eKtab
EN ع
العولمة وتاريـخ الصراع مع الغرب
اقرأ عينة مجانية

العولمة وتاريـخ الصراع مع الغرب

بقلم د. رعد شمس الدين الكيلاني

صفحة 1

تمهـيد

قال تعالى:( إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى:( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ).
الأوهام والغرور والطغيان والخوف والجوع مفردات عاشت مع الإنسان منذ ان خلقه الله تعالى ولكن بصور مختلفة ولذلك كان حكم الملائكة على الإنسان مبنيا على القناعة التامة والمستندة الى واقع الحال الذي يؤكد ان هذا الإنسان قد تلبسته حالة الفساد وسفك الدماء فوصفت الملائكة شخصيته في قوله تعالى ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ولكن الله تعالى العليم الحكيم اراد للإنسان خيرا وسعادة حقيقية في ظل تعاليمه في الحياة الدنيا ونعيما ابديا في الحياة الاخرة. وهكذا كانت البداية وحي وتعاليم من السماء للإنسان يهتدي بها ويعيش في ظلها وكلما ابتعد الإنسان عن مصدر سعادته سقط في شراك الشيطان وتخلى عن القيم الانسانية وهبط الى حضيض الحيوانية بل ادنى منها. ولم يترك الله جلَّ وعلا الانسان، ففي كل مرة يسقط فيها الانسان يبعث الله نبيا او رسولا لانتشاله وليضع خطواته من جديد على الصراط المستقيم. وفي اخر مرة بعث الله تعالى نبيا رسولا وانزل معه كتابا جعله دستورا للانسان على الارض يحقق الانسان في التفاعل معه انسانيته، وكانت الرسالة الاخيرة عالمية تخاطب الانسان في كل مكان وزمان الى قيام الساعة من هنا كانت هذه العالمية تمثل الإنسانية وتمثل الرحمة وتواجه الظلم والطغيان وتحِّمل الأمة التي استجابت للرسالة في تنزيلها الاول مسؤولية انقاذ الانسانية من الاستعباد والذل والخوف وفي مقابلة هذا المنهج الالهي للانسان كان الشيطان يحاول باستمرار ولم يكف عن محاولته لخداع الانسان وتخويفه من السير على الطريق الصحيح ولما كانت الرسالة الاخيرة عالمية وانسانية واجهتها فلسفات ارتكاسية شمولية اولها اليهودية المحرفة التي تخدم الحركة الصهيونية ففي القرن الثامن عشر الميلادي ظهر قس انكليزي يدعى مالثوس ابدع عقله قانونا اجراميا سماه (قانون الفقراء) (Poor Low) وخلاصة هذا القانون (ان الموارد الطبيعية لا تتناسب مع الزيادة السكانية فلابد من ادراك ان الفقراء العاطلين لا يستحقون الحياة ولابد من التخلص منهم) وكان هذا القانون ملهما للماركسية في نظرتها الى الانسان حين اقرت بمبدأ: ان الحياة يستحقها الذي يملك القدرة على الانتاج ثم جاء دارون ووضع نظريته (أصل الانواع) مستلهما قانون الفقراء عندما اقر ان البقاء في الحياة للاصلح، وهكذا كانت هذه الفلسفات اللا انسـانية قابعة خلف مصادر التأثير في الحياة (المال والعلم والسلطة) تحرك القوى الطاغوتية لمواجهة الاسلام. او الانسانية بصورة عامة وعندما ننظر الى تاريخ اوربا ونتلمس خلفية الاحداث ندرك ان حركة القوة الطاغوتية كانت تستند الى الفلسفة الشيطانية اللا انسانية التي تابعناها وفق السياق التاريخي . ففي الحرب العالمية الاولى وفي اجواء المذابح الجماعية ظهر قانون او مصطلح (ثالـوث المعونة) (Triage) وكان يستخدم لوصف نظام تقديم المساعدة الطبية في مستشفيات الميدان، فقد كان الجرحى يقسمون على ثلاث مجموعات:
1. من سيعيشون ليحاربوا مرة اخرى دون مساعدة طبية.
2. ومن لن يشفوا حتى بالمساعدة الطبية.
3. ومن ستكون المساعدة الطبية حاسمة بالنسبة لهم.
ومن هذا القانون استلهمت القوى الغربية قانون المساعدة للبلدان النامية على وفق هذا المفهوم مصطلح (ثالوث المعونة) الذي تحدد بموجبه الدول التي تستحق المساعدة من التي لا تستحقها وقد عبر عن ذلك احد اعضاء مجلس الامن القومي الامريكي عندما ذكر (بأن منح المعونة الغذائية للبلدان لمجرد ان الناس جوعى هو سبب بالغ الضعف)، واكد بأن المعونات الخارجية لابد ان تذهب لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية.
ويلتقي مصطلح الثالوث مع قانون الفقراء لمالثوس حيث يقوم على اساس مقولة الرعب القائلة بأننا ندخل عصر الندرة المطلقة، وبناء على هذه النظرية يجب توزيع الغذاء بحرص لضمان بقاء انفسنا.
ويخطو جاريت هاردين استاذ الايكولوجيا البشرية في جامعة كاليفورينا خطوة اكثر صراحة ويكشف عن حقيقة الاستراتيجية الغربية عندما يشّبه الكوكب الارضي بقارب النجاة فيقول: "(فإذا سمحنا لأي شخص بركوب قارب نجاتنا فسوف نغرق جميعا " وهكذا يجري خداع الناس بصورة مرعبة عن النقص الغذائي والانفجار السكاني). ويبرر القتل الجماعي والابادة السكانية للتخلص من الزيادات في معدلات النمو للبلدان النامية.
وفي هذه الاجواء وعلى وفق تطور الايديولوجيات عبر السياق التاريخي لتشكل المفاهيم المتأسسة على المصالح والذرائعية المفرطة والانوية الطاغية ظهرت العولمة وفي غياب القوة المضادة التي كانت تعمل على نوع من التوازن أكتسحت القوة الاحادية العالم وفرضت النظام العالمي الجديد وعرضت النمط الامريكي للحياة وحاولت خداع العالم بما يظهر من نقاط الجذب واوهام السعادة التي كان الشيطان يعد ويمني بها اتباعه.
ولا نريد ان نقف عند معنى العولمة ودلالتها الفكرية والاقتصادية لأن الموضوع قد استهلك بحثا او انه يمكن التعرف عليه من خلال زوايا غير زاوية النظر التي نقف عليها، ولكن لابد من قراءة العقل الغربي الذي صنع العولمة، وفي اي سياق تاريخي نضجت معالم نظريتها؟ وما هي منطلقاتها وخلفيتها الايدلوجية؟ ولابد من التذكير بأن الاوهام والخداع والتخويف من الوسائل الفعالة والمهمة في عملية تسويق العولمة. (ان مشكلة العالم الغربي كله انه فصّل الاقتصاد عن الاخلاق كما فصل السياسة عن الاخلاق والعلم عن الاخلاق والحرب عن الاخلاق وزعم ان الغاية تبرر الوسيلة، هذا مع ان غايته هذا ليست شريفة بل هي غاية شـريرة: ان يحيا المرء ولو بموت غيره، وان يبني نفسه على انقاض غيره). وكما ذكرنا بأن المواجهة الأولى للإسلام كانت مع اليهود الذين حرفوا التوراة واستمرت المواجهة ولم تتوقف حتى العصر الحديث ولكنها تكون واضحة ومكشوفة احيانا ومخفية احيانا اخرى. وتمثلت المواجهة بتوظيف اليهود كل الوسائل ضد الاسلام فكانت الماركسية الإلحادية والدارونية وغيرها من الفلسفات واخرها كانت العولمة (وكل العولمات في النهاية تعمل لصالح المشروع الصهيوني وخدمة دولة الكيان الصهيوني (اسرائيل): العولمة السياسية والعولمة الاقتصادية والعولمة الثقافية والعولمة الدينية، وكل ما يمكن ان يخترع من العولمات وما بعد العولمات قد يحقق مصالح لأمريكا خاصة وللغرب عامة ولكن لابد ان تستفيد منه في النهاية اسرائيل).
ومنذ ان تحالفت اليهودية مع المسيحية تم توظيف العالم الغربي وامكاناته البشرية والاقتصادية لمصلحة الحركة الصهيوينة وتمت هذه العملية عبر مئات السنين وبتخطيط يهودي خبيث وماكر استخدمت فيه الاموال والشهوات للوصول الى هذه النتيجة، وان هذه النظرة لا تستند الى نظرية المؤامرة التي يروج الفكر العولمي والشمولي الى استبعادها ويمارس ضغوطا فكرية تصل الى حد الاتهام بالسطحية لكل من يحاول ان يفهم الاحداث على وفق سياقها التاريخي. ويذكر البعض (ان العولمة اسقطت نظرية المؤامرة بفضل سرعة وسهولة تدفق المعلومات)، ونحن لا نعتقد بآلية نظرية المؤامرة كما يصورها المستسلمون لها بقدرية وجبرية سالبة لكل قدرة على الحركة والفعل المواجه لها. ولكن نعتقد بوجود مصالح استراتيجية تتفق عليها وعلى تحقيقها قوى الطغيان العالمي لنهب ثروات الشعوب وسلب حريتها واستعبادها كما ذكر القرآن الكريم عن السلطة الفرعونية المعاصرة لموسى (عليه السلام) عندما قال يمتن على موسى (عليه السلام) (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ )، فاجابه موسى (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ). وبذلك تكون المصالح دافعا قويا لتأمر الاقوياء على المستضعفين لاحكام السيطرة على ثرواتهم.
وهكذا تقول قوى العولمة الطاغوتية بانا نمنحكم اسباب الحياة نعدكم بسعادة ومتعة لن يقدمها للشعوب غيرنا وما على الشعوب الا القبول بنمط الحياة المسوق اليها من دوائر الاسرار الكوكبية، وعلى هذا الاساس لا يوجد سيناريو متفق عليه بين اطراف اللعبة ولكن هناك تخطيط وبرامج ذكية للوصول الى الهيمنة والسيطرة على اقتصاد العالم وتستخدم الايدلوجيات كغطاء تبريري لتحريك الرأي العام لخدمة اهداف القوى الكبرى ولذلك كان الصراع هو النمط الطاغي على علاقات البشر لتلبس الاهواء والمصالح للانسـان في كل زمـان ومكان. وعندما ننظر الى الاحداث من خلال هـذه الزاويـة تستطيع ان نفهم الازدواجيـة في المعايير والمكاييـل التي يمارسـها الاقويـاء على المستضعفين ولذلك يرى (جاك ادا. ان العولمة تعني سيطرة الرأسمالية على العالم، اي هيمنة الدول القوية وتحكمها بمصير البشرية. ويرى بعضهم الاخر ان العولمة تيار كاسح حطم الحدود الاقليمية ودمر الثقافات القوية وتحكمها بمصير البشرية، من هنا كانت السياسات العولمية تطغى على احتمالات الجوانب الايجابية التي يمكن ان تنعكس على الحياة في ظل العولمة فالمشكلة تظهر في التوجيه المركزي للعولمة بما يضيق من فوائد التواصل العالمي ويعزز آليات الاستغلال والهيمنة وفرض مصالح الأقوى وكل هذا ينمي النزعات اللا انسانية والنفعية ويزرع الشقاق والتفتت ويؤدي الى الاستئثار المصلحي والعنصري الضيق لفوائد العلم والتكنولوجيا)
 فالعولمة على هذا الأساس هي نمط جديد ابتدعه صناع القرار الطاغوتي وهيأوا العالم لقبوله في سياق تفكيك اقطاب الصراع الاولى مع فارق استخدام التطور التكنولوجي لخدمة الوضع السياسي السائد في العالم ، وبعد ان قدم غورباتشوف (اكبر قوة في العالم - على طبق من ذهب – للتفكـك والضياع والمصير المجهول، قام رأسماليو الغرب بانشاء معهد باسمه في احد اهم اماكن سان فرانسيسكو، وكانت هذه الاحتفالية الضخمة التي دعي اليها اكثر من خمسمائة من رموز الفكر والسياسة في العالم على رأسهم بوش وتاتشر وشولتس واكبر رؤساء المؤسسات في العالم في الفندق الاسطوري الفيرمونت وذلك لمناقشة مستقبل البشرية مع العولمة).
وهذا يدفعنا الى ان نستنتج بأن العولمة لم تلغ نظرية المؤامرة بل ان سياق الأحداث يؤكد ان ظهور العولمة في هـذه المرحلة جاء كنتيجة لمؤامرة معقدة وعميقة ومتجذرة ضمن انحدارات تاريخيـة وايدلوجيـة فجاء نشـوء العولمـة (كظاهرة موضوعية - وذاتية - دولية واقليمية مواتية وليس كحتمية تاريخية كما يدعي او يتذرع اصحابها او المدافعون عنها، فهي ليست شكلا طارئا من اشكال التطور البشري وانما هي امتداد بالمعنى التاريخي والسياسي والمعرفي والاقتصادي لعملية التطور الرأسمالي).
وهذا التطور الرأسمالي كان ثمرة لعمليات دراسية وتطويرية تم انتاجها في دوائر الرأسمالية العالمية، ومع ان المصالح كانت هي الهدف الاستراتيجي من العولمة وظهورها التي تمثلت بنظام عالمي جديد تتحكم به قوى السوق وتوجهه المصالح الرأسمالية، ويدعو الى ازالة الحدود بين الدول والقضاء على هوية الشعوب لكن هذا الظهور كان لابد له من محرك ودافع وغطاء ايديولوجي لخدمة اهداف التطور الرأسمالي فتمت الاستعانة بالتاريخ الايدلوجي لكي توضع العلاقة مع الاخر ضمن مفهوم الصراع ثم الانتقال بها الى مفهوم الصدام وهذه هي آلية عمل نظرية صموئيل هنتكون اليهودي الامريكي في (صدام الحضارات) إذ يقول: (في الثامن عشر من ابريل عام 1994 تجمع الفا مواطن من سراييفو وهم يلوحون بعلمي المملكة العربية السعودية وتركيا وبتلويحهم بتلك الاعلام بدلا من اعلام الامم المتحدة اوحلف شمال الاطلسي فانهم في الحقيقة كانوا يعلنون عن توحدهم مع رفاقهم المسلمين). عليه ليس بالضرورة ان تكون هناك مؤامرة مركزية ولكن هناك التقاء مصالح تلتقي ظاهريا بالفرض كما وصف القرآن الكريم تحالف النفاق مع اليهود لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ )سورة الحشر/14, ولكي تكون الصورة اكثر وضوحا لابد من متابعة تطور علاقة الغرب بالاسلام عبر تاريخ طويل من الغموض والتعقيد والصراع.
صفحة 2

اللقاء الاخير بين الاسلام والغرب

كان اللقاء الاول في عصر الرسالة قد تمثل في رسائل الرسول  الى ملوك الارض وفي غزوة تبوك واليرموك، اما اللقاء الثاني فكان متمثلا بالحروب الصليبية في عصر صلاح الدين وبعد عصر النهضة كانت مقدمات اللقاء الثالث واضحة المعالم منذ ان وصل الغرب الى قمة الانجازات في مجال العلم والتكنولوجيا وصاحب هذا الظهور الغربي عودة بالشعور الى مفهوم ان الغرب هو مركز العالم وان الحضارة الغربية هي حضارة الرجل الابيض والعرق الافضل ثم (تبادرت الى سطح الوعي الاوربي مركزية قائمة على هذا الاساس وعليه ظهرت ثنائية الانا والاخر، الانا المتفوق والاخر المتخلف) وكان هذا الشعور يغذي خلفية الاستعمار الحديث الذي تحرك في الفرصة المناسبة لتمزيق العالم الإسلامي وتقسيمه بين الدول الأوربية ومع بداية القرن العشرين دخلت الجيوش الغربية الأرض الإسلامية واخضعت المسلمين للاستعمار المباشر وعندها صحا المسلمون وتعرفوا على الغرب أكثر من ذي قبل (الغرب الجديد الذي جاء الى قرار عقر دار الإسلام ليخضع افاقه الى مركزيته، فكان الصدام بينه وبين الإسلام داخل ديار الاسلام ذاتها) وكانت هذه الحركة الاستعمارية تقف على أرضية ايدلوجية مستمدة من خلفية الحروب الصليبيـة إذ تبرر للغربي رغبتـه في السيطرة على الشـرق على اساس تحقيق المجد لأمة الصليب كما كان الصليبيـون يستنهضون الهمم لمساعدة (المؤمنين في جيوش الرب).
وعلى هذا الاساس بدأ الغرب يدرس الشرق من جديد وعاد اليه يتأمل تاريخه وتراثه واسباب قوته وتحقق نمو المعرفة بالشرق وبالاسلام عن طريق الدراسات الاستشراقية وظهرت نظريات ومفاهيم تشكل اطارا ايديولوجيا لفهم الشرق من الغرب الذي وظف الديانة المسيحية من جديد لزيادة فاعلية احكام القبضة الغربية على الشرق ثم تطورت هذه المعرفة الاستشراقية وفق تطور المفاهيم الغربية للحياة في داخل المجتمع الغربي وكان هذا التطور المعرفي يتكيف مع العقل الغربي لكي يتم اقناع الرأي العام الغربي بعملية اقصاء الاخر الشرقي المتخلف الذي يملك الثروة ولا يملك الحكمة، فكانت القراءة الغربية تقرأ الاسلام في الدراسات الاستشراقية على وفق المركزية الغربية والقراءة الامبريالية، ومع مراعاة العقل الغربي في عملية الاقصاء هذه كانت القضية تعرض على وفق مفاهيم تبريرية استطاعت ان تجند بعض المفكرين العرب الذين اعجبوا بالنموذج الغربي وحاولوا محاكاته في نمط وطريقة عيشه فولدت هذه الحالة عند هؤلاء تحولا ثقافيا او اغترابا عن الذات.
وعندما دخلت جيوش الغرب عرضت على المسلمين انها لم تأت لغرض هيمنة الغرب وانما جاءت لتحرير الشرق كما قال الجنرال مود للعراقيين (جئنا محررين لا فاتحين) وكانت هذه الجرعة التضليلية لضمان عدم تعرض جيوش المستعمرين لمقاومة الشعوب الاسلامية وقد استخدمت الجيوش الصليبية في حركتها الاولى الاسلوب نفسه فقد ذكر ابن الاثير (ان الفرنج قد كاتبوا صاحب حلب وصاحب دمشق بأننا لا نقصد غير البلاد التي كانت بيد الروم لا نطلب سواها مكرا منهم وخديعة حتى لا يساعدوا صاحب انطاكية).
وقد ادرك الغرب من خلال قراءته للاسلام بأن الاسلام لا يمثل دينا بالمعنى الغربي للدين وانما هو قوة حضارية فاعلة ومؤثرة تمتلك القدرة على الانبعاث المتجدد عند كل فرصة تسنح له بالظهور كما وان هذا الاسلام (لا يقف عند حدود تعليم العبادات والبكاء الى الله للخلاص من هذه الدنيا وايداع الروح الى ربها سالمة عن طريق الشهادة وهو لا يقف عند حدود التنوير التراثي للتجربة العبادية او التذكير بعظمة الدين الاسلامي انما يقف ويستأنف ليعود الى سيوف المسلمين في القرن الاول الهجري الى سيوف الصحابة التي عاضدت يد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) لإحقاق الحق في الدنيا وتحقيق موعد الظفر برضى الله تعالى). ويملك الاسلام الفاعلية الحضارية في قوته على تحريك مكونات البناء والعمل وبعث الروح الايمانية العلمية التي تجمع بين الإيمان والعلم، بين الإيمان والقدرة على تسخير الأرض وتعميرها، وبين الاحاطة بالسنن الاجتماعية والنفسية والسنن الكونية وامتلاك ناصية العلم التي تمكن الإنسان وتجعله سيداً في عالم الوجود مع ارتباطه بمنظومة القيم التي تجعله مؤهلا لوظيفة خلافة الله في الأرض إذ كانت هذه الخلافة في المشروع الالهي لتكريم الإنسان ﭽ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ ، واستنادا الى هذه القراءة المدركة لخطورة الإسلام ادخل الغرب الإسلام في برنامج العداء الاستراتيجي وتمت صياغة نظريات الاستعداء من خلال استحضار تاريخ الصراع الطويل بين الإسلام والغرب وكما (كانت الحروب الصليبية صداما عسكريا ومواجهة حضارية طويلة مضنية بين الشرق العربي الاسلامي والغرب الاوربي الكاثوليكي). عاد الغرب هذه المرة بصورة اخرى وهي صورة الاستعمار المباشر وكانت هذه العلاقة العدائية تأخذ صورا مختلفة وبما يتناسب مع الاوضاع العامة التي تسود العالم (وقد اعتاد الغرب ان يتحين الفرص ويصطاد الافكار وينضد الايديولوجيات المرحلية ليصل بها الى حالة التصارع الحضاري او الثقافي، ان المهم والاساس بالنسبة للغرب هو مصالحه الاقتصادية وتأمين احتياجاته المادية لحياته لا اكثر اما الشعوب الاخرى فلتذهب الى الجحيم).
ولذلك عندما وجد الغرب استهلاك فلسفة الاستعمار المباشر تحول الى نمط جديد في التدخل في شؤون العالم الاسلامي لضمان استمرار نهب الثروات وبقاء الشرق رهينة تحت الهيمنة الغربية عن طريق التحكم غير المباشر في اوضاعه الداخلية فعمد الى زراعة الفتن والمشاكل الطائفية والعرقية والخلافات السياسية واستخدامها كورقة ناجحة في استهلاك واستنزاف طاقات الأمة واشغالها عن المواجهة المباشرة للغرب، واخذ يطور هذا العدو الماكر وسائله لزيادة فاعلية الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي وكانت العقود الأخيرة من القرن العشرين تشهد تصعيداً للخطاب الغربي ضد الإسلام تمثلت في المواجهة الإعلامية التي تبناها الإعلام الغربي ضد الأصولية إذ حاول الإعلام من خلالها ان يصور الاسلام لدى الرأي العام الغربي بأنه عبارة عن جنس ودماء وتعصب وتخلف وبربرية، وهكذا رسم الاعلام الغربي صورة المسلم الاصولي الذي يريد العودة الى اصوله الدينية مستعيراً صورة الحركات الاصولية الغربية المرتبطة بمرحلة الصراع بين الكنيسة والعلم . ومع فشل هذا التشويه للإسلام ظهر الإسلام كتحدٍ للحضارة الغربية في داخل بنيتها وتكوينها إذ ادى نمو الوجود الإسلامي داخل المنظومة الاجتماعية الغربية الى ظهور هاجس الخوف من الإسلام في داخل الحضارة الغربية ويؤكد هنتغون (ان الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك)(24) من هنا حاول منظرو السياسة الغربية وبتحالف استراتيجي مع اليهودية العالمية صياغة مفهوم جديد لتصعيد المواجهة بين الاسلام والغرب فكان اختيار مفهوم الإرهاب مناسبا لبداية الهجوم على الإسلام وبتنسيق دقيق بين السياسة والايدلوجية بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي تم تدشين نظام القطب الواحد اوما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي جرب اول الية لعمله باعلان الحرب الشاملة ضد العراق فقد استخدم هذا النظام اكثر أنواع الأسلحة التي يملكها الغرب فتكا لتدمير مظاهر الحياة الانسانية والمجتمع المدني ثم اتبع هذه الحرب العسكرية حصارا شاملا في محاولة لإخراج العراق من دائرة العصر واعادته الى ما قبل عصر النهضة الصناعية. (وما حدث عام 1991 حين شنت القوات العسكرية الاطلسية حربها الشعواء المدمرة ضد العراق حضارة وشعبا كان نتاجا لقصدية سياسية استراتيجية غربية في المنطقة) وما حدث في العراق وما زال يحدث في انحاء العالم الاسلامي انما يعبر عن اصدق صورة لفقدان العالم الغربي اي ارتباط بالقيم الانسانية. هذه الصورة الكالحة لحضارة الغرب وصلت ذروتها في تطور المفاهيم السياسية من الثنائية القطبية الى احادية القطب الواحد او النظام العالمي الجديد ثم توجت بالعولمة التي تعني بموجب ظهوريتها الراهنة انها ليست سوى امركة للعالم. وتحاول العولمة الغاء سيادة الدولة وذلك بالغاء القيود القانونية على الاقتصاد وحركة رأس المال وضمان حرية انتقال السلع ورواج اليات السوق ولكن هذا سيؤدي الى حالة جديدة لم يكن منظرو العولمة يتوقعونه او يضعونه في حساباتهم وهي انتفاع مرتكبي الجرائم متعدية الجنسيات والمافيا والجريمة المنظمة من هذا الالغاء وقد اشار تقرير مجموعة خبراء سنة 1989 الى هذه الحقيقة فقد ذكر التقرير (ارتفاع حجم المبيعات في السوق العالمية لمادة الهروين حتى عام1990 الى عشرين ضعفاً اما المتاجرة بالكوكايين فقد ارتفعت الى خمسين ضعفاً ومن هـو قادر على المتاجرة بالمخدرات يستطيع بطبيعة الحال المتاجرة بكل شيء، كما ذكر احد موظفي الانتربول ان مصلحة التجارة الحرة هي في مصلحة مرتكبي الجرائم) ويحذر بطرس غالي من اثار العولمة بقوله (ان كوكبنا يخضع لضغط تفرزه قوتان عظيمتان متضادتان العولمة والتفكك) وبذلك يصل العالم الى حافة الهاوية وتكون نهاية التاريخ فيه كارثة كوكبية ولن تكون نهاية التاريخ كما تصورها فوكاياما على انها انتصار للقيم الليبرالية التي هي ثمرة الحضارة الغربية، بل ستكون نهاية التاريخ عودة بالمجتمع البشري الى عصر القرون الوسطى وظلامها الحالك فقد اشارت دراسات العولمة الى ان 20% من السكان في العالم لن يتمكنوا من العيش بسلام مقابل80% يمثلون السكان الفائضين عنالحاجة الذين لن يتمكنوا من العيش الا من خلال الاحسان والتبرعات)، وهذه الثمرة المرة هي ثمرة الخطيئة الامريكية التي تملك الارض اليوم حيث وضعت اليات النظام العالمي الجديد والعولمة كل مفرداتها لتأكيد القدرة الامريكية على تمثيل الحضارة الغربية في مرحلتها الاخيرة وبهذا الصدد يذكر هنتغون (ان بقاء الغرب يتوقف على الامريكيين بتأكيدهم على الهوية الغربية) وتشير محاور نظرية هنتغون الى ان الحضارات المتعددة التي يتكون منها العالم وهي الصينية اليابانية الهندية الإسلامية الغربية الإفريقية امريكا اللاتينية هذه الحضارات الذي يحكم العلاقات بينها هو الصدام ( هذا الصدام ينطلق ويعود بالاستناد الى الثقافة او الى الهوية التي هي هويات حضارية وهي التي تشكل انماط التماسك والتنافر والتحلل والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة) وهذه النظرة تختلف عن نظرة فوكاياما الذي يرى بأن انهيار القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفيتي كاطار للشيوعية ادى الى انفراد الرأسمالية والليبرالية الغربية بالعالم وهو ما يمثل نهاية التاريخ او يعتبره حاليا نشهد نهاية التاريخ بما هو النهاية الغربية للتطور الايديولوجي للبشرية وتعميم الليبرالية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي للحكومة الانسانية وبذلك تكون خاتمة الحضارات هي حضارة الرجل الأبيض حيث يكون خاتم البشر (the last man). وهذا الرأي يعبر عن جهل بالسنن التي تحكم حركة التاريخ إذ اثبت القرآن واحداث التاريخ بانه من المستحيل استمرار انفراد قوة بشرية تحكم الأرض مهما كان انتماء هذه القوة حتى لو كانت تمثل الحقيقة او الحق وذلك لسبب واضح وهو حالة الضعف وحب الذات الملازمة للإنسان وارتباطه القوي بمصالحه حتى لو كانت البداية صحيحة والتجربة الاولى ناجحة ولكن بعدها تبدأ عوامل الضعف واتباع الاهواء والتعصب تفعل فعلها فتظهر سنة التدافع لكي تزيح الاضعف وتمكن الاقوى، ويؤكد القرآن الكريم على هذه السنة بانها لمصلحة حركة الحياة الانسانية وعلى المؤمنين ان يتفاعلوا معها ويستثمروها لمصلحة قضيتهم وانها تحفز المسلمين للعمل على تجاوز اخفاقاتهم في مرحلة الاستضعاف وعلى المحافظة على تماسكهم في مرحلة التمكين وبذلك يقول الحق تعالى(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
صفحة 3
ومن هنا تبدو لنا افكار فوكامايا افكاراً سطحية تعكس فراغاً انسانياً متجردا عن الهوية القيمية وعن مقومات الفطرة السليمة وتبدو كذلك انها مستدرجة نحو الوعد الوهمي الذي يحلم به الغربي في الوصول الى دولة الرفاهية الابدية المستغرقة في ملذاتها وشهواتها هذه الدولة التي تهمين على العالم اليوم على وفق ايديولوجية الشيطان - بأمنية وهم السعادة - قد غدت تهديدا للمستقبل واذا كانت نظرية فوكامايا تخالف نظرية هنتغون في تفسيرها لحركة التاريخ الا انها تتفق معها بانها تعكس الغرور الذي يملأ نفس الغرب في استعلائه واعتداده بانويته المتسلطة ورغبة في تدمير الاخر واقصائه كليا عن المشاركة في الحياة الانسانية وعلى هذا الاساس فان فلاسفة الغرب يعدون الاصطدام بالاسلام امرا لا مفر منه وفي اطار نظرية التصادم الحضاري يعتقد هنتغون (ان اخطر صدام سيكون بين الحضارة الغربية وبين الحضارة الاسلامية والصينية) لأسباب منها النمو السكاني للحضارة الصينية والاسلامية والتطور الاقتصادي الاسيوي والطفرة النفطية وزيادة الثروة وظهور قوة البترواسلام ومن الاسباب الاخرى في نظره هو قدرة الصحوة الاسلامية على تجديد الثقة بالاسلام والحضارة الاسلامية والقيم المتميزة التي تجعل المسلمين يشعرون بانهم يملكون بعدا انسانيا لا يملكه الاخر الغربي..وكل هذه العوامل تدفع الغربي للانحياز الى هويته الثقافية ورواسبه التاريخية لأنه لا يستطيع الوصول الى قناعة تسمح له بتقبل الاخر او الاسلام لأن عقل الغربي تمت صياغته على وفق عوامل الصراع عبر التاريخ فكان قرار قبوله ازاحة الاسلام قرارا لا يقبل النقاش. وكانت هذه القناعة التي سيطرت على العقل الغربي سببا في تحفيز المسلمين الى العودة الى هويتهم كذلك، وبدأ المسلمون يتوجهون نحو الاسلام كمصدر للهوية والمعنى والاستقرار والشرعية والقوة والامل، والصحوة الاسلامية تعبر عن (حركة فكرية ثقافية اجتماعية سياسية عريضة منتشرة في معظم انحاء العالم العربي، وهي تيار عام وليست تطرفا متغلغلة وليست منعزلة كما انها في نظرتها الى الاخر تجسد قبول الحداثة ورفض الثقافة الغربية والعودة الى الالتزام بالاسلام كدليل حياة في العالم الحديث).
من هنا فأن تحدي الحضارة الغربية والصراع ضد الاسلام والعولمة الامريكية التي اعلنت الحرب على الاسلام باسم الارهاب من خلال تحالف شيطاني طاغوتي ضم رموز الظلم والخبث والجبن ( امريكا وبريطانيا وكيان اليهود الممسوخ ) وتحالف معهم منافقوا الامة من اهل البدع والفرق الضالة والباطنية. كل هذا التآمر الخبيث يدفع المسلمين الى تأكيد ارتباطهم بنبيهم وقرآنهم والتمسك بهويتهم والتكاتف فيما بينهم فاذا عاد قيصر فان محمدا (صلى الله عليه وسلم) سيعود بأذنه تعالى وصدق العاملين واخلاص المؤمنين وهذا الذي نؤمن به يؤمن به اعداؤنا فإن اليهود يؤمنون بعودة الاسلام ولكنهم يحاولون تأجيل هذه العودة لأنها عودة الى خيبر وذكرياتها التي فيها نهاياتهم ويتوقع قادة الغرب استقراء للمستقبل وبناءً على قراءة التاريخ التي تؤكد لهم بأن الاسلام هو الحضارة الوحيدة التي ستكون مرشحة لازاحة الحضارة الغربية فيرجح هنتغون الرأي (بأن اواخر القرن العشرين شهد انبعاثا او صحوة دينية في انحاء العالم..ونظرته الى المستقبل ترجح انتصار الاسلام اذ على المدى الطويل سينتصر محمد
ان المقارنة التاريخية بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية تؤكد ان الاسلام انزله الله تعالى ليحكم الناس بالقسط، وكلما كان الاسلام مهيمنا كان الانسان يتمتع بحياة آمنة عادلة وهذا الحال يشمل جميع الناس حتى غير المسلمين وكلما تراجع الاسلام وخضعت الارض لغير سلطان الله انقلبت الموازين وسادت المظالم وضاقت الحياة، وفي ظل مرحلة سلطة الاسلام في عصر الرسالة والراشدين وعصر الحضارة الاسلامية كانت البشرية في اسعد عصورها إذ انتج الاسلام اعظم انجازاته الحضارية في عصره في ظل قيم وتعاليم الاسلام ، وعندما تراجع المسلمون عادت المظالم وسالت الدماء وتهدمت المنجزات الحضارية وعاش الانسان غربة جديدة في ظل سطوة الحركة الصليبية حتى عاد الاسلام على يد صلاح الدين الايوبي الذي اعاد معاني الحرية وانسانية الانسان ولكن سرعان ما تراجعت امة الاسلام واستحكمت فيها الاهواء وفتحت الابواب لعودة قوى الظلم في ظل العصر الحديث منذ حركة الاستعمار حتى صراع القوى العالمية الكافرة واطماعها في بلاد الاسلام وانتهاء بالعولمة التي كانت انعكاسا لرغبة مكبوتة في الغرب وعندما ظهرت العولمة عبر الغرب عن حقيقة هذه الرغبة في فرض نمط حياته على الاخر بالقوة والهيمنة الفكرية التسلطية لكي يشكل عقلية الاخر على وفق استجابة استسلامية كي يتقبل بعدها الهيمنة الغربية على ثرواته ولذلك لم يتردد الغرب في استخدام القوة العسكرية لفرض عولمته وكما يقول د.مصطفى محمود (ان العولمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ المواطن من وطنيته وقوميته وانتمائه للدين والاجتماع والسياسة بحيث لا يبقى منه الا خادم للقوى الكبرى) والعولمة كايدلوجية صادرة من الغرب تمثل فلسفته ونظرته للحياة والوجود وتمثل احد اوجه الحضارة الغربية في احدث مراحلها، واذا كانت كذلك فإن على المسلمين ان لا ينتظروا منها حلا لمشاكلهم او تغييرا يصب في مصلحتهم، لأن الغرب عندما طور مفهومه للحياة خرج بمفهوم عولمة الاخر لضمان استمرار هيمنته وللاطمئنان على مصالحه ولما كانت هذه المصالح انعكاسا لمكونات الحضارة الغربية سياسيا وايديولوجيا وتعبر عن الواقع الغربي وطموحاته فان هذه المصالح تتناسب مع قوة النظام السياسي المهيمن على الحضارة الغربية وعندما كان عصر الاستعمار عصرا بريطانيا كانت اعلى نسبة فيه لصالح بريطانيا وعندما ظهرت العولمة في العصر الامريكي كان (هدفها تكريس الهيمنة الامريكية ومحو الهويات الثقافية).
واذا كانت العولمة تمثل اعلى نقطة لقوة الرأسمالية او الحضارة الغربية المادية في مفهومها الاستراتيجي والايديولوجي، فأن على المسلمين ان تكون استجابتهم لهذه العولمة استجابة عميقة واعية تدرك خلفية القرار الغربي في ثوابته ومتغيراته والياته الفاعلة ومنطلقاته التي يصدر منها، فإذا استطاع المسلمون ان يستوعبوا هذه الحقائق وان كان هناك شك في قدرة المسلمين اليوم على استيعاب ما يحدث من تسارع في خطوات تهيئة العالم للخضوع للعولمة الامريكية المتحالفة مع اليهودية الصهيونية ولكن لابد من العمل على تحليل عناصر ومكونات العولمة لكي لا يستدرج المسلمون نحو الصراع مع الغرب في معركة غير متكافئة تحقق فيها الالة العسكرية الغربية نصرا سهلا على امة الاسلام يكون مصدرا من مصادر الهام الاعلام الغربي في عملية صد الناس عن دين الله وفتنة الناس في الارض والذي يبدو ان الغرب قد نجح في لعبة الاستدراج واعلن عن حربه على الاسلام باسم الارهاب وحفز الرأي العام الغربي وبالتحالف مع اليهودية العالمية على استحضار العداء التاريخي الصليبي ضد الاسلام ولكي ينسف دور الاسلام في بلاد الغرب ويبرر عملية اعلان الحرب على بلاد الاسلام وتدمير بناها التحتية ومحاصرتنا ثقافيا وصناعيا وحضاريا في محاولة لخنق الامة الاسلامية وتدمير قدرتها على البناء الحضاري.
لذلك على المسلمين اليوم ان يستعيدوا الثقة بالاسلام وان الله لن يتخلى عن دينه وكتابه وبنيه، وعليهم ان يحافظوا على النوع الاسلامي ويخففوا من حدة الخطاب العدائي لكي يأخذوا فرصة اعادة البناء الداخلي مع التكيف للتعايش مع الاخر على اساس استقلال الهوية العقائدية والثقافية والمشاركة الانسانية المبنية على الاحترام المتبادل مع اشعار الاخر بالقدرة على المصابرة والاستعداد والتضحية من اجل ان تبقى وتيرة الاستعداد للشهادة والموت في سبيل الله على فاعليتها في نفوس المؤمنين ومحاولة الاستفادة من الجوانب الايجابية من العولمة التي اتاحت الفرصة للانسان ان يستفيد من منجزات الحضارة الغربية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وعلى المسلمين ان لا يتوقفوا من الاقتراب من الاخر على الاسس التي وضحها القرآن الكريم وان يعلو الجانب الحضاري للقيم الاسلامية التي جسدها الرسول الكريم  وتحققت في واقع المسلمين في جيل الصحابة من معاني الاخوة واحترام الانسان والحرية والقيم والاخلاق وغيرها من القضايا التي يفتقدها الغرب ويعاني بسبب فراغ المجتمع منها مما يشكل نقطة ضعف واختراق في بنية الحضارة الغربية تمنح المسلمين فرصة التأثير الايجابي في الحياة.
صفحة 4

صراع اليهود ضد الإسلام

لقد تحدث القرآن الكريم بتفاصيل دقيقة حول تاريخ بني اسرائيل وفي سورة البقرة اطول سورة في القرآن الكريم وسور اخرى متابعة لمواقف بني اسرائيل مع انبيائهم ويستطيع الباحثون بتحليل معطيات هذه السور القرآنية الخروج بنتائج دقيقة لتحديد سمات الشخصية اليهودية ومع الكم الهائل من المعلومات التي اوردها القرآن الكريم حول بني اسرائيل وتاريخهم بالامكان تأسيس مدرسة اجتماعية انثروبولوجيا متخصصة في انثروبولوجيا الشخصية اليهودية . ان وقفات القران الكريم مع بني اسرائيل جاءت لتعبر عن تحذيرات ربانية للامة الاسلامية من بني اسرائيل لكي لا تكرر الامة الاسلامية مسار بني اسرائيل المادي ولا تقع في مستنقع الرذيلة اليهودي.
وكذلك يمكن الافادة منها في تحديد الخارطة السياسية والاقتصادية وخلفية الصراع الايدلوجي الذي يستند الى الرؤية المعاصرة لمنظري الصراع العولمي حيث تكون القضية الصهيوينة فيه هي مركز الصراع وهي المحرك الحقيقي لعناصر اللعبة العولمية. وعندما تعرض الانثروبولجيا اليهودية على انها تمثل اختيار الله لدم شعب بني اسرائيل النقي وتعرض ثقافة العولمة هذه القضية باسلوب المدافع عن احتمالية تعرض هذا الشعب الى ابادة من قبل انثروبولوجيا اسلامية متوحشة وكما وصف رئيس هيئة الهجرة الفرنسية (جان كلود باريو) الاسلام بانه (اكثر الاديان جورا وانغلاقا في الوجود واتهم المسلمين بانهم ايقظوا شياطين الكراهية والغباء).
كما وصف رئيس اسرائيل السابق هيرتورغ في كلمة له امام البرلمان البولندي الاصولية بقوله: (ان داء الاصولية الاسلامية ينتشر بسرعة ويمثل خطرا ليس فقط على اليهودي بل على العالم اجمع) ان عرض القضية على وفق هذا المنظور يؤدي الى تصور ان العالم على شفا حرب قبلية او حرب تنتمي الى جذور تكوينية تاريخية متأسسة على التعصب للجنس والعرق، وهذا التزييف يؤكد الارتباط المصلحي بين القوة الامريكية المهيمنة ودوائر اللوبي اليهودي في العالم وهذا التحالف المصلحي يعكس ايضا الارتباك والتشويش والضعف في الانتماء التاريخي والجذور التاريخية للمجتمع الامريكي بحيث يتمسك صانعو السياسة الامريكية بمصلحة خالية من القيم وغير معبرة عن امة عريقة ومتماسكة (وهي مصلحة شخصية ضيقة ، بل هي ليست مصلحة امة بل مصلحة نخبة معينة في امة مشكوك في سمة انتمائها الى خصائص انثروبولوجية محددة كما هو حال الامة الامريكية).
وعندما نعود الى الشخصية اليهودية نجدها رصيدا لتراكم حقد تاريخي واستضعاف متكرر يؤدي الى كبت مشاعر الكراهية والى التشبث بالمال والحياة تحت اي موقع وفي اي صورة (وان هذه الاقلية العدوة لمقدسات وتاريخ الشعوب لامر ما. قد انزلت عليها ضربات ثقيلة في التاريخ.. وان هذه الفئة الشريرة قد شدت ازر خبثها شدا محكما بمنظماتها التي احدثتها في القرون الاخيرة، فكانت البشرية تتمرغ في عجز تجاه المصائب والفتن التي يقومون بها دون اكتراث او خوف من احد).
وعندما نتابع تاريخيا العداء اليهودي للاسلام والمسلمين نريد ان نؤكد اوضاعنا المعاصرة ما هي الا امتداد لصراع وعداء تاريخي بدأ عند بعثة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما حاول اليهود القضاء على دعوة الاسلام منذ بداياتها الاولى عندما قاموا بتحريض سادة مكة وكبرائها ضد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي المدينة تحالف اليهود مع المنافقين وبدؤوا يكيدون للاسلام، وفي بني النظير قرب قرية قباء في المدينة حاول اليهود اغتيال الرسول(صلى الله عليه وسلم) عندما كان في زيارة لهم وبعد ان اعلمه الله بمؤامراتهم الخبيثة خرج رسول الله  وامر باجلائهم عن المدينة، وسجلالقرآن الكريم التحالف المصلحي بين اليهود والمنافقين في قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
واستمرت محاولاتهم ومكائدهم ضد الاسلام وتكررت محاولات اغتيال الرسول (صلى الله عليه وسلم) وايذائه ومن هذه المحاولات قيام امرأة يهودية بتقديم الطعام المسموم للنبي(صلى الله عليه وسلم) وعندما اكل لقمة من الطعام قال (صلى الله عليه وسلم) : (ان هذا الطعام يخبرني انه مسموم)، فاخرج اللقمة من فمه والقاها، ومن المحاولات الاخرى ما قام به لبيد بن الاعصم بعمل سحر للنبي (صلى الله عليه وسلم) حتى انزل الله تعالى يخبره بهذا العمل وانزل المعوذتيـن (الفلق والناس) لتحصين النبي (صلى الله عليه وسلم) والامة من السحر والخبث اليهودي. ولم تتوقف مؤامرات اليهود ضد الاسلام حتى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) .
وفي كل مرحلة كانوا يتعاونون ويتحالفون مع اكثر القوى الطاغوتية حقدا على الاسلام والمسلمين ففي مكة تعاونوا مع كبراء قريش وفي المدينة تعاونوا مع المنافقين وفي الخلافة الراشدة تعاونوا مع المجوسية الحاقدة عندما التقت احقاد المجوس الذين تحطمت امبراطوريتهم بأيدي الجيل القرآني الذي تربى في عهد النبوة على توجيهات الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع احقاد اليهود واثمر هذا التعاون اول عملية اغتيال لامام المسلمين عمر بن الخطاب  على يد المجوسي ابي لؤلؤة الفيروز فكانت الخطوة الاولى لزعزعة الدولة الاسلامية ثم استمر الكيد والتآمر خلف الكواليس حتى ظهر يهودي ماكر استطاع بدهاء وخبث ان يستغل الضعفاء والعناصر الفوضوية التي لم يستقر الايمان في قلوبها فاثار العوام من خلال تبني بعض الشعارات الاصلاحية لاصلاح اخطاء الخلافة ورفع المخالفات الشرعية بزعمه وزعم من تأثر بافكاره، هذا اليهودي هو عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء وقد أدخل هذا اليهودي بعض العقائد الباطنية الى الاسلام عن طريق ادعائه حب اهل البيت والاسلام، ويقول الشهرستاني عنه (زعم ان عليا لم يمت ففيه الجزء الالهي ولا يجوز ان يستولي عليه وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق بسمته وانه سينزل الى الارض بعد ذلك فيملأ الارض عدلا كما ملئت جورا).
وقال عنه ابن عساكر (كان يهوديا فاظهر الاسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الائمة - اي ولاة الامر- ويدخل بينهم ودخل دمشق لذلك).
ومن هنا بدأت الحركة الباطنية مسيرتها التآمرية على الاسلام وذلك عندما وجد اعداء الاسلام بانه لا يمكن مقاومة المد الاسلامي فاختاروا طريق تدميره من الداخل فاخذوا يعلنون الاسلام ويعملون على تقويضه من الداخل (والافكار الباطنية تبلورت ايام المأمون على ايدي فلول المجوسية المنهزمة) وتشعبت الى فرق تعددت بها السبل تربطها غاية واحدة هي القضاء على الاسلام وشريعته الخالدة.
وكان ابن سبأ ذكيا واستطاع بذكائه ان يضم مجموعات من الحاقدين الباطنيين ومن اصحاب الشهوات من الفاسقين والطامعين فأسس بهم منظمات سرية في المدن الاسلامية واستقر في مصر لتأمين النصر في الضربة التي كان يريد انزالها على الاسلام وقام بالوعظ بين العوام تحت غطاء عالم اسلامي وبهذه الصورة لقح افكاره الخبيثة الى الناس ومنها عقيدتي (الرجعة) و (الوصاية) وعندما تم له ما اراد من تهيئة الاجواء للثورة على الخلافة حرك اتباعه في المدن الاسلامية باتجاه المدينة المنورة وانتهت المؤامرة بقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضى الله عنه) .
(وان مسؤولية قتل عثمان (رضى الله عنه) تقع على عاتق اليهودي المرتد ابن سبأ واعوانه قبل كل انسان اشترك في هذه الوقعة الدموية)، ومع ادراكنا لطبيعة الظروف المعقدة التي افرزت الحدث وان عوامل عديدة ساهمت في صياغة الفتنة وكل الاحداث المأساوية التي مرت على امة الاسلام، ولكن هذا لا يعني اننا نتقبل الحدث بصورته الظاهرية التي لا ترى العمق والقوى الخفية التي تحرك الاحداث ولابد من المحاولة لتحليل الاحداث وربط نقاط الحدث بموجب العوامل المؤثرة فيها فعندما نقرأ الفتنة ندرك ان هناك اخطاء قد حدثت وان الناس والمجتمع كان مهيأ للانفعال والاستجابة للفتنة بسبب ضعف الوازع الديني والنزوع نحو الدنيا والاستمتاع بملذاتها والحرص على المناصب وغيرها من العوامل وكل هذا لا يمنع من رصد الحركة الخفية للقوى اليهودية او المجوسية او الصليبية التي تحاول ان توظف الاحداث وتدفع باتجاه نسف الاستقرار السياسي والحضاري لدولة الاسلام، وهكذا يمكن ان نقرأ نقاط الاختناق والتدهور في تاريخ المسلمين مع العوامل الموضوعية هناك عناصر مقحمة على الحدث تملك القدرة على توجيه الحدث باتجاه الاضطراب والفوضى لتكون المحصلة في مصلحة قوى الكفر والردة، ومن الامثلة التي تؤيد هذه الرؤية ما ورد من اشارات تاريخية تؤكد وجود مستشار نصراني اسمه سرجون لمعاوية بن ابي سفيانـ وهذا دليل على سماحة الاسلام وانفتاحه ـ وبقي مستشارا بعد وفاة معاوية  وتشير بعض المصادر التاريخية بانه كان من مؤيدي فكرة تولية يزيد بعد معاوية  ، وهو الذي اشار على يزيد بتولية عبيد الله بن زياد بدل النعمان بن بشير الذي كان واليا على الكوفة وكان يزيد عاتبا على عبيد الله فقال له سرجون: أرايت لو حشر لك معاوية كنت تاخذ برايه؟ قالنعم، فقال هذا رأي معاوية ومات عليه، وقد امر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وعلى يد عبيد الله بن زياد حدثت مأساة الاسلام والمسلمين بأستشهاد الامام الحسين ، وكذلك ما ورد من اشارات تاريخية حول وجود مستشارين لخلفاء بني العباس (ابي جعفر المنصور وهارون الرشيد) وهؤلاء المستشارون قاموا بنهب ثروة الدولة وكونوا قوة رأسمالية قوية في داخل دولة الاسلام ومارسوا الظلم وصادروا حقوق الناس وما عائلة البرامكة ودورهم في سـياسة الدولة في عهد الرشيد الا نموذجٌ لما ذكرنا، ومن الاشارات التاريخية كذلك اتخاذ الخليفة عبد الرحمن الثالث في الاندلس مستشارا يهوديا يدعى (ابا يوسف حاسداي) وهذا اليهودي كان يدير امور الدولة، وكان لتدخل اليهود في الدولة العثمانية اثر واضح حتى انهم كانوا وراء اغتيال السلطان العظيم صاحب البشارة النبوية فاتح القسطنطينية السلطان محمد فاتح، وعندما كان علم الخلافة الاسلامية يرفرف على مشارف ايطالية قريبا من روما خاف الايطاليون من الفجيعة الكبرى ان تحل بهم فقاموا (باقناع طبيب السلطان اليهودي المرتد " قياسترو جاكوب " الذي كان يخفي يهوديته تحت اسم (يعقوب باشا لتسميم السلطان مقابل مائة الف دوقا ذهبا فقام اليهودي المذكور بخيانته المنكرة باعطاء السلطان سما بلون الماء شديد المفعول) هكذا تم اغتيال اعظم سلاطين الدولة العثمانية وهو في الخمسين من عمره، ودخل اليهود وتغلغلوا في داخل الدولة العثمانية بصفة مستشارين واصحاب اموال واطباء ووضعوا يدهم على كافة مرافق اقتصاديات الدولة، واستخدموا النساء ايضا في عملية اختراق مؤسسات الدولة وقصة استير كيرا ودورها مشهورة وكانت هذه المرأة يهودية فاتنة جميلة تمكنت من النفوذ الى دائرة حرم السراي في الاستانة في اواسط القرن السادس عشر، ولعبت دورا هاما في سياسة الدولة العثمانية الداخلية والخارجية واصبحت ملتزمة لكافة كمارك الاستانة بارادة ملكية من السلطان سليمان القانوني.
وحصلت من خلال موقعها على الاموال الهائلة التي استخدمتها للرشوة والافساد، وقامت هذه اليهودية بادخال النقود المزيفة الى المالية بالرشوة مما ادى الى كشفها فادى ذلك الى هروبها وبعدها تم القاء القبض عليها وقتلها من المتضررين بعملها إذ قاموا بتمزيقها وقتلها شر قتلة.
واستمر تأثير اليهود وتدخلهم في شؤون الدولة العثمانية حتى وصل الامر الى محاولتهم استغلال اوضاع الدولة العثمانية في مراحلها الاخيرة من ديون ورغبة في ادخال الاصلاحات حتى عرضوا على السلطان عبد الحميد عروضا من اطفاء الديون ومنح الدولة المساعدات المالية من اجل الاصلاح مقابل السماح لهم بالاستيطان في فلسطين وشراء الاراضي هناك، فرفض السلطان عبد الحميد عروضهم رفضا شديدا وكانت نتيجته معروفة إذ تم عزله من قبل جماعة الاتحاد والترقي وهي الجماعة المريبة في ارتباطاتها مع اليهود والحركة الماسونية، وعندما نتابع الحركة اليهودية في التاريخ تتوضح لنا قدرة هؤلاء على الافساد والهيمنة والتحكم في سياسات الدولة وصناعة المشكلات وادخال الامم والشعوب في صراعات وفتن تؤدي بالنتيجة الى خدمة اهداف اليهود ومصالحهم في السيطرة على العالم، وعند البحث في مصدر اي مشكلة في العالم نجد ان لليهود دورا فيها مباشرا او غير مباشر ومن تصفح التاريخ خصوصا العصر الحديث وعصر النهضة الاوربية سوف يلاحظ بدون عناء صورة اليهودي المرابي المستغل خلف معظم الاحداث وتتلخص بروتوكلاتهم التي هي بمثابة الدستور العالمي للخطة اليهودية للسيطرة على العالم في التركيز على اهم الوسائل التي تمكنهم من بسط هيمنتهم واهمها ما يأتي:-
1. افساد الشبان معنويا عن طريق افساد الاخلاق.
2. هدم الاسرة.
3. تخريب حرمة المقدسات واسقاط الشخصيات المحترمة لدى الناس.
4. دفع الناس باتجاه الاسراف الجنوني وحياة البذخ والترف.
5. الهاء الناس بالالعاب والرياضة.
6. زراعة الخلافات في الطبقات الاجتماعية.
7. القضاء على الزراعة عن طريق تشجيع الصناعات الطفيلية.
8. العمل على نسف الاستقرار المالي عن طريق الازمات الاقتصادية.
صفحة 5
وهكذا يتواصل المخطط اليهودي للوصول الى تحقيق اهداف اليهود العالمية وقد استخدم اليهود شتى انواع الوسائل للوصول الى نقاط التأثير في الحياة وكانوا يتابعون مراكز القوة وينتقلون اليها ويقتربون منها، فتدخلوا في اوربا وانكلترا وفرنسا وتدخلهم في الثروة الفرنسية واضح لا يمكن اخفاءه حتى ذكر تور دي بين احد كبار المحررين لفرنسا ومن الشخصيات البارزة فيها بانه (باسم الانقلاب الفرنسي الكبير سنة 1789 يحكمنا اليهود اليوم) وفي تاريخ امريكا الحديث استطاع اليهود ان يدخلوا الى امريكا عن طريق الاقتصاد ومشاريع الاصلاح والعمل على ربط الاقتصاد العالمي بالدولار وعندما حولوا الدولار من الذهب الى الورق النقدي تمكنوا من احكام السيطرة على اقتصاد العالم ويقول ويرنر سونبارت في كتابه (اليهود والحياة الاقتصادية، يبدو ان طراز الحياة الاقتصادية لامريكا الشمالية قد اسس من تخطيط اليهود..وبذلك نستطيع القول: أصحيح بأن الدول الامريكية المتحدة مدينة بكيانها لليهود؟ ومن المحتمل ايضا بأن ما نسميه بالامريكي اليوم هو روح اليهودي الخالص! ويقول المليونير هنري فورد في كتابه (اليهودي العالمي) بأن 97% من بلدة نيويورك تملكها اليهود اليوم ولأجله يسمى اليهود نيويورك بـ (فلسطين الجديدة) والامريكيون ذوو القلوب الصافية يظنون بأن اليهود قد ذابوا في بودقة الولايات المتحدة واصبحوا من الامريكيين وقد اغفلوا بذلك الظن حيث لم يكن اليهود امريكيين في اي وقت ولا يكونون). وهكذا سيطر اليهود على الاقتصاد الامريكي ومن ثم على الاعلام ثم القرار السياسي الذي تحول من الخلفية المسيحية الى الخلفية التوراتية التلمودية بفعل التأثير اليهودي الصهيوني وتصف غريس هالسل التأثير التوراتي على العقل الثقافي والسياسي الامريكي في كتابها (النبوة والسياسة) بقولها (بعد عدة زيارات الى الارض المقدسة اردت ان استكشف اكثر نظام ايماني للمسيحيين وان اتعلم ما يعتقده الاخرون بشأن نهاية الزمن ، قرأت كتاب (اخر اعظم كرة ارضية) الذي بيع منه حوالي 18 مليون نسخة وظل على رأس لائحةالكتب الاكثر مبيعا خلال السبعينات من القرن العشرين وكان يباع منه اكثر من اي كتاب اخر باستثناء الكتاب المقدس).
وهذا الكتاب من تأليف هول لندسي وهو عالم لاهوتي امريكي يتوقع فيه كاتبه نهاية العالم في معركة طاحنة تدعى هرمجدون وكان الرئيس الامريكي السابق رونالد ريغان من اكثر الرؤساء ايمانا بهرمجدون فهو يؤمن مثل هول لندسي بأن الله قد قضى ان على هذا الجيل بالتحديد ان يدمر الكرة الارضية وتنامت هذه النظرية وامن بها مفكرون وساسة ورجال دين امثال جيري فالويل وجيمي سواغارت وبات روبرتسون واخرون وهؤلاء يؤمنون بأن اليهود لابد أن يمكنوا من تدمير معظم الصروح الاسـلامية المقدسة في القدس وتـذكر هالسل: (اخبرني اون عندما كنا في المدينة القديمة من القدس وهـو ينظر الى قبة الصخرة، ان النبوءة الانجلية تقضي بأن على اليهود تدمير هـذا الصرح وبناء معبد - هيكل - يهودي مكانه).
وبذلك تلتقي اليهودية مع التيار المسيحي الاصولي البروتستانتي للقضاء على الاسلام، والذي يفهم طبيعة القرار الامريكي وخلفيته يدرك بأن الاستراتيجية الامريكية هي استراتيجية لمصلحة اليهود وهذا يفسر ظهور شخصيات يهودية كانت تصنع السياسة الامريكية مثل هنري كيسنجر وغيره وعندما نقترب اكثر تظهر صورة العجوز اليهودية مادلين اولبرايت واخيرا وليس اخرا اليهودي المتعصب صاحب نظرية صدام الحضارات صموئيل هنتكون الذي عرض نظريته كايدلوجية عالمية لاعادة صناعة النظام العالمي الجديد .
وتتأكد هذه الرؤية عند دراسة الماركسية وتاريخ تكوينها وتأسيس دول الشيوعية وكيف لعب اليهود دورا واضحا في صناعتها واعادة تفكيكها بطريقة سيناريو التداعيات الجماهيرية وبعدها دفع العالم الى النظام العالمي الجديد والعولمة لكي تصب في خدمة الصهوينية والمصالح الامريكية، وتعود لتؤكد بأن هذه الرؤية ليست مصاغة برد الفعل او خاضعة لتسلط فكرة المؤامرة ولكنها رؤية تحليلية تحاول تفسير الاحداث التاريخية بالاستناد الى المؤثرات الحقيقية المختفية خلف التبريرات والتسويغات التي يطلقها الاعلام او التفسيرات الرسمية للاحداث في محاولة تشكيل العقل في النظر الى الحدث سطحيا وتغيب عناصره الفاعلة والمؤثرة لضمان استمرار اللعبة عندها يلدغ المؤمن من جحر واحد الف مرة ولا يستطيع ان يحلل اسباب اللدغة لكي يتجنبها، ونحن نستند في رؤيتنا للاحداث الى القرآن الكريم فالقرآن الكريم يخبرنا بتشابه المواقف لتشابه الاهداف فقال تعالى: ﭽ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ وهذا النص القرآني يوضح لنا بأن القضية تفهم من خلال توافق النفوس التي تكره الحق وتتبع الهوى فيؤدي هذا التوافق الى توحد المواقف تجاه الحق في خطة ومنهج مبني على دراسة عميقة.
ولقد استطاعت اليهودية الهيمنة على الحياة الثقافية والاقتصادية ومن ثم السياسة في المجتمع الغربي وقد استخدمت للوصول الى هذه النتيجة كل ما تملكه الشخصية اليهودية من قدرة على الخداع والتلون والتأثير، والمعروف عن الشخصية اليهودية انها عاشت في الغرب في مناطق معزولة لكي تمارس طقوسها وتسمى هذا المناطق او الاحياء اليهودية بـ (الجيتو) وحيثما كانت هذه الجيتوات فانها تعني شيئا واحدا وهي ربط اليهودي بتراثه ولم ترتبط الشخصية اليهودية بموقعها الجغرافي (فأن الجغرافية لم تكن جزءً من هويتها ولم تكن كذلك سمة من سمات تراثها الذي تميز بتعدد مراكزه الجغرافية).
ولذلك كانت الشخصية اليهودية عبارة عن رواسب في (لا وعي) الشخصية، يركز الانانية وحب الذات كما يصفهم المؤرخ توينبي (اليهودية اقبح امثلة عبادة الذات الفانية صيتا) ويصفهم القرآن الكريم قبل ذلك ويأتي تفسير توينبي وغيره مصدقا لقوله تعالى:(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) وتاريخهم يتحرك بصورة اساسية على حب المال والشهوات وعبادة الذات من هنا كان ارتباطهم بحركة رأس المال العالمي وحرصهم على تكوين الثروات وكنز الذهب وهو معبودهم الثاني بعد انفسهم، ويصفهم ماركس بناء على هذه الملاحظة (علينا اننفسر المحافظة على الدين او القومية اليهودية انطلاقا من اليهودي الواقعي اي من دور اليهودي الاقتصادي والاجتماعي). وبسبب التناقضات الحادة في واقع اليهود وتاريخ الذل والاستضعاف واجواء الانعزال تولد نوع من الانفصام في الرؤية جعل الصراع في المشاعر والتناقض الحاد في السلوك سمة بارزة في تحديد الشخصية اليهودية التي تحمل عقدة التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد وهذا ما يؤيده د. حامد ربيع (ان اليهودي يتصف بالازدواج في شخصيته فهو مخيف في جانب وقنوع في جانب اخر وهو فقير في بعض الاحيان ولكنه يحب المال وهـو يرضى بالعقاب الذي نـزل به منذ الحقبة الاولى ولكنه شكاك ومتذمر ومتربص لتحقيق تمرده وثورته في احيان اخرى).
وكل هذه الصفات نفذت الى لب مكونات الشخصية اليهودية الاسرائيلية إذ ساعدت العزلة على المحافظة على رواسب الذل من الاستعباد المصري الى السبي البابلي ثم مرورا الى المحرقة النازية والاضطهاد المسيحي حتى اصبح هذا الراسب هو الثابت الشخصي لليهودية الذي يمكن ان يحل سايكولوجيا على ان اولئك الذين سبق ان عوملوا باستخفاف من الاخرين يفقدون الثقة في انفسهم عن طريق الادراك اللاشعور انهم قد يحاولون اخفاء هواجسهم الداخلية عن الاشخاص الاخرين باتخاذ الغطرسة الا ان افتقارهم الخفي للثقة في انفسهم يظل قائما وهذه الظاهرة معروفة في علم النفس (بالتوحد في المعتدي وهو ان يغدو اليهودي الضحية نازيا له ضحاياه، يقتل بدلا من ان يُقتل وهكذا تشكلت في فلسطين العصابات الارهابية، وهكذا كانت مذابـح دير ياسين وكفر قاسم، وصبرا وشاتيلا، والهدف الجماعي لعملية التوحد بالمعتدي هو ان يتحول الحمل ذئبا وهكذا لا يبقى امامه خطر يخشاه لكن العملية اعقد من ذلك بكثير فعندما يتحول الحمل ذئبا يظل يشعر في اعماقه بالحمل في داخله وتكون شراسته فيها لمغالبة خوره ومشاعره القديمة مغالبة الحمل القابع في اعماقه ومن جانب اخر يظل يرى فيما يفرض عليه دور الحمل اي ضحيته يظل يرى فيه نفسه اي ان القاتل يرى نفسه قتيلا في ضحيته وهنا يستمر فعل القتل وكأنه بذلك يهرب من صورته مقتولا من ضحاياه وهو امر لا يستطيع منه خلاصا وبذلك يستمر في القتل كيلا يُقتل ومع تزايد ضحاياه يتزايد خوفه من الثأر والانتقام وهكذا فانه بالقتل يبرر حماية الحياة).
ويلجأ اليهودي الى هذا الاسلوب في الحياة في داخل دولته وأما في خارج دولته فيلجأ الى اللوبيات الضاغطة والارهاب الفكري والاسقاط الاخلاقي والابتزاز المالي، ولعل اوضح مثال على الارهاب الفكري هو استخدام اليهود لقضية اللاسامية في التأثير على المفكرين الغربيين وتعني اللاسامية معاداة اليهود على انهم الممثلون الوحيدون للجنس السامي في المجتمع الاوربي وعلى حسب الدعوى التي اشاعوها عن انفسهم فانهم يروجون لفرض شعور لدى الغربيين بان كل ما اصابهم في التاريخ هو لكونهم يهودا او ان سبب ايذائهم هو حملهم الديانة اليهودية وان من يسعون لايذاء اي شيء يرتبط بهذا التاريخ مصابون بدءا اللاسامية وقد ترتب على هذا ان تمكن الصهيونيون من احتواء الفكر الغربي فاندفع مفكرو الغرب او غالبيتهم العظمى الى مناصرة الصهيوينة دون تحفظ تحت وهم انهم يناصرون قضية عادلة يدفعون عن البشرية وزر العنصرية بما يعكس اضخم غسيل دماغ عرفتها البشرية.
وبذلك نجح اليهود في توظيف العالم الغربي المسيحي من اجل ايجاد نوع من التحالفات المصلحية لمواجهة الاسلام وهو العدو المرشح الوحيد للمواجهة التاريخية في صراع القوى من اجل الهيمنة.
صفحة 6

حدث غيَّرَ مجرى التاريخ في علاقة المسلمين بالغرب

تداعيات احداث (11) ايلول:
صحا العالم في صباح 11 ايلول عام 2001 على حدث رهيب هز العالم حيث نقلت شاشات التلفزيون عبر الفضائيات تصويراً دقيقا لعملية اصطدام طائرتين ببرجي بناية مركز التجارة العالمي ادى الى انهيارها وتعرض مبنى وزارة الخارجية الامريكية لحادث مماثل ووزارة الدفاع الامريكية كذلك وكانت الصور التي تبثها الـ CNN والوكالات الاخرى تعيد الى الذاكرة ما كانت تبثه هذه الوكالات لصور القصف الامريكي ودول التحالف ابان حرب الخليج الثانية التي كانت تبث للمشاهدين كاحدى العاب الحرب ولكن في هذه المرة كانت الصور من واشنطن ونيويورك وليست من بغداد وبصورة اكثر دراماتيكية واكثر قوة واشد عنفاً، وكان القدر اراد ان يقول للغرب بأن عاقبة الظلم لم يتغير مسارها مع الاختلاف الواسع والمتعدد لمفردات الاحداث واشكالها ومكانها وزمانها فإن الحقيقة التي لا تقبل التغيير هي ان القانون الالهي في معاقبته الظالمين يكون بالاساليب نفسها التي يتبعها الظالمون في ممارسة ظلمهم وبطريقة اسرع واكثر تدميرا.
بعد هذا الحدث دخل العالم في حالة اشبه ما تكون بالهستريا والجنون والخوف والرعب نظرا لتحطم اكبر كيان اقتصادي في العالم وفي الاعتبار الاساسي فإن قيادة العالم في النظام العالمي الجديد قد تم تدميرها ، بحيث تعد منظمة التجارة العالمية (WTO) اخطر واهم مؤسسة من مؤسسات العولمة الاقتصادية التي كانت تقوم بالاشراف على ادارة النظام التجاري العالمي الذي يرتكز في آلية عمله على تحرير (التجارة الدولية وازالة العوائق الجمركية وتأمين حرية السوق ونقل البضائع في مدى زمني لا يتجاوز وبحسب تحديد المنظمة عام 2005).
وقد كانت اصداء الحدث وانعكاساته على العالم عميقة جدا وحدث تحول سايكولوجي جماعي ادخل العالم في مرحلة جديدة في مجال الرؤية والافاق والجذور التاريخية وكشفت الصدمة عن الخلفية الثقافية والعقائدية للشخصية الانسانية بصورة عـامة وللغربي بصورة خاصة وللامريكي بشكل اكثر خصوصية، وبعد الحدث ظهرت دراسات وتحليلات وكتب محللون سياسيون وصحفيون وباحثون استراتيجيون حول الاسباب والنتائج ولكن صدمة الحدث لم يتم استيعابها وستبقى مصدرا لالهام صانعي السيناريوهات السياسية التي توظف لصالح الصراعات الايديولوجية التي تخدم اهداف القوة الخفية.
وكانت التحليلات والمؤشرات وما تم تسريبه عبر الاعلام يربط الحدث بجهات كانت مرشحة للقيام باعمال تستهدف العولمة او النظام العالمي الجديد او الولايات المتحدة على الخصوص ، ويمكن تحديد اهم هذه الجهات وهي:-
1. مناهضوا العولمة: وتضم هذه الجهة خليطا من المتضررين من العولمة من العاطلين عن العمل ومن الذين يدركون ابعاد خطورة العولمة على العالم ويحملون رؤية اصلاحية وتضم كذلك تجار المخدرات وعصابات المافيا حيث قامت الولايات المتحدة بحملة واسعة ضد تجار المخدرات في العالم وتعرض تجار المخدرات الى خسارات كبيرة تصل الى مليارات الدولارات خصوصا في امريكا اللاتينية وكانت هذه الحملة دافعا قويا للانتقام وكشفت الحملة مؤشرا على خطورة الاوضاع التي يعاني منها الاقتصاد الامريكي والنظام الاجتماعي في امريكا الذي كان مهددا بالانهيار نتيجة لانتشار المخدرات والجريمة المنظمة.
2. المتطرفون المسيحيون: وهؤلاء يؤمنون بقراءة اصولية للكتاب المقدس حيث تؤكد قراءتهم بأن عام (2000) سيشهد احداثا كارثية قد تصل الى حرب نووية تدمر الكرة الارضية، وترجع الجذور التاريخية لهذا الاتجاه الى القرن السادس عشر إذ بدأت حركة الاصلاح وتأسست البروتستانتية (وغير هذا الانقلاب معالم الديانة النصرانية حيث اطاحت الحركة البروتستانتية بحق الكنيسة في احتكار تفسير الكتاب المقدس فكان ذلك مفتاحا للولوج الى التفسيرات الحرفية للنصوص التوراتية فيما يتعلق باليهود، بل بدأت النصرانية تخترق بالمفاهيم اليهودية وتختلط بها بعد ان ضم البروتستانت التوراة الى جانب الانجيل مصدرا اوليا وحرفيا للتلقي ، خلافا لما كان عليه الامر خلال خمسة عشر قرنا خلت من عمر الديانة). وتنقل غريس هالسل في كتابهـا النبوءة والسياسة تصريحا لـ (بات روبتسون) القس الامريكي البروتستاني (الانجيلي او احد قادة حركة الانجيليين الصهاينة) وكان هذا القس مرشحا للرئاسة الامريكية عام 1986 تنقل عنه قوله (ان اعادة ميلاد اسرائيل هو الاشارة الوحيدة الى ان العد التنازلي لنهاية العالم قد بدأ كما انه مع مولدها فإن بقيةالنبوؤاتستتحقق بسرعة).
3. الحركة الصهيونية او جماعات يهودية صهيونية متطرفة: وترتبط هذه المجموعة بخلفية العقل اليهودي المتشكل عبر تاريخ الذل والخوف والبحث عن وطن والتطلع لاحكام السيطرة على العالم وفي نظر هؤلاء لا يمكن السيطرة على العالم بصورة مباشرة ولكن عن طريق السيطرة على السياسة العالمية ورأس المال العالمي بالامكان احكام السيطرة على العالم ويتم ذلك بدفع العالم نحو الصراع والحروب وقد ادرك كثير من المفكرين الغربيين هذه الحقيقة الصهيوينة ويذكر صاحب كتاب (درع الصحراء والنظام العالمي الجديد): (تقول الموسوعة البريطانيا : ان كل الخلفاء لم يكونوا حازمين في تطبيق معاهدة فرساي - التي كانت سببا مهما ادى الى الحرب العالمية الثانية - فيما يتعلق باعادة تسليح المانيا .. والحقائق تقول ان رجال المصارف الصهاينة في بريطانيا وامريكا كانوا يسـاعدون المانيا على اعادة التسليح حتى بمساعدة (ستالين) فأنت لا يمكن ان تصدق ان الالمان الذين افلسوا منذ الحرب العالمية الاولى وقد تعرضوا لكساد عظيم في العشرينات كان بامكانهم بناء هذه الالة الحربية العظيمة من الدبابات والطائرات بانفسهم، اليس كذلك ؟ وكما قلت في نظرية التاريخ فقد كان الصهاينة يرغبون في تفجير حرب اخرى، وكان لديهم المال الكافي لتمويلها، وكان معظم الالمان في تلك الايام كما هو حال الامريكان في كل زمان لا يدركون ولو بشكل مبهم ما الذي كان يجري، ان كل ما كانوا يعرفونه ان المانيا كانت قادرة على كسب الحرب لو لم تخدع اولا ومن ثم تقع ضحية لمعاهدة فرساي..وقد عرف الصهاينة كيف يلعبون على وتر هذا الحس الوطني العظيم والمدهش وكان الشعب الالماني وهو يرى الخطر اليهودي على وطنه مستعدا للتعاون مع اي طرف يمكنه الخروج من مأزقه الاقتصادي، ولم يكن هذا الشعب يعرف ان المأزق الذي يتخبط فيه ما هو الا من صنع الصهاينة). وقس على هذه الحالة دخول العراق الكويت بعد حرب ثمان سنوات مع ايران!!
وكل الخطط اليهودية تهدف الى تعزيز وجودهم في فلسطين وفي برنامجهم ان ضمان نجاحهم في فلسطين يقوم على احكام السيطرة على العالم، حيث تذكر بروتوكالاتهم (اننا نقرأ في شريعة الانبياء اننا مختارون من الله لحكم الارض وقد منحنا الله العبقرية كي نكون قادرين على القيام بهذا العمل..حكمنا سيبدأ في اللحظة ذاتها حين يصرخ الناس الذين فرقتهم الخلافات وتعذبوا تحت افلاس احكامهم ويصرخون هاتفين: اخلعوهم واعطونا حاكما عالميـا واحدا يستطيع ان يوحدنـا، حاكما يستطيع ان يمنحنا السلام والرحمة).
ان قراءة العقلية اليهودية على وفق الشواهد التاريخية تشجع المتابع لأن يتقبل فكرة الاثر اليهودي في احداث ايلول.
4. المتشددون الاسلاميون: افرز الصراع الطويل بين الغرب والاسلام ظهور تيار يؤمن بان امريكا هي رأس الافعى اليهودية وان ضرب أهداف استراتيجية في امريكا من شأنه ان يحدث تداعيات تنعكس على الغرب الذي يواجه العالم الاسلامي وعلى اسرائيل بصورة خاصة حيث دولة اليهود التي تستمد مقومات وجودها من الدعم الامريكي.
صفحة 7
وعندما يفكر الاسلاميون على وفق هذا المنظور فانهم يستحضرون الصراع التاريخي والحقائق الثابتة التي تؤكد الحلف الاستراتيجي بين اليهود والحركة الصليبية، فقد اجمع رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون على استراتيجية ثابتة وهي دعم اسرائيل واستحكام العداء للاسلام والمسلمين (ولقد جسد الرئيس الامريكي الاسبق (ريتشاد نيكسون) في اختصار مشاعر الغرب الصليبي تجاه المد الاسلامي في الشرق الاوسط فقال: (ان الخطر الذي تتعرض له منطقة الشرق الاوسط الان - لا يأتي من قبل الثورة الشيوعية بل يأتي من قبل التوجه الديني المتزمت هناك) وقد سبق نكسون باخوان له يهود رددوا ما يدل على نفاد صبرهم من تجدد الحركات الاسلامية التي تهدد اليهود بالخطر).
كل هذه المعاني مع تنامي الشعور بالاحباط تجاه سياسة الولايات المتحدة المحازة ضد المسلمين في قضاياهم المصيرية كل ذلك ترسب في قاعدة الوعي الاسلامي وشكل الشخصية الاسلامية باتجاه الانحياز العميق في طريق المواجهة والاستعداد لها، مما افرز مجموعات تؤمن بان الطريق الى رضا الله يمر عبر تدمير القوة الطاغوتية الامريكية.
لقد كانت هذه التوجهات الاربعة (تلتقي في قضية واحدة وهي تفجير خط تصاعد القوة الامريكية الذي تنامى وتعاظم وبلغ اقصى مدى له في تجليات قوة العولمة والنظام العالمي الجديد امركة العالم ولكن الولايات المتحدة لم تتوقف وتحلل اسباب الحدث وانما انساقت وراء القوة الدافعة التي كانت تتحرك بها في فرض آليات النظام العالمي الجديد ودارت بصورة سريعة وحددت بصورة واضحة وبدون تردد وتحركت برد فعل عنيف واختارت عدوا كان العقل الغربي مهيأ لتسريع تفجير الصراع معه وحسبته عدوا سهلا يحقق للقوة الامريكية عملية تفريغ للصدمة وانعكاساتها النفسية على المواطن الامريكي بصورة خاصة والمواطن الغربي بصورة عامة، وتحقق القوة الامريكية من خلال العملية الاستعراضية التي ستقوم بها القوات الامريكية وحليفتها البريطانية اعادة الصورة التي انهارت نتيجة صدمة الحدث فتكون العملية رد اعتبار للنظام العالمي الجديد. وكان هذا العدو الذي اختارته امريكا لتفريغ عملية الانتقام هو الاسلام حيث اعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا ان المسؤول عن الحدث هم المتطرفون الاسلاميون وتحديدا جماعة القاعدة وهو تنظيم اسلامي يقوده اسامة بن لادن ويتركز وجوده في افغانستان، فكان هذا التحديد اعلانا لبداية الحرب ضد التطرف الاسلامي او ما يسمى بالارهاب ولم تمر فترة طويلة على الحركة الاعلامية وتهيأة العالم لتلقي الحدث القادم حتى اعلنت الولايات المتحدة حربها على الارهاب ضمن استراتيجية التحالف التي تبنتها عند اعلان الحرب على العراق ودخلت بريطانيا في هذه الحرب وبدأت الحرب على نظام طالبان في افغانستان في 7/10/2001، ثم تتابعت الاحداث لتتم ازاحة طالبان وترشيح بلدان اخرى لضربة مماثلة لما حصل في افغانستان على اساس ان هذه البلدان تشكل خطرا على النظام العالمي الجديد لانها تساعد الارهاب او تأوي ارهابيين على حد تعبير رئيس الولايات المتحدة.
لقد كان اعلان الحرب من طرف امريكا وتدشين القرن الحادي والعشرين بحرب غير متكافئة بحيث لا توجد مقارنة بين امريكا وافغانستان لقد كانت هذه الحرب اصدق تعبير عن الفراغ الانساني والقيمي وعن سيكولوجية الظلم والطغيان والاستخفاف بالانسانية في ظل العولمة او النظام العالمي الجديد الذي تقوده امريكا وتفرضه على العالم كله مستخدمة الامم المتحدة ومجلس الامن كمؤسسات دولية تنفيذية لفرض المعايير الامريكية على العالم.
لقد كانت هذه البداية المأساوية للقرن الحادي والعشرين خسارة كبيرة للانسانية التي كانت تقترب من الحوار والتعايش فكانت الحرب قد نسفت مشروع الحوار الحضاري واكدت على خيار القوة الذي يعبر عن الافلاس من القيم وغياب الحكمة والعقل وتغليب لغة الدمار والموت، وهذا الطريق يتوافق مع مصالح اليهود والحركة الصهيونية التي كانت تتمنى دخول امريكا كطرف واضح ومعلن في الصراع ضد الاسلام والمسلمين، ومع حقيقة وجود الاطراف التي كانت مرشحة للقيام باعمال ضد الولايات المتحدة او مراكز القوى في الارض لكي تدفع القضية باتجاه اهدافها او تتوافق مع ايدلوجياتها فان الولايات المتحدة اعلنت منذ اللحظات الاولى ان المسؤولية يتحملها الاسلاميون المتطرفون واستبعدت الاشارات والدراسات والتقارير كانت تتوقع مثل هذه الاعمال من الاطراف الاخرى (فقد حذر لويس فرية مدير عام مكتب التحقيقات الفيدرالي من ان المتطرفين الانجيليين واعضاء الجماعات الدينية والرؤيوية - اي التي تستند الى التنبؤات ورؤى الانبياء - قد يتحولون الى العنف مع حلول القرن الحادي والعشرين وقال : ان احتمال حدوث اعمال عنف من جماعات محلية وارد مع قدوم عام 2000م قد تجنح هذه الجماعات الى العنف بهدف افتعال احداث مثيرة تستغلها لتحقيق النبوءات التي تؤمن بها) .
والواقع يشير الى قيام مجموعة من مناهضي العولمة بتحديات في سياتل وغيرها من مراكز القرار العولمي وقد افرزت هذه المظاهرات قتلى وجرحى بين المتظاهرين والشرطة وكذلك قيام بعض المتطرفين الانجليين بتفجيرات في الولايات المتحدة كما تعرضت بناية مركز التجارة العالمي الى تفجير قام به احد المتطرفين الانجيلين في 1996 وتشير بعض الدراسات الى ان هذا التفجير كان ملهما للجماعات الصهيوينة لتدبير عملية (11 ايلول) ونسب موقع الانترنيت الى السناتور (اورين هانس) قوله (ان هجوم الارهابيين على الولاياتالمتحدة هو امر حتمي) ويعني بالارهابي (الانجيلي المتطرف والاسلامي المتطرف).
اما اليهود فان الشكوك حامت حول وجود اثار صهيونية محتملة في تدبير التفجيرات ولاسيما بعدما اثيرت قضية تغيب اليهود عن الدوام في يوم التفجير غاب اكثر من اربعة الاف يهودي بحجة احتفالهم باحد اعياد اليهود وهناك اشارات تسربت عبر الاخبار تؤكد ان بناية مركز التجارة العالمي قد بيعت قبل التفجيرات بفترة قصيرة، ومع ظهور بعض الاسلاميين من الخاطفين يؤكدون مسؤوليتهم واشار اسامة بن لادن الى ما يعطي دلالة واضحة ولكن ليست صريحة تؤكد ان الخاطفين لهم علاقة بتنظيم القاعدة ولكن تسارع الاحداث والغموض الذي احاط باعلان قوائم اسماء الخاطفين ومن ثم الاضطراب في المعلومات وغياب الدقة في ذكر الاسم حتى قيل ان الاسماء بعد ان اعلنت تم سحبها من الحاسبات الموجودة في المطارات التي تحوي قوائم اسماء المغادرين والمسافرين، كل هذه الارتباكات في المعلومات حول منفذي العملية مع التعتيم من الاعلام الغربي واضطرابه حتى ان بعض الاسماء التي ذكرت ظهرت فيما بعد وقيل بأن هذه الاسماء لا تمثل اشخاصا حقيقيين مع كل هذه التعقيدات ونقاط الضعف في تحديد هوية الخاطفين مما يستدعي الحذر والبحث الدقيق والتأني في اتخاذ اي اجراء سواء في الاعلان ام في خطوة على ارض الواقع.
لكن سياق الاحداث تطور بشكل متسارع باتجاه القاعدة وطالبان واعلان الولايات المتحدة الحرب على الاسلام باسم الارهاب، ومع ضرورة التعامل مع الحدث بموضوعية إذ تشير الدلائل التي عرضها الاعلام المسموح به والمسيطر عليه الى قوة الادلة حول اتهام الاسلاميين الا ان الخبرة التاريخية في التعامل مع اليهود مع غموض التنفيذ اضف الى الغموض الطبيعة البشعة للعملية التي صورت الخاطفين بصورة اجرامية قاتلة متعطشة للقتل والدماء يتعارض مع الرحمة والانسانية المعروفة لدى المسلمين وفي تعاليم الاسلام.
ومع هذه المسائل التي اثيرت والتي تبعث على اعادة النظر في الاحداث واعادة تحليل سياقات العملية وما بثه حولها مع هذا نعود لنتساءل كيف وظفت العملية بكل تفاصيلها وحلقاتها لصالح الصهيوينة واليهود في فلسطين ؟ فإنه لم يحدث في التاريخ اجماع مسيحي غربي اجتماعي وسياسي لتأييد اليهود واجماع مسيحي صليبي ضد الاسلام كما حصل بعد التفجيرات، ومع ان الحروب الصليبية كانت قائمة على الاجماع الكاثولوكي ولكن لم يكن هذا الاجماع بالعاطفة والتوحد كما حدث بعد احداث ايلول.
كل ذلك يدعونا الى اعادة النظر في قراءة احداث ايلول، ومع قناعتنا بأن طبيعة الحدث متداخلة ومعقدة الا انا نرجح استنادا الى ما ذكرنا وما عرف عن اليهود من تاريخ طويل في توريط واستدراج العالم الى حروب كارثية ومدمرة كما حدث في الحربيين العالميتين نعود لنرجح بأن هناك احتمالية لاختراق اليهود للاسلامين ومن الممكن انه تم استدراج بعض الاسلاميين واقناعهم باهمية العملية واثرها في تغير معالم مراكز القوى في العالم والتخلص من الهيمنة الامريكية، وغيرها من المبررات التي ليست بعيدة عن ذاكرة كل مسلم يعيش الظلم الامريكي كل يوم في فلسطين والعراق والعالم الاسلامي الجريح اضف الى ذلك تصريحات المسؤولين الصهاينة اكثر من مرة حول اشراك امريكا مع اليهود لخوض حرب ضد الاسلام فقد ذكر نتنياهو في مقابلة لصحيفة ها ارتس في 22/11/1996: ان عالم القرن القادم سيكون متعدد الاقطاب وغير مستقر وسنتعرض الى خطرين رئيسيين الخطر الاول يأتي من داخل الفلسطينين، اما الخطر الثاني فيتمثل في التهديد الاسلامي من خارج فلسطين ويتمثل الحل بالنسبة للتهديد الاول في ان نخلص الفلسطينيين من حلمهم فمن الضروري ان يتخلصوا من فكرة الخلاص وفيما يتعلق بالخطر الثاني فلا اعتقد انه يوجد حل سهل واعتقد ان حل هذه القضية بعيد عن اسرائيل!).
صفحة 8
ولو ابتعدنا عن سيناريو المؤامرة التي اصبحت قضية تلغى بسببها كل الاستنتاجات التي تحلل الاحداث وفق البرامج المعدة سلفا فانا نعود نؤكد ان توظيف القضية لصالح الصهيوينة سار بشكل متناسق يبعث على الدهشة ويثير التساؤل حيث كان الخطاب الامريكي الصهيوني قبل الاحداث يتسارع في تعئبة العالم ضد الاسلام او ما يسمى بالارهاب فقد صرحت مادلين اولبرايت بقولها: ان ارادة الرئيس كلنتون تعتزم كل ما بوسعها لدحر الخطر الثلاثي المتمثل في دول وتنظيمات ارهابية وشبكات متطرفين تمتاز بحرية في الحركة، وقالت: ان نوعا جديدا من المواجهة تلوح بينما القرن الجديد يبدأ، واضافت من المحتمل ان يتجنب خصومنا ميادين القتال التقليدية وقد يلجأون بدلا من ذلك الى اسلحة الدمار الشامل، ثم اعلنت في كلمتها امام الكونجرس في 24/2/1999 عن برنامج جديد تبنته الولاياتالمتحدة يمتد لخمس سنين لمواجهة (جماعات التطرف) وخصصت له الادارة الامريكية 50 مليار دولار وقالت: ان الخطة الخمسية تمثل مجرد بداية.
كل ذلك يدفعنا الى التفكير بعمق لنتعلم كيف نتعامل مع الاحداث ولاسيما بعد احداث ايلول فانها مع قساوتها على المسلمين كانت تمثل مرحلة جديدة في تاريخ المسلمين وهي مدرسة في الصبر والثبات واليقين يحتاج اليها المسلمون اكثر من اي شيء اخر لكي يعرفوا عدوهم فان هؤلاء اليهود من الخبث والمكر والدهاء بحيث يملكون القدرة على ازاحة المسلمين الضعفاء والذين تزعزعت الثوابت العقدية عندهم. وانهم يفعلون كل شيء من اجل الوصول الى غاياتهم، ومن امثلة مكرهم التاريخية ما يعرف بمذابح النازية او مذابح هلتر اللذين يطلق عليهم (ضحايا الهولوكوست) وهذه القضية ما زال اليهود يبتزون العالم الغربي بها ويحصلون على الدعم المادي والمعنوي من الدول الغربية بسببها، وقد صدرت عدة در اسات غربية تحلل هذه القضية واكدت هذه الدراسات ان الارقام التي يذكرها اليهود حول ضحايا النازية مبالغ بها ومع المبالغة والتضخيم هناك تعتيم على الضحايا المسيحين الذين قتلوا في معسكرات النازية مع اليهود ولكن الضوء المسلط فقط على قضية قتلى اليهود لاظهارهم بصورة المضطهدين عبر التاريخ لكسب عطف الرأي العام الغربي بالاضافة الى ذلك فان الدراسات الغربية كشفت عن خلفية المذبحة وانها كانت مؤامؤة من اليهود الصهاينة الذين تعاونوا مع قياديـي هتلر على ذبح اليهود الارثوذكس - اي اليهود الاصولين المؤمنين بالديانة اليهودية وتمت العملية من اجل التأثير على العقلية اليهودية واسقاط الحدث في لا شعور اليهود للبحث عن الخلاص وارض الميعاد في فلسطين.
كل هذه القضايا التي اثارتها تفجيرات ايلول كانت تدفع العالم باتجاه البحث عن الحقيقة وسط اوهام العولمة واوهام القوة والمال والنظام العالمي الجديد وادت الاحداث كذلك الى زيادة وعي التيار الوسطي في العالم الغربي الذي يؤمن بالحوار والسلام ويبحث عن حلول واقعية وانسانية لمشاكل العالم، وفي حديث للرسول (صلى الله عليه وسلم) يصف فيه الروم او الغرب بانهم يملكون القدرة والقوة حتى قيام الساعة فقد ذكر الحديث (تقوم الساعة والروم اكثر الناس .. ويصف الحديث اسباب قوتهم منها انهم اسرع افاقة بعد مصيبة واحكم الناس عند فتنةواسرعكرةبعد فرة ينظر النهاية في الملاحم والفتن لابن كثير الجزء الاول حيث يذكر درجة الحديث والحديث مروي في كتب الصحاح)، وفي هذا الحديث يرسم لنا رسول الله  الخارطة السياسية للعالم والى قيام الساعة ويدلنا على منهجية للتعامل مع الاخر وفق الرؤية الواقعية ولكي لا نستدرج الى صراع غير متكافئ وعليه لابد للمسلمين ان يعيدوا قراءة الغرب على منهجية المرجعية الاسلامية (الكتاب والسنة) وان يعيدوا كذلك قراءة واقعهم ويصححوا موافقهم وفق المنهجية نفسها، واننا ندرك بأن الغرب ليس بمغلق او انه مرفوض جملة وتفصيلا أو انه يمثل الشيطان والشر والكفر ولكن هناك غرب عادل وغرب ظالم وهناك قيم وافكار صالحة للاقتباس والتفاعل واننا لو تخلصنا من عقد الانغلاق التاريخي والتعالي المجوف وعقدة الخوف من التماس او الاتصال فاننا سنجد ان الاخر لا ينطلق من فراغ وانه ليس باثم كله اذا نظرنا الى العالم وفق هذه الرؤية سنجد ان بعض الاخر يبحث عن حلول ويثير اشكالات يطلب فيها ان نتعاون لكي تصل الى الحقيقة وهذه هي مهمة المسلمين في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي بل ان هذه الفرصة قد وفرتها لنا العولمة اكثر من غيرها من خلال تسهيل عملية الاتصال ولو بحثنا في الغرب لوجدنا حتى اليهود الذين يعيشون في الحياة الغربية وتأثروا بها خصوصا اولئك الذين ينظرون الى اسرائيل من خلال العقل والحكمة سنجد ان هؤلاء فيهم من يبحث عن حل ويريد ان يعرف الحقيقة التي ضاعت وسط اوهام العولمة والاعلام، وقد ظهرت في اوربا في القرن التاسع عشر حركة اصلاح يهودية تأثرت بحركة الاصلاح والمسيحية وبلورت هذه الحركة اتجاهين:-
1. اتجاه يريد التخلص من العقد اليهودية والاحباطات والذل التاريخي التي ادت الى العزلة في (الجيتو) فيلجأ الى نقد اللاهوت التوراتي ثم يحاكي عصر التنوير فينتقد اللاهوت المسيحي ويحاول الاندماج في الحياة الغربية، وهذا الاتجاه صادق في تحوله ولكنه بالنسبة للرؤية الاسلامية اخطأ في الاتجاه.
2. اتجاه يريد اختراق الاخر ويخطط لذلك ويسلك في عملية اختراقه طريق تهديم العقائد لجميع الاديان ويفكك الاشياء وينسف المرجعيات الثقافية والفكرية والايديولوجية ويلغي المركز ويعوم العقل ويصل به الى العدمية عندها تتحول الحياة الى عبث وهذا ما تسعى اليهافكار الفلسفات المعاصرة (الحداثة - ما بعد الحداثة). واليهود الذين ينادون بهذا الاتجاه هم يهود صهاينة غير صادقين برغماتيون تحركهم مصالح ويخططون بخبث ودهاء لتدمير القيم والاخـلاق في كل كما قـال تعـالى:(وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) يعني تدميـر الانسان وتدمير البيئة. وهؤلاء هم الذين اختطفوا قرار قيادة العالم ويتحكمون في مصيره الان.
وعلى اساس ما توضح لدينا من خلال اعادة النظر في تفجيرات ايلول وانعكساتها نود ان نؤكد ان الامر يحتاج الى اعادة نظر في المواقف والرؤية ومحاولة تغليب جانب الحوار والتعايش على جانب الصراع من اجل الهيمنة واذا كانت العولمة مثلت في آليات حركتها على ارض الواقع جانب الصراع والظلم والطغيان فان الخطاب الاسلامي مطالب باعادة التوازن للحياة من خلال التمسك بمنهجية السلام والحوار ليس خوفا او استسلاما وانما عن طريق التمسك بثوابت الاسلام والتمسك بالايمان بالله والاعتقاد بأن ما يجري في الارض انما بعلمه وحكمته، واننا عندما نقرأ الاحداث على ضوء السياق التاريخي فإن ذلك يزيد من رصيد الوعي ويعمق الافكار عند تفاعلها مع الاحداث وان هذا السياق التاريخي لا يعني الاستسلام امام الاقدار بقدر ما يعني التركيز على العوامل المؤثرة والحقائق الفاعلة في صياغة الحدث وظهوره على مسرح الواقع، والرؤية الاسلامية تستمد مقوماتها من العبر التاريخية التي تؤكد على استمرارية الارتباط التاريخي لنسق الاحداث وان تشكل الظواهر لا يأتي من فراغ خصوصا على مستوى الاحداث المرتبطة فكريا وعقديا في حياة الانسان والمجتمع ووفق هذه الرؤية المستمدة من توجيهات القرآن والسنة يكون ارتباط المنهجية الاسلامية والاحداث المرتبطة بها اكثر عمقا واشد ارتباطا واكثر شمولية للتجربة الانسانية في حين تكون منهجية الفلسفات الاخرى وليدة الظروف الموضوعية والمصالح والاهواء ثم بعد ذلك يقوم منظروا هذه الفلسفات بربط الاحداث بالجذور التاريخية ويبحثون لها عن صياغات عقائدية او ايديولوجية لزيادة فاعليتها وفي محاولة لتأصيلها تاريخيا لايجاد المبررات الفكرية وكسب الاتباع وتحقيق الاهداف المرسومة لها كما يذكر الدكتور عابـد الجابري ان الامريكيين مولعون بالتاريخ والتراث ويسكن في قلوبهم وعقولهم حب الاشياء التي تربط الانسان بتاريخه ويبحثون دائما عن التاريخ والتراث في مفردات الحياة الامريكية وذلك يعكس قلقهم وشعورهم بالفراغ التاريخي وفقدانهم للجذور التاريخية وتلك ازمة انثروبولوجية يعاني منها العقل الامريكي، وعندما يرتبط المسلم بالرسالات والانبياء ويحول ذكراهم الى عمق انساني فانه يعبر بذلك عن شعوره بالاستقرار النفسي التاريخي وكما في الحكمة الاسلامية (دولة الباطل ساعة ودولة الحق الى قيام الساعة) فان الحكمة تسحب العقل الى اقصى انتماء انساني وتؤكد تواصل التجربة الاسلامية الانسانية وانقطاع التجربة الارضية.
صفحة 9

عودة الى نظرية الصراع من اجل البقاء

العولمة والصراع من اجل الهيمنة
ان المتابعة التاريخية لتشكيل المفاهيم تؤكد ان ظهور القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية خاضع لمفهوم الصراع المتأسس على آلية السباق المتسارع للوصول الى اهداف محددة بمصالح الجماعات والدول المبررة بقناعات مؤدلجة اذا صح التعبير اي مشحونة بروح ايديولوجية تشكل الدافع الاساسي للحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى هذا الاساس يتجاذب العولمة تياران (تيار يرى ان العولمة هي هيمنة القوى الاقتصادية والعسكرية على الكوكب وبكلام اكثر دقة امركة العالم ، اما التيار الاخر فانه يرى هذا التيار العولمة ظاهرة حضارية تؤدي الى تحويل العالم الى قرية كبيرة تلقتي التأثيرات نفسها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاعلامية بشكل آني .. إن العولمة ولاشك تعكس مظهرا من مظاهر التطور الحضاري وتحمل بعدا حضاريا، الا انها تحمل في ظل الوضع الدولي الراهن ذي القطب الواحد ارادة الهيمنة واختراق الاخر وسلبه خصوصيته وهي تختلف عن النظام الدولي لأن ما يرسم معالمها هو ليس العلاقات الرسمية بين الدول وانما يرسم معالمها هو رأس المال المعولم).
وان هذه الرؤية للعولمة تعطينا تصورا حول كيفية التعامل مع العولمة فعندما ننظر اليها كفرصة للشعوب لتطوير التكنولوجية والمعرفية سرعان ما تصطدم على ارض الواقع حيث احتكار المعرفة والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية من قبل الامبريالية العالمية وبخلفية قانون الفقراء لمالثوس وثالوث المعونة وفلسفة قارب النجاة تتحدد المساحات لنقل العلم والتكنولوجيا الى بلدان العالم الثالث وكل ذلك يدفع الى الاعتقاد بأن العولمة تعني المزيد من طغيان القوى الشريرة التي لا تشعر بالمسؤولية الانسانية مما يؤدي الى اقتراب الكوكب الارضي من كارثة عولمية تنهي الحياة البشرية وتعجل بقيامة العالم، ولذلك (نجد العديد من الابحاث والدراسـات الصادرة في الولايـات المتحدة نفسـها تنـدد بما اصبح يسـمى بـ (العولمة المتوحشة) وترى بأن الخط السائد الان مع المستقبل المحتمل لن يكون براقا امام الدول المتقدمة الغنية، وترفع العديد من المنظمات غير الحكومية شعارا يقول: لابد من اسقاط منظمة التجارة العالمية، وهذا ما يعبرعنه كتاب غاري بيرتلس واخرين بعنوان (جنون العولمة). وتؤكد الباحثة (ثناء فؤاد عبد الله) انه حتى الولايات المتحدة وان كانت المستفيد الاكبرمنالعولمة فانها يمكن الا تستطيع غدا النجاة من مخاطر (العملاق الكوني المتوحش) الذي ينمو حاليا خارج سيطرة القانون الامريكي بل خارج النظام الدولي نفسه.
فالعولمة وفق هذا السياق لا تسمح بتطور الاخر ولا تسمح له باستخدام التكنولوجيا المتطورة وتحاول مستفيدة من امكاناتها الهائلة في مجال المعلومات وامتلاك تكنولوجيا القوة ان تستدرج الاخر الى صراع غير متكافئ تكون نتائجه المحققة سلفا انتصارا ساحقا يؤدي الى فتح الابواب على مصراعيها لنهب الثروات والتدخل في صياغة عقل الاخر وتشكيله وصناعة نمط حياته الذي من شأنه ان يكرس هيمنة القوى العولمية الطاغوتية ويزيد من تداعيات المتلقي المستضعف ويتم التركيز من خلال آلة الاعلام العملاقة على عناصر الاسترخاء والخنوع في بناء نفسية المتلقي وفي دراسة للباحثة الاعلامية المصرية (جيهان البيطار) تؤكد من خلال دراستها للاعلانات التلفزيونية المصرية ان 68% من اجمالي الاعلانات تحمل قيمة سلبية للمشاهد وعرفت الباحثة القيم السلبية بانها الشراهة والتبذير، ثم التفاخر والمباهاة والعنف الذي يظهر من خلال اعلانات الافلام والتركيز على جذب الجنس الاخر، حيث يتم استخدام المرأة في اعلانات سلع الذكور فقط والعكس صحيح مما يعطي ايحاء للمشاهد بأن شراءه لهذه السلعة له تأثير على الجنس الاخر، ومن النتائج التي اكدتها الدراسة ان 100% من الاعلانات الموجهة للشباب من الجنسين تحتوي على الاثارة سواء في الشكل او المضمون.
وقد كان الاعلام ممثلاً فاعلاً وكفوء في عملية الاعداد و التهيأة للمسح العالمي المستوعب لكوكب الارض لفرض العولمة كمرحلة جديدة لمابعد الامبريالية وما بعد الحداثة وما بعدها وكما حددها فوكومايا بنهاية التاريخ.
كان العرض الاعلامي الذي قدمته امبراطوريات الاعلام العولمي (CNN.BBC) – ويرى بطرس غالي ان الـ CNN هي العضو السادس عشر في مجلس الامن! كان هذا العرض لحرب الخليج عرضا تجريبيا ناجحا نقل المفاهيم العولمية من التجربة الى التطبيق ويصور التأثير الاعلامي في هذه الحرب المفكر كرستوفر نوريس بقوله: ان الحملة بمجملها امتياز اعلامي محض امتداد لتكنولوجيا العاب حروب الفيديو ولكن بوسائل بديلة سناريو ما فوق واقعي (Hyper = real) حيث تعرف الحقيقة تحديـدا بمفردات خطابيـةوادائيةمحضة.
ويحاول الكاتب ان يحلل اسباب سقوط العالم في مرحلة ما بعد الحداثة في التفكيكية التي تعبر عن اتجاه تفكيك الافكار والاشياء والوصول الى العدمية والغاء المركز ونسف المرجعيات الثقافية والفكرية والاجتماعية وفي معالجته لهذه الحالة يركز على عملية التزييف المستمرة للحقائق والتي يلعب الاعلام دورا رئيسا في صياغتها وتسويقها الى الوعي عبر وسائل الاعلام المهيمنة على حياة الانسان في عصرنا الراهن، ويرفض الكاتب ما يدعيه البعض (بأننا وصلنا الى مرحلة مزمنة من عدم التمييز بين قضايا الحقيقة والزيف وبأن الفروق الانتولوجية لم تعد بذات قيمة في مرحلة (التمثيل الزائف) لوسائل الاعلام المهيمنة)..وان هذا السيل القاسي من التغطية قد اعد لاتخاذ ملكاتنا المعرفية واستجاباتنا نقطة يصبح من المستحيل معها رسم الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال او بحسب كلام الصحفي بودريار انا لا نملك ان نعرف فيما اذا كانت الحرب في الواقع قد نشبت؟ مقارنة بالصور المتخيلة على الحرب التي سبقت الـحدث واستمرت بعـده كمصدر وحيد للمعلومات والاخبار).
صفحة 10
وتبدو الاحداث ضمن هذا السياق للمشاهد وهو ينفعل مع الحدث المنقول اليه عبر الشاشة وكأنه جزء من منظومة المصفوفة على حـد تعبيـر سيناريو فلم الـ (MATRIX) وهكذا يتم غلق ملف الوعي الذاتي والاستسلام امام زيف ماكنة الاعلام.
وفي عمل متصاعد في غرف مظلمة تبث المعلومات المفبركة عبر وسائل الاعلام والوسط المعلوماتي (الاقمار الصناعية - الحاسبات - الانترنيت) سجلت العولمة موقعها المركزي في الارض وثبتت مركزيتها على حساب اكتساح المراكز الاخرى واستقرت في عقل الانسان المعاصر بدون استئذان ولم يعد للفكر المتلقي الحق في ان يقبل العولمة او لا يقبلها وانما التحليلات السائدة اليوم تركز على كيفية تقبل العولمة والتفاعل معها، وبناء على ذلك نستطيع القول ان العولمة تأسست على قاعدة الصراع ونضجت ضمن مفهوم الهيمنة والانحياز الى المصلحية ومشاركة قائمة على تخطيط القوى العظمى لفرض سطوتها وتحقيق مصالحها على حساب الدول الفقيرة والمستضعفة، وعندما ظهرت العولمة على ارض الواقع كان ظهورها تأكيدا لهذه المعاني التي تعكس مفهوم ان العوملة اعلى مراحل الامبريالية ولكن هذا الظهور كان مصاحبا لتفعيل الاساليب البراغماتية التبريرية لتغطية الجوانب الموحشة والمشوهة للعولمة في محاولة لفرض هيمنة الخطاب الامبريالي الذي يؤمن بازدواجية القوة/المعرفة ويتمركز على معايير عقلانية صنعته وفي مواجهة هذا الخطاب قامت الحركة العقلانية الغربية بفضح تداعيات ما بعد الحداثة وانعكاساتها الخطيرة في اشاعة العدمية وفقدان التوازن لدى المجتمع الغربي فضلا عن الانعكاسات التدميرية للعالم النامي وتحديدا المجتمع العربي المستهدف الاساس من قبل الدوائر الغربية التي تديم وتزيد من فاعلية الصراع ضد الاسلام والعرب ضمن توجهات الحلف المصلحي بين الامبريالية والصهيوينة وفي هذا السياق يذكر كرستوفر في معرض دفاعه عن ادوارد سعيد في تأسيس خطابه ضد الاستشراق كمؤسسة غربية تخدم المصالح الامبريالية ضمن دوائر تراكم الخبرة حول الشرق وتوظيف هـذه الخبرة في تغذية عوامل الصراع فيقـول (ان هدف ادورد سـعيد هـو اظهار الطبيعة المزيفة (False) - الكاذبة لمجمل ما يمرر على انه حكمة اكاديمية غربية حيال التاريخ العربي والقيم السياسية والثقافية العربية وهو يفعل ذلك من موقع مدعم بمعرفة افضل (اكثر عمقا وشمولية) للمصادر الوثائقية.. ويستحضر سعيد تلك الاحكام المسبقة والدوافع الهستيرية والبلاغة الابتزازية وتأكيدات عمياء غير موثقة الخ. والتي تسجل حضور رغبة عارمة باختلاق صورة عن الشرق تتماشى مع مصالح الغرب السياسية ومعتقداته). ونعود لتؤكد ان حرب الخليج تقدم نموذجا جاهزا للطريقة التي تم من خلالها استغلال هذه الفبركات الثقافية الجاهزة - الراسبة في العمق - ووضعها في خدمة الحملة الاخلاقية ذات اللكنة العنصرية الثابتة.
ان استحضار هذه المعاني يؤكد انحياز الغرب ضد الاسلام وان هذا الانحيـاز مترسب في لا وعي الغربي سواء كان في دائرة صنع القرار ام كان في العقل الجمعي للشارع الغربي، مما يرجح لدينا الاستمرار في تصعيد لغة الصراع واهمال المحاولات المنبثقة من الواقع الغربي والتي تنادي بالحوار وتغليب الجانب الانساني على العنصري النفعي، وهذا يؤكد ان صياغة العولمة كمرحلة لما بعد الامبريالية يلغي احتمالية استفادة الشعوب النامية من التطور في مجال العلوم التكنولوجيا الذي تملكه القوى الكبرى لأن قيم الدول الكبرى هي قيم امبريالية تحددها المصالح ودوافعها التسلط والطغيان وان التلويح بفوائد العولمة يذكرنا بما عرضه الاستعمار الغربي لقادة الشعوب العربية والسياسيين العرب في بداية عصر النهضة وما اتفاقات الشريف حسين - مكماهون الا صورة معبرة بوضوح لعقلية الغربي ونظرته الى الشرق، وما فعله نابليون في حملته على مصر صورة اخرى من صور فرض الهيمنة الثقافية والسياسية للغرب على الغرب، وكل هذه المحاولات كانت شعاراتها الحلول والخلاص لهذه الشعوب من التخلف والضياع ولكن الحقيقة كانت مخالفة تماما لما كان يلوح به قادة الغرب والنتيجة كانت واضحة ولا تحتاج الى اعادة التذكير بصفحاتها المحزنة من التدمير الغربي لبلاد العرب وفرض الهيمنة والتدخل المباشر في شؤون العرب وحرمانهم من الاستقلال السياسي والاقتصادي، وبذلك نستطيع القول (ان تحليل الجذور التاريخية لظاهرة العولمة يوضح قيامها، فقد بدأ مفهوم رأس المال في البزوغ مع تهميش السلطة وتزايد حركة التجارة الذي اسهم في كسر العزلة الاقتصادية على صعيد الكرة الارضية، وقد شهد القرن التاسع عشر اوج الاقتصاد ولم يكن قد بلغ حد العولمة، ويرى فوكوياما المستشار الاستراتيجي والمخطط للسياسة الامريكية الخارجية ان انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكيك المنظومة الشيوعية لم يضع حدا للصراع التقليدي فحسب وانما وضع نهاية للتاريخ ايضا، باعتباره الى الان تاريخ صراعات مريرة مدمرة ولقد حاول صموئيل هنتكتون المحاضر في جامعة هارفرد باميركا تجاوز فلسفة النهايات التي اكتملت عند فوكو بالاستقرار عند الرأسمالية العالمية وبحتمية الليبرالية كمصير للشعوب الى حتمية صراع الحضارات التي هي اخر طور اي الحلقة الاخيرة في سلسلة تطور الصراع ويرى ان التاريخ لن ينهض وان الصراع الحقيقي لن يختفي وانما سيكتفي كل منهما يتغيير مصادره واتجاهاته بالتحول من صراع دول ومجتمعات وطـبقات الى صراع
ثقافات وحضارات).
وهكذا يرى منظرو العولمة من خلال النظر الى الصراع هو ان العولمة تؤكد مفهوم الصراع وتوظفه ايديولوجيا في حين ان الاسلام مع اعترافه بالصراع والاختلاف ولكنه يتحرك من خلال تعاليمه الى تجفيف منابع الصراع والقضاء على مراكز القوى الظالمة التي تعيد انتاجه، ويعمل على اقامة العدل والسلام في الارض. وبذلك يجد الاسلام واقعية عدالته.