eKtab
EN ع
العرب والقطب الياباني
اقرأ عينة مجانية

العرب والقطب الياباني

بقلم د. علي سيد النقر

صفحة 1

المقـــدمة : نحو مداخل جديدة لدفع العلاقات العربية اليابانية

مع حلول القرن الحادي والعشرين وبروز الاهتمام العربي بتحديد القضايا ذات الأولوية والموضوعات الاستراتيجية في نطاق بناء السياسات العربية للتعامل مع المستقبل، تجد أن العلاقات العربية اليابانية تعد أحد الموضوعات الرئيسية موضع الاهتمام من جانب مراكز صنع القرار والدراسات الاستراتيجية بهدف التعمق في دراستها وتحديد مداخل تدعيمها وتطويرها.

وفى الواقع فإن هناك العديد من الأبعاد التي تشكل أهمية موضوع الكتاب:-

_ أول هذه الأبعاد هو الوزن المتزايد لليابان في النظام الدولي بالأخص النظام الاقتصادي فعلى الصعيد الاقتصادي يزداد حجم الناتج الإجمالي القومي للنمو بالمقارنة بالنواتج الإجمالية لدول العالم المتقدمة الأخرى، ومنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، كما أن حجم الاحتياطي النقدي لليابان يزداد عن حجم الاحتياطي النقدي لأية دولة من دول العالم الأخرى – فضلاً عن أن اليابان تأتى في المركز الأول من بين دول العالم في إنتاج العديد من السلع الصناعية الرئيسية مثل الآلات والسيارات والسفن.

وعلى الصعيد العلمي أيضاً تتعدد المؤشرات التي تؤكد تفوق اليابان علمياً وتكنولوجياً بما يضعها ضمن أبرز الدول في هذا المجال.

ثم هناك أحد الأبعاد الهامة الرئيسية الأخرى لتنامي قوة اليابان في النظام الدولي وهو سعي اليابان إلى تعظيم دورها الخارجي خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي وهو ما يتضح من خلال عدة مؤشرات أهمها سعى اليابان إلى الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن وهذه المسألة أصبحت تقع على رأس أولويات السياسة الخارجية باعتبار أن اليابان مؤهلة أكثر من غيرها من الدول للحصول على هذه المكانة.

وكذلك مشاركة اليابان في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في عدة مناطق للصراعات في العالم وذلك بعد أن كانت اليابان تتمسك بعدم إرسال أي من قواتها إلى الخارج حتى تحت مظلة الأمم المتحدة.

ومن المؤشرات الأخرى الدالة على سعى اليابان إلى تعظيم دورها العالمي تزايد دور اليابان في عدد من مناطق العالم التي لم تكن تدخل في نطاق الاهتمامات الرئيسية للسياسة الخارجية اليابانية، ومن هذه المناطق الشرق الأوسط وأفريقيا فضلاً عن تولي العديد من اليابانيين مناصب دولية هامة في المنظمات والمنتديات الدولية الكبرى (مثل منصب مدير عام اليونسكو).

وارتباطاً بما سبق فإنه يدور نقاش داخل مراكز الأبحاث ومؤسسات صنع القرار اليابانية والأجنبية حول إمكانيات التزايد في الدور العالمي لليابان بما يسمح بالتوازن بين وضعها الاقتصادي كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم ودورها السياسي العالمي الذي لا يتناسب مع وضعها الاقتصادي.

_ والبعد الثاني يتعلق بعصر القطبية الأحادية وتأثيراته على المصالح العربية، حيث تعرض العديد من المصالح العربية للآثار السلبية لتحيز القطب الأوحد ضد هذه المصالح في العديد من القضايا ومنها القضية الفلسطينية مما يستلزم السعي إلى تدعيم العلاقات مع القوى الصاعدة في النظام الدولي ومنها اليابان، لإحداث توازن في علاقات العرب بهذه القوى بما يخدم المصالح العربية.

- أما البعد الثالث فيرتبط بالسياسات الخارجية لدول منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على المصالح العربية وتوازنات القوى في المنطقة، حيث تتوجه إسرائيل إلى تدعيم علاقاتها بدول أسيا الصاعدة على وجه العموم واليابان على وجه الخصوص يتطلب السعي إلى تدعيم العلاقات مع هذه الدول ما يؤدى إلى تحقيق التوازن في سياسات هذه الدول تجاه منطقتنا وبما لا يتعارض مع المصالح والقضايا العربية.

- والبعد الرابع يتمثل فى أن هناك ندرة في الدراسات العربية عن العلاقات العربية الأسيوية والعلاقات العربية اليابانية على وجه الخصوص وذلك رغم وجود اتجاه في السنوات الأخيرة للاهتمام بهذه الدراسات، مما يعتبر أحد العوامل الدافعة إلى الاهتمام بدراسة العلاقات العربية اليابانية.

صفحة 2

وأبرز هذه الأهداف التي يسعى إليها هذا الكتاب:-

1. تقديم دراسة تحليلية متكاملة للعلاقات العربية اليابانية بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية.

2. إبراز العوامل التي شكلت وأثرت في تطور العلاقات العربية اليابانية في مختلف المجالات وطبيعة تأثيرها حتى لو كانت سلبية مع التركيز على حقبة التسعينيات وما تلاها.

3. السعي إلى التنبوء بأوضاع العلاقات مستقبلاً انطلاقاً مما تفرضه المحددات الواقعية لهذه العلاقات.

كما يسعى هذا الكتاب إلى الإجابة على التساؤلات الرئيسية المثارة عن العلاقات العربية اليابانية سواء على المستويين الأكاديمي والعلمي.

وأبرز هذه التساؤلات: ما هي الأسباب التي أدت إلى إحجام اليابان عن القيام بدور رئيسي في القضايا السياسية العربية بالأخص القضية الفلسطينية؟ وما هي أسباب عدم التوازن بين تنامي العلاقات الاقتصادية بين الجانبين في بعض المجالات وضعف هذه العلاقات في المجالين السياسي والثقافي؟ وما هي المداخل المتاحة لتدعيم العلاقات العربية اليابانية في مختلف المجالات؟

ويتناول هذا الكتاب العلاقات العربية اليابانية في أربعة فصول.

_ يتناول الفصل الأول الإطار التاريخي للعلاقات العربية اليابانية ويتضمن دراسة تطور هذه العلاقات في المراحل التاريخية المختلفة والعوامل المؤثرة على هذا التطور.

_ ويتحدث الفصل الثاني عن العلاقات السياسية بين اليابان ودول العالم العربي ويتناول تطور المواقف اليابانية الدبلوماسية من القضايا السياسية العربية ومواقف اليابان من الصراع العربي الإسرائيلي وقضايا الخليج في الآونة الحالية، فضلاً عن مواقف الدول العربية من مسألة عضوية اليابان الدائمة بمجلس الأمن.

_ أما الفصل الثالث فيحدد تناول أبعاد العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية واليابان وهى التجارة والمعونات والاستثمارات سواء بين اليابان والعالم العربي على وجه العموم أو بين اليابان وكل دولة عربية تفصيلاً.

_ ويناقش الفصل الرابع العلاقات الثقافية بين اليابان والعالم العربي وهى تتضمن دراسة الجوانب المختلفة لهذه العلاقات وهى التبادل الطلابي والتعاون من خلال مؤسسة اليابان بالإضافة إلى المنح الثقافية اليابانية لدول العالم العربي ووضع المراكز الثقافية في نطاق العلاقات بين الجانبين.

ويرى هذا الكتاب أن العالم العربي قد وقع فى خطأ استراتيجي رئيسي فى التعامل مع اليابان وهو التركيز المبالغ فيه على الدور السياسي الذى يجب أن تقوم به اليابان فى القضايا السياسية العربية بالأخص القضية الفلسطينية واعتبار أن ذلك هو المحك الأكبر فى قياس مدى تحقيق الاستفادة من وضع اليابان كقوة عالمية كبرى دون إعطاء المكانة المناسبة للعلاقات مع اليابان فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والتى تشكل موضع قوة اليابان فى النظام الدولى.

صفحة 3

الفصـل الأول

الإطار التاريخي لتطور العلاقات العربية اليابانية

مقدمة

يتناول هذا الفصل التطور التاريخي للعلاقات العربية اليابانية خلال المراحل التاريخية المختلفة حتى وقتنا الحاضر، ويسعى هذا الفصل إلى تحديد الخصائص التي اتسمت بها العلاقات العربية اليابانية خلال كل مرحلة وتحديد الأسباب التى أدت إلى ندرة أو ضعف التفاعلات بين الجانبين خلال معظم مراحل التاريخ حتى العصر الحديث ومظاهر وأبعاد ودوافع اهتمام كل جانب بإقامة علاقات مع الجانب الآخر فى العصر الحديث وذلك حتى الفترة الحالية.

المحور الأول: جذور العلاقة

يرجع البعض الجذور الأولى للاهتمام الياباني بالعالم العربي إلى القرن السادس الميلادي حيث نجد التشابه بين الحضارة الهيلينية والمعابد البوذية كما هو ملاحظ من معبد هوريجي في نارا باليابان الذي يشبة إلى حد كبير الفن المساري في الإسكندرية (1)، كما يشير البعض الآخر إلى أن التجار العرب كانوا قد وصلوا إلى الصين، وبصفة خاصة مدينة تشوان تسو والتي سميت باسم عربي هو جانفو كما أشار إليها ابن قرطبة في كتابه المسالك والممالك وزارها الرحالة الإسلامي الشهير ابن بطوطة وقد تلاقى كثير من التجار العرب مع اليابانيين الذين كانوا يدرسون البوذية أو يتلقون تدريبات عسكرية في هذه المدينة (2).
ارتباطاً بما سبق فقد أشارت دراسات أخرى إلى أنه كان هناك بعض الاتصالات المحدودة بين العالم العربى واليابان عبر الصين وكوريا خلال القرن السادس الميلادى، وقد استمرت عبر عدة قرون من الزمان وإن لم تكن هناك تأثيرات حضارية كبيرة بين الجانبين (3)، فبالنسبة إلى اليابان كانت منطقة شرق آسيا منذ القرن السادس هي مصدر تأثيرات حضارية على اليابان تدفقت عليها بكثافة حيث كانت منطقة شرق آسيا وحدها هي مصدر العديد من النظم والقيم والتقاليد اليابانية كالنظام الملكي الصيني الذي تركز فيه كل السلطات وحاولوا تغيير نموذج الحاكم الوطني الياباني من حكم يتمتع بوضع شبه مقدس إلى حاكم زمني مثل الحاكــم الصيني، كما نقلت اليابان عن الصين نظام الكتابة الصيني الذي طورته اليابان ليصبح ملائماً لها(4).
لقد ركزت اليابان أيضاً على نظام المؤسسات الصينية وكتبت ما عرف وقتها باسم الدستور الذى تضمن التعاليم البوذية الصينية، كما نقلت عن الصين نظام ملكية الأراضى ونظام الضرائب وتعلمت من الصين وكوريا الموسيقى الاوركسترالية والرقص وهما من الفنون التى حافظت اليابان عليها حتى اليوم كأقدم ما عرفه العالم من فنون الموسيقى وتقاليد الرقص الأصيلة.
وقد استمرت جهود اليابانيين لنقل أبعاد التقدم الصينى حتى القرن التاسع حيث أخذت فى التضاؤل ولكن حركة النقل أثمرت مفعولها فى تحول اليابان من منطقة قبلية متخلفة إلى منطقة متحضرة وبستوي منحها رخصة التأهيل لأن تكون عضواً كاملاً فى أرقى حضارة عرفها العالم القديم حضارة النموذج الصينى – التى كانت قد بدأت تثبت للعالم فى ذلك الوقت أن الصين هى أكثر أمم العالم تقدماً على المستويين السياسى والاقتصادى على مدى ألف عام تقريباً.
غير أن القرن الثالث عشر شهد بروز عدد من التفاعلات وأوجه التبادل بين اليابان ودول العالم الإسلامي بشكل عام ودول منطقة الخليج على وجه الخصوص عن طريق الزيادة والتنامي في الانتقالات بين الجانبين وزيادة عدد المسافرين (5)
وخلال القرن 16 بدأت اليابان في التعرف على شؤون العرب من خلال دخول البرتغاليين والأسبان إلى أراضيها وبواسطة هؤلاء الأوربيين استنبط اليابانيون كلمات جديدة عربية الأصل مثل جوبان من جبهة باللغة العربية وميرنيسو من كلمة موصلى أو موصل والواقع أن كلمةميرنيسو أصبحت داخلة بشكل متكامل فى اللغة اليابانية حتي أن اليابانيين أقلعوا فيما بعد عن اعتبارها كلمة دخيلة عليهم. (6)
غير أن تبنى حكومة توكو جادو سياسة انعزال اليابان عن العالم فى عام 1639 بعد إقرار هيمنتها على البلاد وذلك خوفاً من انتشار الدين المسيحي بين اليابانيين أدى إلى توقف الاتصالات بين اليابان والعالم العربي(7)
وقد امتدت الاجراءات التى قامت بها الحكومة اليابانية لفرض العزلة إلى إصدار قرار فى عام 1636 يمنع اليابانيين الذين يعيشون فيما وراء البحار من العودة إلى بلادهم خشية أن ينشروا جرثومة المسيحية من جديد فى اليابان.
ومن ثم اقتصر بناء السفن على القوارب الساحلية التى تناسب رحلات المحيط الطويلة وتقلصت المراكز التجارية فيها فلم يبقى منها سوى مركز هولندى صغير ومجموعة من التجار الصينين كانوا خاضعين للمراقبة اليابانية الدقيقة كما لم تتعرض اليابان خلال هذه المرحلة للغزو الخارجى.
ورغم العزلة التى عانت منها اليابان فإن مناخ السلام والاستقرار فى هذه الفترة أتاح لليابانيين فرصة العمل على تطوير وتجديد تراثهم الثقافى الثرى وزيادة تجانسهم الحضارى وتعميق الإحساس بذاتيتهم القومية.
وقد استمرت سياسة الانعزال التى عرفت باسم ساكوكو أو الأبواب المغلقة سارية لمدة 220 سنة لم يتوسع خلالها نطاق اهتمام اليابانيين بالعالم الخارجي ما عدا فى حالات استثنائية نادرة(8)، ويذكر من هذه الحالات أنه كانت لدى بعض اليابانيين فى أوائل القرن الثامن عشر معرفة جزئية وغير متكاملة عن أهرامات الجيزة ،كما أن عدداً محدوداً من الصينيين والبرتغاليين كان يتم السماح لهم بالدخول إلى اليابان عن طريق جزيرة كيوتشو(9)، وبشكل عام يمكن القول إن تعرف اليابان على العرب قبل بداية عصر مايجى 1848 تم بصورة غير مباشرةأو عبر طرف ثالث إلى أن جاء بروز الاتصال المباشر فى عهد المايجى كما سيتضح تفصيلياً(10).

صفحة 4

المحور الثاني: فترة حكم مايجى

وتنامى الاتصالات المباشرة بين الجانبين

فى عام 1853 اقتحم الأسطول الأمريكى ميناء طوكيو البحرى ليطالب اليابان بأن تفتح أبوابها للعالم، ودهشت اليـابان مـن تفـوق حضـارة الغرب (أوروبا وأمريكا )المتقدمة المتطورة وأخذت تسرع فى تحديث البلاد وهى تحتذى بحضارة الغرب كحضارة مثالية، ونتيجة لذلك انتقلت مراكز اهتمام اليابان بالعالم الخارجى جغرافياً وامتدت إلى أوروبا مجتازة الشرق الأوسط: وكان ذلك بعد زمن طويل ظل خلاله نطاق اهتمامهم مقتصراً على الصين والهند.
كما شهدت اليابان بعد تولى الامبراطور مايجى الحكم فى اليابان عام 1868 حركة واسعة من التحديث والإصلاحات فى نظام الحكم والإدارة استهدفت نقل اليابان من حالة التخلف والسيطرة الإقطاعية فى العصور الوسطى إلى بناء الدولة الحديثة على النمط الأوروبي فى ذلكالوقت (11).
وفى إطار هذه الحركة تم تشكيل الحكومة من وزارات على نمط وزارات الحكومات الغربية منها وزارة المالية ووزارتا الجيش والبحرية اللتان أصبحتا فى عام 1879 تماثلان هيئة أركان الحرب فى النموذج الألماني
كما بذل النظام كل الجهود لتحديث الاقتصاد الياباني وأقام نظاماً مصرفياً حديثاً وأصلح النظام النقدي وأصبحت الوحدة النقدية هى الين الياباني الذي كان يساوى فى ذلك الوقت نصف دولار تقريباً (12) أما فى مجال الصناعة فقد أقامت الحكومة بنفسها الصناعات الاستراتيجية مثل إنتاج الأسلحة والذخائر وتطوير التعدين كما قامت بدور رائد فى اقتحام مجال المصانع التجريبية فضلاً عن مجموعة متنوعة من الصناعات الأخرى (13).
ولتنفيذ هذه المشروعات الحديثة احتاجت الحكومة اليابانية إلى قدر كبير من المعرفة التقنية الغربية فأرسلت الطلبة فى بعثات خارجية لطلب العلم والمهارات الحديثة وأرسلت فى طلب خبراء غربيين ودفعت لهم أموالاً باهظة واتسمت تلك البعثات بالدقة الشديدة فى اختيار أعضائها فكانوا من أفضل النماذج الوطنية اليابانية فى كل المجالات التي اختيروا لها (14)
ولقد نشطت الدبلوماسية اليابانية منذ تلك الأوقات المبكرة فى التوجه نحو الشرق الأوسط وكانت مصر من أولى الدول التى حظيت باهتمام اليابان ليس فقط لكونها دولة غير غربية خاضت تجربة الإصلاح والتنمية منذ بداية القرن التاسع عشر ولكن أيضاً باعتبارها تضم الشريان الحيوى الذى يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس مما جعل مصر محطة وصل للاهتمام اليابانى بتجارب التحديث التى احتلت مركز الاهتمام الأول لدى المثقفين والسياسيين اليابانيين الذين كانوا يرتادون أوروبا من أجل البحث والثقافة والتعلم من الخبرات الأوروبية (15)
خلال عام 1892 فى عهد حكومة توكو جاوا توقف وفد يابانى برئاسة النبيل تاكيو شى ياسوتورى بمصر فى طريقه إلى أوروبا ومكث بها أربعة أيام .
وتوضح الرسومات المحفوظة بمكتب البرلمان اليابانى (الدايت) إعجاب هذا الوفد بالحضارة المصرية ولا سيما تشغيل السكك الحديدية والتلغراف اللذين لم تكن اليابان قد عرفتهما بعد
وبعد ذلك بعامين جاء وفد يابانى آخر إلى مصر استقبله الخديوى إسماعيل بقصره وأقام له حفل عشاء على شرفه (16).
كما أجرى الباحث اليابانى توكاى سانشى بحثاً شاملاً فى عام 1888 حول القوانين المصرية لتمهيد الطريق نحو تعديل المعاهدات غير المتكافئة مع اليابان ، وفى عام 1889 كتب ماراكاى الذى أصبح رئيساً للوزارء بعد ذلك كتاباً بعنوان المحاكم المختلطة المصرية، وكان الاهتمام المصرى على الجانب الآخر اهتماماً مماثلاً لحركة النهضة القومية فى اليابان حيث كتب الزعيم المصرى الوطنى مصطفى كامل كتاباً بعنوان البلاد المشرقة ، يدعو فيه إلى يقظة المشاعر المصرية ومقاومة الضغوط الأجنبية الغربية التى أخذت فى التزايد على مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر. (17)

صفحة 5

المحور الثالث: دور الإسلام واللغة العربية

في تطور العلاقات العربية اليابانية

كما شهدت العقود الأولى من القرن العشرين دوراً متنامياً لعنصري الإسلام واللغة العربية في تطوير العلاقات العربية اليابانية حيث توالى دخول اليابانيين في الإسلام ومنهم عبد الحليم نوا وخليل يامادا وبعدهما أحمد أريجا ثم توالى ذهاب اليابانيين إلى الحج فقد أدى أول حاج ياباني الفريضة في مكة المكرمة وهو عمريما أوكا عام 1909 ثم تلاه محمد نور تاناكا عام 1925 وصالح سوزوكي وحظى الأخير باجتماع مع المغفور له الملك عبد العزيز آل سـعود (18) وتم افتتاح أول مسجد في اليابان في كوبى 1935 وبعده مسجد طوكيو 1938وحضر افتتاحه المرحوم حافظ وهبة المفوض السعودي بلندن مندوباً عن المملكة وسيف الإسلام الحسن وزير الخارجية اليمني (19) مما يشير إلى الدور الرئيسى الذى لعبته المملكة العربية السعودية فى دخول الإسلام اليابان..
كما أنه عام 1900 بدأ صدور المؤلفات التي كتبها يابانيون يشرحون فيها الإسلام وشؤون المسلمين حتى تزايد في الثلاثينيات عدد المطبوعات من هذا النوع بما فيها المجلات التي كانت تصدرها مختلف المعاهد والمؤسسات بما يساعد على تمكين الإدارة الاستعمارية اليابانية منإدارة مستعمراتها التي يدين الكثير من سكانها بالإسلام (20).
كما اتجهت اليابان إلى الاهتمام بالدراسات الإسلامية ومن ثم العربية فأنشأت أربع هيئات علمية في هذا المجال وهي:- (21)
1- جمعية اليابان العظمى للدراسات الإسلامية:-
كان من أبرز الباحثين الذين مارسوا نشاطهم العلمي في إطار هذه الجمعية ما تسورا هياءو وارواناجا هيروش وقد تنوع اهتمام هذه الجمعية من دراسة الشريعة الإسلامية إلى دراسة العقيدة الإسلامية والتاريخ الإسلامي .
2 – معهد الدراسات الإسلامية:-
وكان بمثابة وحدة بحوث مرتبطة بشركة حديد جنوب منشوريا تهتم بدراسة أحوال مسلمي الصين وكان أبرز الباحثين فيها مايجيماشنجي الذي يعد رائد الاستعراب وشيخ المستعربين اليابانيين على الإطلاق.
3 - قسم البحوث بوزارة الخارجيـة اليابانيـة:-
إذ أن وزارة الخارجية اليابانية رأت ضرورة الاهتمام بدراسة اللغة العربية وهى تعد رائدة الاهتمام بدراسة اللغة العربية فعزمت منذ عام 1926 على إيفاد رجالها إلى مصر لتعلم اللغة العربية تمهيداً لإلحاقهم بالبعثات الدبلوماسية القائمة بالمنطقة
وكان أبرز من درسوا بمصر تامورا هيديجي السفير الأسبق لدى السعودية، كما اختير بعض ممن درسوا العربية للعمل بقسم البحوث بالخارجية اليابانية الذي ركز اهتمامه على دراسة تاريخ المنطقة العربية والثقافة الإسلامية والأدب العربي (22).
وقبل انتهاء القرن التاسع عشر ظهر أول كتاب يدرس فى اليابان على ذكر العالم العربى يقول الكتاب "هناك ضريح لمحمد فى القدس ومحمد هو مؤسس المسيحية" ويبدو أن هذا المقطع يشير إلى طبيعة ومدى المعرفة اليابانية للمنطقة بما يمكن معه القول إن الفهم اليابانى للعالم العربى كان لا يزال ضيقاً حتى مشارف القرن العشرين وكانت العيون اليابانية متجهة أكثر إلى الغرب.
4- جمعية أبحاث الباسيفيك اليابانية:-
وكانت تضم بعض اليابانيين المهتمين بالدراسات الاجتماعية المتصلة بالعالم الإسلامي خاصة المنطقة العربية وكذلك الآداب العربية والإسلامية (23).
كما كانت الاهتمامات المبكرة من جانب اليابان بالعالم العربي مع مطلع القرن العشرين تعكس تنامي القوة اليابانية من ناحية والاهتمام الياباني المتزايد ببترول منطقة الشرق الأوسط والتجارة العالمية من ناحية ثانية (24)، فلقد كانت اليابان المنتصرة في الحرب العالمية الأولى من بين الدول التي وقعت معاهدات فرساي بعد الحرب كما شاركت في مؤتمر القوى الأوربية (سان ريمو) في عام 1920 وهو المؤتمر الذي أقر وأقام نظام الانتداب البريطاني في كل من فلسطين والعراق وشرق الأردن، والانتداب الفرنسي في كل من سوريا ولبنان الأمر الذي يفسرحقيقة تنامي القوى اليابانية منذ بداية هذا القرن ومشاركتها القوى والنفوذ مع الدول الأوربية السائدة في ذلك الوقت (25)
ولقد تنبهت اليابان من ناحية ثانية إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعتبر من المناطق الهامة للصراع الدولي بما تحويه تلك المنطقة من منابع هامة للطاقة والبترول وبما تمثله أيضاً من أهمية للتجارة العالمية (26) وفي عام 1926 كتب سيجي تاكي شيجا كتاباً بعنوان (البلاد غيرالمعروفة ) أشار فيه إلى أن اليابان يمكن أن تتفهم دوافع المد القومي داخل المنطقة العربية وذلك بالنظر إلى سعي القوى الغربية إلى السيطرة على منابع الطاقة والبترول فيها (27)، وأشار (شيجا) إلى أن القوة الاقتصادية في الغرب قد تحولت من الاعتماد على الفحم وصناعات الحديد والصلب إلى صناعات تعتمد بالأساس على البترول وتنبأ بأن منطقة المشرق العربي يمكن أن تتحول إلى وضع شبيه بدول البلقان بعد الحرب العالمية الأولى وأن بؤرة الصراع الدولي قد تحولت بالفعل من الغرب إلى الشرق.(28)

صفحة 6

المحور الرابع: الخلفية التاريخية للعـلاقـات الاقتصــاديــة

تطورت العلاقات اليابانية مع العالم العربي بما يعكس اهتماماً متزايداً من جانب اليابان نحو الحصول على القوة والنفوذ داخل هذه المنطقة الهامة من العالم، فلقد كان القطاع الخاص الياباني نشطاً في استيراد المواد الخام من المنطقة ومصر خاصة حيث كانت صناعات غزل ونسيج القطن اليابانية وبصفة خاصة شركة نيبون مينكا من أوائل الشركات التي سعت إلى أسواق القطن المصرية في موانئ بور سعيد والإسكندرية (29) ومع تزايد النشاط التجاري لها قامت شركة نيبون مينكا بافتتاح أول مكتب لها في الإسكندرية في فبراير 1923، وفي عام 1929تم افتتاح أول خط ملاحي بين يوكوهاما ومينائى بورسعيد وعدن تحت إشراف الشركة الملاحية اليابانية (نيبون يوسن كيشا) بالإضافة إلى شركات ملاحية يابانية أخرى مثل شركة ياماشتا وشركة ميتسوبيشي للتجارة وغيرها من الشركات اليابانية.(30)
كما جاء افتتاح أول قنصلية لليابان في الشرق الأوسط في مدينة بورسعيد في عام 1919 بهدف تأمين وحماية السفن اليابانية تتويجاً لتلك الاهتمامات اليابانية المبكرة بمصر الملكية التي زارها الأمير هيروهيتو في أبريل 1921 والأمير تاكاماتسو في مايو 1930والأمير كاياوعقيلته في أبريل 1934(31)
ومع تزايد حركة التجارة اليابانية مع أوروبا وبعض دول الشرق الأوسط قامت اليابان بإنشاء أول قنصلية عامة لها في الإسكندرية في عام 1926 الأمر الذي تبعه افتتاح مصر لقنصلية لها في مدينة كوبي عام 1928 بعد أن كانت اليابان قد قامت بالمبادرة باعترافها باستقلالالمملكة المصرية في عام 1922. (32)
وبعد 1922 وخلال الثلاثينيات بدأ بروز علاقة تنافس بين صناعة اللؤلؤ اليابانية وصناعة اللؤلؤ فى منطقة الخليج العربى، حيث أنه بعد أن بدأت اللآلئ الصناعية اليابانية غزو الأسواق العالمية للؤلؤ حتى واجهت صناعة اللؤلؤ فى منطقة الخليج العربى خسائر كبيرة.
وعلى مستوى التفاعلات الفردية بين العرب واليابانيين زار سلطان عمان الأسبق تيمور آل سعيد اليابان عام 1940 وظل بها حتى ما قبل الحرب العالمية الثانية وتزوج من يابانية وأنجبت له الأميرة بثينة بنت تيمور.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي حملت معها الهزيمة الساحقة لليابان لتبقى اليابان في عزلة عن شؤون الشرق الأوسط والعالم العربى منشغلة عن ذلك بإعادة البناء الداخلي وظلت اتصالات اليابان بالشرق الأوسط قليلة وغير بارزة الأهمية، حتى أنه عندما كانت اليابان تحصل علي كميات هائلة من نفط المنطقة - لمواكبة نموها الاقتصادي السريع - كانت تحصل على ما تريده من بترول المنطقة عبر الوسطاء (33).
غير أنه بعد سبعة أشهر من حصولها على الاستقلال في عام 1952 بادرت اليابان بإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع مصر في ديسمبر من نفس العام وفتحت مفوضيتها في القاهرة واستطاعت اليابان أن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع كل من العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربيةالسعودية وبادرت اليابان باستعادة علاقاتها الدبلوماسية مع تركيا (34) وقد بدأت اليابان في تقرير مساعدتها المالية للاجئين الفلسطينين اعتباراً من عام 1953 وذلك بعد أن كانت اليابان قد اعترفت بإسرائيل في عام 1952(35).
وبالرغم من هذه البدايات المبكرة لظهور الاهتمام الياباني بالمنطقة العربية عموماً ومصر على وجه الخصوص، إلا أن اهتماماً يذكر لم يتقدم بخصوص تدعيم هذه العلاقات على أساس أكثر واقعية، وكما بادرت اليابان باستعادة علاقاتها الدبلوماسية مع عدد كبير من البلدان العربية فإن برنامجاً للتدريب الدبلوماسي بوزارة الخارجية اليابانية كان قد استؤنف في عام 1953 نحو تدعيم الاهتمام بالمنطقة العربية ومع ذلك فإن جهوداً لم تذكر بخصوص إنشاء قسم متخصص للتعامل مع دول المنطقة قبل عام 1961 عندما تأسس قسم للشرق الأدنى والأوسطوأفريقيا (36)
وكما هو واضح من تطور العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والعالم العربى خلال تلك الفترة أن اليابان كانت مهتمة اهتماماً أساسياً ببناء اقتصادها الداخلي وأن منطقة الشرق الأوسط كانت تأتي على قائمة الاهتمام الأقل للدبلوماسية اليابانية في إطار تعاملها مع متغيرات البيئة الدولية (37)
وعلى الرغم من اعتماد اليابان على أكثر من 80 % من إجمالى استيرادها النفطى من الخارج على بترول الشرق الأوسط قبل عام 1973، إلا أن دبلوماسية اليابان قد تميزت بتأمين احتياجاتها من خلال الاعتماد على الشركات الأمريكية والأوروبية في تأمين الحصول على الطاقة وذلك بالرغم من قيام بعض الشركات اليابانية خصوصاً شركة النفط العربية بتوقيع اتفاقات امتيازات نفطية مع المملكة العربية السعودية في عام 1957، والكويت في عام 1958 كما نشطت الدبلوماسية اليابانية في مجال تأمين الحصول على إمدادات ثابتة ورخيصة نسبياً من أسواق البترول العربية (38).

نشطت الدبلوماسية اليابانية أيضاً في إزالة الحواجز التجارية التي كانت تعترض دخول البضائع اليابانية إلى الأسواق العربية وبصفة خاصة الأسواق المصرية (39).
وفى ديسمبر عام 1953 وقعت اليابان اتفاقية خاصة بنظام المقاصة مع مصر استطاعت اليابان بمقتضاها تجنب الرسوم الجمركية المقدرة على البضائع اليابانية المصدرة إلى مصر بحوالي 40% الأمر الذى ترتب عليه تطبيق نظام المقاصة التجارية بين البلدين لمدة خمــسسنوات إلى أن تم استبدال هذا النظام بنظام آخر للمبادلات النقدية عام 1958 (40)
وهكذا فإن اليابان قد استطاعت حتى نهاية الخمسينيات أن تضع أسس استعادة ما فقدته فى العالم العربى فى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية ولكن مع ظهور تحولات أساسية في أنماط التجارة وشركائها التجاريين داخل المنطقة حيث حصلت دول غنية بالبترول مثل الكويت والمملكة العربية السعودية على اهتمام أكبر من جانب اليابان وذلك على حساب الدول كثيفة السكان مثل مصر(41)
ويجدر الإشارة إلى أنه خلال تلك الفترة طرأ تغيير على بنية الصناعة والاقتصاد اليابانيين من الاعتماد على القطن كمصدر رئيسي للغزل وصناعة المنسوجات إلى الاعتماد على الألياف الصناعية التى يتم تصنيعها من النفط مما ترتب عليه تغير في أهمية الدول المصدرة إلى اليابان داخل المنطقة كي تحل دول مثل المملكة العربية السعودية والكويت وإيران محل الأهمية التجارية لمصر التي تحولت إلى شريك أقل للتجارة خصوصاً على جانب الصادرات إلى اليابان.
وبصفة عامة فقد تحولت أهمية المنطقة التجارية من كونها تمثل سوقاً هامة للسلع والصادرات اليابانية قبل الحرب (5 % في عام 1935 إلى أن أصبحت تمثل 4,4% في منتصف الخمسينيات) (3.5 % في منتصف الستينيات) (42).
وعلى عكس اتجاه صادرات المنطقة إلى اليابان مثلت وارداتها تزايداً ملحوظاً حيث حققت الواردات اليابانية تزايداً بعد الحرب عنه في فترة ما قبل الحرب من 2,2% في عام 1935 إلى 7.6 % في العام 1972 أي العام السابق على أزمة البترول الأولى في عام 1973(43)
كما تميزت هذه المرحلة أيضاً بفصل متغيرات السياسة عن متغيرات الاقتصاد إلى حد كبير وذلك على اعتبار أن اليابان قد تعاملت مع مشكلات المنطقة العربية عموماً ومشكلة الشرق الأوسط وفلسطين بوجه خاص من منطلق أن الحصول على إمدادات كافية من البترول العربي لا يتطلب بالضرورة تدخل اليابان إلى جميع مشكلات المنطقة خصوصاً تلك المشكلات السياسية (44)
وبشكل أكثر خصوصية تطورت العلاقات المصرية اليابانية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بما يعكس الاهتمام المتزايد من جانب الدبلوماسية اليابانية تجاه مصر، فلقد تحولت مصر خلال فترة الخمسينيات والستينيات إلى أن تكون مركزاً لتطور العلاقات اليابانية مع العالم العربي بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية ولقد كانت مصر من الدول الموقعة على معاهدة سان فرانسسيكو عام 1952 والتي أقرت استقلال اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وخضوعها لاحتلال قوات الحلفاء تحت قيادة الجنزال ماك آرثرالأمريكي–(45) كما كانت مصر مركزاً هاماً لمرور التجارة اليابانية إلى أوروبا وتمتعت بمركز متقدم في السياسات الإقليمية والعالمية بما تبنته من سـياسة نشطة في مجال القومية العربية من ناحية وسياسة عدم الانحياز من ناحية أخرى (46).

صفحة 7

الفصل الثانى

تطور ومضمون توجهات العلاقات السياسية بين العالم العربي واليابان

المحور الأول: تطور مواقف الدبلوماسية

اليابانية تجاه القضايا العربية

يمكن القول بصفة عامة إن علاقات اليابان السياسية بالمنطقة العربية قد مرت بأربع مراحل للتطور اختلفت خلالها ردود الفعل اليابانية ومواقف الدبلوماسية اليابانية تجاه قضايا المنطقة العربية عموماً والصــراع العربي – الإسـرائيلي خصوصاً (47)،حيث برز اتجاه اليابان إلى اعتبار المنطقة العربية فى بعض المراحل أحد مجالات الاهتمام التقليدي الأوروبي ومن ثم فإنه من الصعوبة تحقيق المنافسة فيها
ومن ناحية أخرى اعتبرت اليابان منطقة الشرق الأوسط من المناطق التى يصعب التعامل معها وذلك سواء لنقص الخبرة الخاصة بالتعامل مع شعوب المنطقة وثقافتها المتنوعة أو بالنظر إلى ما ترتبه علاقات الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية لتأمين مصادر الحصول على الثروات الطبيعية من هذه المنطقة (48) وسوف نتناول هذه المراحل على النحو التالى.
المرحلة الأولى :-
تمتد إجمالاً فى الفترة من 1950 إلى 1960 ولقد تميزت هذه المرحلة مع بدايتها بزيادة الاهتمام الياباني بالمنطقة العربية ،حيث اعترفت اليابان بإسرائيل في العام 1952 كما قامت اليابان بتقرير بداية المساعدات المالية للاجئين الفلسطينيين اعتباراً من العام التالي (1953)(49)وعلى الرغم من هذه البداية المبكرة لظهور الاهتمام الياباني بالمنطقة العربية إلا أن هذه الاهتمامات كانت بطبيعتها اقتصادية حيث أن اليابان لم تنشئ قسماً للتعامل السياسي مع دول المنطقة إلا بعد عام 1961 عندما تأسس قسم الشرق الأدنى – الأوسط وأفريقياالذي تطور بعد ذلك إلى إدارة للشرق الأوسط وأفريقيا وذلك عام 1965 (50).
أما بخصوص الاعتماد الياباني على بترول المنطقة العربية فإن إمدادات اليابان من البترول العربي لم تتعرض خلال هذه الفترة لمشكلات حادة مما جعل اليابان تعتمد على الشركات الأمريكية والأوروبية في مجال الإمدادات البترولية للصناعات اليابانية (51).
وبصفة عامة فقد تميزت ردود الأفعال اليابانية تجاه القضايا السياسية العربية بمحاولة موائـمة السلوك الياباني لمقتضيات المصلحة الاقتصادية لليابان من جانب والعلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من جانب آخر، وعلى ذلك فإن بعض المحللين رأوا أن جميع المواقف اليابانية خلال تلك الفترة كانت تتميز بالسلبية وعلى أحسن التقديرات بالحياد السلبي من جانب اليابان تجاه العديد من القضايا العربية (52)
ومن بين الأمثلة على هذه المواقف الموقف اليابانى بعد حادث مطار اللد فى إسرائيل عام 1972 عندما لقى إسرائيليون مصرعهم فى هجوم قام به ثلاثة يابانيون ينتمون إلى الجيش الأحمر اليابانى (53) وكان أول أبعاد رد الفعل اليابانى قيام رئيس الوزراء بالاتصال برئيسة الوزراء الإسرائلية جولدا مائير حيث قدم لها اعتذاراته وعرض عليها التعويض المالي للضحايا (54)، ثم قامت اليابان في نفس الوقت بإرسـال مبعوثها الخاص للاعتذار إضافة إلى الاعتذار الـذي أدلى به رئيس وزرائها لجولدا مائير (55).
هذه السياسة اليابانية كانت تلقى استياءً بالغاً في العالم العربي وهو ما اتضح من تحذير الملك فيصل لرئيس وزراء اليابان في أثناء زيارة الملك فيصل لليابان عام 1972 من أن سياستها إزاء المنطقة تنتهج أسلوباً أعمى مرتبطاً بالسياسة الأمريكية (56).
المرحلـة الثانيـة: مرحلة التغيير (1973-1982 )
ولكن بعد نشوب حرب أكتوبر وقيام العرب بفرض حظر نفطي اتجهت اليابان إلى تغيير سياستها إزاء المنطقة وكان هذا التغير قد بدأ بسعي من السيد ياسو هيرو ناكاسونى – وزير التجارة الدولية والصناعة في ذلك الوقت ورئيس الوزراء فيما بعد- لـدى كاكوى تاناكا رئـيس الوزراء وإقناعه بضرورة تغيير السياسة اليابانية إزاء المنطقة، كما قام السيد نيكايدو بدور بارز في هذا المجال حيث قام بزيارة جميع مسؤولي الحكومة والقيادة السياسيين المختصين لتحقيق وفاق في الرؤية انتهى بقرار تاريخي بتبديل سياستها تجاه الشرق الأوسط العربي(57)، وكان هذا القرار سريعاً وحاسماً لا يتماشى مــع خصائص اليابـان المعـروفة ببطء عملية الوفاق في سياق اتخاذ القرارات المهمة ويفسر د.ياسومازا كورودا هذا التغير في السياسة اليابانية بأنه كان محاولة للتكيف مع حظر النفط العربي وأصبحت اليابان مجبرة على صياغة سياسة شرق أوسطية أكثر اعتدالاً تجاه العرب وأكثر استقلالاً عن سياسة الولايات المتحدة وقد دعت هذه السياسة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية مـن جميع الأراضي العربية المحتلة سنة 1967 والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني (58).

 

صفحة 8

ويمكن القول إن هذا التغير الجذري غير المعهود في السياسة اليابانية إنما جاء وليد حسابات مصلحة يابانية أملت عليها ضرورة التكيف مع تطورات صراع المنطقة فجاء البيان الياباني مؤيداً لوجهة النظر العربية ومبتعداً لأول مرة عن الرؤى السياسية الأمريكية، وهو الأمر الذي استمر لفترة قصيرة لاحقة إذ سرعان ما عادت السياسة اليابانية بعد انفراج أزمة النفط إلى السير في انتهاج السياسة المتوازنة إزاء الصراع العربي الإسرائيلي (59).
فكانت تنادي بحق إسرائيل في الوجود بسلام وتقيم معها علاقات دبلوماسية طبيعية ومنحت مكتب منظمة التحرير في طوكيو الصفة الدبلـومـاسية التى كـان يفتقدها، ولكن مع عدم الاعتراف بكونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ولكنها تعترف في نفس الوقت بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وكذلك بحقهم في تشكيل حكومتهم الخاصة بهم وتعتبر اشتراكهم فى عملية السلام بين مصر وإسرائيل ضرورة ملحة (60).
ولقد تميزت هذه المرحلة إجمالاً بتأييد المواقف الدبلوماسية العربية مثل تأييد حق تقرير المصير للشعب الفسلطيني والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بعد عام 1967 ولقد عملت الدبلوماسية اليابانية خلال تلك الفترة على استقطاب العديد من الدول العربية الفاعلة على مستوى السياسة الإقليمية كما هى الحال بالنسبة إلى كل من مصر والكويت والسعودية،كما تحولت القيادة اليابانية إلى الإعلان الصريح عن تأييد الحق العربي.
ولكن على الرغم من هذه السلوكيات من جانب الحكومة اليابانية نحو تبني مواقف الدبلوماسية العربية وتأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني إلا أن هذه الإعلانات لم تكن تعبيراً عن موقف خاص لليابان تجاه القضايا العربية بقدر ما مثلت استجابة للضغوط العربية وبصفة خاصة نتيجة للزيارة التى قام بها الملك فيصل إلى اليابان في أعقاب حرب أكتوبر في عام 1975(61)
المرحلـة الثالثـة : المرحلة الانتقالية (1982 –1990)
ولقد تميزت مواقف الدبلوماسية اليابانية خلال تلك الفترة بتزايد المد السياسي نحو إسرائيل وإهمال المنطقة العربية، وعلى الرغم من محاولة الدبلوماسية اليابانية تحقيق نوع من أنواع التوازن بين تدعيم العلاقات اليابانية الإسرائيلية والاستمرار فى تأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني إلا أن جانب الاهتمام بالقضايا العربية لم يمثل تطوراً في هذه الفترة (62) وفي عام 1984 قام السكرتير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية بزيارة إلى اليابان ترتب عليها إنشاء رابطة الصداقة الإسرائيلية اليابانية كما ترتب عليها التمهيد لقيام رئيس الوزارءالإسرائيلي بزيارة طوكيو في عام 1986 (63) وهنا مرة أخرى – فإنه كما هى الحال بالنسبة إلى تحول الدبلوماسية اليابانية تجاه العالم العربي بعد أزمة البترول الأولى حفاظاً على المصالح الاقتصادية اليابانية فإن التحول في المواقف اليابانية تجاه إسرائيل إنما يفسر إلى حد كبير تنامي المشكلات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وتزايد حدة النقد داخل الكونجرس تجاه العديد من السياسات التجارية لليابان (64).
المرحلـة الرابعـة : الموقف الياباني تجاه أزمة الخليج وتداعيات مرحلة ما بعد الأزمة
أظهرت الدبلوماسية اليابانية تردداً واضحاً تجاه مشاركة القوى الأخرى في التدخل لحل النزاع العراقي – الكويتي الأمر الذي يؤكد بصراحة وعلانية عدم تدخل اليابان في حلبة الصراع الدولي حتى هذه الفترة (65) وفي محاولة للتغلب على القيود القانونية والـدستورية المتعلقة بوضع اليابان كدولة سلمية ( المادة 9 من الدستور الياباني ) اتجهت اليابان إلى تأييد الجهود العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب من خلال تقديم المساعدات المالية التي تزايدت من مجرد تقرير مبلغ 100 مليون دولار لمؤازرة الجهود العسكرية مع بداية الأزمة إلى 4بليون دولار إبان الحشد العسكري لمواجهة الاحتلال العراقي للكويت لكي تصل إلى 9 بليون دولار في الأسابيع القليلة السابقة على اندلاع العمليات العسكرية في 17 يناير 1991 (66).
وتعـكس ردود الأفعال اليابانية إبان الأزمة ومـا بعـدها التوجهات الخاصة بالإدارة اليابانية في محاولة التغلب على ما يشوب العلاقات اليابانية – الأمريكية من مشكلات حـادة في التـجارة بين البلدين مـن جانب كما يعكس أيـضاً التردد الياباني في الاعتراف بمعطيات مرحلة ما بعد الحرب الباردة بما تفرضه من إطار أوسع للتعايش داخل العلاقات الدولية حيث أن تقرير هذا المبدأ يعني التقليل من أهمية الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية كأحد العوامل الهامة في تقرير الاستراتيجية اليابانية بالخارج (67)
ومن ناحية أخرى فإنه على الرغم من أن قرار الحكومة اليابانية لمؤازرة الجهود العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب في مواجهة العدوان العراقي على الكويت قد ساعد حكومة اليابان على تلافي العديد من الانتقادات من قبل حلفائها الأمريكيين والغرب إلا أن الاعتقاد العام من جانب الشعب الياباني ما زال يعتبر أن الاستخدام الفعلي لأدوات القوة العسكرية في مواجهة النزاعات الدولية ليس من الأدوات المقبولة لمواجهة الأزمات الدولية (68)
وهكذا فإنه بينما استطاعت الحكومة اليابانية موائمة السلوك الخارجي لها مع حلفائها الغربيين إلا أن حدود وإمكانات المشاركة الفعلية لليابان كانت مرتبطة إلى حد كبير بخصائص الخبرة التاريخية لها ونمط التفاعلات الداخلية وأخيراً وليس آخراً بطبيعة الاتجاهات اليابانية والرافضة للانقياد المباشر للإرادة الأمريكية وهو ما سيتم شرحه بالتفصيل خلال القسم الرابع من هذا الفصل (69).

صفحة 9

المحور الثاني : توجهات السياسة الخارجية اليابانية

بعد الحرب الباردة وانعكاساتها على المنطقة العربية

اتسمت بداية حقبة التسعينيات ببروز توجهات جديدة لسياسة اليابان الخارجية ودورها العالمى وذلك على نحو لم يكن موجوداً خلال الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى.
فقد اتسمت السياسة الخارجية اليابانية ودورها العالمى بخصائص وسمات محددة ميزتها عن السياسات الخارجية لدول العالم الأخرى وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث اتسمت تلك السياسة بالامتناع عن اللجوء للقوة العسكرية وعدم استخدام الأداة العسكرية فى سياستها الخارجية وذلك فى ظل دستور ينص على نبذ اللجوء للحرب ويحرم زيادة الموازنة العسكرية عن 1% من إجمالى الناتج القومى اليابانى، كما اتسمت أيضاً بالاعتماد بشكل أساسى على الأدوات الاقتصادية وبالأخص المعونات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية لليابان سواءالاقتصادية أو السياسية أو الاستراتيجية وظل الدور العالمى لليابان خلال هذه المرحلة محدوداً يركز على المجالات الاقتصادية ومن خلال المؤسسات الاقتصادية الدولية على وجه الخصوص(70) ويضاف إلى ما سبق أن التحالف مع الولايات المتحدة مثل خصيصة رئيسية للسياسة الخارجية اليابانية وتوجهاً إليها وشكل الاعتماد على الولايات المتحدة الضمانة الرئيسية والأولى لتحقيق الأمن اليابانى وضمان تدفق إمدادات المواد الخام اللازمة للصناعة اليابانية وبالأخص البترول (71). غير أن بيئة السياسة الخارجية اليابانية شهدت منذ منتصف الثمانينيات تحولات جوهرية دفعت اليابان إلى إعادة النظر فى توجهاتها التقليدية وأهم هذه التحولات هى نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية، والتى كانت دافعاً لليابان إلى أن تقوم بعدة تغيرات فى سياستها الخارجية ودورها العالمى يمكن إجمالها فى عدة أبعاد رئيسية تشمل فيما يتعلق بالسياسة الخارجية تنويع أدوات السياسة الخارجية بحيث يتم الاعتماد على الأدوات الدبلوماسية فى إطار توسيع دورها العالمى بجانب الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية اليابانية وإن ظلت المعونات الاقتصادية على وجه الخصوص هى أهم أدوات هذه السياسة بعد الحرب الباردة.
كما ازداد اهتمام اليابان بممارسة دور عالمى فى المجالات السياسية والأمنية وهو لم يكن موجوداً خلال مرحلة الحرب الباردة.
واهتمت اليابان بعد الحرب الباردة بتطوير تحالفها مع الولايات المتحدة بحيث يستمر هذا التحالف مع توجهها إلى أن تكون سياستها أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة وأكثر اعتماداً على ذاتها فى تحقيق أهدافها ومصالحها وذلك عن فترة الحرب الباردة التى اتسمت بالاعتماد على الولايات المتحدة فى تحقيق مصالحها الخارجية. (72)
وقد أدى انتهاء الحرب الباردة ووقوع حرب الخليج الثانية إلى فتح النقاش داخل اليابان حول مستقبل دورها الجديد فى الشؤون السياسية والأمنية العالمية وفى عملية صنع القرارات الخاصة بها مقابل ما تقدمه من مساعدات لدول العالم الثالث وبما يتناسب مع حجم مساهمات اليابان فى ميزانية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى المرتبطة بها، وقد طرحت حرب الخليج الثانية سؤالاً على صانع القرار اليابانى يتعلق بما إذا كانت اليابان سوف تتمسك بالطابع السلمى الذى يعد أحد السمات الأساسية للدستور اليابانى كنتيجة لهزيمتها فى الحرب العالمية الثانية، أم أنها ستكون مضطرة إلى الانضمام إلى قوات التحالف الدولى وإرسال قوات عسكرية إلى الخارج تحت ضغوط الولايات المتحدة وبما يسمح لها بالحفاظ على إمدادات الطاقة من المنطقة. (73)
كذلك أثارت أزمة الخليج الثانية إشكالية الموازنة بين محدودية الدور السياسى لليابان مقابل مكانتها الاقتصادية الكبيرة كثانى أكبر اقتصاد فى العالم وحاولت الحكومة اليابانية خلال الأزمة المساهمة فى جهود التحالف الدولى فى عملية تحرير الكويت بشكل يتجاوز الأداة التقليدية المتمثلة فى الجانب الاقتصادى. وكان السؤال الرئيسى الذى واجهته اليابان فى تلك الفترة يتمثل فى أسلوب وضعية المساهمة اليابانية فى حرب تحرير الكويت . فقد طرحت الحرب تساؤلات عديدة تتعلق بطبيعة وحجم المساهمة ودور اليابان المصاحب لحرب الخليج فى مناقشة موضوع حق الدفاع الجماعى آخذاً فى الاعتبار المادة التاسعة من الدستور اليابانى التى تمنع إرسال قوات يابانية خارج حدود اليابان، رغم ما يكفله ميثاق الأمم المتحدة من حق الدفاع الجماعى لليابان.
خلقت أزمة الخليج شعوراً بالمرارة والإحباط لدى السياسيين والأكاديميين وبين الرأى العام اليابانى نتيجة الانتقادات التى وجهتها الولايات المتحدة ودول التحالف لمساهمة اليابان خلال حرب تحرير الكويت بأنها جاءت ضئيلة ومتأخرة ، رغم أن هذه المساهمة بلغت 13 مليار دولار منها: 11 مليار للدعم اللوجيستى لقوات التحالف الدولى وحوالى 2 مليار دولار كمساعدات للدول الإقليمية المتضررة من الحرب كمصر والأردن وتركيا وهو ما يساوى حجم مساهمة الحكومة الكويتية المالية فى حرب التحرير.
وأسهمت أزمة الخليج فى تغيير إدراك الشعب اليابانى لدور بلدهم فى الشؤون العالمية ، فمنذ عام 1945 كان الرأى العام اليابانى يرى أن اليابان مجرد دولة لها دور محدود فى الشؤون السياسية والأمنية الدولية، غير أن هذا الإدراك طرأ عليه تغير منذ بداية التسعينيات ، فقد أصبحاليابانيون ينظرون إلى بلدهم باعتبار أنه عليه الدور الأكبر فى تحمل مسؤوليتها الدولية. (74)
كما دفعت أزمة الخليج النقاش داخل اليابان حول إمكانيات تعديل المادة التاسعة من الدستور التى تفرض قيوداً على إرسال قوات يابانية إلى الخارج، خاصة وأن عملية تعديل الدستور اليابانى تبدو معقدة من حيث أنها تتطلب تأييد ثلثى أعضاء البرلمان ثم إجراء استفتاء شعبى، والعمل على تهدئة مخاوف الدول الآسيوية من تصاعد النزعة العسكرية لليابان، الأمر الذى يجعل تعديل الدستور اليابانى أصعب بكثير من تعديل القانون الألمانى. وأسفر هذا الجدل فى عام 1999 عن الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة من مجلس النواب والمستشارين لدراسة موضوع تعديل الدستور لمدة خمس سنوات، على أن يتم طرح الموضوع للنقاش على مستوى الرأى العام فى اليابان.

صفحة 10

وشجعت الأزمة الحكومة اليابانية على اتخاذ خطوات إيجابية لرفع الحظر المفروض على إرسال القوات اليابانية منذ عام 1945 للمساهمة فى الأنشطة الدولية الأمر الذى كان بمثابة نقطة تحول فى السياسة الخارجية اليابانية. فقبل أزمة الخليج كان مؤيدو إرسال قوات إلى الخارج مجرد أقلية يمثلون التيار اليمينى المتطرف، فى حين أصبح هذا التيار يمثله الأكثرية داخل الحكومة والأحزاب السياسية اليابانية الرئيسية منذ ذلك الحين، وقد تم تمرير القانون الخاص بالمشاركة فى عمليات حفظ السلام فى البرلمان اليابانى فى ظل شروط معينة كما سيرد بيانها.كما نبهت أزمة الخليج الثانية الساسة اليابانيين بأن هناك توقعات كبيرة من جانب المجتمع الدولى بأن تلعب اليابان دوراً سياسياً عالمياً وليس مجرد دور اقتصادى، الأمر الذي وفر مناخاً مواتياً لتعميق الدور السياسى لليابان فى الشؤون العالمية، خاصة مع وجود تأييد شعبى واسع لهذا التوجه الجديد داخل اليابان نتيجة للأزمة (75).
كما تزايد دور اليابان فى الشؤون الأمنية العالمية بشكل ملحوظ كنتيجة لأزمة الخليج، فلأول مرة فى تاريخ اليابان منذ الحرب الكورية أرسلت الحكومة اليابانية كاسحات ألغام لمنطقة الخليج فى مارس 1991 بعد انتهاء حرب الخليج لمساعدة قوات التحالف الدولية على إزالة الألغام التى قد تعطل سير الملاحة البحرية فى الخليج، ومن ثم قد تؤثر على إمدادات النفط إلى اليابان، وقد تم اتخاذ هذا القرار فى ضوء عدة اعتبارات داخلية وخارجية أهمها : مطالبة اتحاد السفن وشركات النفط الحكومة اليابانية المشاركة فى عمليات إزالة الألغام خوفاً على مصالحها، وضغوط الولايات المتحدة على الحكومة اليابانية للمساهمة بالوسائل العسكرية في حرب تحرير الكويت ، حيث تلقت اليابان طلباً أمريكياً بهذا المعنى، وقد أظهر استطلاع الرأى العام اليابانى تأييد 75% لهذه الخطوة.(76)
ويمكن تحديد أربعة أبعاد رئيسية تشكل فى مجملها أبعاد الدور العالمي الجديد لليابان بعد الحرب الباردة وهي:
1) زيادة مساعدات التنمية الرسمية اليابانية للدول النامية:
تعد أداة المساعدات الرسمية بمثابة الأداة الرئيسية من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية اليابانية فى ضوء القيود التى يفرضها الدستور الياباني فيما يتعلق بنبذ الشعب الياباني للحرب كأحد حقوق السيادة ومنع استخدام القوة أو التهديد بها طبقاً لنص المادة التاسعة من الدستور اليابانى. ويتشكل هيكل المساعدات الرسمية اليابانية من ثلاث نوافذ : المنح وهي عبارة عن مساعدات غير نقدية لا ترد، والمعونة الفنية وتشمل برامج تدريب وإرسال خبراء وتقديم تجهيزات ومعدات بالإضافة إلى قروض الين وهي قروض ميسرة يتم سدادها على فترة طويلة تبلغ 40 عاماً وبفترة سماح 10 سنوات وأسعار فائدة منخفضة تتراوح بين 0.75% و 2.2% وتوجه عادة إلى مشروعات البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية.
تخطي قضية المساعدات الخارجية باهتمام واسع لدى صانعي السياسة والرأي العام فى اليابان كجزء من الاعتبارات العامة للسياسة الخارجية اليابانية، خاصة بالنظر إلى المبادئ الأساسية والأهداف التى يتم على أساسها تقديم هذه المساعدات. وعموماً فإن أية دولة تستخدم أداة المساعدات الاقتصادية لتحقيق عدة أهداف منها : التأثير فى السياسات الداخلية والخارجية للدول المتلقية للمساعدات بما يتوافق مع مصالح وسياسات الدول المانحة ، والسعي إلى الحصول على الدعم السياسي الذي تقدمه الدول النامية فى المحافل والمنظمات الدولية والإقليمية لتوطيد زعامة ونفوذ الدول المانحة على الساحة العالمية وهو ما ينطبق - كما سيلي شرحه - على حالة المساعدات اليابانية.
2) برامج المساعدات الرسمية اليابانية للتنمية:
أضحت اليابان – في ظل ما تخصصه من معونات ومساعدات اقتصادية للدول النامية – من أكبر الدول المانحة للمعونات والمساعدات الاقتصادية على مستوى العالم، ومن أبرز المجالات أو القضايا التى استهدفت اليابان التخفيف منها أو القضاء عليها بسلاح المعونات والمساعدات الاقتصادية خلال عقد التسعينيات (77)، ما يلي:
‌أ- الأزمة الاقتصادية فى آسيا، التى بدأت فى النصف الثاني من عام 1997 حيث تعرضت بعض الدول الآسيوية مثل أندونيسيا وتايرلاند وماليزيا وجمهورية كوريا لأزمة مالية نتيجة انخفاض أسعار عملاتها بشكل حاد وسريع ما لبث أن تحول فى مرحلة تالية إلى أزمة اقتصادية خانقة ، مما جعل اليابان تسرع فى تقديم المعونات الاقتصادية ، حيث أعلنت عن تقديم 80 بليون دولار كمعونة اقتصادية لهذه الدول، بالإضافة إلى إنشاء صندوق خاص برأس مال قدره 23 بليون دولار لتقديم المساعدات الفنية الضرورية لبرامج الإصلاح المالي فى هذه الدول ، وتقديمها مبلغ 12.6 بليون دولار فى إطار مبادرة "ميازوا" رئيس وزراء اليابان الأسبق- لتشجيع القطاع الخاص فى هذه الدول على التجارة والحفاظ على تدفق الاستثمارات الأجنبية اليابانية.
‌ب- أزمة المديونية والفقر فى أفريقيا: أعلنت اليابان عن مبادرتها للتنمية الأفريقية فى أكتوبر 1993 في أثناء عقد مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية (TICAD) وأتبعتها بإعلان خطة اليابان للتحرك فى مؤتمر طوكيو الدولي الثاني للتنمية الأفريقية فى أكتوبر 1998، وحددت فيها أهدافها لتنمية الدول الأفريقية والتخفيف من حدة الفقر والمجاعات. وتنطلق المبادرات اليابانية من عدة استراتيجيات تتمثل فى : التنمية الاجتماعية التى تضم الاهتمام بالتعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية وتنمية القطاع الخاص واتخاذ الإجراءات اللازمة لحل مشكلة الديون الخارجية لهذه الدول . وأعلنت اليابان فى إطار مبادرتها عن تقديم برامج مساعدات لأفريقيا خلال الفترة من 2002/2005 يصل إجمالي المبالغ المقدرة لها بحوالي 90 بليون ين بالإضافة إلى تقديم مستلزمات المدارس والتعليم لأكثر من مليوني طفل فى أفريقيا والعمل على تحسين الظروف المعيشية لأكثر من 15 مليون مواطن أفريقي.