والمستوطنين في دار الإسلام من غير المسلمين وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها، وأوضحت السُّنة تلك المبادئ.

وسأذكر هنا أصول التنظيم الدولي في الشريعة الإسلامية مقارنة بأحكام القانون الدولي الحديث، مبيناً أصول تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام في وقت الحرب، وحال السلم مع الاهتمام بدراسة المعاهدات في الإسلام على الصعيد الفقهي، وفي الواقع التاريخي المطبق في عصور الدولة الإسلامية في عهد الرسالة النبوية، والخلافة الراشدية، وما بعدها من الدول اللاحقة. وذلك وفق الخطة التالية المشتملة على تمهيد وبابين:

صفحة 3

التمهيد

في بيان صفة الإسلام الدينية والسياسية، وصورة المجتمع السياسي في العصور القديمة، وعصر الإسلام، وصورة المجتمع الدولي الحديث بعد ظهور فكرة الدولة، وأصول التنظيم الدولي في الشريعة الإسلامية.

الباب الأول:

تنظيم العلاقات الدولية وقت الحرب، وفيه مباحث خمسة:

المبحث الأول : الباعث على القتال في الإسلام.

المبحث الثاني : حالات مشروعية الجهاد.

المبحث الثالث : بدء الحرب.

المبحث الرابع : قواعد الحرب.

المبحث الخامس : انتهاء الحرب.

الباب الثاني:

تنظيم العلاقات الدولية حال السلم، وفيه مباحث أربعة:

المبحث الأول : أصل العلاقات الخارجية في الإسلام: السلم لا الحرب.

المبحث الثاني : تقسيم العالم إلى دارين أو ثلاث.

المبحث الثالث : السيادة في الإسلام.

المبحث الرابع : المعاهدات في الإسلام.

وسنعرف من خلال بحثنا أن العلاقات الدولية التي سادت بين المسلمين وغيرهم في الماضي لا تختلف في الحقيقة والجوهر عن العلاقات الدولية الآن، وإن اختلفت معها في الشكل والمظهر.

المصادر:

يرجع إلى المصادر المذكورة في حواشي هذا البحث بصفة عامة.

كما يرجع بصفة خاصة إلى المصادر التالية في الموضوعات المتعلقة بالجهاد والسير والمعاهدات.

1- الأحكام السلطانية للماوردي.

2- بداية المجتهد لابن رشد.

3- القوانين الفقهية لابن جزي.

4- المنتقى شرح الموطأ.

5- دعائم الإسلام لأبي حنيفة النعمان.

6- المهذب لأبي إسحاق الشيرازي.

7- شرح السير الكبير للسرخسي.

8- السيرة النبوية لابن هشام.

9- البداية والنهاية لابن كثير.

10- تفسير المنار للشيخ رشيد رضا - الجزء العاشر.

صفحة 4

أ- صفة الإسلام الدينية والسياسية

يستهدف الإسلام الحنيف تحقيق غايات أساسية كبرى في إصلاح الفرد والجماعة، والدولة، والحياة الاجتماعية في شتى جوانبها، من أجل إقامة المجتمع الفاضل، وتوفير السعادة للناس في الدنيا والآخرة. ومن أجل ذلك تتآزر الأحكام الشرعية المختلفة لتحقيق تلك الغايات، فلا ينفصل حكم عن آخر، كما لا يمكن فصل الروح عن الجسد حال الحياة.

ومن أجل ذلك أيضاً كان الإسلام نظاماً شاملاً للدنيا والآخرة. وفي أحكام الدنيا، سواء في داخل نطاق الدولة أم في خارجها، يرتكز وجود الدولة والكون والحياة على منهج الدين، لا ينفصل أي نشاط للدولة عن الدين.

والدين تشريع متكامل ينظم علاقات الإنسان الثلاث: علاقته بربه وعلاقته بنفسه، وعلاقته بغيره أو بمجتمعه. والدولة تحمي أنظمة الدين وتلتزم بالتشريع سواء الاعتقاد، والأخلاق، والدستور، والسياسة، والإدارة والحكم، والفكر والمنطق والتعامل والاجتماع والاقتصاد.

فلا فرق في نظام الإسلام، أو عند علماء الإسلام بين الأمور الدينية أو الأمور التشريعية، فكلها ذات صفة إلزامية لا مناص منها، وكلها واجبة التنفيذ والاحترام، للفوز برضا الله تعالى، وتحقيق مصلحة الإنسان؛ إذ ليس لله مصلحة أو حاجة نفع ذاتي يعود عليه من جراء الطاعة للأحكام، كما لا تضره معصية أو مخالفة أو تهرب من تنفيذ حدود الله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 65/1] وصفة الإلزام فيما يمس كيان الأمة والدولة وخططها العامة أشد من إلزام حقوق الأشخاص الخاصة.

والعمل للدنيا كالعمل للآخرة ضروري لإصلاح حياتي الدنيا والآخرة، وكلما تفانى المسلم في عمله الصالح، وأقبل على الحياة عاملاً الخير أو البر والإحسان، مبتعداً عن كل ألوان الشر والفساد والبغي والانحراف، كان دليلاً ساطعاً على تحقيق رسالة الله في الأرض، وعنواناً على حسن حال الإنسان، وأدائه أمانة الله في عنقه، وخروجه من عُهدة التكليف الإلهي، وإقرار خلافة الإنسان العادلة عن الله في الأرض.

قال الله تعالى مبيناً للبشرية منهاج العمل الصالح، وواضعاً مرتكزات الحضارة الواجبة التشييد في العالم على أساس من التفكير والتصميم والإرادة، والعمل والتضحية: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ *} [القصص: 28/77].

وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى السامي لمفهوم الحياة فقال: «خيركم من لم يترك آخرته لدنياه، ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلًّا على الناس»[1].

وبما أنه لا حياة ولا بقاء لأي وجود منظم، ولا استمرار للقيم والعقيدة والأخلاق والفضائل من دون وجود السلطة السياسية، فقد اقترن وجود المسلمين في المدينة المنورة بعد الهجرة بقيام الدولة الإسلامية على النحو الذي تقوم عليه فكرة الدولة في العصر الحديث، واعتمادها على عناصر: الشعب، والوطن أو الإقليم، والسلطة السياسية أو السيادة.

فالمسلمون شعب هذه الدولة، ووطنهم المدينة وما جاورها، وحاكمها الأعلى هو النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي كان ذا صفتين: كونه نبياً ورسولاً، مبلغاً شرع الله، وكونه حاكماً صاحب سلطة مدنية وسياسية، فكان مرجع المسلمين في تدبير شؤونهم العامة من تشريع، وقضاء، وتنفيذ، وكان ممثل الأمة أمام غيرهم؛ يراسل الأمراء والملوك والحكام، ويبعث إليهم السفراء والمبعوثين لدعوتهم إلى العمل بالنظام، والاعتقاد الأصلح للحياة. ويعقد النبي عليه الصلاة والسلام المعاهدات مع الأقوام الأخرى، ويعلن الحرب إذا اقتضت الضرورة بعد تشريع الجهاد، ويحافظ على وحدة المسلمين، ويرعى مصالحهم الداخلية والخارجية، ويفض الخصومات بين الناس، ويطبق العقوبات، ويراقب المعاملات في الأسواق، ويحاسب الولاة والعمال، ويخطط لمستقبل أمة الإسلام اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، منفِّذاً وحي الله وشريعة الإله.

وقد مهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة لإقامة دولة المدينة عن طريق بيعات العقبة الثلاث، مبتدئاً من السنة الحادية عشرة للبعثة النبوية، بايع فيها أولاً وفود الأنصار من المدينة على التزام مبادئ الإسلام، ثم على احترام نظام الحياة والمجتمع، ثم على الدفاع عن الرسول ممثل الأمة ضد المعتدين.

وهذه البيعات تمثل أصدق، أو أصح صورة واقعية لنظرية العقد الاجتماعي للفقيه السياسي الفرنسي (جان جاك روسو) في القرن الثامن عشر الميلادي، التي حدد بها أصل الدولة على أساس من الاتفاق الاجتماعي بين الأفراد مع فارق واحد، وهو أن مصدر السلطات التشريعية قانوناً هو الشعب، وفي الإسلام هو الشرع.

فكان بدء تاريخ وجود المسلمين كأمة بالمعنى الصحيح، أو الوجود الدولي لهم مقرراً بالهجرة؛ حيث انتقل المسلمون من الموقف السلبي إلى الموقف الإيجابي بمواجهة الأعداء، ومن مرحلة الصبر إلى طريق الجهاد، ومن الفردية إلى التجمع ومن الجماعة إلى الدولة.

وهذا التبكير المؤذن بوجود دولة الإسلام برهان حي على أن الشريعة الإسلامية ليست ديناً فحسب، بل هي أيضاً نظام قانوني له حاكمية كاملة على كل مظاهر النشاط الإنساني في الفكر والاعتقاد، والتصرف والسلوك، والحكم والإدارة، والتربية والاجتماع. بل إن كل ذلك يُحكم الصلة والارتباط بين الدين والدولة، ارتباط القاعدة بالبناء، وهذا هو معنى الإسلام الصحيح.

صفحة 5

ب- صورة المجتمع السياسي في العصور القديمة وعصر الإسلام

كان النظام القبلي هو السائد بين العرب، وكانت قريش في مكة لها صفة الزعامة والسيادة على الحرم المكي، وبما أن مكة وما حولها بلاد قاحلة لا نبات فيها ولا زرع: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 14/37] فكان أهلها يعتمدون على التجارة مع جيرانهم في الشمال والجنوب، فرحلوا إلى اليمن شتاءً، وإلى الشام صيفاً: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ (*) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش: 106/1-2] وإلى الحبشة أحياناً، وبما أن سكان مكة أهل بيت الله وجيرانه، احترمهم الناس، واتسعت تجارتهم، وعقدوا معاهدات تجارية ومحالفات ودّية مع جيرانهم.

وفي غير جزيرة العرب قامت علاقات ودّية قوية بين الشعوب الآسيوية والإفريقية، وكانت إمبراطوريات الشرق القديم كإمبراطوريات مصر وبابل وفارس والصين والهند تؤلف الأشكال الأولى للدولة.

وكانت مدن اليونان القديمة كأثينا وإسبارطة وتبرا وبولوني هي الوحدات السياسية المتعاملة بعضها مع بعض. واعتقد اليونان بتفوقهم على سائر الشعوب الأخرى، فأصبحت الحروب والفتوحات أساس علاقاتهم بتلك الشعوب.

ولم يختلف الرومان كثيراً عن اليونان في نظرتهم إلى الشعوب الأخرى وفي ادعائهم التفوق، والسيطرة على العالم بقوة السيف. وكان ظل الإمبراطورية الرومانية شاملاً معظم العالم المتمدن آنذاك. وأبرم الرومان كثيراً من معاهدات الصلح مع الشعوب المغلوبة تميزت بتفوق الغالب على المغلوب.

وقد تعاطف مشركو العرب الوثنيون مع الفرس المجوس وعبدة الأوثان كرهاً بالمسلمين في بدء الدعوة الإسلامية، وكانت مشاعر المسلمين الأوائل مع الروم الذين يدينون بالنصرانية. لذلك شَمِت المشركون العرب بالمسلمين حينما انتصر الفرس على الروم في السنة الأولى للهجرة في معركة حربية، لكن استطاع الروم بعدئذ تحقيق نصر ساحق على الفرس في سنة 627م.

وهذا ما سجّله القرآن الكريم في قوله تعالى: {الم (*) غُلِبَتِ الرُّومُ (*) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (*) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (*) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 30/1-5] الآية التي نزلت في عام 622م.

وتعاطف بالمقابل هرقل ملك الروم مع دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مبدأ الأمر وغضب كسرى ومزَّق كتاب الرسول إليه، وكان هذا بمثابة إعلان حرب ضد المسلمين ودولتهم، وبدأ الفرس فعلاً بالتحرش بالمسلمين المجاورين لهم، وأرسل عامل كسرى على اليمن فعلاً من يأتي برأس محمد في المدينة، وشرع الفرس في الإغارة على القبائل العربية المجاورة لها، فخاض المسلمون معهم عدة حروب أدت إلى القضاء على سلطان كسرى ودولة الفرس في عهد عمر في موقعة القادسية وفتح المدائن وموقعة جَلُولاء ونَهاوَند وغيرها من حروب المسلمين لصدّ عدوان الفرس، وفتحت العراق للقضاء على الحاميات الفارسية فيها[2].

كما خاض المسلمون حروباً ضد الروم بعد أن قَتَل أحد ولاة الروم على نصارى العرب وهو شُرَحبيل بن عمرو الغساني، رسولَ رسولِ الله إلى أمير بصرى وهو الحارث بن نُمير الأسدي، بعد أن أخذ الكتاب منه. وجمع الروم النصارى مئة ألف لحرب المسلمين، في معركة مؤتة، وكان النصارى هم البادئين بحرب المسلمين أولاً، حينما قتلوا من أسلم في الشام بغياً وظلماً.

وجمع الروم جموعاً عظيمة لغزو المسلمين، ثم تراجعوا في موقعة تبوك، ثم توالت الحروب بين المسلمين والروم إلى أن انهزموا في عهد عمر بفتح الشام ومعركة اليرموك[3].

فتهيأ الطريق لفتح فلسطين والأردن وسورية ولبنان أمام المسلمين. وودع هرقل الشام عند هزيمة جيوشه ولسان حاله يقول: «السلام عليك يا سورية سلام مودِّع لا يَرى أنه يرجع إليك أبداً».

وبه يتبين أن حروب المسلمين ضد الروم كانت أيضاً لقمع العدوان وإخماد الفتنة، وتأمين حرية الدعوة الإسلامية.

وهكذا لم يكن القصد من الفتوحات الإسلامية هو العامل الاقتصادي أي بسبب الجفاف أو الجوع في الجزيرة العربية كما يظن البيزنطيون، وإنما من أجل دفع العدوان والتمكين من نشر الإسلام، يدفع الفاتحين إلى ذلك: الإخلاص العميق لرسالة الإسلام وارتفاع معنوياتهم بالدين الجديد[4].

ولكن لم يكن هناك إكراه على الدين، فالإكراه على اعتناق الإسلام ممنوع شرعاً: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 2/256] وهذا نص عام محكم ليس بمنسوخ ولا مخصوص، فلا حاجة للإكراه على الدين بعد أن ظهرت الدلائل ووضحت البينات، وهذا ما قاله المفسرون المحققون كالإمام الرازي وابن كثير والطبري والجصاص الرازي، وأبي حيان[5]. وقال ابن تيمية في تفسير آية: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}: «جمهور السلف على أنها ليست بمنسوخة ولا مخصوصة، وإنما النص عام، فلا نكره أحداً على الدين، والقتال لمن حاربنا، فإن أسلم عصم ماله ودمه، وإذا لم يكن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقدر أحد قط أن ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره أحداً على الإسلام لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قبل منه ظاهر الإسلام».

وأضاف ابن تيمية: «إنه من الثابت المقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر من المشركين، فمنهم من فداه ومنهم من أطلق سراحه، ولم يكره أحداً على الإسلام، ولو كان القتال لأجل الكفر، ما كان لهؤلاء إلا السيف، والقرآن خيَّر المسلمين، حين يُثْخنون في الأعداء بين المنّ على الأسرى أو الفداء»[6].

صفحة 6

ج- صورة المجتمع الدولي الحديث بعد ظهور فكرة الدولة

تعيش الأسرة الدولية الحديثة على أساس وجود الدول الإقليمية المعترف لها بالسيادة في حدود إقليم أو أرض معينة والبالغ عددها الآن أكثر من 150 دولة، وتلتزم هذه الدول، ومنها الدول العربية والإسلامية التي تزيد عن 40 دولة مستقلة بميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى السلم والأمن الدوليين، ويحرم الحرب بين الدول إلا دفاعاً عن النفس عند وجود عدوان مسلَّح على أراضي الدولة من خارج حدودها.

لكن على صعيد الواقع الدولي المعاصر توسعت الدول في تفسير معنى العدوان، وتذرعت بأوهى الأسباب للتدخل في شؤون دولة أخرى، من أجل حماية مصالحها الاقتصادية، وفتح الأسواق العالمية أمام تجاراتها كتدخل أمريكة في حرب فيتنام، والحرب بين كورية الجنوبية وكورية الشمالية وحصار كوبا، وشؤون الدومينكان[7]، دفاعاً عن مصالحها وأغراضها[8].

فالواقع أن الحرب كانت في نظر كثيرين من رجال السياسة عملاً مشروعاً دائماً من حق الدولة أن تأتيه، كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك، بل إن بعضاً منهم اعتبروا أن للحرب دائماً ما يبررها[9].

والتحريم القانوني للحرب ما عدا حالة الدفاع عن النفس لا ينفي من الوجهة الواقعية إمكان نشوب أعمال القتال على نطاق واسع بين دولتين أو أكثر من الدول المنضمة لنظام منع الحروب[10].

بل إن استخدام القوة رغم النص على منع استخدامها صراحة في ميثاق الأمم المتحدة ممكن فعلاً إذا لم يتوصل مجلس الأمن إلى إصدار قرار بإدانة الدولة المعتدية أو في حالة فشل الجمعية العامة في إصدار التوصية اللازمة، أو رفضت الدول الأعضاء تنفيذها.

والحقيقة أن نظام الأمن الجديد لم ينجح لا نظرياً ولا عملياً في تحريم الالتجاء إلى القوة المسلحة، أو في وضع قواعد جديدة[11].

وقد نشبت حروب أربعة، بين العرب وإسرائيل في أعوام 1948، 1956، و1967، 1973م، علماً بأن الحكم الشرعي في الإسلام لا يقرّ وجود اليهود في فلسطين، فهم غاصبون لجزء عزيز من بلاد الإسلام، ويجب تخليص الأرض منهم، فكيف يبارك الصلح معهم، أو يصح الاعتراف بهم، وإقرار وجود تمثيل سياسي وإقامة علاقات ودّية معهم؟!

هذا.. ويلاحظ أن مفهوم الدولة الحديث ظهر في أوربة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، بعد أن تحطمت السلطة البابوية وانهار النظام الإقطاعي، أو مبدأ الزعامات الإقطاعية الذي كان يقوم على الجمع بين ملكية الأرض، وبعض الامتيازات كقيادة الجيش، أو جمع الضرائب مثلاً، ولم يكن للملك سلطة حقيقية إلا على أرضه التي اقتطعها لنفسه، وقد أدى تجمع سكان الإقطاع إلى ما يدعى بالأمة، كالأمة الإيطالية والأمة الفرنسية. ثم تولد عن ذلك ما يعرف بالدولة بوجود سلطة سياسية في المجتمع، لأن السلطة السياسية هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية[12].

وتوالى ظهور الدولة الحديثة ذات القومية الواحدة، وتوطدت أركانها - الاقتصادية والسياسية، كما حدث في إنكلترة وفرنسة وإسبانية، والبرتغال والسويد والدانمرك والنرويج، والمجر وبولندة وروسية، وأصبحت القاعدة أن تتمتع الدول بالسيادة ولا تخضع لسلطة عليا أخرى.

وتحددت في رأي الدوليين فكرة العائلة الدولية منذ مؤتمر وستفاليا سنة 1648 عقب انتهاء العصور الوسطى، وكانت مقصورة في أول الأمر على دول غرب أوربة، ثم انضمت إليها سائر الدول الأوربية المسيحية، ثم شملت الدول المسيحية غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة 1856م، فشملت تركية (الدولة الإسلامية)، ودولاً أخرى غير مسيحية كاليابان والصين[13].

صفحة 7

د- أصول التنظيم الدولي في الشريعة الإسلامية

إن انقسام العالم في نظر المجتهدين إلى دارين: دار إسلام ودار حرب، كما سنبين، ليس تقسيماً تشريعياً قانونياً، وإنما هو تأثر بواقع قائم مؤقت. لذا فإنه خلافاً لما يتصوره بعض رجال القانون الدولي[14] من أن الإسلام لا يعترف بانقسام العالم إلى دول ذات سيادة لكل نظامها القانوني، بحيث لا يخضع أي منها لقواعد أعلى منها إلا إذا قبل أو ارتضى هذه القواعد. ولكن يرمي الإسلام إلى توحيد بني الإنسان في ظل نظام قانوني واحد هو الشريعة الإسلامية.

إنني أقر الشق الثاني من هذا الكلام، وهو أن الإسلام دين ذو نزعة عالمية إنسانية ينشد تحقيق الخير والسعادة والعدالة والحق والحرية لجميع الناس، فالشريعة الإسلامية موجهة للإنسانية جمعاء من دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو اللغة. وهذا يتفق مع الاتجاه الحديث للعالم نحو العالمية والشمول وتجاوز حدود نظام الدولة الضيق بسبب كثرة الصلات بين الشعوب، وانتشار وسائل الاتصال الفكري من صحف وإذاعة ونحوها، وظهور مرحلة انفتاح الدولة على غيرها وتعاونها جميعاً في كل الأحوال[15].

ولا أُقِرُّ الشق الأول من الكلام السابق: فالإسلام بعد انتشار دعوته في الأرض وتبليغ رسالته للناس جميعاً؛ لا يمانع في الواقع من قيام أمم ودول ذات أنظمة قانونية مختلفة، إذا لزمت الحياد تجاه دعوة الإسلام، أو تعاهدت مع المسلمين على الودّ والسلم، وعدم الاعتداء على ديار المسلمين، أو حرمات شريعتهم، أو دعاة الإسلام.

ولتلك الدولة مطلق الحرية والحق في البقاء على أنظمتها القانونية التي تريدها؛ لأن القرآن اعترف بوجود (العالَمين): {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا *} [الفرقان: 25/1] ، وحرم القرآن على المسلمين اتخاذ (الأيمان) وسيلة فساد وخداع لنقض العهود أو الوقوع في البغي والظلم والفحشاء والمنكر خوفاً من تكاثر الأمم، ومنعاً من تمكين أمة تصبح أربى وأزيد من أمة أخرى، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (*) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (*) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 16/90-92] .

فهذه الآيات وردت على من يفهم الدين على أنه عبادة فقط، أو أنه دين دولة، أو أنه لا يصلح لكل زمان.. فالعدل والحق والإحسان بالمعنى العام، واتحاد القلوب بإعطاء ذوي القربى، والبعد عن الفحشاء والمنكر من جميع الأفراد، والتباعد عن البغي والظلم، والوفاء بالعهد، وعدم نقض المعاهدة المنصوص عليه في الآية التي هي أجمع آية للخير والشر، كل ما ذكر دعائم لإقامة مجتمع إسلامي نظيف، مجتمع كان أمل الفلاسفة والمصلحين[16].

وبناءً عليه لا يمكن لأحد إنكار ما كان للإسلام من دور بالغ الأهمية في التأثير في العلاقات الدولية بدءاً من القرن السابع الميلادي الذي بزغ فيه فجر الإسلام، وانتشر بعدئذ بالمراسلات والمكاتبات التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم[17] لأمراء وملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واستمر النشاط الإسلامي على يد الأفراد والجماعات إثر الفتوحات في نشر دعوة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، تحمل أصول حضارة الإسلام ذات الطابع الإنساني الرفيع، القائم على هدي وحي السماء لتحقيق الخير والعدل والتزام الأخلاق وإقامة المجتمع الفاضل.

فأثّر كل ذلك في أوربة في عصر الظلام، وتأثر القانون الدولي في مراحله الأولى بحضارة الإسلام، وبخاصة في فترة الحروب الصليبية التي دامت نحو ثلاثة قرون. وكان هذا الأثر ظاهراً جلياً في أنظمة الحروب التي تمت صياغة قوانينها بعد ذلك بقرون في نطاق مبادئ الفروسية، وفي أحكام معاملة الأسرى والجرحى وقواعد دفن القتلى ومنع التمثيل بهم، وفي القواعد الخاصة بمعاملة المدنيين في الحروب، وفي حظر استعمال بعض الأسلحة.

صفحة 8

وبناءً عليه يمكن التقرير بأنه كان للحضارة الإسلامية فضل كبير في تحويل أنظمة الحكم في خارج دار الإسلام، كما أنه كان لها أثر بالغ في إرساء أحكام القانون الدولي وتطور قواعده بعد ذلك[18].

ويرجع السبب في هذا التأثير لما يتجسد في ذاتية الإسلام ومبادئه من بساطة ووضوح، وشمول في التصور والنظرة إلى الإنسان والكون والحياة، ويسر وسهولة في التكاليف والأحكام الشرعية، وسمو في المبادئ والقيم التي لا تعرف العصبية أو الانغلاق، أو التمييز بين الناس بسبب الجنس أو العنصر، أو العرف أو اللغة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 49/13] .

ولكن كل دعوة إصلاحية تصطدم بمصاعب وعقبات متعددة، من أهمها الحفاظ على المراكز والمصالح والتقاليد الموروثة والعصبيات الضالة، مما أوقع المسلمين في حلقة متواصلة من الحروب؛ الداخلية مع العرب في جزيرتهم، والخارجية مع أكبر وأقوى دولتين في العالم؛ هما إمبراطوريتا الروم والفرس كما أوضحنا سابقاً.

فأثرت هذه الصورة القاتمة على علاقات الشعوب فيما بينها، وكانت حال الحرب هي الحال العادية لما نسميه الآن بالعلاقات الدولية، وكانت حال السلم هي الحال الاستثنائية لقيام هذه العلاقات. كما أثرت تلك الحال في اجتهادات فقهائنا، فتصوروا أن العالم داران: دار إسلام ودار حرب.

فإذا زالت الظروف الوقتية المؤدية لهذا الانقسام، عادت الأوضاع إلى مجراها الطبيعي، وإلى الأصل في الأحكام: وهو أن الدنيا كلها دار واحدة كما قرر الإمام الشافعي.

وهذه النظرة الاجتهادية للشافعي تؤكد نزعة الإسلام العالمية الشاملة لبني البشر جميعاً في تبليغهم رسالة القرآن، لتحكيم المبادئ والمثل العليا التي تقوم عليها هذه الرسالة المتمثلة في فكر أو عقيدة واحدة هي قوام الخير لكل الناس، ومن الأمثل والمفترض أن يقبلوها عن إيمان ورضا أو حرية واختيار مطلق، لإقامة المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام على منهج الحق والعدل والمساواة والشورى، ومنع الشر والفساد، ومحاربة الظلم بمختلف أشكاله السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وأما الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية إلى الجهاد، فأمر طبيعي في كل زمان، وهو ما تستوجبه الحرب من تشجيع وترغيب، ودفع وحماسة وتنظيم وتحذير، واستعداد دائم لتأديب المعتدين، وقمع العدوان، وتوفير للهيبة والمنعة والعزة والكرامة الإسلامية، وجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله (كلمة الحق والتوحيد ورفع الظلم) إذا وجدت المسوغات، وتوافرت الدواعي والمقتضيات لشن الحروب، فليس معقولاً أن يتعرض المسلمون لنار الحقد والتعصب والكراهية، ثم لا يجد الأعداء رداً حاسماً، منعاً من الفتنة واستمرار الطغيان، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 8/39] .

وبالرغم مما كان قائماً من وجود التلازم بين مفهومي (دار الإسلام) والدولة الإسلامية، فإن (دار الإسلام) تتميز بارتكازها على أساس العنصر المادي (أي الأرض أو الإقليم)[19].

وأما الشخصية الإسلامية فتتميز بما لها من صفة السيادة (أو الاستقلال)، والشخصية المعنوية التي تفترض وجود أهلية للدولة، وذمة مالية مستقلة عن ذمم الأشخاص والرعايا المنتمين لها.

وبعد هذا التمهيد، أنتقل لرسم صورة مفصلة من حيث المبدأ لتنظيم العلاقات الدولية في الإسلام في حالتي الحرب والسلم، وذلك في بابين.

صفحة 9

الباب الأول : تنظيم العلاقات الدولية وقت الحرب

الحرب ظاهرة اجتماعية بين البشر في كل زمان، كما يؤكد التاريخ القديم والحديث، قال ابن خلدون: «الحرب أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل»[20]، والكلام عليها طويل، يهمنا هنا توضيح أهم مبادئها وقواعدها في الشريعة الإسلامية، كما في المباحث التالية:

صفحة 10

المبحث الأول : الباعث على القتال في الإسلام

وجد المسلمون أنفسهم في صدر الإسلام أمام ضغوط شديدة، ومقاومات عنيفة، وتحرشات مستمرة، أدت إلى صدام مسلح مع الأعداء المناوئين لرسالة الإسلام في داخل الجزيرة العربية من المشركين (عبدة الأوثان)، واليهود، والمنافقين، وفي خارج الجزيرة من الروم والنصارى والفرس والوثنيين، كما لاحظنا سابقاً.

وفي وسط هذه المذأبة المتوحشة من كل جانب، اضطر المسلمون لمقاومة العدوان ودفع الاعتداء وتأمين حرية الدعوة الإسلامية.

فكان القصد في تشريع الجهاد إذن هو دفع الشر، وحماية المسلمين ودعوتهم، ورد الاعتداء لا بسبب المخالفة في الدين، أو لإزهاق الأرواح، وتعذيب البشر، وإنما كان القتال وسيلة لجأ إليها المسلمون للضرورة، بعد أن بدأ الأعداء بظلم الدعاة إلى الله، وقتل المسلمين وفتنتهم عن دينهم، وإخراجهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، فأذن الله تعالى للمسلمين بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (*) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ} [الحج: 22/39-40] .

فليس القصد من تشريع الجهاد فرض الإسلام على الناس بحدّ السيف أو إبادة المخالفين في الدين، أو استعمار الشعوب وسلب خيراتهم، أو التعطش للدماء، أو التسلط على الأمم وإقامة وصاية أو زعامة على سكان المعمورة.

وقد صرح جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية وأكثر الشافعية والحنابلة[21]، بأن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء، أي إن الباعث الحقيقي على الجهاد هو دفع العدوان، لا الكفر؛ فلا يقتل شخص لكفره، وإنما يقتل لاعتدائه على المسلمين أو على الإسلام. بدليل أن غير المقاتل من المدنيين لا يقاتل وإنما يسالم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم قتال النساء والشيوخ والأولاد، فقال: «لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة، ولا تغلُّوا»[22] أي لا تخونوا بالأخذ من المغنم.

ولو كان الكفر مبيحاً للقتل لما قبل الرسول صلى الله عليه وسلم التحكيم في بني قريظة، ولكان الإكراه على الدين جائزاً، ولما جاز قبول الجزية من أهل الكتاب، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *} [التوبة: 9/29] . حدد القرآن غاية القتال بقبول معاهدة الذمة (أي العهد والحماية)، فلو كان القصد قتالهم لكفرهم أو مخالفتهم في الدين، لجعلت غاية القتال إسلامهم، ولما قبلت منهم الجزية، ولما أقروا على دينهم.

قال الشافعية: «وجوب الجهاد وجوب الوسائل، لا المقاصد، إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية وما سواها من الشهادة، وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد، كان أوْلى من الجهاد»[23].

وقال الكمال بن الهمام من الحنفية: «المقصود من القتال هو إخلاء العالم من الفساد»[24]، وقال ابن تيمية: «فإباحة القتال من المسلمين مبنية على إباحة القتال من غيرهم»[25]، وقال ابن القيم: «وفرض القتال على المسلمين لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم»[26]، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البقرة: 2/190] ، وليست هذه الآية منسوخة أو مخصصة، إذ لا دليل على النسخ أو التخصيص.

وهناك أقوال غير معتمدة منقولة عن الشافعي وبعض أصحاب أحمد[27] مفادها: أن المبيح للقتل هو الكفر. وترتب عليه جواز قتل غير المقاتلة كالراهب والشيخ الكبير والمُقْعَد والأعمى والفلاح، لعموم قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 9/5] ، وقوله r: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخهم»[28]؛ لأنهم كفار، والكفر مبيح للقتل على هذا الرأي. وردّ عليهم بأن هذه النصوص مخصوصة بالذمي والنساء والصبيان الذين حرم الرسول عليه الصلاة والسلام قتلهم.

وأما النصوص القرآنية والنبوية، ففيها دلالة صريحة على أن القصد من القتال: هو دفع العدوان، فمن القرآن الكريم: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البقرة: 2/190]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ *} [البقرة: 2/193]، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2/194] ، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 9/36]، ومن الأحاديث الشريفة: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا»[29].

والواقع التاريخي يؤيد هذا الاتجاه، فقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها هم المعتدى عليهم، آذاهم المشركون أشد الإيذاء، فقتلوا بعض المسلمين، وفتنوا بعضاً آخر عن دينهم، وأذاقوهم أشد العذاب، وصادروا أموال المؤمنين المهاجرين إلى المدينة، وهموا بقتل الرسول عليه الصلاة والسلام، وجمَّعوا الجموع لحرب المسلمين في مواقع كثيرة.

وكذلك فعل الفرس والروم، فأرسل عامل كسرى على اليمن من يأتي برأس الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرع الفرس في الإغارة على القبائل العربية المجاورة لهم، واستغلوا ملوك الحيرة في ذلك، فأمعن هؤلاء في الاعتداء على المسلمين.

وقتل الروم ونصارى الشام الموالون للروم بعض من أسلم من القبائل المجاورة لهم، منهم أحد أمراء الغساسنة، وحشد الروم ونصارى الشام حشوداً كثيفة لاستئصال شأفة محمد وصحبه في مؤتة وتبوك وغيرها[30]، قال ابن تيمية: «وأما النصارى فلم يقاتل النبي أحداً منهم، حتى أرسل رسله إلى قيصر، والمقوقس والنجاشي، وملوك العرب بالشرق وبالشام، فدخل في الإسلام من النصارى وغيرهم من دخل، فعمد النصارى بالشام، فقتلوا بعض من قد أسلم، فالنصارى هم الذين حاربوا المسلمين أولاً، وقتلوا من أسلم منهم بغياً وظلماً. فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين، أرسل محمد عليه الصلاة والسلام سرية.. إلى مؤتة»[31].. إلخ.