eKtab
EN ع
العولمة والهوية
اقرأ عينة مجانية

العولمة والهوية

بقلم د. عبد القادر عبد الله عرابي

صفحة 1

المـقدمة

لا يخفى على الملاحظ لمسيرة المجتمع الإنساني أن لكل عصر روحه وهويته. روح العصر وهويته عنصران متلازمان، ويستمد كل عصر روحه وهويته من القوى التي ساهمت في صناعته. هذا إذا فهمنا تحت روح العصر القوى الفاعلة فيه، وتحت الهوية إيديولوجيا العصر. بهذا تختلف العصور باختلاف القوى الفاعلة فيها وهويتها، كأن يجري الحديث عن العصور الوسطى، بروحها الدينية، وعصر التنوير بروحه الفلسفية، والعصر الحديث بروحه القومية، وعصر العولمة بروحه اللبرالية.

الهوية معطى تاريخي متغير بتغير العصور، وتعرّف دائماً من خلال روح العصر والمجتمع. روح العصر روح اجتماعية، وقد تجلت بشكل ديني وقومي وما بعد قومي، بمعنى أن المجتمعات الإنسانية تحقق ذاتها وهويتها من خلال هذه القوى التاريخية المختلفة. ثمة انسجام بين روح الأمم وهويتها. لكل عصر هويته، ولا تنفصل هوية الأمة عن هوية العصر؛ فالانفصال يعني التخلف عن الزمان، والخروج من دائرة الفعل التاريخي.

وقد تجلّى هذا الانسجام في الدولة القومية الحديثة بوصفها تطوراً اجتماعياً طبيعياً، ينطلق من الأسرة وينتهي بدولة الأمة. الهوية تعبير عن التكوينات الاجتماعية التاريخية. وجدت الأمة نفسها في هويتها، وعرّفت نفسها من خلال خصوصيتها وتميزها. الهوية تعبير عن انسجام الجماعة مع مكوناتها التاريخية والاجتماعية، لكن هذه المكونات تتغير، وبتغيرها تتغير الهوية. ليست الهوية تكويناً ثابتاً، بل تاريخياً، ليس متغيراً فقط، بل صانعاً للتغير. الهوية تصنع التاريخ. أكثر من هذا، إن ديناميكية المجتمع وحيويته، تقاسان بمدى ديناميكية هويته. وخموله يقاس بجمود هويته؛ بقدر ما تكون المجتمعات خاملة، بقدر ما تكون هويتها ساكنة، وهذا ما نلاحظه على مستوى الهوية ما قبل الحديثة، أما الهوية التاريخية، فهي التي ترى في صنع الواقع تحدياً يومياً، وبقدر ما تصنع الهوية التاريخ، بقدر ما تتغير. هنا تبدو الهوية أقرب ما تكون إلى الإيديولوجيا، التي لا تتغير بتغير الواقع فقط، بل تتقدم الواقع، فهي ليست ملحقة بالواقع، بل الواقع ملحق بها. الهوية هي الانتماء إلى ثقافة وعقل وتراث وعلوم مجتمع وعصر ما، وعلاقة هذه الثقافة بالمجتمع.

وقد ظهرت في علم الاجتماع تعبيرات ومصطلحات كثيرة، قريبة من مفهوم الهوية، كمفهوم العقل الجمعي (دوركهايم)، وروح الشعب (Volksgeist) عند الكثير من علماء الاجتماع والفلاسفة. ويرجع معظم هذه المفاهيم والمصطلحات إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما كان المفكرون يرون أن دولة الأمة هي نهاية التاريخ.

صفحة 2

العولمة تقطع مع هذا التطور، وتقيم المجتمع على أسس غير اجتماعية. ما هو اجتماعي يتراجع لمصلحة ما هو غير اجتماعي. ويعني هذا أن الهوية بوصفها تعبيراً عن مجتمع الأمة والتعريف به والانتماء إليه، تتعرض لتحديات كبيرة، تنتهي إما إلى تمزيق الأمة وهويتها وتفتيتهما، وإما إلى تجاوز الهوية القومية إلى ما بعد القومية.

ويصدق هذا على كثير من الدول ممّا عرف بالعالم الثالث؛ فهذه تعاني من تفكك الهوية والوحدة الاجتماعية بسبب إخفاقها في إنجاز دولتها القومية وحداثتها، أما بالنسبة إلى المجتمعات الصناعية المتطورة، فإن العولمة تعبر عن مرحلة من مراحل التطور الرأسمالي المعلوماتي.

وبهذا فالعولمة حركة تاريخية، لا يمكن الهروب منها؛ لأنها تؤسس لعالم جديد. كانت القومية وطناً وهوية، أما اليوم، فالعولمة تشكل الأوطان والهوية.

موضوع الهوية لا ينفصل عن القومية والعولمة والثقافة. القومية إيديولوجيا عصر الحداثة، أما العولمة فهي روح عصر جديد، يتشكل ويشكل هوية المجتمعات والإنسان في سياق تاريخي، مختلف تماماً عما سبق، أهم سماته ذلك الطغيان التكنولوجي وخروج التكنولوجيا على الإنسان. فإذا كانت الحداثة مصبوغة بروح دينية مدنية - إلى حد ما - ضمنتها إيديولوجيا فلسفة التنوير وتأكيدها مركزيةَ العقل والإنسان وكرامته، فإن العولمة اخترقت هذه المبادئ بعقلها التكنولوجي، وإيديولوجيتها اللبرالية، ورأسماليتها المتوحشة.

رأسمالية متوحشة، داروينية جديدة، تدمر كل ما بنته الحداثة من دولة وهوية قوميتين، بكل ما حملته هذه الإيديولوجية من رومانسية وتحقيق لذات المجتمع. القومية باعتبارها روح الأمة ولغتها ودينها وأرضها وثقافتها، داهمتها العولمة في عقر دارها. لقد ولى زمان القومية وجاء زمن العولمة، هذا قانون التاريخ، أو قانون العولمة؛ إمّا الارتقاء والنمو وإمّا الفناء. كما هزمت القومية التشكيلات ما قبل الحديثة من قبيلة وعشيرة، تُهزم القومية أمام العولمة. هذا هو المبدأ الأول للعولمة.

غيرت العولمة هوية المجتمعات الإنسانية، بعضها اندمج في تكتلات أكبر، والبعض الآخر يعاني من تفكك وصراع الهوية. العولمة أنهت عصراً، وفتحت آخر، أنهت عصر الحداثة، وفتحت عصر العولمة، وودعت بذلك مرحلة بدولها ومجتمعها وإيديولوجيتها، بعدما أعطتها بعداً كونياً. لم تعد الدولة والمجتمع يفهمان في السياق الوطني، بل الكوني. كل شيء يحمل صفة الكونية؛ الدولة والمجتمع والفكر والمثقف والجغرافيا والتاريخ. البعد الكوني للعولمة غير هوية الدولة والمجتمع.

كانت الدولة القومية تعبر عن المجتمع القومي، أما العولمة فقد عولمت الدولة والمجتمع والثقافة: الدولة المعولمة هي الدولة اللبرالية، دولة السوق، فهذه لا تعرّف نفسها من خلال الثقافة، بل من خلال اقتصاد السوق. السوق يشكل الهوية. هذا المبدأ الثاني للعولمة. هذا الملاحظ حالياً؛ تكتلات اقتصادية كبرى، تتجاوز الهويات المحلية، ليست الثقافة ما تجمع التكتلات العالمية، بل اقتصاد السوق. أصبحت الثقافة في عصر العولمة سوقاً، تعكس قيم الاقتصاد اللبرالي. اليد الخفية للسوق، بمفهوم آدم سمث، تنظم المجتمع والسلوك وحتى الانتماء. الفضاءات الاقتصادية، التي أنتجتها العولمة، جعلت الهوية المحلية تتغير، أو تسير في طريق الانصهار في كيانات أكبر وأكبر. ولا تنفصل الهوية عن الثقافة، فإذا كانت ثقافة العولمة هي الثقافة اللبرالية، فإن الهوية لا تفهم بمعزل عن هذا التغير. كما عبرت العولمة الحدود، عبرت الثقافات أيضاً، وفتحتها بعضها على بعض.

صفحة 3

ثقافة العولمة هي الثقافة المفتوحة على العالم والمستقبل، وكذلك الهوية، أما الثقافة المغلقة فغير صالحة للبقاء. الدول تركض وراء منافعها الاقتصادية أكثر من التأكيد على تفردها عن غيرها. التميز تميز في الإنجاز والتفوق، الهوية الخلاقة هي هوية الإنجاز التي تصنع المستقبل. فالهوية تصنع وتصنع، بمعنى صناعة الواقع وتغييره، وتصنع: أي تتغير على الدوام من خلال الإنجاز. الهوية هنا منجز حضاري، أكثر منه معطى تاريخياً. هذا أهم تغير في مفهوم الهوية المعاصرة، وهو سيولتها وتغيرها على الدوام. لم يعد البشر عبيد تراثهم وتقاليدهم، ولم يعد الماضي ما يحدد الأنا. صارت الهوية تنتج على الدوام من خلال تفاعل خلاق بين الإنسان وعالمه.

هذه الظاهرة حاضرة في واقع المجتمعات المعولمة، أما المجتمعات التي أخفقت في تحقيق وحدتها القومية، فتعاني من أزمة الهوية، ولن تصمد أمام عواصف العولمة العاتية.

العولمة تؤسس لعصر جديد، محركه اقتصاد المعرفة، ومشروعه المستقبل والمجتمع المفتوح. صناعة المستقبل ونهاية التراث بوصفه ذاكرة جماعية. هذا هو المبدأ الثالث. وما دامت العولمة مشروع المستقبل، فإن أبرز سماتها هي نزع التراث، وقيام مجتمعات دون ذاكرة تاريخية، مصابة بمرض فقدان الذاكرة " مجتمعات ألزهايمر" Alzheimer Society . لا تتذكر الماضي والأمجاد، لكن لديها ذاكرة المستقبل. ذاكرة المستقبل وصناعته هما هاجسها. المستقبل حاضر أبداً في فلسفتها. هذا هو المبدأ الرابع. الرهان على المستقبل، لا على الماضي. من لا يفكر في المستقبل، لا ينتمي إلى عصر العولمة. المستقبل يعرّف الهوية ويصنعها. تاريخ المجتمع لم يعد ماضيه، بل مستقبله. من لا يكسب المستقبل، يخسر كليهما. التعلق المرضي بالماضي دليل على أزمة الهوية.

العولمة واللبرالية صنوان: هما يصنعان الهوية، معنى هذا أن الهوية بنت زمانها، هي التعريف بـ(الأنا) والـ (نحن)؟ لكن الـ (نحن) لم تعد اليوم جماعة ثقافية متجانسة، بل تكتلات اقتصادية ما بعد قومية، تعيد صياغة هويتها وفقاً لمصالحها، روح العصر، تطبع روح المجتمع. الأمم تعيش في العصر أو خارجه. ليس هناك ما يجمع تركيا مثلاً مع أوربا سوى المصلحة. المجتمعات صارت لا تعرّف نفسها عن طريق الأصل الواحد، بل المصالح والقيم المشتركة. المصلحة والأهداف المشتركة يكونان مجتمع العولمة وهويته . مفهوم المجتمع الذي عرّف نفسه من خلال الدولة، لم يعد صالحاً. العالم المعولم حالة غير اجتماعية . إذا كان البعد الاجتماعي القومي قد شكل مجتمعات الحداثة، فإن مجتمعات العولمة لم تعد تعرّف اجتماعياً. المجتمع عند بك (Beck) في كتابه (مجتمع الخطورة/ Risikogesellschaft) هو مجتمع الخوف الجماعي والخطر البيئي العالمي .

اجتاحت اللبرالية الجديدة كل حصون الدولة القومية، التي قامت على أساس السيادة الوطنية والثقافية، وعرّفت نفسها من خلال رابطة الدم والانتماء الثقافي، كانت الدولة القومية دولة الهوية الثقافية، لذلك نلاحظ أن أكثر ما يتعرض الآن للخطر هو الهوية الثقافية، وهذا صحيح. لكن ليس ظاهرة عامة، بل ظاهرة تميز المجتمعات التي لم تجدد ثقافتها وهويتها، ولم تحقق وحدتها القومية؛ أي أخفقت في بناء حداثتها. هذه الظاهرة؛ ظاهرة الخوف من العولمة، لا نلاحظها إلا هناك، حيث قامت حداثة ناقصة، وحيث ألبست البنى ما قبل الحديثة من قبيلة وعشيرة، ثوب الدولة، وقامت دولة القبيلة أو الطائفة.

صفحة 4

وأفهم هنا تحت الهوية الانتماء إلى العصر، ولذلك فإن المجتمعات التي تخلفت عن تجديد هويتها وزمانها، تعاني من قلق الهوية، والسبب هو أنها لا تملك هوية العصر، ولا تفكر بعقله، وعاجزة عن المشاركة في صناعته. وأكثر من ذلك إنها تعاني من تخلف البناء الفكري والمجتمعي وعدم التكيف مع العصر، ومن التشظي وظهور هويات قديمة؛ إثنية ومذهبية. إن الجمود الثقافي هو السبب فيما نلاحظه من ظواهر ما قبل حديثة، وفي عدم تطوير هوية دولة ومجتمع حديثين، فالدولة هنا، ليس لديها عقلية الدولة (Staatsraeson)، بل عقلية العشيرة والطائفة. وفي مثل هذه الأحوال يتراجع مفهوم الوطن والمواطنة. الناس يفكرون في انتماءاتهم الضيقة، لا في الوطن. الوطن والمجتمع ينتهيان عندما يتراجع الحس الوطني، ويسود الحس المذهبي والطائفي.

هذا القمع التاريخي - لأن من يسير ضد حركة التاريخ لا يقمع البشر فقط، بل التاريخ أيضاً - يشوه بنية المجتمع، ويفسد نسيجه الاجتماعي، ذلك أن الهوية بوصفها حالة ثقافية لا تنمو إلا في ظل الحرية. الناس لا ينتمون إلى جلاديهم وقاتليهم.

الاستبداد يفتت الهوية، لا يبنيها، يفرق ولا يجمع، دينه الفساد والظلم. دولة الفساد لا تعمر، بل تدمر. زمن الاستبداد وقت ضائع من حياة الأمم. يعرف التاريخ دولاً عاتية ومستبدة، لكن لا يعرف استبداداً لم ينهر - في الغالب - بنهاية مفجعة.

العولمة تعيد بناء المجتمع العالمي والهوية، تلك ظاهرة وحقيقة تاريخية، أصبحنا أبناء عالم واحد، إما أن نساهم في صنعه أو ننعزل. الخصوصية الجامدة التي مارسناها على مدى قرن من الزمان، ولم نفهم تحتها سوى محاربة مكتسبات الحداثة والانغلاق، دمرت أحلامنا في دولة العرب، ودولة المسلمين، ولم تخلف سوى نظام الطوائف والاستبداد الذي لا ينفصل عن هذه الخصوصية الجامدة. فحيثما تتجمد الهوية، يتجمد الفكر، ويطغَ الاستبداد. صار الاستبداد هويتنا وخصوصيتنا. سبب هذه الخصوصية هو أننا لا نستقي أفكارنا من الواقع المتغير، بل من تراث الماضي أو من فكر الآخر ( الغرب )، مما أدى إلى الشرخ الكبير بين الهوية والواقع.

كما لم ترحمنا الحداثة، فلن ترحمنا العولمة. أخفقنا في بناء هويتنا ودولتنا الواحدة في عصر الحداثة؛ لأننا شغلنا أنفسنا بالدفاع عن هويتنا، لا بصناعتها، ومعاداة الغرب، لا التعلم منه، فكانت النتيجة هي تلك الهوية العربية المتصدعة. هوية الأمة هي دليلها نحو الحاضر والمستقبل. وإذا كانت الحداثة هي عصر الخصوصية القومية، وتركت للمجتمعات أن تعيش ذاتها وهويتها الخاصة، فإن العولمة تجتاح الخصوصيات والحدود، وتضعها أمام خيارين، إمّا بناء هوية فاعلة على المستوى العالمي، وقادرة على تفعيل خصوصيتها، وإمّا الانكفاء والدمار.

بناء على ما سبق أتناول الموضوع على الوجه الآتي:

1- ما العولمة؟

2- ما الهوية؟

3- ما أثر العولمة في الهوية؟

4- الهوية العربية وتحديات المستقبل.

صفحة 5

المقدمة

لم يسبق أن كثر الحديث عن العولمة، كما اليوم، ولا غرابة في ذلك؛ فالعولمة إيديولوجيا العصر وفلسفته، والأصح أنها الرؤية الشاملة لعصرنا (Weltanschauung)، بتعبير منهايم (Karl Mannheim)، فهي التي تؤسسه فكراً ومنهجاً وسلوكاً. وكما يتضح من المفهوم، فالعولمة تشير إلى ما هو عالمي، لا إلى ما هو محلي وخاص، ومن ثم فإنها تضعف الخصوصية، وتسيل الحدود الجغرافية والثقافية والسياسية بين الأمم والشعوب. وإذا كانت الحداثة هي فلسفة ما عرف بعصر القوميات وأوربية الطابع، فإن العولمة أميركية ، وهي حركة تاريخية كونية، ليس الجديد فيها عولمة التغير الاجتماعي فقط، وأنه أصبح خارجياً ومفروضاً على المجتمعات، بل الجديد فيها تغيير منطق التاريخ، وجعل المجتمعات تنمو مع التاريخ، لا في التاريخ؛ أي تتجه نحو المستقبل، أكثر من الماضي. ولا تعتز بتاريخها، بل بإنجازاتها الحضارية المعاصرة. لا تعرّف نفسها بما كانت، بل بما هي وما ستكون. لا تنام على ماضيها، بل تصنع مستقبلها . من هنا مشكلة العولمة مع التاريخ، فهي محاولة لإلغاء تاريخ الآخر وهويته. فلأول مرة في التاريخ يحدث تحول تاريخي تكنولوجي دون أفق إنساني. فالعولمة مادة دون روح .

سمة العولمة أنها هجينة، لا أصول لها، إنها حركة تاريخية، لكنها ثورة التاريخ على التاريخ، والمستقبل على الماضي، فما يميزها عن الحداثة هو الفقر الاجتماعي والإنساني، وزيادة الهوة بين العقل التكنولوجي والعقل المعياري. فهي الابنة غير الشرعية للحداثة .

ما يسم العولمة عدميتها، عدمية كل ما يتعلق بالإنسان والثقافة والقيم، وخضوعها المطلق لسلطة التكنولوجيا، وخروجها على سلطة الإنسان. وهذا أهم ما يميزها عن الحداثة، فالحداثة مشروع ثقافي وإنساني، أما العولمة فهي مشروع تكنولوجي، يلغي المجتمع الحديث بوصفه مفهوماً ثقافياً، ويؤسس لمجتمع تكنولوجي، اصطناعي، يربط البشر مصلحياً، لا ثقافياً.

ولذلك فإن المجتمع العالمي مجتمع ضبابي الهوية، لا ينتمي الناس فيه إلى المكان، بل إلى الزمان (نهاية الجغرافيا)، لا إلى تاريخهم، بل إلى مستقبلهم، لا إلى ثقافتهم، بل إلى جيوبهم، لا إلى جماعة قومية معينة، بل إلى الجماعات المصلحية. هوية الأنا أقوى من هوية الانتماء الجماعي. وغالباً ما يعرّف الفرد ذاته من خلال رأسماله المهني والرمزي وإنجازاته الفردية. إنها عصر الفردية، إيديولوجيا الأنا. إيديولوجيا الجيب والكسب والمصلحة.

صفحة 6

التغير الثقافي السريع يلغي الثقافات دون أن يمكّن من تكوين أرضية وهوية ثقافية مستقرة، ولو إلى حين، ذلك أن القيم الثقافية لا تكون فاعلة ما لم تستقر في العقل الجمعي. لكن العولمة تلغي ما عرف بالعقل الجمعي للأمة وتكون عقلاً معلوماتياً تكنولوجياً، بعد أن تفكك بنى المجتمع القومي وهويته وتسيلها.

وتنزع عنها طابعها التراثي الخاص، وتعجّل من قيام ثقافات جديدة، تسودها الثقافات المعولمة.

الحاسم في الأمر، هو أن الثقافة التي تشكل الهوية، لم تعد تعبر عن روح المجتمع، بل تصبح ذات طابع تكنولوجي، فهي مشيّئة ومغتربة عن الإنسان. وهذا مؤشر على هوية المجتمع، وتنوع أشكال الاغتراب النفسي والاجتماعي، وما يرافقها من صراع الهوية عند الأفراد والجماعات. العولمة الثقافية تفكك الـ(نحن). الكل يعيد النظر في هويته، ويتصارع معها. من أنا؟ من نحن؟ لم أعد أنا ابن هذه البيئة والثقافة المحلية، بل أصبحت كونياً. ثقافة العولمة تقتل الضمير الجمعي الإنساني والأخلاق العالمية، والرسالة - كما يقال - تقرأ من عنوانها، فلننظر إلى المجازر والإبادة الجماعية في العراق وفلسطين، ولو كان الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو ( Theodor W. Adorno) (1903-1969) حياً، لراجع نفسه، ولم يعد يقل أن أوس شفتس (Ausschwitz) - المحرقة اليهودية - حالة تاريخية فريدة، بل جريمة من جرائم الرأسمالية، لا أكثر ولا أقل، تفوقها جريمة احتلال فلسطين من الصهاينة، وجريمة بوش الابن في احتلاله للعراق 2003، وتدميره مجتمعاً ودولة وحضارة وإنساناً. ما فعله بوش الابن وأعوانه المحليون لا يعني أكثر أو أقل من أن القوة الغاشمة لا ضمير لها. هذا ضمير العولمة. موت الضمير، وفقدان الحس الإنساني والقتل البارد، وإلا فعَمَّ تعبر جماعات القتل العاملة في العراق والتي تعرف باسم (Black Water)؟

الإحباط واليأس والتشيؤ عوامل مكونة لهوية العولمة على الطرف الآخر، يعرّف الناس أنفسهم بإنجازاتهم الفردية. بهذا تعيد العولمة بناء الذات الفردية والجماعية والعالمية في سياق من التشظي والتفكك الاجتماعي والتاريخي والثقافي.

الثقافة الإنسانية بوصفها منجزاً حداثياً، هي أبرز ضحايا العولمة، ذلك أن العولمة تنهي مشروع التنوير، ليحل محله ثقافة تكنولوجية جامدة. وهذا يعني أن العولمة عولمة تكنولوجية دون وجه إنساني.

تيار العولمة الجارف يعيد تشكيل بناء المجتمع الإنساني، وينذر بتفجير العديد من الدول والهويات التي لم تحترم العقل والإنسان. إن أهم ما يميز ظاهرة العولمة أنها ثورة كونية، تبسط سيطرتها على العالم، بقوتها الناعمة وتكنولوجيا المعلومات. ليس الناس ذواتاً، يقاومونها، بل مواضيع، خاضعون لها، لما تقدمه من إغراءات وتوسيع للفضاءات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لكن لا يدركون أثرها في تدمير الذات والهوية الإنسانية.

إذا كان للعولمة من ذات فاعلة، فهي تكنولوجيا المعلومات، هذه تشكل الذات، وبتعبير ماركس، إنها ظاهرة التشيؤ بأقسى صورها. إنه تشيؤ دون ذات تاريخية، ذلك أن اقتصاد المعلومات هو اقتصاد الصفوة الذكية، وليس الجماهير الواسعة؛ فهذه لا تشارك مباشرة في إنتاج المعرفة والمعلومات، مصيرها التهميش. وهذا مؤشر على هويتها، وهي هوية المعاناة والتشتت والإحباط.

المجتمعات المعولمة لن تعرف هوية قومية جماعية، وإن عرفتها فستكون عامة فضفاضة، انتماء إلى فضاءات أكثر منه إلى أقوام، لكن هذا لا يعني إلغاء التعريف القومي، بل تراجعه، كأن يعرف الفرنسي نفسه: أنا فرنسي، وأنا أوربي، وأنا مواطن عالمي. كما أن هوية الجماعات ستكون أقوى من الهوية الجمعية. وأبرز الهويات والجماعات المشكلة للبناء الطبقي هي: هوية الجماعات المحبطة والمهمشة؛ لأنها لا تعرّف نفسها من خلال العمل.

صفحة 7

الثانية، هي الهوية الاحتجاجية، وتتمثل في الحركات المناهضة للعولمة، وتشمل حركات النساء والبيئة والسلام والفقراء، وشطراً كبيراً ممّا عرف بالعالم الثالث، هؤلاء هم بروليتاريا العولمة. إن عمليات التهميش المتزايدة للطبقة الوسطى واضطهادها الاقتصادي والاجتماعي ستؤدي إلى تكوين نوع من البروليتاريا العالمية، ليس على الطريقة الماركسية الدموية، بل على طريقة المجتمع المدني والبروليتاريا الاحتجاجية، التي تعاني الإحباط النفسي والضياع الثقافي، مما يجعل الثقافة والمسألة الإنسانية تتحولان إلى محركين أساسيين للحركات الاجتماعية العالمية والافتراضية، فالصراعات تقوم بين الثقافة والبناء الاجتماعي. الوعي الاجتماعي يحدد الوجود الاجتماعي.

الثالثة، هي هوية الإنجاز، وتشمل الجماعات المعولمة، والصفوة الذكية والمعلوماتية والمستفيدين من العولمة.

الرابعة هي الهوية الافتراضية، التي تتولد عن التواصل بين الجماعات والأفراد من خلال تكنولوجيا المعلومات. وسيكون للمجتمع المدني الافتراضي دور كبير في ذلك بالنظر إلى دور تكنولوجيا المعلومات في التواصل الاجتماعي. أما الأساس المولد لهذه الهويات والجماعات، فهو الجامعة بوصفها المكون للفروق الطبقية الجديدة وللصفوة الفنية الذكية. إضافة إلى ذلك ثمة هوية الإنسان العالمي، كل منا يحمل شيئاً منها. كل هذه الهويات ذات طابع براغماتي حياتي أكثر من كونه طابعاً إيديولوجياً.

أما أهم محرك للحركات الاجتماعية الجديدة، فلم يعد المسألة الطبقية والقومية بالمقام الأول، بل المسألة الإنسانية، كقيم العدالة والحرية والتعددية والاعتراف بالآخر والانفتاح وحقوق الإنسان والبيئة، وسيكون المجتمع المدني أهم حركة اجتماعية عابرة للطبقات، أما المجتمعات المغلقة فلن تولد سوى الهويات القاتلة والتطهير العرقي والمذهبي والجغرافي؛ لأنها لا تعترف بالآخر. هذا ما نلاحظه في دولة الصهاينة وغيرها. وسيزداد دور الهويات الافتراضية والتفاعل الافتراضي العالمي بعد تراجع ما يعرف بالهويات الأساسية.

تغير الهوية شيء طبيعي، بعدما تغيرت هوية الجغرافيا والإنسان والعقل. هذا التغير زاد من الفضاءات المكانية والفكرية والديمقراطية أمام الفرد، وقرب المجتمعات بعضها من بعض. صار الانتماء إلى الوطن انتماء إلى القيم، وصارت الهوية مفهوماً قيمياً، وليس جغرافياً وتاريخياً. هذا ما نلاحظه حالياً: التجمعات الحالية هي اقتصادية وقيمية، ولا تقوم الرأسمالية المعلوماتية دون حرية. فالحرية هي الهوية. ولا تتخلص المجتمعات من تأخرها دون ذلك.

صفحة 8

بهذا أرى أن مجتمع العولمة هو مجتمع الجماعات والمواطنة أكثر منه مجتمع الأمة. فالوطن لم يعد مفهوماً جغرافياً، بل نظاماً قيمياً، هويته كرامة الإنسان وحقوقه. لا قيمة لوطن دون حرية.

هذه جوانب العولمة الإيجابية، لكن ثمة أخرى سلبية، إن هيمنة تكنولوجيا المعلومات تولد نوعاً من الاغتراب العالمي السلبي، الذي يتولد عن تكنولوجيا المعلومات، وما تبعثه في نفوس البشر من عجز عن التغيير، وفقدان المغزى. أزمة المغزى؛ مغزى الحياة، لا تقل شأناً في تأثيرها عن الأزمة الاقتصادية. العولمة بتدميرها للهوية الإنسانية وبأقصدتها للحياة، وبفقرها الأخلاقي، تطرح أسئلة الهوية والمغزى والوجود الإنساني. إذا كان العصر الصناعي عصر القلق، فإن العولمة هي عصر الاغتراب والتشتت وأزمة الهوية .

وضمن هذا السياق يندرج الكثير من الحركات الدينية وتراجع الفكر التنويري في ردة فعل على العولمة .

البشرية تفقد رشدها عند كل تحول عظيم، وهذا ما فعلته العولمة، عندما دمرت عصر الحداثة بإيديولوجيته وهويته، وفجرت أزمات كثيرة، منها أزمة مغزى الحياة. كانت الدعوة في نهاية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر العودة إلى الطبيعة (روسو)، وبناء مرجعية العقل، أما العولمة فهي التحدي العالمي الأكبر للهوية ومغزى الحياة. لذلك نلاحظ اتجاهاً معاكساً، يتجلى في تراجع الإيديولوجيا وعودة الدين، حتى في أوربا المسيحية، لكنه يأخذ أشكالاً مختلفة، في الشمال يعني البحث عن مغزى جديد للحياة، أما في الجنوب فغالباً ما يأخذ شكل العنف والتفتت ورفض العولمة والدفاع عن الهوية. ثمة علاقة كبيرة بين الهوية والعنف، خصوصاً إذا ما كانت الهوية تعني العزلة الحضارية ورفض الآخر .

صفحة 9

ما العولمة؟

العولمة حركة تاريخية، تندرج في سياق الحركات الاجتماعية الأخرى كالحداثة وما بعدها. فهذه مرحلة من مراحل الرأسمالية، وهي الرأسمالية المعلوماتية، وتدل على أن التاريخ الإنساني من صنع البشرية كلها. في المجتمع الإقطاعي كانت المجتمعات البشرية متقوقعة على ذاتها، أما المرحلة الصناعية فهي مرحلة الدولة والخصوصية القومية. أما العولمة فتنزع الحدود الثقافية والاقتصادية بين المجتمعات "وتزيد التفاعل والاندماج والتكامل بكل أبعاده بين المجتمعات" .

ومع أن تعريف العولمة يبدو للوهلة الأولى سهلاً، لكن المطلع على الدراسات المختلفة يلاحظ كثرة الاجتهادات والاختلافات التي تصل أحياناً إلى حد السأم والملل . السبب في ذلك يعود إلى المداخل المختلفة إلى هذا المفهوم، وإلى أبعاده المحلية والعالمية، وإلى الفوضى الفكرية للعولمة، وإلى حقيقة أنها اقتلعتنا من جذورنا، ولا ندري أين تقذف بنا، إنها تقذف بنا إلى عالم ومجتمع مجهولين، وتضعنا أمام وقائع جاهزة، تصنعنا، لا نصنعها. لقد فقد الإنسان السيطرة على عالمه. المجتمع العالمي هو مجتمع الحقائق التكنولوجية، لا الوقائع التي يصنعها الإنسان. لم تعد الحقائق الاجتماعية من صنع الإنسان، بل التكنولوجيا. العقلانية التكنولوجية بأبشع صورها هي ما تمثله العولمة.

الإنسان بوصفه ذاتاً تاريخية أصبح عبداً للتكنولوجيا، عبودية، لا يفرضها استغلال الإنسان للإنسان، بل تكنولوجيا تحتوي الإنسان. هذا التشيؤ السلبي هو غربة دون اغتراب، وضياع دون ذات. بمعنى أن العولمة هي هيمنة التكنولوجيا على الإنسان، واستعماره وتعزيز ما يُعرف بالعلاقات والمجتمع والهويات الافتراضية. هذا حال مجتمع المعلومات، مجتمع الثورة التكنولوجية الكبرى في التاريخ البشري، تلك التي غيرت منهجية التفكير والثقافة وتسمو بالهوية إلى آفاق، كانت ضرباً من الخيال والطوباوية.

صفحة 10

فلأول مرة في تاريخ البشرية تمتلك تكنولوجيا المعلومات ديناميتها وآليتها المستقلة عن الإنسان، وتمعن في تجريده من اجتماعيته. " لقد اختزلت العولمة بالفعل الزمان والمكان، وصنعت كياناً تفاعلياً فوق المكان والزمان" . العولمة تعولم ذاتها من خلال ثورة المعلومات، وما ترتب عليها من عولمة داخلية، طالت عالم الحياة. لا تعني العولمة الداخلية أكثر أو أقل من أن العولمة التكنولوجية صارت داخل بيوتنا ونفوسنا، نظاماً داخلياً، تغيرنا دون أن ندري، بمعنى أن تكنولوجيا المعلومات صارت إيديولوجيا، " تحيط بنا من كل جانب، بعد أن تسللت إلى كل أجزاء المجتمع الإنساني" ، وعولمت حياتنا بصمت، وقد سميتها " بالعولمة الصامتة " ، نظراً لما أحدثته من ثورة كبيرة، في مجتمعات كانت عصية على التغيير، حافظت على بنائها الاجتماعي قروناً. لم يعد زمام التغيير في يد الإنسان، ولم يعد هذا ذات التغيير ولا مشروعه، وإنما آل زمام التغيير إلى اقتصاد المعرفة. لذلك لا يدري أحد، ما مستقبل العلاقات الاجتماعية، هل هو الصراع الحضاري، (هنتنغتون)، أم هل العولمة داروينية جديدة (بورديو)، أم أننا أبناء قرية واحدة. الضبابية سمة العصر.

وصف جون غالتونغ العولمة "بإمبريالية المعلومات" (Galtung)، أما بورديو فيقول: إنها خطاب قوة، "وتقوم قوة اللبرالية الجديدة على نوع من الداروينية الجديدة" ، إنها قانون السوق، بمعنى حق الأقوى وتمجيد سلطة أسواق المال، رأسمالية متوحشة، وتقول لنا إن قوانين السوق هي قوانين المجتمع. وإذا كان لكل عولمة محرك، فإن محرك العولمة رزمة من العوامل، أهمها:

1) تكنولوجيا المعلومات.

2) اللبرالية الجديدة.

3 ) اقتصاد المعرفة، وعالمية رأس المال والتجارة .. يقول ديفيد هلد: "العولمة عملية تاريخية، تتسع في سياقها وتطورها شبكة العلاقات الاجتماعية وأنظمتها مكاناً، وتأخذ فيها أنماط السلوك الإنساني والنشاطات وممارسة القوة الاجتماعية، طابعاً عابراً للقارات" .

إنها الرؤية الأميركية للحياة، ذات وجه أميركي، تشرب الكولا، وتعمل بـ (لوب توب)، وتستخدم (وندوز وإنتل) ، إنها استعمار جديد، وفرض نمط حياة القوي على الضعيف، كما يذكر توت ومنتسل وكورتس . العولمة عملية متعددة الأبعاد، يدور موضوعها حول النموذج الاقتصادي اللبرالي الجديد، وتغير دور الدول في النظام العالمي، والاعتماد المتبادل للفاعلين المختلفين، والتأثيرات المتجهة نحو التجانس في مجتمع عالمي في طور التكوين، مثلاً: اللغة، القيم والرموز وحقوق الإنسان، وتكثيف التفاعل العابر للحدود وزيادة الهجرة الدولية، وزيادة الحساسية بالنسبة إلى المخاطر الدولية (المناخ، البيئة، الجريمة) .

ما الوجه الجديد للعولمة؟

بعد أن حددنا مفهوم العولمة، نتساءل، ما الذي يميزها عما سبقها، كالعولمة الدينية والاقتصادية والثقافية، ما الوجه الجديد للعولمة ؟

يتمثل الوجه الجديد للعولمة، كما يرى جدنز، في عدة تغيرات:

الأول "هو التغير الهام في الثورة الشاملة للاتصال.

والثاني هو التغير في نشأة الاقتصاد الخفيف weightless economy, ، اقتصاد المعرفة.

والثالث نهاية الاتحاد السوفييتي، الذي كان متخلفاً في مجال الاقتصاد الإلكتروني.

والرابع هو التغير على مستوى الحياة اليومية" . إن تجارة المعلومات والمعرفة هي نواة النظام المالي العالمي الجديد.

أما الخامس فهو أنها دون هوية وفلسفة إنسانية، "بل على العكس من ذلك، إنها تهمش كل ثقافة ذات طابع إنساني أو أخلاقي" .