eKtab
EN ع
العراق معابر الصحراء
اقرأ عينة مجانية

العراق معابر الصحراء

بقلم د. محي الدين قندور

صفحة 1
المقدمة
 
 أريد أن أعبر عن خالص امتناني لموظفي الجيش الأميركي (لكتيبة الإشارة العاشرة والقسم الجوي 101) الذين استشرتهم لكتابة هذه الرواية· وأخص بالشكر الكولونيل المتقاعد هارولد غرانفيل، الذي كان يخدم في العراق خلال أحداث هذه الرواية· لقد زودني بالمعلومات عن التسلح، وأنظمة المراقبة الجوية ووظائف أجهزة الاستشعار المتناهية الصغر· أما الاستخدامات التي استقيتها من تلك المعلومات فهي من نسيج خيالي·
 
 
 
الكاتب
صفحة 2
القصور الصحراوية
 
بشعرها الذهبي المتوهج المربوط على شكل ذيل، وقبعة التخييم الأسترالية الطابع المتدلية على جبينها، كانت إنجي تولين، ذات الثمانية والعشرين عاماً، تجوب مع قافلة مؤلفة من عشرين حصاناً الصحراء الأردنية باتجاه الشرق، على بعد سبعين كيلومتراً من العاصمة عمان· انطلقت إنجي في أول يوم من رحلتها التي تستغرق عشرة أيام إلى القصور الرملية في الصحراء الأردنية، التي تعتبر من أهم المواقع السياحية الجاذبة في العالم، ولذلك فإن رحلة السفاري الترفيهية هي المغامرة التي كانت إنجي بحاجة إليها· 
 
كانت إنجي امرأة فارعة القامة بطول خمسة أقدام وعشرة إنشات، إضافة إلى كونها رياضية من الطراز الأول نظراً لقوة بنيتها؛ كما تتحلى بجمال ناعم وملامح رقيقة وهادئة، وعيون براقة بلون الأزرق الجليدي الذي يلمع مع إشراقة الصباح· كانت تلبس سترة كاكية اللون مخصصة لرحلات السفاري، مع قميص رقيق وبنطلون ينساب بنعومة على جسدها اليافع· أما حذاؤها فيعلو كاحلها ليشكل حماية لبطة الساق· 
 
كان يرافقها خمسة عشر رجلاً وحوالي ست نساء كنَّ يرافقن الرجال إما كزوجات أو كأخوات· كانت إنجي المرأة الوحيدة العازبة في تلك الرحلة، وبالتالي أصبحت محط اهتمام من قبل الرجال العازبين· لقد اعتادت على مثل هذه الأمور، وبالتالي كانت تصد هؤلاء الرجال بطريقة سلسة لكي لا تؤذي مشاعرهم· أينما حلت، كان عليها أن تواجه مغازلات الرجال، ولذلك كانت دائماً تتعامل مع الأمر بلباقة، وتحاول عدم لفت الانتباه على قدر المستطاع عبر إخفاء مفاتنها عن الرجال· 
 
تألفت المجموعة بأغلبها من أوروبيين من ألمان، فرنسيين، بريطانيين وإيطاليين، لكن اللافت كان غياب الأميركيين عن تلك المجموعة· يعود السبب إلى تناقص أعدادهم بشكل كبير، وخاصة مع شنّ الولايات المتحدة للحرب على العراق، البلد المجاور للأردن· بيد أن أكثرية الأشخاص الموجودين كانوا من الألمان، ولذا لم تكن إنجي مضطرة للتكلم بالإنكليزية طوال الوقت، مع أن المرشد السياحي الوسيم، ويدعى علي، كان يتكلم دائماً بالإنكليزية مع كل المجموعة؛ لأنهم كلهم يعرفون هذه اللغة العالمية الانتشار· 
 
ما إن حلَّ الليل حتى توقفت الباصات التي تقل المجموعة، وبدأ الركاب بتجهيز الخيم لقضاء الليلة تحت سماء صافية وطقس ربيعي لطيف قبل أن ينطلقوا في الصباح إلى القصر الأول الذي تجب زيارته· حضَر علي النار ليبدأ بشوي اللحم الشهي مع حلقات البصل والبندورة، وقطع من لحم الضأن الطري التي جلبها معه· جلسوا كلهم حول النار حتى ساعة متأخرة من الليل، وقاد علي الحوار عبر التعريف بنفسه وبكل المرشدين، وبعدها طلب من كل شخص أن يعرف بنفسه للمجموعة·
صفحة 3
 لم يكن مطلوباً من أي شخص أن يكشف أسراره الدفينة، بل مجرد التحدث عن البلد الذي أتى منه وعمله الحالي، ولماذا اختار الأردن كمقصده السياحي· كان هدف علي من هذا التمرين أن يكسر الجليد بين السياح الذين ما لبثوا يسردون القصص من هنا وهناك، فبدأوا يمرحون ويضحكون طوال الليل· 
 
كانت الليلة الماضية من أكثر الليالي الهادئة التي حظيت بها إنجي منذ سنوات· بعد أن تعب الجميع من السهر والمسامرة وسرد الحكايات حتى ذهب كل إلى خيمته ليهتم بشؤونه الخاصة، إما لقراءة كتاب أو قصة، أو الاستلقاء تحت السماء لعدّ النجوم أو الخلود إلى الراحة بعد يوم طويل أمضوه في التجوال· 
 
بقيت إنجي بقرب النار، فجاء بعد قليل رجل ألماني ليجلس معها وعرَّف بنفسه مجدداً· هانس غروبل فروولين، قال الرجل ومدَّ يده ليسلم على إنجي التي لم تتردد في مدَّ يدها لترحب به· كان رجلاً وسيماً، يبدو وكأنه في العقد الرابع، مع خصل رمادية تزين شعره، وجسد بدين قليلاً يزيد بحوالي عشرين باونداً عن رجل بطول ستة أقدام؛ بدأ بسرد العديد من القصص المثيرة للاهتمام خلال الجلسة السابقة· بما أنه تاجر تحف قديمة في برلين، فلقد كان متشوقاً للمجيء إلى الأردن للتفتيش عن تحف شرق أوسطية· كان يخطط في بادئ الأمر للذهاب إلى بغداد، ولكن تغيرت مسيرته بسبب الحرب الدائرة هناك· 
 
إنني سعيدة بلقائك سيد غروبل، أجابت إنجي· هل تريد فنجاناً آخر من القهوة؟ وأشارت إلى النار الخامدة والإبريق القريب منها· وافق هانس فصبت إنجي فنجانين من القهوة السوداء القوية الطعم· 
 
إذاً، ما الذي يدفع امرأة جميلة وشابة مثلك إلى خوض رحلة السفاري هذه غير تمضية الإجازة؟ سأل هانس· استلقى هانس على كرسي بعد أن أخذ فنجان القهوة وبدأ يرمي إنجي بنظرات إعجاب· لم يخف إعجابه بجسدها الممشوق، ولكن بطريقة سلسة لم تجرح شعورها· جلبت كرسيّاً آخر وجلست بقربه· كانا الوحيدين الجالسين بقرب النار بينما الآخرون شكلوا مجموعات صغيرة، وكل مجموعة تتحدث في مواضيع مختلفة مثل الطقس، الصحراء وسياسة الحرب الدائرة حالياً في العراق· 
 
لأنني أحب المغامرة، قالت إنجي وهي ترفع الفنجان لتلقي نخباً· أريد البحث عن شيء غير عادي، وفكرت في أن القيام بجولة على الحصان ستكون مناسبة جداً·
 
نظر هانس إليها نظرة محيرة· كان هناك شيء غريب في طريقة إجابتها جعلته يشك ما إذا كان ذلك كل ما في الأمر ولكنه غضَّ النظر· رفع كأسه وحياها بدوره· 
صفحة 4
هل أنت عزباء؟ سأل هانس، فابتسمت إنجي وتوقعت ما سيدور من حوار لاحقاً· 
 
لا، ليس فعلياً· لا هنا ولا حتى هناك· أجابت إنجي· 
 
ابتسم هانس ولكنه تيقن بأنها لا تريد أن تفتح له المجال للخوض بشكل معمق في هذا الموضوع، وفي الوقت نفسه لا تريد إقفال الموضوع بل تريده أن يعلم بأنها هي التي تستطيع فتح المجال أو إغلاقه لأي كان ساعة تشاء·
 
أكمل الاثنان حوارهما لنصف ساعة أخرى، عرفت بعدها إنجي بأن هانس رجل جذاب ولكنها لا تريد أن تخوض معه غمار علاقة غرامية من أول ليلة في رحلتهما· ربما في ليلة أخرى، ولذلك همت بالمغادرة· 
 
تصبح على خير، هانس قالت إنجي وهي تميل نحوه وشفتاها تلامسان وجنته بشكل لطيف· لقد تمتعت كثيراً بالتحدث معك ولكنني متعبة وأريد النوم، إذ يجب علينا النهوض باكراً· ظهرت على وجهه علامات الخيبة ولكن ليس بشكل قوي· نهض من مكانه وتوجه إلى خيمته بينما كانت إنجي تهم بالرحيل إلى خيمتها· 
 
استلقت إنجي على الأرض خارج خيمتها وتقوقعت في فرشتها تتأمل النجوم لبرهة بدت لها وكأنها ساعات؛ ودون أن تلاحظ غطت في نوم عميق لم تحظ بمثله منذ سنوات· 
 
لم تنتبه إنجي بأنها نامت إلا عندما طلع الصباح، فلاحظت بزوغ الشمس والجميع يتأهب لتناول الإفطار استعداداً لبدء الرحلة· 
 
أيقظ علي الجميع قبل بزوغ الشمس بينما كان يحضر البسكويت وصلصة مرق اللحم إضافة إلى الحمص والفول، مما أثار شهية السياح· كان إفطاراً متواضعاً ولكنه كاف لدعم أجساد السياح، استعداداً لأول محطة على طريقهم، وهي قصر الخرانة الذي يعتبر واحداً من خمسة قصور سيزورونها خلال رحلتهم التي تستغرق عشرة أيام· كان هذا القصر يبعد حوالي عشرة كيلومترات عن المكان الذي هم فيه الآن، وبالتالي يعتبر من أقصر الرحلات التي سوف يخوضونها بين كل قصر وقصر· لقد ساروا لمدة ثلاث ساعات حتى الآن، وكانت آخر مرة تفحصت فيها إنجي خريطتها لمعرفة المعالم الأثرية الموجودة أمامهم، بدا لها بأنهم أصبحوا على بعد ساعة من القصر· لكن كان هناك الكثير من الكثبان والوديان التي تفصل بينهم وبين القصر، ولذلك لن يكون في مرمى نظرها قبل نصف ساعة من الآن· 
 
كان حصان إنجي، الذي قدمته لها شركة السفاري، يمضغ الشعير الذي جلبه الحمالون معهم منذ الصباح، إضافة إلى الشوفان الذي تحمله الأحصنة في أسرجتها· لقد جلبت إنجي معها طعاماً يكفي ليوم واحد بينما تكفل الحمالون بالماء ووجبات العشاء· سرجت إنجي حصانها العربي الأصيل، الذي كان رأسه دائماً مرفوعاً للأعلى بشموخ وزهو بينما كان ينقر بحوافره برشاقة وخفة· وما إن امتطته حتى تجاوب مع حركة جسدها وانطلق بها بسرعة وكأنها في مركبة رياضية·
صفحة 5
بدأت رحلتهم الساعة السابعة صباحاً بسلاسة وهدوء· لقد قدرت إنجي المسافة التي كانوا يقطعوها بحوالي ثلاثة كيومترات في الساعة، وهذا يعني بأنه يجب أن يصلوا للقصر خلال ثلاث ساعات· كانت المجموعة كلها مؤلفة من عشرين سائحاً وخمسة حمالين وقائد الحملة، وبالتالي كان هناك ستة وعشرون شخصاً يجوبون الصحراء الأردنية· 
 
يتحدر قائد الرحلة القوي من قبيلة أردنية بدوية ويدعى علي الحسن· كان علي خيالاً متمرساً يعمل مدرباً على ركوب أحصنة السباق الملكية· كما تميز بطبعه الجاد خلال فترة التدريبات· لقد تعرف على إنجي في اليوم السابق عندما تركوا الباص وانتقلوا إلى المخيم· بدا علي طويل القامة، نحيل الجسد، وملامحه داكنة ووسيمة، ولكن عيونه فيها بريق شيطاني· لقد لاحظ بسرعة بأن إنجي هي المرأة الوحيدة الملفتة للانتباه من بين كل النساء الأوروبيات في المجموعة، ولذلك أعطاها أفضل أحصنته· ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة بينما هو يقترب منها· 
 
آه، فروولين تولين، ابتسم وهو يتلو اسمها· لقد حجزت لك أفضل حصان لدي لتمتطيه خلال هذه الرحلة· اسمه خمسين أي رياح الصحراء، قال مفسراً بينما كان يصافحها بحرارة· ابتسمت إنجي بدورها· على الرغم من طلته القوية إلا أنه بدا كصبي صغير يحاول بكل جهده إرضاءها· 
 
شكراً لك يا علي، إنني ممتنة لك، إذ لست بتلك الفارسة المتمرسة، ردت عليه بالإنكليزية· مع العلم إنه كان ملماً بالألمانية ولكنها لم تكن متأكدة؛ لأنه كان يتكلم دائماً باللغة الإنكليزية بطلاقة· 
 
إذا كانت لديك أي طلبات خاصة أو احتياجات، أرجو منك أن تطلبيها مني، قال لها وبدا أيضاً وكأنه لا يتمنى إلا تلبية رغباتها· إن بإمكاني تلبية العديد من الأمور التي يصعب على غيري العثور عليها في بلدي· 
 
سوف أبقي ذلك في الحسبان يا علي، ردت إنجي وبعدها تركته لكي يحضر المخيم· 
 
لقد أوجز علي لكل الحاضرين بتفاصيل الرحلة بلغة إنكليزية لا غبار عليها، حرصاً منه على إفهام جميع السياح بأنه لا يجب على أي واحد منهم ترك المجموعة لأي سبب كان، وبالتالي يجب عليهم اتباع تعليماته بالحرف الواحد، وإلا تحول هذا المكان الصحراوي الجميل واللطيف إلى مكان مميت· بدأوا يقتربون من القصر الأول، وكانت إنجي متلهفة للوصول للتعرف على ماضيه وطبيعته الجغرافية والتاريخية· 
 
كان الوصول إلى كل القصور متاحاً عبر الطرقات التي شقت لها؛ لكن للوصول إلى تلك الأماكن بواسطة الأحصنة تطلب أخذ مسارات مختصرة عبر الصحراء، مما جعل الرحلة أكثر تشويقاً ولكن أكثر صعوبة· بيد أن المسار الذي اختاره علي كان سهلاً بالنسبة للأحصنة مقارنة بالطرق المعبدة· لقد حذرهم علي من أن بعض تلك المسارات هي أيضاً طرقات مستخدمة من قبل قطاع الطرق والمهربين الذين ينشطون بين الأردن والدول المحيطة بها كالسعودية، العراق، سوريا وغيرها من البلاد· ولذلك كان دائماً يذكرهم بمغبة الالتزام بالمسار الذي رسمه وعدم الانحراف عنه· بعيداً عن هذا المسار، يمكن للمجموعة أن تواجه ليس فقط خطر الرمال والرياح بل أيضاً الخارجين عن القانون والمهربين أيضاً· 
صفحة 6
يبعد قصر الخرانة خمسة وخمسين كيلومتراً عن العاصمة عمان· على الرغم من أنه يمكن الوصول إليه عبر طريق عمان-الأزرق، فلقد نصبت المجموعة خيمها على بعد عشرة كيلومترات من القصر في الليلة السابقة لوصولها إليه، وبالتالي كان الطريق يمتد جنوباً قبل أن تمر ببعض التلال الصخرية وتتجه بعدها بشكل متعرج شمال شرق البلاد· لقد بُني هذا القصر في أواخر القرن السابع، ولكن حافظت الدولة عليه بشكل ممتاز، مما أعطاه طابعاً رومنسياً ومحيراً أكثر من أي قصر آخر موجود في الصحراء· يتألف القصر من طبقتين ويشبه الحصن المدعم بجدران حجرية متينة تتداخل فيها الأقواس الدائرية والأبراج في زواياه· مثل معظم القصور الصحراوية، لم يتم الانتهاء من بنائه· لقد بنيت جدرانه من الطين الجاف والرمل الطري ويبلغ عرضه حوالي خمسة وثلاثين متراً، وبالتالي فهو يعتبر من القصور الصغيرة الحجم· يتميز القصر بواجهته المقوسة التي تشكل المدخل الوحيد للمبنى· يحتوي أيضاً على غرفتين كبيرتين من كل الجهات، يفترض أنها كانت إسطبلات وغرف تخزين بقرب المدخل· أما في الداخل، فيتضمن القصر إحدى وستين غرفة تشرف على الباحة المركزية، ومعظمها مصمم على شكل أجنحة مؤلفة من أربع أو خمس غرف تتصل بباحة كبيرة· 
 
يتفرع من الفناء المركزي سلّمان طويلان يؤديان إلى الطابق الثاني والسقف· ما زالت بعض الغرف في الطابق الثاني محافظة على هندستها المعمارية الأصلية مع أعمدة خشبية وأفريزات مزخرفة وردية الشكل، وقبة نصف دائرية مع زخارف ونقوش جميلة· بناء على الطابع المعماري للقصر، يبدو وكأنه تأثر بالهندسة السورية والعراقية· أما الطابق الثاني فهو غير مكتمل· على الرغم من طابعه الدفاعي المخصص للحرب، يعتقد علماء الآثار المعاصرون بأنه لم يكن عبارة عن قلعة عسكرية· يحتوي القصر على فتحات لرمي السهام ولكنها موجودة في أعلى الجدران وضيقة جداً لكي تكون فعالة للرماة· يعتقد الكثير من الناس بأن هذا القصر كان مخصصاً للاجتماعات السياسية، حيث كان الأمويون وزعماء العشائر يجتمعون فيه لكونه مكاناً خاصاً وسهل الوصول إليه· لقربه من أحد أهم المعابر التجارية بين السعودية والأزرق، يعتقد بأن قصر الخرانة كان ملتقى التجار والقوافل؛ إذ لا يوجد أي بناء آخر بجانبه مما زاد من غرابة موقعه، إذ إن هذا القصر كان ليشكل مركزاً لمجموعة أكبر من الأبنية والمساكن· أشارت بعض الكتب السياحية إلى أن هذه القصور الصحراوية بنيت بعيدة مسافة يوم واحد بعضها عن بعض، لتشكل نقاط استراحة للمسافرين والصيادين في الصحراء· لكن التصميم الهندسي المترف يدل على أنها كانت مخصصة للمسافرين النبلاء· 
 
لقد حفظت إنجي كل تلك التفاصيل من النشرات التي وزعت على المجموعة، وخلال الساعات الطويلة التي كانوا يقطعون فيها مناطق جرداء لا مناظر فيها ولا حياة· وأخيراً، بعد أن اجتازوا وادياً ومروا بقرب تلال ضخرية متعرجة، وصلوا إلى مسطح بازلتي واسع يتوسطه قصر الخرانة· كان القصر عبارة عن كتلة خمرية اللون قابعة في وسط السهل؛ فبدا صغير الحجم ومنعزلاً عن محيطه· كانوا يبعدون عنه مسافة عشرين دقيقة لكنهم استطاعوا رؤية السياح يتمشون فيه لاكتشاف السقف والجدران والتقاط الصور التذكارية· أوقف علي مسيرة القافلة لبرهة من الوقت وطلب من الذين يريدون التقاط الصور من بعيد أن ينزلوا عن أحصنتهم ويفعلوا ذلك قبل أن يصلوا إلى القصر· 
صفحة 7
لم تكن إنجي بحاجة للنزول لالتقاط الصور، إذ أخرجت كاميراتها الرقمية من سراج الحصان وبدأت بالتقاط الصور خلال ثوان معدودة، وبعدها أرجعتها إلى مكانها· بعد خمس دقائق، انطلقت القافلة مجدداً إلى السهل البازلتي، وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلوا إلى القصر وترجلوا عن أحصنتهم· عمد الحمالون إلى إخراج الشوفان والشعير لإطعام الأحصنة؛ أما إنجي فأخذت كاميرتها من السراج وعلقتها حول عنقها· 
 
مططت إنجي ساقيها ومن ثم قرفصت لبضع دقائق، وبعدها انحنت قليلاً وريضت كل عضلاتها من كثرة الشد الذي اختبرته خلال الرحلة· ألقت نظرة خاطفة على السهل الأسود الواسع المحيط بالقصر، وبعدها لاحظت كم هي بعيدة عن قريتها راينلاند التي ترعرعت فيها· كانت القرية عبارة عن مزرعة تقع على ضواحي غوبلنز قرب مدينة ويزبادن، وكانت واحدة من الأمكنة القليلة في ألمانيا التي نجت من الدمار الذي جلبته الحرب العالمية الثانية· لقد تمكن أهالي البلدة من صدّ كل التدخلات الأجنبية دون أن يلفتوا الانتباه إليهم أو يشتركوا في الحركات التدميرية الذاتية التي ألحقها النازيون بأنفسهم في ألمانيا· لقد كانت البلدة تتبع الفكر الاشتراكي الديمقراطي في سياساتها، والدين اللوثري والليبرالية في سياساتها الاجتماعية· 
 
لقد تربت من قبل أهلها على حب المجتمع الأهلي الذي يحيط بها، والاعتزاز بكل ما يؤمن به المجتمع ويعتبره صائباً، حتى ولو كان العالم الآخر غير مقتنع به· كما كان لديها انتماء قوي بمحيطها وناسه، وكل ما يربط هؤلاء الناس بعضهم ببعض· لقد رباها أهلها على الاعتقاد بأن كل الناس تسعى إلى الأشياء نفسها في الحياة؛ الانتماء للمجتمع وتكوين العائلة والحرية وبالتالي الحب· وعلى الرغم من اختلاف عادات الناس وثقافاتهم ودياناتهم فلا يوجد أي سبب يدعو للاعتقاد بأنه يوجد إنسان أفضل من الآخر بشكل عام· لقد آمنت بكل تلك التعاليم بقناعة تامة، وحملت تلك الأفكار والمبادئ معها في المدرسة والجامعة، حيث حصلت على شهادة في علم الثقافات الإنسانية مع اختصاص في علم الآثار· لكنها لم تتمكن من إيجاد وظيفة في اختصاصها، ومع ذلك رغبت بمتابعة هذين الاختصاصين في أقرب فرصة تسنح لها· وما إن علمت بهذه الرحلة حتى حزمت أمتعتها للرحيل مباشرة· بالطبع، تدربت إنجي على ركوب الخيل منذ أن كانت صغيرة، إذ كانت تعيش في مزرعة وتركب عربة الخيل التي كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة بعد الحرب· كانت هناك أسباب أخرى وراء قيامها بهذه الرحلة تتعلق بوظيفتها الجديدة، ولكنها أبقت هذه الأسباب خاصة بها لا يعلم بها أحد في الوقت الحاضر· 
 
هل ستعمدين إلى التقاط الصور لهذا المكان الجميل؟ قال علي بصوت عالي النبرة باللغة الإنكليزية وبلكنة أردنية· التفتت إنجي إلى الوراء فرأت علي على صهوة حصانه العربي الفحل بلونه الرمادي المتموج·
صفحة 8
يعتقد المواطنون الأصليون الذين يؤمنون بالخرافات بأن هذه هي مهمة الكاميرا بالتحديد· هل أنت منهم؟
 
المواطنون الأصليون أم هؤلاء الذين يؤمنون بالخرافات؟ أجاب علي فلمعت أسنانه الناصعة البياض تحت شمس الصحراء، التي أظهرت أيضاً اسمرار بشرته الداكنة· 
 
مواطن أصلي· نعم، أعترف بذلك· لكن مؤمن بالخرافات! أعتقد بأنها كلمة كبيرة· لكن هل أومن بأن الكاميرا تلتقط وتحتجز روح ما تراه؟ كلا، لا أعتقد ذلك··· اقترب منها وبدا وكأنه يريد إلقاء نظرة على كاميرتها· رفعت إنجي الغطاء عن الكاميرا وسلمته إياها· كان رجلاً وسيماً، في عز شبابه ولكن من نظراته الثاقبة يشعر المرء بأن لديه حكمة الرجال الكبار· لقد أُعجبت به مباشرة· تمعن علي بالكاميرا وتفحص خصائصها بهدوء لمعرفة كيفية استعمالها· 
 
إنها رقمية! أي لها وحدات تصويرية كافية لتعطي صورة نقية جداً، علق علي بينما كان يرجع الكاميرا لإنجي· أعتقد بأنك ستلتقطين صوراً جميلة بواسطتها·
 
لكن ماذا عن التاريخ···؟ قالت إنجي وهي تتناول الكاميرا منه· ليس باستطاعة كل صور العالم أن تخبرك بأي شيء مما حدث هنا· وكيف أثرَ ذلك على حياة الذين عاشوا هنا من قبل· 
 
نعم، هذا صحيح، قال علي· إذاً ماذا تريدين أن تعرفي؟
 
أموراً ليست موجودة في الكتيبات السياحية، أجابت إنجي· أشياء لا تقولها للسياح· نظر إليها علي متأملاً وبدأ يفكر بشيء يقوله لهذه المرأة الجميلة الواقفة أمامه· 
 
هل تذكرين التلة المنخفضة الارتفاع التي مررنا بقربها قبل قليل؟ سأل علي إنجي· أومأت إنجي برأسها وبدت مهتمة· 
 
في الطرف الشمالي من تلك التلة هناك إسطبل قديم كان المهربون يربطون خيولهم فيه، بينما كانوا ينتظرون التجار· لا نخبر السياح عن هذا الإسطبل لأننا نشك بأنه ما زال المهربون يستخدمونه لتلك الغايات حتى الآن· صبت إنجي كامل اهتمامها على الوجهة التي أشار علي إليها· حسناً، هذا خبر جيد يستحق أن تعرف عنه، إذ كانوا على مشارف الطريق القديم الذي ما زال يستخدمه المهربون· لقد تيقنت إنجي منذ البدء بأن هذه الرحلة ستكون مغامرة عظيمة بالنسبة لها، لكنها لم تتوقع أن تكون محظوظة بمعرفة هذه الأسرار منذ اليوم الأول· 
 
حقاً، أجابت إنجي محاولة أن تبدو مهتمة بشكل عادي، ولكن ليس إلى حدّ الانبهار· ابتسم علي ومسك بيدها وبدأ يروي لها تاريخ القلعة والمهربين في الصحراء خلال القرن الماضي، وبينما هما يدخلان القلعة بدأ يشرح لها تاريخ المعالم المثيرة التي يمرون بها·
صفحة 9
 لقد كانت إنجي مسحورة بتلك الروايات الحديثة التي تحاكي التاريخ القديم المكتوب للقصر·
 
 وبالطبع أنهى علي حديثه في الوقت الذي كان يساعد إنجي على امتطاء حصانها بعد انتهاء الجولة السياحية الخاصة· جعلت الحرب في العراق من معابر التهريب هذه مكاناً أكثر خطورة؛ إذ سيطر فدائيو صدام على الكنوز المهربة من وإلى العراق، وأصبحت العائلات القديمة التي كانت تهرب البضائع على هذه المعابر خاضعة لسيطرتهم· لقد وجدت إنجي هذه المعلومات عن التاريخ الحديث لهذا المكان مثيرة للاهتمام، وخاصة عند معرفتها بأنه كانت هناك عائلات حقيقية تعتاش من تهريب البضائع عبر الحدود لأجيال طويلة· بدا لها الأمر عملاً إقطاعياً وبعيداً عن العادات المعاصرة للأردن، ولكنها لاحظت أهمية تلك العمليات لبقاء العائلات في ذلك الوقت· في النهاية، التهريب هو شكل من أشكال التجارة غير القانونية وإن السوق السوداء كانت بلا شك تساهم في حصة لا بأس منها من اقتصاد كل دولة في هذه المنطقة· 
 
أستطيع تخيل ذلك الأمر، علقت إنجي وهي تركب حصانها· كانت المجموعة تستعد للرحيل- إذ أمضت حوالي ثلاث ساعات في القلعة وهي تتجول فيها وتلتقط الصور، وتتمتع بالمناظر الأثرية الخلابة للبناء- للسير مجدداً نحو القصر التالي· 
 
كانوا متجهين الآن إلى قصر عمرة، وكان عليهم السير لمسافة خمسة عشر كيلومتراً في الصحراء الواسعة قبل الوصول إلى الطريق الرئيسية التي تؤدي إلى القصر الثاني ضمن رحلتهم· لكن وجب عليهم قطع مسافة سبعة كيلومترات فقط للاستراحة قبل حلول الليل· بينما هم يغادرون قصر الخرانة، كانت إنجي ترسم في ذهنها الطريق الذي يسلكونه، وموقع التلة المنخفضة من الزاوية الشمالية· لقد لاحظت بأنهم يسيرون بشكل عرضي نحو الشمال الشرقي، وبالتالي فإن المكان الذي سيخيمون فيه يقع على بعد مسافة بضع ساعات من محطة التقاء المهربين· بينما كانوا يسيرون بدأت الشمس بالمغيب شرقاً، فرسمت خيالات المجموعة على الرمال كخطوط موشحة بالسواد ممتدة لأميال في الصحراء على طول الأفق الشرقية· قبل حوالي ساعة من مغيب الشمس خلف العاصمة عمان، رفع علي يده إيذاناً بتوقف القافلة لنصب الخيم· 
 
أقفل أحمد ملحم، المتحدر من عائلة عمانية متأصلة في التهريب منذ خمسة أجيال، جعبته المليئة بالسوائل، والتي كان يحملها عند قيامه بمثل هذه الرحلات· تجوب شاحنته التويوتا الفور رانر بسلاسة على الطريق السريع، الذي يقطع المسطح البازلتي والرملي للوصول إلى محطة الالتقاء الواقعة في شمال غرب قصر الخرانة· بعدها سيعمد إلى ملاقاة راكبي الجمال الذين يتوجهون في الوقت نفسه إلى محطة الالتقاء· لقد تنقلت العربات التي تتبع له في الصحراء دون أن تنير مصابيحها، مع العلم أن القمر كان ما زال صغيراً· كان السائقون يلبسون نظارات للرؤية الليلية أميركية الصنع حصلوا عليها من دولة قطر· لم يخشَ أحمد أن يلاحظه أحد من المارة؛ إذ لا يمر العديد من المسافرين على هذا الطريق في الليل، وخاصة بعد اجتياح الأميركيين وقوات التحالف للعراق في الشرق· يمكن أن نلاحظ مسافرين يذهبون في الاتجاه نفسه، ولكن ليس بالعكس نحو عمان، وخاصة ليس لحدود هذه المناطق· 
صفحة 10
كان أحمد يقود قافلة من عشر شاحنات تويوتا فور رانر، وكان يعرف الطريق عن ظهر قلب· كان بحاجة إلى هذا العدد من الشاحنات؛ لأن الوسيط أخبره بوجود حمولة كبيرة آتية من العراق· لقد أعطت الحرب مبرراً إضافياً للسكان المهربين أن يهربوا بضائع أكثر، وخاصة مع غياب الأمن والرقابة· 
 
لقد أراد أحمد الاستفادة من عملية الشراء تلك، إذ كان ينوي بيع ثلاثة أجهزة اتصال لاسلكية كان يستعملها للتواصل مع السائقين الآخرين التابعين له· مع العلم أنه ينتمي إلى سكان العاصمة العمانية المدنية والعصرية الطابع، لكنه كان يتمتع بقيامه بتلك الرحلات في الصحراء باتجاه الشرق، وخاصة في تلك المنطقة من الأردن، حيث يشعر أي شخص بصفاء الذهن والروح ويتوحد مع الطبيعة المنعزلة والوعرة· 
 
الحمد لله، قال أحمد وهو يقطع الأميال للوصول إلى المحطة· لم يكن متديناً كثيراً ولكنه كان يرى نفسه كشخص روحاني؛ ولذا كان يعتقد بأنه لا يجب نسيان ذكر الله في الأمور الروحانية· لقد كان أحمد غنياً ومتعلماً ومهرباً للبضائع الفخمة· 
 
كان على إنجي أن تنتظر جميع من في المخيم لكي يناموا حتى تتوجه نحو مرقد الأحصنة· عمدت إلى تهدئة حصانها بالهمس في أذنه وطمأنته، وبعدما سرجته سارت بجانبه لبعض الياردات حتى ابتعدت عن المخيم فركبت حصانها وانطلقت· من حسن حظها أن الأحصنة لم تجفل وتفضحها؛ إذ كانت معتادة على البشر، ولكن كان عليها أن تأخذ حذرها قدر المستطاع· انشغلت إنجي بالتفكير في ردة فعل علي عندما يعرف بأنها تسللت في الليل لزيارة محطة المهربين في وسط الصحراء· 
 
وجهت إنجي الحصان باتجاه الغرب نحو التلال المنخفضة التي أرادت زيارتها· أخذت وقتها في تحديد النجم القطبي، وللتأكد من أنها ما زالت على المسار الصحيح، فهي حاولت أن تبقيه على مسافة معينة من كتفها اليمنى عندما كانت تمتطي حصانها· لقد كانت هذه الطريقة الأنجح التي تعملتها من والدها للحفاظ على مسار مستقيم، عندما كانوا يجوبون جبال الألب البافارية في صغرها· بعد أن تأكدت من أن المخيم أصبح بعيداً عنها، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يسمعها، أطلقت العنان لحصانها لتصل بسرعة إلى المكان المنشود· لكنها عرفت بأن الحصان لن يستطيع السير على المنوال نفسه كل المسافة، وبدأت بعد بضع مئات من الأمتار بالسير باعتدال؛ إذ لاحظت بأن المسافة المتبقية لا تزيد على أربعة كيلومترات· ولذا ستستغرق باقي الرحلة حوالي ساعة ونصف الساعة للوصول إلى المكان أي قبل منتصف الليل·