صفحة 1
المقدمة
تنبع أهمية الكتاب من مثابات أساسية تضفي على الموضوع قيمة وريادة؛ وتحمل القارئ على التفكر في قضايا مهمة مرَّت بها الأمة العربية والإسلامية. ومثلت مرحلة خطيرة من مراحل تحولها السياسي والاجتماعي والفكري. ترتب عليه نتائج وتغيرات كثيرة كانت تستحق عناية مبكرة وتحليل معمق كي تنعكس نتائجها ايجابيا على الواقع المعاصر.
ويمكن إجمال هذه المثابات الأساسية بما يأتي:
1- يكشف الكتاب عن الاصطراع القيمي والفكري الذي حل بالمجتمع الإسلامي؛ متمثلا بالمجتمع المصري؛ إبان الاحتلال الفرنسي. حيث ترتب على ذلك الاحتلال أن واجه المجتمع الإسلامي ولأول مرة تحديا وتهديدا جعلاه يقف أمام نفسه وأحواله وجها لوجه. ولقد كانت مواجهة عسيرة وخطيرة في آن واحد؛ ذلك لأن الاختلاف العقائدي والفكري والثقافي شكل حافزا شديد الوطأة؛ نظرا لما حمَله من عنصر الاندهاش وهاجس الإحباط والاستفزاز معا. وذلك لأنه تأتى هذه المرة من أمم كان لها مواقف تاريخية محاط بصراعات عقائدية مع الأمة الإسلامية عبر قرون من الحروب الصليبية.
ما كان ذلك التحدي مجرد احتلال بل خرق لواقع كانت ألفته الأمة؛ وهي تعاني من احتلالات داخلية كثيرة، وانحطاطات سياسية واقتصادية وثقافية، لكنها لم تشكل استفزازا عقائديا ولا أخلاقيا؛ لأن مَن تسلط عليها كان يمثل ولو بصورة شكلية أو هامشية جانبا من روح الجامعة الإسلامية. فالمماليك أمراء مسلمون، والعثمانيون ملوك يستمدون مسوغاتهم الشرعية من فكرة الخلافة؛ بحسب الطرح الذي كانوا يطرحونه على الناس.
وهذا الحال من الاندهاش والانكسار لاشك أحدث حالة من الصراع الداخلي مراجعة الذات او على الأقل مقارنة الأحوال بالأحوال.
صحيح أن الأمة لم تكن تمتلك وقتها القدرة على التحليل المنظم والمقارن واستخلاص النتائج وتحديد المواقع إلا أن ذلك كله أحدث لديها رجة قوية ظهرت أثارها لاحقا على الصعيد الثقافي والإصلاح الديني والسياسي.
حاول الجبرتي من خلال كتابته التي عالجها الكاتب في هذا الكتاب تسجيل مشاهداته ورؤاه مع وصف للوقائع وسرد للأحداث تكشف لنا جانبا مما حدث وطبيعة ما حدث وسبب حدوثه او سبب عدم حدوثه.
2- وتأتي ريادة الجبرتي بعد قرون من الانقطاع في الابداع والكتابة التاريخية، إلا أنها ومهما كان منهجها وأهدافها وأسلوبها فهي تسجل لنا حدثا تاريخيا مهما.
حاول الكاتب في تحليلاته وضع الجبرتي في مساقين، المساق الأول يعبر عن قيمة فعل الكتابة التاريخية وطبيعتها آنذاك، ومدى مقاربتها او معارضتها مع الموروث السابق او مع ما سيرد لاحقا بعد الجبرتي بعقود. مبينا ما يكتنف منهج الجبرتي من ضعف وما لازمه من توفيق وما فاته من ملاحظات وضرورات تقتضيها الكتابة التاريخية.
2- يكشف منهج الكتاب عن تحليلات خطيرة تصور طبائع المجتمع المصري إبان الاحتلال بكل فئاته وانتماءاته ومستوياته. فضلا عن تحليل لسلوك المحتل ذاته وانعكاس تفعل الطرفين مع بعضهما البعض. وفضلا ذلك وقبله يكشف الكتاب عن طبيعة موقف رجال الدين من قضايا مهمة ذات مساس بصلب الدين الإسلامي، من مثل الحاكمية ومفهوم اللبرالية والنظام الجمهوري والولاء والثراء والمقاومة والإذعان.
ومع أن الكاتب لا يفصل تفصيلا في تحليل المواقف تلك وعرضها على طاولة النقد المباشر والتشريح الحر لكنه نجح إلى حد؛ كبير في إثارة الأسئلة التي سيجد القارئ إجابات عنها حين يتأمل طريقة طرحها ومعالجتها.
وإننا لنجد قصدية المؤلف واضحة في رمزياته عن المسكوت عنه في تلك الحوادث والأحوال، وما يعتريها الان من مواقف وتصورات وآراء، فوصفها وأعطى عليها أمثلة ليترك للقارئ ذاته تحديد المواقف واستنباط الأحكام فيها.
ومن ضمن الموضوعات المهمة التي طرحها الكتاب قضية التأثر العلمي والثقافي بالغازي؛ سواء التي حاول الغازي نفسه إحداثه في المجتمع المصري، او التي حدثت بحكم وقوع الحدث وفرض أحواله على الواقع آنذاك.
3- والكاتب إذ يستعرض مواقف العلماء والسياسيين من الاحتلال الفرنسي ويبين الاضطراب فيه فلكي يكشف حقيقة عن حالة الإرباك واختلاف المواقف من ذلك الحدث الكبير. وسيجد القارئ أن الجبرتي نفسه – وعلى وفق تحليلات الكاتب نفسه – قد تأثر بحالة الاضطراب والتذبذب في المواقف التي تسارعت الأحداث والظروف في رسمها على خارطة الواقع. إلا أن الكتاب يشير من طرائق غير مباشرة عن الأسباب الشخصية والموضوعية لذلك الاضطراب في التصور والمواقف التي عانى منها الجبرتي كما عانى منها الكثير من العلماء والسياسيين. والتي لا نجد من يرسم معالمها لنا سوى الجبرتي نفسه، مما يعزز قيمة كتابات لفرادتها ولسعتها النسبية.
4- إن مشكلة الآخر لدى الجبرتي اصطدمت بالكثير من القضايا منها عنصر المقارنة بين محتل متذبذب بين العدل والجور وبين الاستقامة والتحضر والفجور، وبين متسلط جثم على صدر المجتمعات الإسلامية وأشاع التشرذم والانقسام والظلم والتخلف والفقر.
ومشكلة الاخر من المشكلات التي ستفتح لاحقا أبوابا خطيرة كانت تحتاج إلى المزيد من المعالجات والقراءات والمواقف التي تفيد عملية الإصلاح والتواشج مع الآخر.
5- وليس من السهل في هذه المقدمة استعراض المنهج النقدي الذي طبقه الباحث بخصوص كتابات الجبرتي المتنوعة في التأريخ لفترة الاحتلال. لكنه على أية حال نجح إلى حد كبير في توثيق الزمني لتلك الكتابات من خلال التحليل النصي ومن خلال القراءة الداخلية للحدث، مع الاستعانة بما توافر لديه من مصادر أجنبية عززت مواقفه وتصوراته عن منهج الجبرتي وعن تطور مواقفه تجاه الأحداث.
تنبع أهمية الكتاب من مثابات أساسية تضفي على الموضوع قيمة وريادة؛ وتحمل القارئ على التفكر في قضايا مهمة مرَّت بها الأمة العربية والإسلامية. ومثلت مرحلة خطيرة من مراحل تحولها السياسي والاجتماعي والفكري. ترتب عليه نتائج وتغيرات كثيرة كانت تستحق عناية مبكرة وتحليل معمق كي تنعكس نتائجها ايجابيا على الواقع المعاصر.
ويمكن إجمال هذه المثابات الأساسية بما يأتي:
1- يكشف الكتاب عن الاصطراع القيمي والفكري الذي حل بالمجتمع الإسلامي؛ متمثلا بالمجتمع المصري؛ إبان الاحتلال الفرنسي. حيث ترتب على ذلك الاحتلال أن واجه المجتمع الإسلامي ولأول مرة تحديا وتهديدا جعلاه يقف أمام نفسه وأحواله وجها لوجه. ولقد كانت مواجهة عسيرة وخطيرة في آن واحد؛ ذلك لأن الاختلاف العقائدي والفكري والثقافي شكل حافزا شديد الوطأة؛ نظرا لما حمَله من عنصر الاندهاش وهاجس الإحباط والاستفزاز معا. وذلك لأنه تأتى هذه المرة من أمم كان لها مواقف تاريخية محاط بصراعات عقائدية مع الأمة الإسلامية عبر قرون من الحروب الصليبية.
ما كان ذلك التحدي مجرد احتلال بل خرق لواقع كانت ألفته الأمة؛ وهي تعاني من احتلالات داخلية كثيرة، وانحطاطات سياسية واقتصادية وثقافية، لكنها لم تشكل استفزازا عقائديا ولا أخلاقيا؛ لأن مَن تسلط عليها كان يمثل ولو بصورة شكلية أو هامشية جانبا من روح الجامعة الإسلامية. فالمماليك أمراء مسلمون، والعثمانيون ملوك يستمدون مسوغاتهم الشرعية من فكرة الخلافة؛ بحسب الطرح الذي كانوا يطرحونه على الناس.
وهذا الحال من الاندهاش والانكسار لاشك أحدث حالة من الصراع الداخلي مراجعة الذات او على الأقل مقارنة الأحوال بالأحوال.
صحيح أن الأمة لم تكن تمتلك وقتها القدرة على التحليل المنظم والمقارن واستخلاص النتائج وتحديد المواقع إلا أن ذلك كله أحدث لديها رجة قوية ظهرت أثارها لاحقا على الصعيد الثقافي والإصلاح الديني والسياسي.
حاول الجبرتي من خلال كتابته التي عالجها الكاتب في هذا الكتاب تسجيل مشاهداته ورؤاه مع وصف للوقائع وسرد للأحداث تكشف لنا جانبا مما حدث وطبيعة ما حدث وسبب حدوثه او سبب عدم حدوثه.
2- وتأتي ريادة الجبرتي بعد قرون من الانقطاع في الابداع والكتابة التاريخية، إلا أنها ومهما كان منهجها وأهدافها وأسلوبها فهي تسجل لنا حدثا تاريخيا مهما.
حاول الكاتب في تحليلاته وضع الجبرتي في مساقين، المساق الأول يعبر عن قيمة فعل الكتابة التاريخية وطبيعتها آنذاك، ومدى مقاربتها او معارضتها مع الموروث السابق او مع ما سيرد لاحقا بعد الجبرتي بعقود. مبينا ما يكتنف منهج الجبرتي من ضعف وما لازمه من توفيق وما فاته من ملاحظات وضرورات تقتضيها الكتابة التاريخية.
2- يكشف منهج الكتاب عن تحليلات خطيرة تصور طبائع المجتمع المصري إبان الاحتلال بكل فئاته وانتماءاته ومستوياته. فضلا عن تحليل لسلوك المحتل ذاته وانعكاس تفعل الطرفين مع بعضهما البعض. وفضلا ذلك وقبله يكشف الكتاب عن طبيعة موقف رجال الدين من قضايا مهمة ذات مساس بصلب الدين الإسلامي، من مثل الحاكمية ومفهوم اللبرالية والنظام الجمهوري والولاء والثراء والمقاومة والإذعان.
ومع أن الكاتب لا يفصل تفصيلا في تحليل المواقف تلك وعرضها على طاولة النقد المباشر والتشريح الحر لكنه نجح إلى حد؛ كبير في إثارة الأسئلة التي سيجد القارئ إجابات عنها حين يتأمل طريقة طرحها ومعالجتها.
وإننا لنجد قصدية المؤلف واضحة في رمزياته عن المسكوت عنه في تلك الحوادث والأحوال، وما يعتريها الان من مواقف وتصورات وآراء، فوصفها وأعطى عليها أمثلة ليترك للقارئ ذاته تحديد المواقف واستنباط الأحكام فيها.
ومن ضمن الموضوعات المهمة التي طرحها الكتاب قضية التأثر العلمي والثقافي بالغازي؛ سواء التي حاول الغازي نفسه إحداثه في المجتمع المصري، او التي حدثت بحكم وقوع الحدث وفرض أحواله على الواقع آنذاك.
3- والكاتب إذ يستعرض مواقف العلماء والسياسيين من الاحتلال الفرنسي ويبين الاضطراب فيه فلكي يكشف حقيقة عن حالة الإرباك واختلاف المواقف من ذلك الحدث الكبير. وسيجد القارئ أن الجبرتي نفسه – وعلى وفق تحليلات الكاتب نفسه – قد تأثر بحالة الاضطراب والتذبذب في المواقف التي تسارعت الأحداث والظروف في رسمها على خارطة الواقع. إلا أن الكتاب يشير من طرائق غير مباشرة عن الأسباب الشخصية والموضوعية لذلك الاضطراب في التصور والمواقف التي عانى منها الجبرتي كما عانى منها الكثير من العلماء والسياسيين. والتي لا نجد من يرسم معالمها لنا سوى الجبرتي نفسه، مما يعزز قيمة كتابات لفرادتها ولسعتها النسبية.
4- إن مشكلة الآخر لدى الجبرتي اصطدمت بالكثير من القضايا منها عنصر المقارنة بين محتل متذبذب بين العدل والجور وبين الاستقامة والتحضر والفجور، وبين متسلط جثم على صدر المجتمعات الإسلامية وأشاع التشرذم والانقسام والظلم والتخلف والفقر.
ومشكلة الاخر من المشكلات التي ستفتح لاحقا أبوابا خطيرة كانت تحتاج إلى المزيد من المعالجات والقراءات والمواقف التي تفيد عملية الإصلاح والتواشج مع الآخر.
5- وليس من السهل في هذه المقدمة استعراض المنهج النقدي الذي طبقه الباحث بخصوص كتابات الجبرتي المتنوعة في التأريخ لفترة الاحتلال. لكنه على أية حال نجح إلى حد كبير في توثيق الزمني لتلك الكتابات من خلال التحليل النصي ومن خلال القراءة الداخلية للحدث، مع الاستعانة بما توافر لديه من مصادر أجنبية عززت مواقفه وتصوراته عن منهج الجبرتي وعن تطور مواقفه تجاه الأحداث.
صفحة 2
ولا يكاد القارئ ينتهي من قراءة الكتاب حتى يخرج بحصيلة مهمة وخطيرة عن قيمة الكتابة التاريخية في حياة الأمم. ويظهر له كم كان الجبرتي مغبونا إذا جرى إهمال كتاباته الريادية في مجال التاريخ والتي كانت ستعطي ثمارا يانعة وتجربة رائعة فيما لو جرى تحليلها بشجاعة على مستوى حضاري ونفسي وبشجاعة تجعل مواجهة الذات أمرا حتميا كي يتعرف على أحواله التي صنعت أوضاعه. ولا سيما القراءة السيسولوجية للمجتمع المصري انذاك وعوامل قوته وضعفه التي تأثرت بدورها بعوامل ومؤثرات رسبتها احقاب التاريخ.
والخلاصة يكشف الكتاب عن مواقف وآراء الكاتب بالقيمة التاريخية لكتابات الجبرتي وفي الوقت ذاته يشير الى قضايا وأمور مهمة تتعلق بمصائر الشعوب ومواقفها وعوامل حراكها وعطلها حين تتعرض لمثل تلك التحديات والأوضاع.
من هنا كانت التساؤلات حول الحملة الفرنسية على مصر مثار تحليل و بحث طويلين لأهمية هذه الحملة التلاقي في الشرق و الغرب، وليس هذا فحسب، بل لفهم صورة ذلك الغرب الذي ظل طويلا غائب عن الفهم الشرقي بكليته، فجاء البحث فيما كتبه المؤرخ المصري الازهري عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الاثار في التراجم و الاخبار، وتتطلب الامر بحثا و جهدا مضنين للوصول الى نتائج وإجابات للأسئلة .
لذا كان سعينا من خلال دراسة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الاول للحملة الفرنسية على مصر الى ادراك ماهية الاحتلال من خلال مؤرخ عربي - مسلم، من طبقة العلماء، والذي كتب بطريقة تختلف كليا عما كتبه الاخرون عن الاحتلال، فكانت لديه اليات جد خاصة في رصد الفرنسيين و التدوين لتلك الحقبة، وقد مثل وجهة نظر النخبة المثقفة في مصر، وليس فقط دراسة الحملة الفرنسية بوصفها احتلال و قوة استعمارية فرضت هيمنتها على مصر، بل بما حملته معها من ادوات حضارية، تلك الادوات التي جعلت صورة الاخر الغربي صعبة المنال، فهو بين الباعث الجديد للنمو و الازدهار، وبين المدمر القاتل الذي يغتصب ارضا رغما عن اهلها . تلك الازدواجية التي تميزت بها الحملة الفرنسية، والتي جعلت من نظرة المؤرخ الجبرتي تمتاز تحتمل التناقضات الكثيرة .
وبرغم ما كتب عن الحملة الفرنسية الا ان الحدث في حد ذاته مازال يثير اشكاليات كثيرة، متعددة و متجددة، وثمة سمة اخرى تُطّبع بها تلك الغزوة الاستعمارية، وهي ان الافكار و النظريات التي انتجت في تفسيرها، تفوق، في واقع الامر، ماتم اختباره ودراسته على مستوى الوقائع التاريخية المشكلة لمضمون الحدث ككل، واذا كان ذلك يتسبب في خلق صعوبات جمة لكل من يتصدى لدراسة الحملة الفرنسية ويتحرى عدم الانسياق وراء تلك الافكار و الاطر النظرية، الا انه يجب الاعتراف بان الانتاج الفكري و النظري قد أثر بشكل كبير على تفسير الحملة و ما تبعها.
ان المجال يظل باستمرار مفتوحا للعديد من الدراسات، لاسيما وان الارشيفات الفرنسية تحظى بدرجة كبيرة من الثراء في المعلومات التي ربما لم تتوافر، بهذا الزخم غير العادي لغيره من الاحداث المناظرة له، فضلا عن الببليوجرافيا المطولة التي ترصد اكثر من 363 شهادة تاريخية للمشاركين من الضباط و الجنود وحتى المدنيين الذين شاركوا في الاحداث او اولئك الذين كانوا شهودا عليها، ان فحص هذه الاصول الوثائقية والمصادر المتعددة باستخدام ادوات منهجية ومعرفية ككل دون القفز الى الاستنتاجات-انما يسمح باستكشاف زوايا جديدة في الصورة التي تم تكوينها عن الحملة حتى لو ادى ذلك الى نقد العديد من النتائج الراهنة التي تحظى منذ فترة بعيدة بالأهمية و الاعتراف.
و الحقيقة، ان الجانب الاكثر اهمية لفهم الحملة الفرنسية، لا ينبع من الاثار الوثائقية للحملة الفرنسية، فوجهة النظر الفرنسية معروفة نتيجة لذلك الزخم الوثائقي رغم تعدد التفسيرات، ولكن وجهة النظر الاكثر اهمية بالنسبة لنا، هي الوثائق التي رصدت الحملة الفرنسية و التي تمثلت بكتاب عجائب الاثار للجبرتي، و الحال ان شخصيته وهو شاهد مباشر و فاعل في الاحداث، قد جعلت من كتابه المصدر الذي لا بديل له [والذي يكاد يكون الوحيد غالبا في واقع الامر] للتعرف على الجوانب العملية للحملة.
وقد اعتمدنا منهجا اكثر عمقا لفهم النصوص التي تركها الجبرتي، بدءا بشخصية الجبرتي و تكوينه الفكري و الاجتماعي، وارتباط الموروث الديني و الاجتماعي في تكوين الرؤى و صياغة شخصية الاخر من منظوره باستناده الى تراكمية معرفية واثر ذلك في دمج التحليلات النقدية التي اخرجت الفرنسيين و المصريين على حد سواء في كتابه .
لقد كنا على مقربة جد بالغة من النص، متعاملين مع النص بتشريحه وتحليله وفق الأحداث ووفق ارتباطه بمراحل تاريخية سابقة، فغالبا ما وضع الجبرتي نصوصه بطريقة اختلفت كليا عمن سبقه، فهو يضع نصا يريد منه التدليل على الكثير من الاحداث مستخدما طريقة تجعل من النص متشعبا رغم بساطة بنيته .
كما حاولنا اثبات رؤى الجبرتي و تصوراته من خلال ربطنا النص بالقوى المسيطرة في وقت كتابة النص لاسيما بعد ان استطعنا ان نثبت الفترة التي كتب بها الجبرتي عجائبه، فآراءه واثبات تاريخها اقترن بتصوراته وطريقة طرحه للحدث تأييدا كان ام مضادا .
ان الجبرتي مثل رؤية خاصة في عملية الاستغراب و النظرة الى الاخر، فتجاوز النظر الى المحتلين على انهم محتلين، رغم انه لم ينسى ذلك، ولكن في الوقت ذاته استطاع ان يكون رؤيته عن الفرنسيين بطريقة جد حيادية و منصفة، وكان الجبرتي يعقد المقارنات و المقاربات الذهنية بين الفرنسيين و بين ما قد عاشه من انظمة، وهي نظام المماليك و العثمانيون، الذين اعتبرهم بعيدين جدا عن العدل و الحرية التي كان ينشدها الجبرتي، ولقد امتلك الجبرتي عقلية متفتحة و متقدة في عملية رصده للفرنسيين و العثمانيين على حد سواء .
والخلاصة يكشف الكتاب عن مواقف وآراء الكاتب بالقيمة التاريخية لكتابات الجبرتي وفي الوقت ذاته يشير الى قضايا وأمور مهمة تتعلق بمصائر الشعوب ومواقفها وعوامل حراكها وعطلها حين تتعرض لمثل تلك التحديات والأوضاع.
من هنا كانت التساؤلات حول الحملة الفرنسية على مصر مثار تحليل و بحث طويلين لأهمية هذه الحملة التلاقي في الشرق و الغرب، وليس هذا فحسب، بل لفهم صورة ذلك الغرب الذي ظل طويلا غائب عن الفهم الشرقي بكليته، فجاء البحث فيما كتبه المؤرخ المصري الازهري عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الاثار في التراجم و الاخبار، وتتطلب الامر بحثا و جهدا مضنين للوصول الى نتائج وإجابات للأسئلة .
لذا كان سعينا من خلال دراسة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الاول للحملة الفرنسية على مصر الى ادراك ماهية الاحتلال من خلال مؤرخ عربي - مسلم، من طبقة العلماء، والذي كتب بطريقة تختلف كليا عما كتبه الاخرون عن الاحتلال، فكانت لديه اليات جد خاصة في رصد الفرنسيين و التدوين لتلك الحقبة، وقد مثل وجهة نظر النخبة المثقفة في مصر، وليس فقط دراسة الحملة الفرنسية بوصفها احتلال و قوة استعمارية فرضت هيمنتها على مصر، بل بما حملته معها من ادوات حضارية، تلك الادوات التي جعلت صورة الاخر الغربي صعبة المنال، فهو بين الباعث الجديد للنمو و الازدهار، وبين المدمر القاتل الذي يغتصب ارضا رغما عن اهلها . تلك الازدواجية التي تميزت بها الحملة الفرنسية، والتي جعلت من نظرة المؤرخ الجبرتي تمتاز تحتمل التناقضات الكثيرة .
وبرغم ما كتب عن الحملة الفرنسية الا ان الحدث في حد ذاته مازال يثير اشكاليات كثيرة، متعددة و متجددة، وثمة سمة اخرى تُطّبع بها تلك الغزوة الاستعمارية، وهي ان الافكار و النظريات التي انتجت في تفسيرها، تفوق، في واقع الامر، ماتم اختباره ودراسته على مستوى الوقائع التاريخية المشكلة لمضمون الحدث ككل، واذا كان ذلك يتسبب في خلق صعوبات جمة لكل من يتصدى لدراسة الحملة الفرنسية ويتحرى عدم الانسياق وراء تلك الافكار و الاطر النظرية، الا انه يجب الاعتراف بان الانتاج الفكري و النظري قد أثر بشكل كبير على تفسير الحملة و ما تبعها.
ان المجال يظل باستمرار مفتوحا للعديد من الدراسات، لاسيما وان الارشيفات الفرنسية تحظى بدرجة كبيرة من الثراء في المعلومات التي ربما لم تتوافر، بهذا الزخم غير العادي لغيره من الاحداث المناظرة له، فضلا عن الببليوجرافيا المطولة التي ترصد اكثر من 363 شهادة تاريخية للمشاركين من الضباط و الجنود وحتى المدنيين الذين شاركوا في الاحداث او اولئك الذين كانوا شهودا عليها، ان فحص هذه الاصول الوثائقية والمصادر المتعددة باستخدام ادوات منهجية ومعرفية ككل دون القفز الى الاستنتاجات-انما يسمح باستكشاف زوايا جديدة في الصورة التي تم تكوينها عن الحملة حتى لو ادى ذلك الى نقد العديد من النتائج الراهنة التي تحظى منذ فترة بعيدة بالأهمية و الاعتراف.
و الحقيقة، ان الجانب الاكثر اهمية لفهم الحملة الفرنسية، لا ينبع من الاثار الوثائقية للحملة الفرنسية، فوجهة النظر الفرنسية معروفة نتيجة لذلك الزخم الوثائقي رغم تعدد التفسيرات، ولكن وجهة النظر الاكثر اهمية بالنسبة لنا، هي الوثائق التي رصدت الحملة الفرنسية و التي تمثلت بكتاب عجائب الاثار للجبرتي، و الحال ان شخصيته وهو شاهد مباشر و فاعل في الاحداث، قد جعلت من كتابه المصدر الذي لا بديل له [والذي يكاد يكون الوحيد غالبا في واقع الامر] للتعرف على الجوانب العملية للحملة.
وقد اعتمدنا منهجا اكثر عمقا لفهم النصوص التي تركها الجبرتي، بدءا بشخصية الجبرتي و تكوينه الفكري و الاجتماعي، وارتباط الموروث الديني و الاجتماعي في تكوين الرؤى و صياغة شخصية الاخر من منظوره باستناده الى تراكمية معرفية واثر ذلك في دمج التحليلات النقدية التي اخرجت الفرنسيين و المصريين على حد سواء في كتابه .
لقد كنا على مقربة جد بالغة من النص، متعاملين مع النص بتشريحه وتحليله وفق الأحداث ووفق ارتباطه بمراحل تاريخية سابقة، فغالبا ما وضع الجبرتي نصوصه بطريقة اختلفت كليا عمن سبقه، فهو يضع نصا يريد منه التدليل على الكثير من الاحداث مستخدما طريقة تجعل من النص متشعبا رغم بساطة بنيته .
كما حاولنا اثبات رؤى الجبرتي و تصوراته من خلال ربطنا النص بالقوى المسيطرة في وقت كتابة النص لاسيما بعد ان استطعنا ان نثبت الفترة التي كتب بها الجبرتي عجائبه، فآراءه واثبات تاريخها اقترن بتصوراته وطريقة طرحه للحدث تأييدا كان ام مضادا .
ان الجبرتي مثل رؤية خاصة في عملية الاستغراب و النظرة الى الاخر، فتجاوز النظر الى المحتلين على انهم محتلين، رغم انه لم ينسى ذلك، ولكن في الوقت ذاته استطاع ان يكون رؤيته عن الفرنسيين بطريقة جد حيادية و منصفة، وكان الجبرتي يعقد المقارنات و المقاربات الذهنية بين الفرنسيين و بين ما قد عاشه من انظمة، وهي نظام المماليك و العثمانيون، الذين اعتبرهم بعيدين جدا عن العدل و الحرية التي كان ينشدها الجبرتي، ولقد امتلك الجبرتي عقلية متفتحة و متقدة في عملية رصده للفرنسيين و العثمانيين على حد سواء .
صفحة 3
وقد استغرق الامر منا الرحلة الى مصر، الى البلد ذاته الذي جرت فيه احداث الحملة الفرنسية عام 1798، بحثا عن المصادر و المراجع الاصيلة، في القاهرة و الاسكندرية، متنقلا بين المكتبات و الجامعات المصرية و مؤسسات حفظ الوثائق مثل دار الكتب و الوثائق القومية في القاهرة، و المراكز العلمية مثل مركز البحوث و الدراسات الامريكية، والجامعة الامريكية في القاهرة، بعد الاستعانة بمن ساعدني للموافقة على دخول مراكز بحثية بالقاهرة، مما اتاح لي الدخول و الاطلاع على عدد كبير من المصادر و النصوص الاصلية للمدونات التاريخية عن الحملة الفرنسية، و التي لا تتوفر في العراق . بالإضافة الى الكثير من المصادر و المراجع التي تم شرائها من اسواق الكتب في القاهرة .
وقد كانت اهمية تلك المؤلفات و الوثائق تنبع من الرغبة بالوصول الى النصوص الاصلية و الطبعات الاولى للمؤلفات، وجاء كتاب عجائب الاثار في التراجم و الاخبار و مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس و كتاب مدة الفرنسيس في مصر للجبرتي في المرتبة الاولى، اذ حصلنا على كل الطبعات بالاضافة الى مخطوطات تلك الكتب، اضافة الى النسخة المترجمة الى الانكليزية من كتاب عجائب الاثار وكتاب تاريخ مدة الفرنسيس في مصر
وقد جاءت الدراسة على ثلاثة فصول و تمهيد سبقها، اذ كان التمهيد يشكل تفسير الجذور الاولى للحملة الفرنسية و اصولها الفكرية التي انبثقت من خلال كتب الرحالة اذ كان ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، و ما هي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
وكان الفصل الاول الذي انقسم الى ثلاثة مباحث [مصادر الجبرتي عن الحملة الفرنسية (1798-1801)" دراسة نقدية في معرفة المؤرخ " ]، اذ بحثنا في الجذور و الخلفيات الفكرية والاجتماعية للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م ) ؛ لفهم شخصيته من حيث هو مؤرخ و رجل دين و مواطن مصري، و من ثم بيئته التي عاشها، من خلال ثلاث محاور، الاول : والده حسن الجبرتي الذي ترك اكبر الاثر، وأسلوب حياته، وثمة جانب اخر -وهو الأهم الاشارة بالبحث في مؤلفاته وتاريخ الكتابة وبواعثها، لان ادراك تاريخ الكتابة عنده ؛ يوضح شخصيته وآرائه، حين نعرف لمن كتب، وكيف كتب و متى كتب، وبالضرورة سنثبت شهاداته ومصادرها وطرائق تجميعها، وبالتالي فان ذلك سيعطي عن الجبرتي صورة ذات ملامح واضحة وأبعاد دقيقة.
و لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في الكتابة التاريخية في مصر في القرن الثامن عشر، لذا وجدنا ان البحث في جزئيات عميقة مكنونة داخل مؤلفاته تبدأ بدراسة اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصديته في الكتابة .
و يمثل الفصل الثاني[الجبرتي و الفرنسيين "دراسة تحليلية في رؤية الجبرتي للفرنسيين في مصر"] من هذه الدراسة الجانب التطبيقي لرؤى الجبرتي التي كونها عن عصره، استنادا الى تكوينه المعرفي، ليعطي هذا الفصل عرضا مفصلا عن الاندماجات الفكرية و التصورات النقدية التي طرحها الجبرتي في كتابه عجائب الاثار، لذا ثمة اهمية بالغة و ارتباط جد وثيق بين الفصل الاول و الفصل الثاني، من حيث هو تطبيق عملي لنظريات الجبرتي الفكرية والتاريخية و السياسية و الاجتماعية .
ويعطي هذا الفصل الملامح التكوينية التي ثبتها الجبرتي عن الحملة الفرنسية و التي تمثلت في انطباعه الاول و الصدمة الفكرية التي تعرض لها الجبرتي، لا سيما بعد خطاب نابليون الذي وضع الجبرتي في صراع فكري عنيف من نوعه مع ما لديه من موروث فكري تاريخاني ووضع قيمه ومعرفته على المحك، وتحول خطير للانتقال من عصر الى عصر اخر، اذ خاطب نابليون اماني الجبرتي في منشوره الاول، وهذا ما تضمنه المبحث الاول، الذي ركز على الصدمة الاولى للحملة ومن ثم اعطاء الانطباع عن التحديث الذي شهدته مصر وعجز العقل المصري عن انتاج بنيوية تحديثية اصيلة .
لقد درجنا على توصيف نظام الحكم الفرنسي في مصر، واليات الحكم وخصائصه، اذ اشتمل المبحث الثاني على تبيان النظام الديمقراطي ونقل التجربة الفرنسية الى مصر من خلال النظام الاداري و السياسي لحكم "مصر نابليون ".
اما المبحث الثالث فكان لتوضيح الانجازات الفرنسية على كافة الاصعدة في مصر، والتي احدثت التغييرات البنيوية ليس في البناء الحضاري فحسب، بل حتى – فيما بعد – بالفكر المصري الحديث، الذي ظهرت بوادره في فترة محمد علي ومايليها .
ان لكل مرحلة تاريخية اثار تفوق تلك الافعال التي حدثت، وقد يكون بعضها قصير المدى فتزول بزوال المؤثر، وقد تستمر الاثار على المدى البعيد و تلك هي الاكثر خطورة، اذ انها تقوم بفعل التحويل الفكري العقلي داخل اللاوعي و اللاشعور الذي تتركه تلك المؤثرات . فقد مثلت الحملة الفرنسية وعيا تاريخيا بكل المقاييس مخلفة اثارا جد عميقة على المجتمع و البنية العقلية المصرية، ولا نكاد نجافي الحقيقة اذا قلنا بان للحملة الفرنسية على العقل المصري اثارا جد عميقة بلغت اعادة تشكيل بنية العقل المصري و فكره، و انتجت - فيما بعد - رؤى و افكار مثلت ذلك التأثير الفرنسي، في الفن و الادب و التاريخ و حتى الجغرافيا و السينما و المسرح و التعليم، والى اليوم .
لذلك جاء الفصل الثالث[المصريون في ظل الحملة الفرنسية" دراسة نقدية في وصف الجبرتي للتحولات التاريخية و الفكرية "] ليظهر تلك المؤثرات و طريقة استيعابها من قبل المصريين، ثم تحولها الى فكر و بنى عقلية داخل المجتمع المصري . فكان المبحث الاول عن الحكم و الادارة الذي مثلته منذ زمن بعيد طبقة العلماء، ليظهر الاثر الذي تركته الحملة الفرنسية في هذه الطبقة التي تزعمت الفكر المصري منذ زمن بعيد .
وكان المبحث الثاني في الاثر الذي تركته الحملة على المجتمع المصري، ذلك الاثر الذي اظهر طبقات اجتماعية جديدة لم تكن تحلم ان تطفو على السطح لولا مجيء الحملة الفرنسية، لاسيما الطبقات الطائفية و الدينية، ثم التراتبية الاجتماعية التي مكنت طبقات لم يكن لها شأن يذكر من ان تكون طبقات ذات اثر ووعي و ادراك لما هي عليه .
و خلص المبحث الثالث الى التباين بين الانظمة الثلاث التي عاشتها مصر بين حكم العثمانيين و المماليك وثم الفرنسيين وعودة العثمانيين اليها، تلك الصيغ التي صيرت من كينونة المجتمع في عدة انحناءات على الرسم البياني للعقل المصري .
وقد كانت اهمية تلك المؤلفات و الوثائق تنبع من الرغبة بالوصول الى النصوص الاصلية و الطبعات الاولى للمؤلفات، وجاء كتاب عجائب الاثار في التراجم و الاخبار و مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس و كتاب مدة الفرنسيس في مصر للجبرتي في المرتبة الاولى، اذ حصلنا على كل الطبعات بالاضافة الى مخطوطات تلك الكتب، اضافة الى النسخة المترجمة الى الانكليزية من كتاب عجائب الاثار وكتاب تاريخ مدة الفرنسيس في مصر
وقد جاءت الدراسة على ثلاثة فصول و تمهيد سبقها، اذ كان التمهيد يشكل تفسير الجذور الاولى للحملة الفرنسية و اصولها الفكرية التي انبثقت من خلال كتب الرحالة اذ كان ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، و ما هي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
وكان الفصل الاول الذي انقسم الى ثلاثة مباحث [مصادر الجبرتي عن الحملة الفرنسية (1798-1801)" دراسة نقدية في معرفة المؤرخ " ]، اذ بحثنا في الجذور و الخلفيات الفكرية والاجتماعية للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م ) ؛ لفهم شخصيته من حيث هو مؤرخ و رجل دين و مواطن مصري، و من ثم بيئته التي عاشها، من خلال ثلاث محاور، الاول : والده حسن الجبرتي الذي ترك اكبر الاثر، وأسلوب حياته، وثمة جانب اخر -وهو الأهم الاشارة بالبحث في مؤلفاته وتاريخ الكتابة وبواعثها، لان ادراك تاريخ الكتابة عنده ؛ يوضح شخصيته وآرائه، حين نعرف لمن كتب، وكيف كتب و متى كتب، وبالضرورة سنثبت شهاداته ومصادرها وطرائق تجميعها، وبالتالي فان ذلك سيعطي عن الجبرتي صورة ذات ملامح واضحة وأبعاد دقيقة.
و لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في الكتابة التاريخية في مصر في القرن الثامن عشر، لذا وجدنا ان البحث في جزئيات عميقة مكنونة داخل مؤلفاته تبدأ بدراسة اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصديته في الكتابة .
و يمثل الفصل الثاني[الجبرتي و الفرنسيين "دراسة تحليلية في رؤية الجبرتي للفرنسيين في مصر"] من هذه الدراسة الجانب التطبيقي لرؤى الجبرتي التي كونها عن عصره، استنادا الى تكوينه المعرفي، ليعطي هذا الفصل عرضا مفصلا عن الاندماجات الفكرية و التصورات النقدية التي طرحها الجبرتي في كتابه عجائب الاثار، لذا ثمة اهمية بالغة و ارتباط جد وثيق بين الفصل الاول و الفصل الثاني، من حيث هو تطبيق عملي لنظريات الجبرتي الفكرية والتاريخية و السياسية و الاجتماعية .
ويعطي هذا الفصل الملامح التكوينية التي ثبتها الجبرتي عن الحملة الفرنسية و التي تمثلت في انطباعه الاول و الصدمة الفكرية التي تعرض لها الجبرتي، لا سيما بعد خطاب نابليون الذي وضع الجبرتي في صراع فكري عنيف من نوعه مع ما لديه من موروث فكري تاريخاني ووضع قيمه ومعرفته على المحك، وتحول خطير للانتقال من عصر الى عصر اخر، اذ خاطب نابليون اماني الجبرتي في منشوره الاول، وهذا ما تضمنه المبحث الاول، الذي ركز على الصدمة الاولى للحملة ومن ثم اعطاء الانطباع عن التحديث الذي شهدته مصر وعجز العقل المصري عن انتاج بنيوية تحديثية اصيلة .
لقد درجنا على توصيف نظام الحكم الفرنسي في مصر، واليات الحكم وخصائصه، اذ اشتمل المبحث الثاني على تبيان النظام الديمقراطي ونقل التجربة الفرنسية الى مصر من خلال النظام الاداري و السياسي لحكم "مصر نابليون ".
اما المبحث الثالث فكان لتوضيح الانجازات الفرنسية على كافة الاصعدة في مصر، والتي احدثت التغييرات البنيوية ليس في البناء الحضاري فحسب، بل حتى – فيما بعد – بالفكر المصري الحديث، الذي ظهرت بوادره في فترة محمد علي ومايليها .
ان لكل مرحلة تاريخية اثار تفوق تلك الافعال التي حدثت، وقد يكون بعضها قصير المدى فتزول بزوال المؤثر، وقد تستمر الاثار على المدى البعيد و تلك هي الاكثر خطورة، اذ انها تقوم بفعل التحويل الفكري العقلي داخل اللاوعي و اللاشعور الذي تتركه تلك المؤثرات . فقد مثلت الحملة الفرنسية وعيا تاريخيا بكل المقاييس مخلفة اثارا جد عميقة على المجتمع و البنية العقلية المصرية، ولا نكاد نجافي الحقيقة اذا قلنا بان للحملة الفرنسية على العقل المصري اثارا جد عميقة بلغت اعادة تشكيل بنية العقل المصري و فكره، و انتجت - فيما بعد - رؤى و افكار مثلت ذلك التأثير الفرنسي، في الفن و الادب و التاريخ و حتى الجغرافيا و السينما و المسرح و التعليم، والى اليوم .
لذلك جاء الفصل الثالث[المصريون في ظل الحملة الفرنسية" دراسة نقدية في وصف الجبرتي للتحولات التاريخية و الفكرية "] ليظهر تلك المؤثرات و طريقة استيعابها من قبل المصريين، ثم تحولها الى فكر و بنى عقلية داخل المجتمع المصري . فكان المبحث الاول عن الحكم و الادارة الذي مثلته منذ زمن بعيد طبقة العلماء، ليظهر الاثر الذي تركته الحملة الفرنسية في هذه الطبقة التي تزعمت الفكر المصري منذ زمن بعيد .
وكان المبحث الثاني في الاثر الذي تركته الحملة على المجتمع المصري، ذلك الاثر الذي اظهر طبقات اجتماعية جديدة لم تكن تحلم ان تطفو على السطح لولا مجيء الحملة الفرنسية، لاسيما الطبقات الطائفية و الدينية، ثم التراتبية الاجتماعية التي مكنت طبقات لم يكن لها شأن يذكر من ان تكون طبقات ذات اثر ووعي و ادراك لما هي عليه .
و خلص المبحث الثالث الى التباين بين الانظمة الثلاث التي عاشتها مصر بين حكم العثمانيين و المماليك وثم الفرنسيين وعودة العثمانيين اليها، تلك الصيغ التي صيرت من كينونة المجتمع في عدة انحناءات على الرسم البياني للعقل المصري .
صفحة 4
المقدمة
كانت الحضارة الإسلامية عبر التاريخ في علاقة مستمرة مع الحضارات المجاورة،اليونان والرومان غربا،وفارس والهند شرقا،قبل الإسلام وبعده،بل إن إبداعات الحضارة الإسلامية هي نتيجة لهذا التفاعل بين الداخل والخارج،بين الموروث والوافد،بين النقل والعقل،بين علوم العرب وعلوم العجم،بين علوم الغايات وعلوم الوسائل،أو بلغة العصر بين الأنا والآخر.
ظلت العلاقة الجدلية بين الانا و الاخر مثار بحث وتنقيب مستمرين، على الرغم من اختلاف طرائق البحث بين " العربي " المتمثل بــالأنا، و " الغربي " المتمثل بــالآخر، فقد نشأت عن ذلك حركة واسعة النطاق -خصوصا في الغرب الأوربي الناهض والطامح إلى التوسع والسيطرة، إثر سلسلة الحروب الصليبية Crusades وعصر النهضة Renaissance، متعديا حدود الدفاع عن النفس-أطلق عليها اسم (الاستشراق) Orientalism و الذي - حسب ادوارد سعيد - كان يعني : طريقة للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوربية الغربية،فالشرق ليس لصيقا بأوربا وحسب،بل كذلك موضع أعظم مستعمرات أوربا،وأغناها،وأقدمها،ومصدر حضاراتها ولغاتها،ومنافسها الثقافي،وأحد صورها الأكثر عمقا وتكرار حدوث للآخر، وإضافة، فقد ساعد الشرق على تحديد أوربا أو (الغرب) بوصفه صورتها، و فكرتها، و شخصيتها، وتجربتها، المقابلة.
من هنا كانت التساؤلات حول الحملة الفرنسية على مصر مثار تحليل و بحث طويلين لأهمية هذه الحملة التلاقي في الشرق و الغرب، وليس هذا فحسب، بل لفهم صورة ذلك الغرب الذي ظل طويلا غائب عن الفهم الشرقي بكليته، فجاء البحث فيما كتبه المؤرخ المصري الازهري عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الاثار في التراجم و الاخبار، وتتطلب الامر بحثا و جهدا مضنين للوصول الى نتائج وإجابات للأسئلة .
لذا كان سعينا من خلال دراسة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الاول للحملة الفرنسية على مصر الى ادراك ماهية الاحتلال من خلال مؤرخ عربي - مسلم، من طبقة العلماء، والذي كتب بطريقة تختلف كليا عما كتبه الاخرون عن الاحتلال، فكانت لديه اليات جد خاصة في رصد الفرنسيين و التدوين لتلك الحقبة، وقد مثل وجهة نظر النخبة المثقفة في مصر، وليس فقط دراسة الحملة الفرنسية بوصفها احتلال و قوة استعمارية فرضت هيمنتها على مصر، بل بما حملته معها من ادوات حضارية، تلك الادوات التي جعلت صورة الاخر الغربي صعبة المنال، فهو بين الباعث الجديد للنمو و الازدهار، وبين المدمر القاتل الذي يغتصب ارضا رغما عن اهلها . تلك الازدواجية التي تميزت بها الحملة الفرنسية، والتي جعلت من نظرة المؤرخ الجبرتي تمتاز تحتمل التناقضات الكثيرة .
وبرغم ما كتب عن الحملة الفرنسية الا ان الحدث في حد ذاته مازال يثير اشكاليات كثيرة، متعددة و متجددة، وثمة سمة اخرى تُطّبع بها تلك الغزوة الاستعمارية، وهي ان الافكار و النظريات التي انتجت في تفسيرها، تفوق، في واقع الامر، ماتم اختباره ودراسته على مستوى الوقائع التاريخية المشكلة لمضمون الحدث ككل، واذا كان ذلك يتسبب في خلق صعوبات جمة لكل من يتصدى لدراسة الحملة الفرنسية ويتحرى عدم الانسياق وراء تلك الافكار و الاطر النظرية، الا انه يجب الاعتراف بان الانتاج الفكري و النظري قد أثر بشكل كبير على تفسير الحملة و ما تبعها.
ان المجال يظل باستمرار مفتوحا للعديد من الدراسات، لاسيما وان الارشيفات الفرنسية تحظى بدرجة كبيرة من الثراء في المعلومات التي ربما لم تتوافر، بهذا الزخم غير العادي لغيره من الاحداث المناظرة له، فضلا عن الببليوجرافيا المطولة التي ترصد اكثر من 363 شهادة تاريخية للمشاركين من الضباط و الجنود وحتى المدنيين الذين شاركوا في الاحداث او اولئك الذين كانوا شهودا عليها، ان فحص هذه الاصول الوثائقية والمصادر المتعددة باستخدام ادوات منهجية ومعرفية ككل دون القفز الى الاستنتاجات-انما يسمح باستكشاف زوايا جديدة في الصورة التي تم تكوينها عن الحملة حتى لو ادى ذلك الى نقد العديد من النتائج الراهنة التي تحظى منذ فترة بعيدة بالأهمية و الاعتراف.
و الحقيقة، ان الجانب الاكثر اهمية لفهم الحملة الفرنسية، لا ينبع من الاثار الوثائقية للحملة الفرنسية، فوجهة النظر الفرنسية معروفة نتيجة لذلك الزخم الوثائقي رغم تعدد التفسيرات، ولكن وجهة النظر الاكثر اهمية بالنسبة لنا، هي الوثائق التي رصدت الحملة الفرنسية و التي تمثلت بكتاب عجائب الاثار للجبرتي، و الحال ان شخصيته وهو شاهد مباشر و فاعل في الاحداث، قد جعلت من كتابه المصدر الذي لا بديل له [والذي يكاد يكون الوحيد غالبا في واقع الامر] للتعرف على الجوانب العملية للحملة.
وقد اعتمدنا منهجا اكثر عمقا لفهم النصوص التي تركها الجبرتي، بدءا بشخصية الجبرتي و تكوينه الفكري و الاجتماعي، وارتباط الموروث الديني و الاجتماعي في تكوين الرؤى و صياغة شخصية الاخر من منظوره باستناده الى تراكمية معرفية واثر ذلك في دمج التحليلات النقدية التي اخرجت الفرنسيين و المصريين على حد سواء في كتابه .
لقد كنا على مقربة جد بالغة من النص، متعاملين مع النص بتشريحه وتحليله وفق الأحداث ووفق ارتباطه بمراحل تاريخية سابقة، فغالبا ما وضع الجبرتي نصوصه بطريقة اختلفت كليا عمن سبقه، فهو يضع نصا يريد منه التدليل على الكثير من الاحداث مستخدما طريقة تجعل من النص متشعبا رغم بساطة بنيته .
كما حاولنا اثبات رؤى الجبرتي و تصوراته من خلال ربطنا النص بالقوى المسيطرة في وقت كتابة النص لاسيما بعد ان استطعنا ان نثبت الفترة التي كتب بها الجبرتي عجائبه، فآراءه واثبات تاريخها اقترن بتصوراته وطريقة طرحه للحدث تأييدا كان ام مضادا .
ان الجبرتي مثل رؤية خاصة في عملية الاستغراب و النظرة الى الاخر، فتجاوز النظر الى المحتلين على انهم محتلين، رغم انه لم ينسى ذلك، ولكن في الوقت ذاته استطاع ان يكون رؤيته عن الفرنسيين بطريقة جد حيادية و منصفة، وكان الجبرتي يعقد المقارنات و المقاربات الذهنية بين الفرنسيين و بين ما قد عاشه من انظمة، وهي نظام المماليك و العثمانيون، الذين اعتبرهم بعيدين جدا عن العدل و الحرية التي كان ينشدها الجبرتي، ولقد امتلك الجبرتي عقلية متفتحة و متقدة في عملية رصده للفرنسيين و العثمانيين على حد سواء .
وقد استغرق الامر منا الرحلة الى مصر، الى البلد ذاته الذي جرت فيه احداث الحملة الفرنسية عام 1798، بحثا عن المصادر و المراجع الاصيلة، في القاهرة و الاسكندرية، متنقلا بين المكتبات و الجامعات المصرية و مؤسسات حفظ الوثائق مثل دار الكتب و الوثائق القومية في القاهرة، و المراكز العلمية مثل مركز البحوث و الدراسات الامريكية، والجامعة الامريكية في القاهرة، بعد الاستعانة بمن ساعدني للموافقة على دخول مراكز بحثية بالقاهرة، مما اتاح لي الدخول و الاطلاع على عدد كبير من المصادر و النصوص الاصلية للمدونات التاريخية عن الحملة الفرنسية، و التي لا تتوفر في العراق . بالإضافة الى الكثير من المصادر و المراجع التي تم شرائها من اسواق الكتب في القاهرة .
وقد كانت اهمية تلك المؤلفات و الوثائق تنبع من الرغبة بالوصول الى النصوص الاصلية و الطبعات الاولى للمؤلفات، وجاء كتاب عجائب الاثار في التراجم و الاخبار و مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس و كتاب مدة الفرنسيس في مصر للجبرتي في المرتبة الاولى، اذ حصلنا على كل الطبعات بالاضافة الى مخطوطات تلك الكتب، اضافة الى النسخة المترجمة الى الانكليزية من كتاب عجائب الاثار وكتاب تاريخ مدة الفرنسيس في مصر .
وقد جاءت الدراسة على ثلاثة فصول و تمهيد سبقها، اذ كان التمهيد يشكل تفسير الجذور الاولى للحملة الفرنسية و اصولها الفكرية التي انبثقت من خلال كتب الرحالة اذ كان ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، و ما هي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
كانت الحضارة الإسلامية عبر التاريخ في علاقة مستمرة مع الحضارات المجاورة،اليونان والرومان غربا،وفارس والهند شرقا،قبل الإسلام وبعده،بل إن إبداعات الحضارة الإسلامية هي نتيجة لهذا التفاعل بين الداخل والخارج،بين الموروث والوافد،بين النقل والعقل،بين علوم العرب وعلوم العجم،بين علوم الغايات وعلوم الوسائل،أو بلغة العصر بين الأنا والآخر.
ظلت العلاقة الجدلية بين الانا و الاخر مثار بحث وتنقيب مستمرين، على الرغم من اختلاف طرائق البحث بين " العربي " المتمثل بــالأنا، و " الغربي " المتمثل بــالآخر، فقد نشأت عن ذلك حركة واسعة النطاق -خصوصا في الغرب الأوربي الناهض والطامح إلى التوسع والسيطرة، إثر سلسلة الحروب الصليبية Crusades وعصر النهضة Renaissance، متعديا حدود الدفاع عن النفس-أطلق عليها اسم (الاستشراق) Orientalism و الذي - حسب ادوارد سعيد - كان يعني : طريقة للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوربية الغربية،فالشرق ليس لصيقا بأوربا وحسب،بل كذلك موضع أعظم مستعمرات أوربا،وأغناها،وأقدمها،ومصدر حضاراتها ولغاتها،ومنافسها الثقافي،وأحد صورها الأكثر عمقا وتكرار حدوث للآخر، وإضافة، فقد ساعد الشرق على تحديد أوربا أو (الغرب) بوصفه صورتها، و فكرتها، و شخصيتها، وتجربتها، المقابلة.
من هنا كانت التساؤلات حول الحملة الفرنسية على مصر مثار تحليل و بحث طويلين لأهمية هذه الحملة التلاقي في الشرق و الغرب، وليس هذا فحسب، بل لفهم صورة ذلك الغرب الذي ظل طويلا غائب عن الفهم الشرقي بكليته، فجاء البحث فيما كتبه المؤرخ المصري الازهري عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الاثار في التراجم و الاخبار، وتتطلب الامر بحثا و جهدا مضنين للوصول الى نتائج وإجابات للأسئلة .
لذا كان سعينا من خلال دراسة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الاول للحملة الفرنسية على مصر الى ادراك ماهية الاحتلال من خلال مؤرخ عربي - مسلم، من طبقة العلماء، والذي كتب بطريقة تختلف كليا عما كتبه الاخرون عن الاحتلال، فكانت لديه اليات جد خاصة في رصد الفرنسيين و التدوين لتلك الحقبة، وقد مثل وجهة نظر النخبة المثقفة في مصر، وليس فقط دراسة الحملة الفرنسية بوصفها احتلال و قوة استعمارية فرضت هيمنتها على مصر، بل بما حملته معها من ادوات حضارية، تلك الادوات التي جعلت صورة الاخر الغربي صعبة المنال، فهو بين الباعث الجديد للنمو و الازدهار، وبين المدمر القاتل الذي يغتصب ارضا رغما عن اهلها . تلك الازدواجية التي تميزت بها الحملة الفرنسية، والتي جعلت من نظرة المؤرخ الجبرتي تمتاز تحتمل التناقضات الكثيرة .
وبرغم ما كتب عن الحملة الفرنسية الا ان الحدث في حد ذاته مازال يثير اشكاليات كثيرة، متعددة و متجددة، وثمة سمة اخرى تُطّبع بها تلك الغزوة الاستعمارية، وهي ان الافكار و النظريات التي انتجت في تفسيرها، تفوق، في واقع الامر، ماتم اختباره ودراسته على مستوى الوقائع التاريخية المشكلة لمضمون الحدث ككل، واذا كان ذلك يتسبب في خلق صعوبات جمة لكل من يتصدى لدراسة الحملة الفرنسية ويتحرى عدم الانسياق وراء تلك الافكار و الاطر النظرية، الا انه يجب الاعتراف بان الانتاج الفكري و النظري قد أثر بشكل كبير على تفسير الحملة و ما تبعها.
ان المجال يظل باستمرار مفتوحا للعديد من الدراسات، لاسيما وان الارشيفات الفرنسية تحظى بدرجة كبيرة من الثراء في المعلومات التي ربما لم تتوافر، بهذا الزخم غير العادي لغيره من الاحداث المناظرة له، فضلا عن الببليوجرافيا المطولة التي ترصد اكثر من 363 شهادة تاريخية للمشاركين من الضباط و الجنود وحتى المدنيين الذين شاركوا في الاحداث او اولئك الذين كانوا شهودا عليها، ان فحص هذه الاصول الوثائقية والمصادر المتعددة باستخدام ادوات منهجية ومعرفية ككل دون القفز الى الاستنتاجات-انما يسمح باستكشاف زوايا جديدة في الصورة التي تم تكوينها عن الحملة حتى لو ادى ذلك الى نقد العديد من النتائج الراهنة التي تحظى منذ فترة بعيدة بالأهمية و الاعتراف.
و الحقيقة، ان الجانب الاكثر اهمية لفهم الحملة الفرنسية، لا ينبع من الاثار الوثائقية للحملة الفرنسية، فوجهة النظر الفرنسية معروفة نتيجة لذلك الزخم الوثائقي رغم تعدد التفسيرات، ولكن وجهة النظر الاكثر اهمية بالنسبة لنا، هي الوثائق التي رصدت الحملة الفرنسية و التي تمثلت بكتاب عجائب الاثار للجبرتي، و الحال ان شخصيته وهو شاهد مباشر و فاعل في الاحداث، قد جعلت من كتابه المصدر الذي لا بديل له [والذي يكاد يكون الوحيد غالبا في واقع الامر] للتعرف على الجوانب العملية للحملة.
وقد اعتمدنا منهجا اكثر عمقا لفهم النصوص التي تركها الجبرتي، بدءا بشخصية الجبرتي و تكوينه الفكري و الاجتماعي، وارتباط الموروث الديني و الاجتماعي في تكوين الرؤى و صياغة شخصية الاخر من منظوره باستناده الى تراكمية معرفية واثر ذلك في دمج التحليلات النقدية التي اخرجت الفرنسيين و المصريين على حد سواء في كتابه .
لقد كنا على مقربة جد بالغة من النص، متعاملين مع النص بتشريحه وتحليله وفق الأحداث ووفق ارتباطه بمراحل تاريخية سابقة، فغالبا ما وضع الجبرتي نصوصه بطريقة اختلفت كليا عمن سبقه، فهو يضع نصا يريد منه التدليل على الكثير من الاحداث مستخدما طريقة تجعل من النص متشعبا رغم بساطة بنيته .
كما حاولنا اثبات رؤى الجبرتي و تصوراته من خلال ربطنا النص بالقوى المسيطرة في وقت كتابة النص لاسيما بعد ان استطعنا ان نثبت الفترة التي كتب بها الجبرتي عجائبه، فآراءه واثبات تاريخها اقترن بتصوراته وطريقة طرحه للحدث تأييدا كان ام مضادا .
ان الجبرتي مثل رؤية خاصة في عملية الاستغراب و النظرة الى الاخر، فتجاوز النظر الى المحتلين على انهم محتلين، رغم انه لم ينسى ذلك، ولكن في الوقت ذاته استطاع ان يكون رؤيته عن الفرنسيين بطريقة جد حيادية و منصفة، وكان الجبرتي يعقد المقارنات و المقاربات الذهنية بين الفرنسيين و بين ما قد عاشه من انظمة، وهي نظام المماليك و العثمانيون، الذين اعتبرهم بعيدين جدا عن العدل و الحرية التي كان ينشدها الجبرتي، ولقد امتلك الجبرتي عقلية متفتحة و متقدة في عملية رصده للفرنسيين و العثمانيين على حد سواء .
وقد استغرق الامر منا الرحلة الى مصر، الى البلد ذاته الذي جرت فيه احداث الحملة الفرنسية عام 1798، بحثا عن المصادر و المراجع الاصيلة، في القاهرة و الاسكندرية، متنقلا بين المكتبات و الجامعات المصرية و مؤسسات حفظ الوثائق مثل دار الكتب و الوثائق القومية في القاهرة، و المراكز العلمية مثل مركز البحوث و الدراسات الامريكية، والجامعة الامريكية في القاهرة، بعد الاستعانة بمن ساعدني للموافقة على دخول مراكز بحثية بالقاهرة، مما اتاح لي الدخول و الاطلاع على عدد كبير من المصادر و النصوص الاصلية للمدونات التاريخية عن الحملة الفرنسية، و التي لا تتوفر في العراق . بالإضافة الى الكثير من المصادر و المراجع التي تم شرائها من اسواق الكتب في القاهرة .
وقد كانت اهمية تلك المؤلفات و الوثائق تنبع من الرغبة بالوصول الى النصوص الاصلية و الطبعات الاولى للمؤلفات، وجاء كتاب عجائب الاثار في التراجم و الاخبار و مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس و كتاب مدة الفرنسيس في مصر للجبرتي في المرتبة الاولى، اذ حصلنا على كل الطبعات بالاضافة الى مخطوطات تلك الكتب، اضافة الى النسخة المترجمة الى الانكليزية من كتاب عجائب الاثار وكتاب تاريخ مدة الفرنسيس في مصر .
وقد جاءت الدراسة على ثلاثة فصول و تمهيد سبقها، اذ كان التمهيد يشكل تفسير الجذور الاولى للحملة الفرنسية و اصولها الفكرية التي انبثقت من خلال كتب الرحالة اذ كان ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، و ما هي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
صفحة 5
وكان الفصل الاول الذي انقسم الى ثلاثة مباحث [مصادر الجبرتي عن الحملة الفرنسية (1798-1801)" دراسة نقدية في معرفة المؤرخ " ]، اذ بحثنا في الجذور و الخلفيات الفكرية والاجتماعية للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م ) ؛ لفهم شخصيته من حيث هو مؤرخ و رجل دين و مواطن مصري، و من ثم بيئته التي عاشها، من خلال ثلاث محاور، الاول : والده حسن الجبرتي الذي ترك اكبر الاثر، وأسلوب حياته، وثمة جانب اخر -وهو الأهم الاشارة بالبحث في مؤلفاته وتاريخ الكتابة وبواعثها، لان ادراك تاريخ الكتابة عنده ؛ يوضح شخصيته وآرائه، حين نعرف لمن كتب، وكيف كتب و متى كتب، وبالضرورة سنثبت شهاداته ومصادرها وطرائق تجميعها، وبالتالي فان ذلك سيعطي عن الجبرتي صورة ذات ملامح واضحة وأبعاد دقيقة.
و لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في الكتابة التاريخية في مصر في القرن الثامن عشر، لذا وجدنا ان البحث في جزئيات عميقة مكنونة داخل مؤلفاته تبدأ بدراسة اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصديته في الكتابة .
و يمثل الفصل الثاني[الجبرتي و الفرنسيين "دراسة تحليلية في رؤية الجبرتي للفرنسيين في مصر"] من هذه الدراسة الجانب التطبيقي لرؤى الجبرتي التي كونها عن عصره، استنادا الى تكوينه المعرفي، ليعطي هذا الفصل عرضا مفصلا عن الاندماجات الفكرية و التصورات النقدية التي طرحها الجبرتي في كتابه عجائب الاثار، لذا ثمة اهمية بالغة و ارتباط جد وثيق بين الفصل الاول و الفصل الثاني، من حيث هو تطبيق عملي لنظريات الجبرتي الفكرية والتاريخية و السياسية و الاجتماعية .
ويعطي هذا الفصل الملامح التكوينية التي ثبتها الجبرتي عن الحملة الفرنسية و التي تمثلت في انطباعه الاول و الصدمة الفكرية التي تعرض لها الجبرتي، لا سيما بعد خطاب نابليون الذي وضع الجبرتي في صراع فكري عنيف من نوعه مع ما لديه من موروث فكري تاريخاني ووضع قيمه ومعرفته على المحك، وتحول خطير للانتقال من عصر الى عصر اخر، اذ خاطب نابليون اماني الجبرتي في منشوره الاول، وهذا ما تضمنه المبحث الاول، الذي ركز على الصدمة الاولى للحملة ومن ثم اعطاء الانطباع عن التحديث الذي شهدته مصر وعجز العقل المصري عن انتاج بنيوية تحديثية اصيلة .
لقد درجنا على توصيف نظام الحكم الفرنسي في مصر، واليات الحكم وخصائصه، اذ اشتمل المبحث الثاني على تبيان النظام الديمقراطي ونقل التجربة الفرنسية الى مصر من خلال النظام الاداري و السياسي لحكم "مصر نابليون ".
اما المبحث الثالث فكان لتوضيح الانجازات الفرنسية على كافة الاصعدة في مصر، والتي احدثت التغييرات البنيوية ليس في البناء الحضاري فحسب، بل حتى – فيما بعد – بالفكر المصري الحديث، الذي ظهرت بوادره في فترة محمد علي ومايليها .
ان لكل مرحلة تاريخية اثار تفوق تلك الافعال التي حدثت، وقد يكون بعضها قصير المدى فتزول بزوال المؤثر، وقد تستمر الاثار على المدى البعيد و تلك هي الاكثر خطورة، اذ انها تقوم بفعل التحويل الفكري العقلي داخل اللاوعي و اللاشعور الذي تتركه تلك المؤثرات . فقد مثلت الحملة الفرنسية وعيا تاريخيا بكل المقاييس مخلفة اثارا جد عميقة على المجتمع و البنية العقلية المصرية، ولا نكاد نجافي الحقيقة اذا قلنا بان للحملة الفرنسية على العقل المصري اثارا جد عميقة بلغت اعادة تشكيل بنية العقل المصري و فكره، و انتجت - فيما بعد - رؤى و افكار مثلت ذلك التأثير الفرنسي، في الفن و الادب و التاريخ و حتى الجغرافيا و السينما و المسرح و التعليم، والى اليوم .
لذلك جاء الفصل الثالث[المصريون في ظل الحملة الفرنسية" دراسة نقدية في وصف الجبرتي للتحولات التاريخية و الفكرية "] ليظهر تلك المؤثرات و طريقة استيعابها من قبل المصريين، ثم تحولها الى فكر و بنى عقلية داخل المجتمع المصري . فكان المبحث الاول عن الحكم و الادارة الذي مثلته منذ زمن بعيد طبقة العلماء، ليظهر الاثر الذي تركته الحملة الفرنسية في هذه الطبقة التي تزعمت الفكر المصري منذ زمن بعيد .
وكان المبحث الثاني في الاثر الذي تركته الحملة على المجتمع المصري، ذلك الاثر الذي اظهر طبقات اجتماعية جديدة لم تكن تحلم ان تطفو على السطح لولا مجيء الحملة الفرنسية، لاسيما الطبقات الطائفية و الدينية، ثم التراتبية الاجتماعية التي مكنت طبقات لم يكن لها شأن يذكر من ان تكون طبقات ذات اثر ووعي و ادراك لما هي عليه .
و خلص المبحث الثالث الى التباين بين الانظمة الثلاث التي عاشتها مصر بين حكم العثمانيين و المماليك وثم الفرنسيين وعودة العثمانيين اليها، تلك الصيغ التي صيرت من كينونة المجتمع في عدة انحناءات على الرسم البياني للعقل المصري .
وتمثلت الخاتمة بالاستنتاجات التي توصل اليها الباحث من خلال الدراسة، والتي اعطت صورة مكتملة عن الحدث من خلال رؤية المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي و التي اعطت ملامح مكتملة من حيث هي مرتبطة بالواقع المصري انذاك، ومرتبطة برؤية الاخر الذي شكل الى يومنا الحالي عبئا على التكوين الفكري العربي .
و لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في الكتابة التاريخية في مصر في القرن الثامن عشر، لذا وجدنا ان البحث في جزئيات عميقة مكنونة داخل مؤلفاته تبدأ بدراسة اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصديته في الكتابة .
و يمثل الفصل الثاني[الجبرتي و الفرنسيين "دراسة تحليلية في رؤية الجبرتي للفرنسيين في مصر"] من هذه الدراسة الجانب التطبيقي لرؤى الجبرتي التي كونها عن عصره، استنادا الى تكوينه المعرفي، ليعطي هذا الفصل عرضا مفصلا عن الاندماجات الفكرية و التصورات النقدية التي طرحها الجبرتي في كتابه عجائب الاثار، لذا ثمة اهمية بالغة و ارتباط جد وثيق بين الفصل الاول و الفصل الثاني، من حيث هو تطبيق عملي لنظريات الجبرتي الفكرية والتاريخية و السياسية و الاجتماعية .
ويعطي هذا الفصل الملامح التكوينية التي ثبتها الجبرتي عن الحملة الفرنسية و التي تمثلت في انطباعه الاول و الصدمة الفكرية التي تعرض لها الجبرتي، لا سيما بعد خطاب نابليون الذي وضع الجبرتي في صراع فكري عنيف من نوعه مع ما لديه من موروث فكري تاريخاني ووضع قيمه ومعرفته على المحك، وتحول خطير للانتقال من عصر الى عصر اخر، اذ خاطب نابليون اماني الجبرتي في منشوره الاول، وهذا ما تضمنه المبحث الاول، الذي ركز على الصدمة الاولى للحملة ومن ثم اعطاء الانطباع عن التحديث الذي شهدته مصر وعجز العقل المصري عن انتاج بنيوية تحديثية اصيلة .
لقد درجنا على توصيف نظام الحكم الفرنسي في مصر، واليات الحكم وخصائصه، اذ اشتمل المبحث الثاني على تبيان النظام الديمقراطي ونقل التجربة الفرنسية الى مصر من خلال النظام الاداري و السياسي لحكم "مصر نابليون ".
اما المبحث الثالث فكان لتوضيح الانجازات الفرنسية على كافة الاصعدة في مصر، والتي احدثت التغييرات البنيوية ليس في البناء الحضاري فحسب، بل حتى – فيما بعد – بالفكر المصري الحديث، الذي ظهرت بوادره في فترة محمد علي ومايليها .
ان لكل مرحلة تاريخية اثار تفوق تلك الافعال التي حدثت، وقد يكون بعضها قصير المدى فتزول بزوال المؤثر، وقد تستمر الاثار على المدى البعيد و تلك هي الاكثر خطورة، اذ انها تقوم بفعل التحويل الفكري العقلي داخل اللاوعي و اللاشعور الذي تتركه تلك المؤثرات . فقد مثلت الحملة الفرنسية وعيا تاريخيا بكل المقاييس مخلفة اثارا جد عميقة على المجتمع و البنية العقلية المصرية، ولا نكاد نجافي الحقيقة اذا قلنا بان للحملة الفرنسية على العقل المصري اثارا جد عميقة بلغت اعادة تشكيل بنية العقل المصري و فكره، و انتجت - فيما بعد - رؤى و افكار مثلت ذلك التأثير الفرنسي، في الفن و الادب و التاريخ و حتى الجغرافيا و السينما و المسرح و التعليم، والى اليوم .
لذلك جاء الفصل الثالث[المصريون في ظل الحملة الفرنسية" دراسة نقدية في وصف الجبرتي للتحولات التاريخية و الفكرية "] ليظهر تلك المؤثرات و طريقة استيعابها من قبل المصريين، ثم تحولها الى فكر و بنى عقلية داخل المجتمع المصري . فكان المبحث الاول عن الحكم و الادارة الذي مثلته منذ زمن بعيد طبقة العلماء، ليظهر الاثر الذي تركته الحملة الفرنسية في هذه الطبقة التي تزعمت الفكر المصري منذ زمن بعيد .
وكان المبحث الثاني في الاثر الذي تركته الحملة على المجتمع المصري، ذلك الاثر الذي اظهر طبقات اجتماعية جديدة لم تكن تحلم ان تطفو على السطح لولا مجيء الحملة الفرنسية، لاسيما الطبقات الطائفية و الدينية، ثم التراتبية الاجتماعية التي مكنت طبقات لم يكن لها شأن يذكر من ان تكون طبقات ذات اثر ووعي و ادراك لما هي عليه .
و خلص المبحث الثالث الى التباين بين الانظمة الثلاث التي عاشتها مصر بين حكم العثمانيين و المماليك وثم الفرنسيين وعودة العثمانيين اليها، تلك الصيغ التي صيرت من كينونة المجتمع في عدة انحناءات على الرسم البياني للعقل المصري .
وتمثلت الخاتمة بالاستنتاجات التي توصل اليها الباحث من خلال الدراسة، والتي اعطت صورة مكتملة عن الحدث من خلال رؤية المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي و التي اعطت ملامح مكتملة من حيث هي مرتبطة بالواقع المصري انذاك، ومرتبطة برؤية الاخر الذي شكل الى يومنا الحالي عبئا على التكوين الفكري العربي .
صفحة 6
تمهيد
نـــــابـــليــــون و الجـبــــرتـــــــي
(اثر الموروث النصّي في تكوين صورة الآخر )
ان فهم الصيغة المتكاملة للحدث التاريخي الضخم بتراكماته الفكرية و النصّية، الذي اشتمل على موروثات نصية فائقة الضخامة من حيث تكوين الرؤية عن الاخر، و من اجل رسم صورة ذهنية دقيقة لذلك الحدث، لا بد من بداية تمهيدية، تقاس فيها صورتي الاطراف، طرف اسلامي ينتابه الشك فيما حوله، ويتطلع دائما الى التغيير، ويمتلك قابلية للتحليل المنطقي القائم على اسس نفسية تستند الى موروث فكري عاشه الجبرتي مع نفسه في معترك يتيح له الاستدلال المنطقي، اذ كان شخصية فاعلة في الحدث، وشاهد مباشر، اصبحت كتاباته المصدر الذي لا بديل له، رغم انه يطرح العديد من المشكلات، فهو ارستقراطي قاهري، واسع الثراء، ينتمي الى وسط العلماء ويرتبط عبر اواصر وثيقة بالفئة المملوكية المغلقة على نفسها، والتي كانت تحكم البلد، فهو يمتلك مفهوما جد شخصي لتاريخ بلاده، ورؤية جد خاصة للمجتمع الذي عاشه.
وقبل كل ما مضى، ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، وماهي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
ولان الحدث يشتمل على قطبين اولهما الفرنسيين ونابليون، و ثمة قابلية هنا للتفريق بين الفرنسيين من حيث هم شعب، وبين نابليون من حيث هو صيغة للحدث التاريخي، لان نابليون وحده استند على موروث جد نفسي و تخيلي عن الشرق، وانبثقت منه احلامه ورغباته التي قادته للتطلع الى الشرق، وعقليته التي تكونت بصعوبة و تعقيد لا يضاهى، والقطب الاخر هو الجبرتي و مصر، وتماما ينطبق عليه ما انطبق على نابليون، فكانت له ادواته في تحديد زاوية الرؤية للفرنسي من منطلقاته هو، وكأنه يقارن ويناظر بين تخيلات فكرية عاشها هو، وتلك المخيلة التي تمتع بها، وامتاز بقدرته على وضع الصور ومن ثم تحريرها وتحليلها في مخيلته ليخرج بذهنيته عن الواقع الذي يعيشه بصيغة نصية، و من ثم قدرته على فهم الاحداث ثم انعكاساتها على واقعه، هنا فقط يمكن ان تتحدد الصورة وأبعادها الدقيقة، في ضوء حقيقة ان الجبرتي كان له دافع، مثلما كان لنابليون، وراء الرصد ولم يكن مجرد مدون للحدث، فقد انطلق تدوينه من رؤية فكرية و سياسية خاصة به .
وبدءا من هذا النص الغريب الذي كتبه ليبنتز(1) وقدمه الى لويس الرابع عشر، الذي يقول : " المؤكد ان مصر كانت السبب الذي ادى بالمسيحيين الى فقد الاراضي المقدسة، كما كانت المنقذ للمحمديين(2)، الذين لولا امتلاكهم لها لاختفوا من على وجه الارض". يبين هذا النص مدى تجذر الصورة الذهنية عن الشرق ببعدها الديني، واندماجها اندماجا كليا في البعد الديني، لدرجة تفسير كل ما هو اسلامي بـ (محمدي)، والحقيقة ان عملية التفريق تلك، جاءت نتيجة سوء الفهم الذي تولد عن عدم المعرفة بالشرق جيدا، وتكوين الاساطير والصور الخرافية عن الشرق وعن صعوبة اقتحامه لان فيه الوحوش التي لاتقهر، ومرد ذلك كله الى الكينونة الغربية في عدم معرفة الشرق، لكن في الوقت نفسه، يقدم ليبنتز صورة اكثر وضوحا وقسوة، اذ يقترح على الملك لويس الرابع عشر غزو مصر، ويقول " هذا هو اضخم مشروع يمكن تصوره و الاكثر سهولة في تنفيذه، وان مصر من بين جميع بقاع العالم هي الافضل موقعا من اجل السيطرة على الدنيا و على البحار" (3).
كانت فرنسا هي البلد الوحيد الذي اقام اعتبارا من عام 1535 م علاقات مع سليمان القانوني(4)، بينما كانت الامبراطورية العثمانية لاتزال تثير رعب القوى المسيحية الاخرى، ومنذ ابرام معاهدة الامتيازات الاجنبية (5) استعادت المعادلة (الغرب / الاسلام / مصر ) اهميتها مرة اخرى، كما لو كانت فرنسا -في رغبتها لنسيان ذكريات القديس لويس (6) المؤلمة- قد ارادت اقامة تبادلات تجارية ضخمة مع مصر، ولما كان مفتاح القدس موجود منذ فترة قصيرة في القاهرة، فقد اصبحت الاسكندرية وكالة تجارية اجنبية انبأت عن العمليات التجارية الكبرى المستقبلية، وبعد عصر الحجاج بدأ عصر القناصل و معهم مشروعات غزو جديدة، وسريعا ما تم الوكالات التجارية الفرنسية في الاسكندرية و رشيد، وتدريجيا التفت الجاليات الغربية الصغيرة العدد حول فرنسا في البداية ثم فتحت القنصليات الخاصة بها بعد ذلك، وتمثل الدور الرئيسي لهذه القنصليات في حماية رعاياها والحفاظ على تجارتهم، وكان من البديهي ان يتوافر في العاملين بها صفات التجار قبل خضوعهم للقواعد والتقاليد الدبلوماسية التي تحدهم في دور القناصل(7) .
ومصر مركز القارة القديمة(افريقيا)، ولا يقدم هذا البلد سوى الذكريات العظيمة، فهي ارض الفنون و المعارف، وموطيء لاقدام عمالقة الفكر والفلسفة و السياسة، وصروحها الحضارية قد شيدت في زمن كانت فيه اوريا تخوض حروبا بربرية، في حين كانت مصر تتمتع -لزمن طويل- بالسيادة التجارية فاصبحت محط انظار واهتمام الامراء العظام الذين يتحكمون بمصائر الامم، ولم يحدث مرة ان امة من الامم حشدت لنفسها قوة ذات شأو في الغرب او في اسيا، دون ان تقودها هذه القوة باتجاه مصر، التي اعتبرتها هذه القوى بوجه من الوجوه نصيبها الطبيعي (8).
و لاجل فهم الموروث النصي الذي نتج عن المشاهدات العينية التي تركت - فيما بعد - اثرا واضحا في تكّون الصورة في الاخيلة الفرنسية، تلك الموروثات التي ظلت و ما تزال صورة نمطية-رغم الاندماج الحضاري- يشوبها الكثير من الغموض، لا سيما تلك التي كانت تنطلق من ايدولوجيا مستبقة تنبعث منها جذور العلاقات بين كل ماهو مسلم و مسيحي، ومن اجل تجاوز هذا الصراع القديم، سنتعامل معه من حيث هو موروث تاريخي نصي، ثم اثره على تصورات الفرنسيين تجاه مصر.
شهد القرن السادس عشر اتصالات اوربية جديدة بالشرق، بعد القطيعة التي حصلت اثر انتهاء الحروب الصليبية، في محاولة لدراسته واستكناه بواطنه، وكانت اولى تلك المحاولات هي المطبعة العربية التي امر البابا جوليوس الثاني بتأسيسها في ايطاليا، ونشرت اول كتاب باللغة العربية عام 1514م، وفي القرن ذاته ظهرت اولى الكتابات الهامة عن مصر باللغة الفرنسية سجلها الرحالة الفرنسيون الذين زاروا مصر خلال هذه الفترة، وتم تداول هذه الكتابات من قصر الى قصر، وبقي البعض منها مخطوطا حتى تم طبعه، و تمثل هذه الكتابات وثائقتاريخية مهمة لاثرها في تكون الصورة النمطية عن الشرق، وقد اعتبر الفرنسيون ان اكتشاف مصر و الشرق مغامرة محببة اليهم، لان الشرق كان بعيدا عنهم بعد النجوم كما صورته بعض الكتابات الاوربية (9).
وتميزت الرحلات الاستكشافية للرحالة الفرنسيين الذين زاروا مصر في القرن السادس عشر، بانها كانت تظم في معظمها رجال الدين الذين حرصوا عل تأدية فريضة الحج الى بلاد الشام(القدس)، فضلا عن زيارة الاماكن المقدسة المسيحية في مصر. يضاف الى ذلك انهم قد كلفوا بمهام سياسية، كنقل الرسائل من القادة الاوربيون الى الدولة العثمانية، او التجسس او غيرها، وكان البعض منهم عالما طبيعيا والجغرافي والشاعر و الاديب، وقد زار هؤلاء مصر ابتداء من عهد لويس الثاني عشر حتى هنري الثالث ورحلاتهم جميعا تمت بعد ان اصبحت مصر ولاية عثمانية عام 1517م (10) .
و في عام 1769 م، وهو العام الذي ولد فيه نابليون بونابرت، حدث تحول وانتقال من الشعور بالتهديد التركي على الغرب المسيحي الذي يرجع الى ثلاثة قرون، الى ولع بحضارة الاسلام، وظهر الاهتمام بشخصية النبي عليه الصلاة والسلام، فدفع فولتير (11)، كل مفكري عصره في هذا الامر بدورهم .
وقد تحولت صورة النبي عليه الصلاة والسلام تحولا كبيرا بعد دراسة المستشرقين لها وتفسيرها وتعميمها، فلم يعد بعد هذا((الافاق))و((الكذاب)) (12)، الذي وصفه منظروا و مصنفوا نخب العصور الوسطى، وانتهت تلك الصورة التي جاء بها، اذا انه تحول من رجل ليس معه الا القليل الى نشر دين عظيم و بناء امبراطورية عظيمة(13).
نـــــابـــليــــون و الجـبــــرتـــــــي
(اثر الموروث النصّي في تكوين صورة الآخر )
ان فهم الصيغة المتكاملة للحدث التاريخي الضخم بتراكماته الفكرية و النصّية، الذي اشتمل على موروثات نصية فائقة الضخامة من حيث تكوين الرؤية عن الاخر، و من اجل رسم صورة ذهنية دقيقة لذلك الحدث، لا بد من بداية تمهيدية، تقاس فيها صورتي الاطراف، طرف اسلامي ينتابه الشك فيما حوله، ويتطلع دائما الى التغيير، ويمتلك قابلية للتحليل المنطقي القائم على اسس نفسية تستند الى موروث فكري عاشه الجبرتي مع نفسه في معترك يتيح له الاستدلال المنطقي، اذ كان شخصية فاعلة في الحدث، وشاهد مباشر، اصبحت كتاباته المصدر الذي لا بديل له، رغم انه يطرح العديد من المشكلات، فهو ارستقراطي قاهري، واسع الثراء، ينتمي الى وسط العلماء ويرتبط عبر اواصر وثيقة بالفئة المملوكية المغلقة على نفسها، والتي كانت تحكم البلد، فهو يمتلك مفهوما جد شخصي لتاريخ بلاده، ورؤية جد خاصة للمجتمع الذي عاشه.
وقبل كل ما مضى، ينبغي علينا فهم الرؤية المستبقة للفرنسي حين دخوله مصر، ثم اليات التخيل، وكيف تكونت تلك الصورة و ماهي ابعادها، وماهي المرجعية الفكرية و المفاهيمية التي استندت عليها محفزات تلك الصورة الذهنية، ثم ماهي الموروثات النصية التي اعتمدت عليها تلك الاخيلة الفرنسية في تكوين الرؤى والصور عن الاخر الذي ظل مجهولا حتى دخول الحملة الفرنسية الى مصر عام 1798.
ولان الحدث يشتمل على قطبين اولهما الفرنسيين ونابليون، و ثمة قابلية هنا للتفريق بين الفرنسيين من حيث هم شعب، وبين نابليون من حيث هو صيغة للحدث التاريخي، لان نابليون وحده استند على موروث جد نفسي و تخيلي عن الشرق، وانبثقت منه احلامه ورغباته التي قادته للتطلع الى الشرق، وعقليته التي تكونت بصعوبة و تعقيد لا يضاهى، والقطب الاخر هو الجبرتي و مصر، وتماما ينطبق عليه ما انطبق على نابليون، فكانت له ادواته في تحديد زاوية الرؤية للفرنسي من منطلقاته هو، وكأنه يقارن ويناظر بين تخيلات فكرية عاشها هو، وتلك المخيلة التي تمتع بها، وامتاز بقدرته على وضع الصور ومن ثم تحريرها وتحليلها في مخيلته ليخرج بذهنيته عن الواقع الذي يعيشه بصيغة نصية، و من ثم قدرته على فهم الاحداث ثم انعكاساتها على واقعه، هنا فقط يمكن ان تتحدد الصورة وأبعادها الدقيقة، في ضوء حقيقة ان الجبرتي كان له دافع، مثلما كان لنابليون، وراء الرصد ولم يكن مجرد مدون للحدث، فقد انطلق تدوينه من رؤية فكرية و سياسية خاصة به .
وبدءا من هذا النص الغريب الذي كتبه ليبنتز(1) وقدمه الى لويس الرابع عشر، الذي يقول : " المؤكد ان مصر كانت السبب الذي ادى بالمسيحيين الى فقد الاراضي المقدسة، كما كانت المنقذ للمحمديين(2)، الذين لولا امتلاكهم لها لاختفوا من على وجه الارض". يبين هذا النص مدى تجذر الصورة الذهنية عن الشرق ببعدها الديني، واندماجها اندماجا كليا في البعد الديني، لدرجة تفسير كل ما هو اسلامي بـ (محمدي)، والحقيقة ان عملية التفريق تلك، جاءت نتيجة سوء الفهم الذي تولد عن عدم المعرفة بالشرق جيدا، وتكوين الاساطير والصور الخرافية عن الشرق وعن صعوبة اقتحامه لان فيه الوحوش التي لاتقهر، ومرد ذلك كله الى الكينونة الغربية في عدم معرفة الشرق، لكن في الوقت نفسه، يقدم ليبنتز صورة اكثر وضوحا وقسوة، اذ يقترح على الملك لويس الرابع عشر غزو مصر، ويقول " هذا هو اضخم مشروع يمكن تصوره و الاكثر سهولة في تنفيذه، وان مصر من بين جميع بقاع العالم هي الافضل موقعا من اجل السيطرة على الدنيا و على البحار" (3).
كانت فرنسا هي البلد الوحيد الذي اقام اعتبارا من عام 1535 م علاقات مع سليمان القانوني(4)، بينما كانت الامبراطورية العثمانية لاتزال تثير رعب القوى المسيحية الاخرى، ومنذ ابرام معاهدة الامتيازات الاجنبية (5) استعادت المعادلة (الغرب / الاسلام / مصر ) اهميتها مرة اخرى، كما لو كانت فرنسا -في رغبتها لنسيان ذكريات القديس لويس (6) المؤلمة- قد ارادت اقامة تبادلات تجارية ضخمة مع مصر، ولما كان مفتاح القدس موجود منذ فترة قصيرة في القاهرة، فقد اصبحت الاسكندرية وكالة تجارية اجنبية انبأت عن العمليات التجارية الكبرى المستقبلية، وبعد عصر الحجاج بدأ عصر القناصل و معهم مشروعات غزو جديدة، وسريعا ما تم الوكالات التجارية الفرنسية في الاسكندرية و رشيد، وتدريجيا التفت الجاليات الغربية الصغيرة العدد حول فرنسا في البداية ثم فتحت القنصليات الخاصة بها بعد ذلك، وتمثل الدور الرئيسي لهذه القنصليات في حماية رعاياها والحفاظ على تجارتهم، وكان من البديهي ان يتوافر في العاملين بها صفات التجار قبل خضوعهم للقواعد والتقاليد الدبلوماسية التي تحدهم في دور القناصل(7) .
ومصر مركز القارة القديمة(افريقيا)، ولا يقدم هذا البلد سوى الذكريات العظيمة، فهي ارض الفنون و المعارف، وموطيء لاقدام عمالقة الفكر والفلسفة و السياسة، وصروحها الحضارية قد شيدت في زمن كانت فيه اوريا تخوض حروبا بربرية، في حين كانت مصر تتمتع -لزمن طويل- بالسيادة التجارية فاصبحت محط انظار واهتمام الامراء العظام الذين يتحكمون بمصائر الامم، ولم يحدث مرة ان امة من الامم حشدت لنفسها قوة ذات شأو في الغرب او في اسيا، دون ان تقودها هذه القوة باتجاه مصر، التي اعتبرتها هذه القوى بوجه من الوجوه نصيبها الطبيعي (8).
و لاجل فهم الموروث النصي الذي نتج عن المشاهدات العينية التي تركت - فيما بعد - اثرا واضحا في تكّون الصورة في الاخيلة الفرنسية، تلك الموروثات التي ظلت و ما تزال صورة نمطية-رغم الاندماج الحضاري- يشوبها الكثير من الغموض، لا سيما تلك التي كانت تنطلق من ايدولوجيا مستبقة تنبعث منها جذور العلاقات بين كل ماهو مسلم و مسيحي، ومن اجل تجاوز هذا الصراع القديم، سنتعامل معه من حيث هو موروث تاريخي نصي، ثم اثره على تصورات الفرنسيين تجاه مصر.
شهد القرن السادس عشر اتصالات اوربية جديدة بالشرق، بعد القطيعة التي حصلت اثر انتهاء الحروب الصليبية، في محاولة لدراسته واستكناه بواطنه، وكانت اولى تلك المحاولات هي المطبعة العربية التي امر البابا جوليوس الثاني بتأسيسها في ايطاليا، ونشرت اول كتاب باللغة العربية عام 1514م، وفي القرن ذاته ظهرت اولى الكتابات الهامة عن مصر باللغة الفرنسية سجلها الرحالة الفرنسيون الذين زاروا مصر خلال هذه الفترة، وتم تداول هذه الكتابات من قصر الى قصر، وبقي البعض منها مخطوطا حتى تم طبعه، و تمثل هذه الكتابات وثائقتاريخية مهمة لاثرها في تكون الصورة النمطية عن الشرق، وقد اعتبر الفرنسيون ان اكتشاف مصر و الشرق مغامرة محببة اليهم، لان الشرق كان بعيدا عنهم بعد النجوم كما صورته بعض الكتابات الاوربية (9).
وتميزت الرحلات الاستكشافية للرحالة الفرنسيين الذين زاروا مصر في القرن السادس عشر، بانها كانت تظم في معظمها رجال الدين الذين حرصوا عل تأدية فريضة الحج الى بلاد الشام(القدس)، فضلا عن زيارة الاماكن المقدسة المسيحية في مصر. يضاف الى ذلك انهم قد كلفوا بمهام سياسية، كنقل الرسائل من القادة الاوربيون الى الدولة العثمانية، او التجسس او غيرها، وكان البعض منهم عالما طبيعيا والجغرافي والشاعر و الاديب، وقد زار هؤلاء مصر ابتداء من عهد لويس الثاني عشر حتى هنري الثالث ورحلاتهم جميعا تمت بعد ان اصبحت مصر ولاية عثمانية عام 1517م (10) .
و في عام 1769 م، وهو العام الذي ولد فيه نابليون بونابرت، حدث تحول وانتقال من الشعور بالتهديد التركي على الغرب المسيحي الذي يرجع الى ثلاثة قرون، الى ولع بحضارة الاسلام، وظهر الاهتمام بشخصية النبي عليه الصلاة والسلام، فدفع فولتير (11)، كل مفكري عصره في هذا الامر بدورهم .
وقد تحولت صورة النبي عليه الصلاة والسلام تحولا كبيرا بعد دراسة المستشرقين لها وتفسيرها وتعميمها، فلم يعد بعد هذا((الافاق))و((الكذاب)) (12)، الذي وصفه منظروا و مصنفوا نخب العصور الوسطى، وانتهت تلك الصورة التي جاء بها، اذا انه تحول من رجل ليس معه الا القليل الى نشر دين عظيم و بناء امبراطورية عظيمة(13).
صفحة 7
و لا تزال صورة النبي في ذهنية الغرب -رغم تغيرها- تلك الشخصية شخصية الافاق و الكذاب، ولكن بدلا من ان تكون للشخص قليل الذكاء، والغشاش الذي كان يقدم فيما قبل، اصبح الامر يتعلق الان بعقلية راقية، تتبع خطة معدة سلفا، تهدف الى تحول جذري لضمان سيطرة العرب على العالم، ومزج الديانات فيما بينها،انها شخصية مستعدة لبلوغ غاياتها واستخدام كل الوسائل الممكنة، فهو فوق كل القواعد الاخيلة -بوجهة نظرهم- وقد اصبح جذابا وساحرا، ولكن ظل في الوقت ذاته "شيطانيا" والحق ان هذه الاسطورة الغربية عن النبي عليه الصلاة والسلام، تم بصورة خاصة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وتحول الى شبح يلح على الضمير الغربي و العبقرية التي تعلو على كل الاخلاق(14).وهناك جانب خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجذب الانتباه و يثير الاعجاب بمواهبه "كمشرع"(15) ففي ذلك الوقت كانت الثورة الفرنسية على وشك الاندلاع و كانت اوربا تبحث عن سبل سياسية واجتماعية جديدة للسماح للشعوب الوصول بصورة جماعية الى " العصور الحديثة " واقتبس المفكرون و فلاسفة عصر التنوير من مثل هذه الامثلة التاريخية، وكذلك الحال بالنسبة للعملية التي تثبت ان الشعوب القاهرة تنتهي على الاغلب بان يقهرها من قهرته، مثلما حدث بالنسبة للغزوات الالمانية في اوربا و المغولية في ديار الاسلام(16).
و قدر تعلق الامر بالاثر الذي تركته كتابات فولتير (17) على نابليون، فرغم ان فولتير قد اشار الى ان العرب الذين لم يريدوا من العلوم سوى القرآن، فقد حاولو اظهار ان عبقريتهم تمتد الى كل المجالات، ولكن نابليون فهمها على استكناه لمخيلة العرب المهيمنين ببناء الحضارة ونشر العلوم و المعارف وجعل ذلك وسيلة للوصول الى الاهداف المرجوة، وبقيادته لجيش من العلماء - فيما بعد - حاول نابليون عبثا تقليد شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن الشخصية التي رسمها فولتير، وهنا فان عربي الغزوات الاولى و العرب"الغازين" يتصرفون وكانهم بناة امبراطوريات اوربيون، فبعد الغزو مباشرة تحين مرحلة الاستغلال التي تقوم اساسا على انشاء بنية تحتية للنقل، وان عربي الغزوات الاولى يشبه في سمات كثيرة الاوربي الغازي، وهذا التماثل لا يقتصر فقط على الممارسة العلمية فحسب، بل ايضا على البحث العلمي، تلك هي الطريقة التي فهم فيها نابليون ما كتبه فولتير (18).
و في الواقع سيطر مفهوم " الاستبداد المستنير الشرقي " خلال القرن الثامن عشر على كتابات مونتسكيو(19) وارائه منذ نشره في عام 1748 م لمؤلفه (روح القوانين)، ورغم تلك الكتابات عن محمدعليه الصلاة والسلام فان كتابات فولتير هي التي اثارت ولع القراء، واثرت عليهم، ومرد ذلك الى ان شهرة المؤلف وتعدد اصداراته هي التي روجّت "الاعمال عن محمد" حتى وان لم تكن مطابقة للصورة الجديدة عن الاسلام ورسوله، وفي الوقع يتحدث فولتير عن الرسول كما لو كان يتحدث عن شخصية ميكافيللية - وهي شخصية نابليون فيما بعد -، وهناك كاتبان لا يقلان اهمية عن فولتير، انطلقا من مفهومه ذلك، وجعلا من "محمد" وديانته قوتهما الضاربة، واكتسبا بفضله شهرة واسعة، هما سافاري Savary، و فولني Volney ، ويعكس كلاهما تناقضات صورة فولتير، وقد لعبا دورا حاسما في نقل المساجلة الفلسفية الخالصة نحو تنفيذمشروع غزو مصر (20).وهكذا فان اعجاب نابليون بمحمدعليه الصلاة والسلام نشأ اساسا من تأثير كتابات فولتير و فولني وسافاري كما سيمر بنا.
كانت لجميع المشاريع الاستشراقية قبل نابليون خصيصة مميزة هي أنه لم يكن ثمة إلا القليل مما يمكن القيام به مسبقا من أجل نجاح المشروع،فلقد تعلم السابقون ما تعلموه حول الشرق بعد أن وصلوا إليه،وكانوا يجابهون الشرق بأكمله،ولم يستطيعوا إلا بعد زمن،وبعد درجة عالية من الارتجال،أن يشذبوا الشرق إلى إقليم أصغر،لكن نابليون بالمقابل،لم يكن يهدف إلى ما هو أقل من أخذ مصر بأكملها،وكانت تجهيزاته السابقة للحملة ضخمة ومحكمة بصورة لا مثيل لها،،ورغم ذلك،فقد كانت التجهيزات خططية إلى درجة التعصب مبنية على تخطيط متقن وكانت، نصية، اذ اعتمدت على موروث نصي كبير،ويبدو أن أشياء ثلاثة كانت،في بال نابليون وهو يعد العدة في ايطاليا عام 1797 لتحركه العسكري التالي.أولا،والى جانب قوة انكلترا التي كانت لاتزال تهدده،لم تترك له انتصاراته العسكرية،التي توجتها معاهدة كامبوفورميو(21)، مكانا آخر يتجه إليه لتحقيق مجد آخر عدا الشرق، و فضلا عن هذا فقد كان تاليران (22)،قبل ذلك بوقت قصير قد أشار إلى المزايا التي تجتنى من المستعمرات الجديدة في الظروف الحاضرة.وقد قاده هذا المفهوم،جنبا إلى جنب مع الاحتمال الجذاب لإيقاع الأذى ببريطانيا،باتجاه الشرق،ثانيا،كان نابليون قد انجذب إلى الشرق منذ صباه،وتحتوي مخطوطات شبابه،مثلا،على تلخيص قام به لكتاب مارينيي(تاريخ العرب)؛وجلي من كتاباته وأحاديثه انه كان مفعما،بالذكريات والأمجاد التي كانت قد ارتبطت بالاسكندر المقدوني بشكل عام،وبمصر بشكل خاص(23).
ومن ثم فان فكرة فتح مصر من جديد و كأنه اسكندر جديد،قد طرحت نفسها عليه،مدعمة الآن بالفائدة الإضافية المتمثلة في اكتساب مستعمرة إسلامية جديدة على حساب انكلترا.
ثالثا ، اعتبر نابليون مصر مشروعا ممكنا بالضبط لأنه عرف مصر تكتيكيا،واستراتيجيا،وتاريخيا،وكذلك نصّيا،وما يقصد به نصّيا هنا هو كون مصر شيئا قرأ المرء عنه وخبره عبر كتابات ثقات أوربيين محدثين وكلاسيكيين،وموضع الدلالة في هذا كله هو أن مصر بالنسبة لنابليون كانت مشروعا اكتسب وجودا حقيقيا في ذهنه،ثم في تجهيزاته لفتحها،من خلال تجارب تنتمي إلى مملكة الأفكار والأساطير المستنبطة من النصوص،لا من الواقع التجريبي،ولذلك صارت الخطط التي وضعها لمصر الأولى في سلسلة طويلة من المواجهات الأوربية مع الشرق سخِّرت فيها معرفة المستشرق الخابرة لأغراض استعمارية بصورة مباشرة،ذلك أنه في اللحظة الحاسمة التي كان فيها على المستشرق أن يقر ما إذا كان ولائه وتعاطفه مع الشرق أو مع الغرب الفاتح،اختار المستشرق الغرب دائما،منذ زمن نابليون وحتى اللحظة الحاضرة،أما فيما يخص نابليون نفسه فإنه رأى الشرق كما كان قد رُمِّز في البدء،أولا في النصوص الكلاسيكية ثم من قبل الخبراء الاستشراقيين الذين بدت رؤياهم مبنية على النصوص الكلاسيكية،بديلا مفيدا للمواجهة الفعلية مع الشرق الحقيقي(24).
وإدراج نابليون لعدد كبير من المختصين في حملته المصرية من الشهرة بحيث لا يتطلب تفصيلا،وكانت فكرته أن يؤسس نوعا من سجل حي للمحفوظات عن حملته،في صورة دراسات حول الموضوعات الممكنة،يقوم بها أعضاء معهد مصر الذي أنشأه،غير أن ما قد يكون أقل شهرة هو اعتماء نابليون السابق على الحملة على دراسات كونت دو فولني،وهو رحالة فرنسي نشر كتابه رحلة إلى مصر وسورية في مجلدين عام 1787،لقد رأى في فولني عالما مهمته دائما هي أن يسجل الحالة الوجودية للأشياء التي يراها،وكانت آراء فولني في الإسلام بوصفه دينا ونظاما من المؤسسات السياسية عدائية،عداء شرائعيا،ومع ذلك فقد وجد نابليون هذا العمل،وكتاب فولني الآخر((نظرات في الحرب الراهنة للأتراك 1788))ذوي أهمية خاصة،فقد كان فولني في الحساب الأخير،فرنسيا حكيما قد عاين الشرق الأدنى بوصفه مكانايحتمل أن تتحقق الطموحات الفرنسية الاستعمارية فيه،وكان ما أفاده نابليون من عمل فولني هو تعداد العقبات التي لابد أن تواجهها أي حملة فرنسية في الشرق،في سلم تصاعدي تبعا لدرجة الصعوبة(25).
و يشير نابليون صراحة في تأملاته الى فولني حول الحملة المصرية حين كان في جزيرة القديسة هيلانة قائلا: ان فولني رأى ان ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق، وان اية قوة فرنسية لا بد ان تحارب - لذلك - ثلاثة حروب : الاولى ضد انكلترا، والثانية ضد الباب العالي العثماني، والثالثة وهي اكثرها صعوبة، ضد المسلمين، ولقد كان تقدير فولني تقدير داهية متمرس ويصعب جدا ان يخطئ، اذ كان واضحا لنابليون كما سيكون لكل من يقرأ فولني، ان رحلته ونظراته كانا نصين ناجعين لاستخدام اي اوربي يود ان يحظى بالنجاح في الشرق، وبكلمات اخرى، فقد شكل عمل فولني دليلا كتابيا لتخفيف حدة الصدمة الانسانية التي ربما شعر بها الاوربي لحظة تجربته المباشرة للشرق .
ويبدو ان اطروحة فولني كانت التالية : اقرأ الكتابين، وبدلا من ان تصاب بحس الخيبة بالشرق، فانك ستشد الشرق اليك (26).
لقد فهم نابليون فولني فهما حرفيا تقريبا، لكن بطريقة تميز بها من حيث الرهافة و اللطافة، ومنذ الظهور الاول لجيش فرنسا على الافق المصري، بذل نابليون ما في وسعه من جهد لاقناع المسلمين بـ(اننا نحن المسلمون الحقيقيون)، ومتسلحا بفريق من المستشرقين، جالسا في سفينة القيادة المسماة (الشرق) واستغل عداء المصريين للمماليك والجاذبية التي حملتها الفكرة الثورية الفرنسية عن تساوي الفرص امام الجميع، ليشن ضد الاسلام حربا فريدة في وقتها و انتقائها، وكان ما ترك اعمق الاثر في نفس الجبرتي، اعتماد نابليون على الباحثين ليديروا اتصالاته مع السكان المحليين، ولقد حاول نابليون في كل وقت ومكان ان يبرهن انه كان يحارب من اجل الاسلام، وقد ترجم ما قاله الى عربية قرآنية، تماما كما كان قواد الجيش الفرنسي قد حثوا جنودهم على تذكر الحساسية الاسلامية دائما(27).
و قدر تعلق الامر بالاثر الذي تركته كتابات فولتير (17) على نابليون، فرغم ان فولتير قد اشار الى ان العرب الذين لم يريدوا من العلوم سوى القرآن، فقد حاولو اظهار ان عبقريتهم تمتد الى كل المجالات، ولكن نابليون فهمها على استكناه لمخيلة العرب المهيمنين ببناء الحضارة ونشر العلوم و المعارف وجعل ذلك وسيلة للوصول الى الاهداف المرجوة، وبقيادته لجيش من العلماء - فيما بعد - حاول نابليون عبثا تقليد شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن الشخصية التي رسمها فولتير، وهنا فان عربي الغزوات الاولى و العرب"الغازين" يتصرفون وكانهم بناة امبراطوريات اوربيون، فبعد الغزو مباشرة تحين مرحلة الاستغلال التي تقوم اساسا على انشاء بنية تحتية للنقل، وان عربي الغزوات الاولى يشبه في سمات كثيرة الاوربي الغازي، وهذا التماثل لا يقتصر فقط على الممارسة العلمية فحسب، بل ايضا على البحث العلمي، تلك هي الطريقة التي فهم فيها نابليون ما كتبه فولتير (18).
و في الواقع سيطر مفهوم " الاستبداد المستنير الشرقي " خلال القرن الثامن عشر على كتابات مونتسكيو(19) وارائه منذ نشره في عام 1748 م لمؤلفه (روح القوانين)، ورغم تلك الكتابات عن محمدعليه الصلاة والسلام فان كتابات فولتير هي التي اثارت ولع القراء، واثرت عليهم، ومرد ذلك الى ان شهرة المؤلف وتعدد اصداراته هي التي روجّت "الاعمال عن محمد" حتى وان لم تكن مطابقة للصورة الجديدة عن الاسلام ورسوله، وفي الوقع يتحدث فولتير عن الرسول كما لو كان يتحدث عن شخصية ميكافيللية - وهي شخصية نابليون فيما بعد -، وهناك كاتبان لا يقلان اهمية عن فولتير، انطلقا من مفهومه ذلك، وجعلا من "محمد" وديانته قوتهما الضاربة، واكتسبا بفضله شهرة واسعة، هما سافاري Savary، و فولني Volney ، ويعكس كلاهما تناقضات صورة فولتير، وقد لعبا دورا حاسما في نقل المساجلة الفلسفية الخالصة نحو تنفيذمشروع غزو مصر (20).وهكذا فان اعجاب نابليون بمحمدعليه الصلاة والسلام نشأ اساسا من تأثير كتابات فولتير و فولني وسافاري كما سيمر بنا.
كانت لجميع المشاريع الاستشراقية قبل نابليون خصيصة مميزة هي أنه لم يكن ثمة إلا القليل مما يمكن القيام به مسبقا من أجل نجاح المشروع،فلقد تعلم السابقون ما تعلموه حول الشرق بعد أن وصلوا إليه،وكانوا يجابهون الشرق بأكمله،ولم يستطيعوا إلا بعد زمن،وبعد درجة عالية من الارتجال،أن يشذبوا الشرق إلى إقليم أصغر،لكن نابليون بالمقابل،لم يكن يهدف إلى ما هو أقل من أخذ مصر بأكملها،وكانت تجهيزاته السابقة للحملة ضخمة ومحكمة بصورة لا مثيل لها،،ورغم ذلك،فقد كانت التجهيزات خططية إلى درجة التعصب مبنية على تخطيط متقن وكانت، نصية، اذ اعتمدت على موروث نصي كبير،ويبدو أن أشياء ثلاثة كانت،في بال نابليون وهو يعد العدة في ايطاليا عام 1797 لتحركه العسكري التالي.أولا،والى جانب قوة انكلترا التي كانت لاتزال تهدده،لم تترك له انتصاراته العسكرية،التي توجتها معاهدة كامبوفورميو(21)، مكانا آخر يتجه إليه لتحقيق مجد آخر عدا الشرق، و فضلا عن هذا فقد كان تاليران (22)،قبل ذلك بوقت قصير قد أشار إلى المزايا التي تجتنى من المستعمرات الجديدة في الظروف الحاضرة.وقد قاده هذا المفهوم،جنبا إلى جنب مع الاحتمال الجذاب لإيقاع الأذى ببريطانيا،باتجاه الشرق،ثانيا،كان نابليون قد انجذب إلى الشرق منذ صباه،وتحتوي مخطوطات شبابه،مثلا،على تلخيص قام به لكتاب مارينيي(تاريخ العرب)؛وجلي من كتاباته وأحاديثه انه كان مفعما،بالذكريات والأمجاد التي كانت قد ارتبطت بالاسكندر المقدوني بشكل عام،وبمصر بشكل خاص(23).
ومن ثم فان فكرة فتح مصر من جديد و كأنه اسكندر جديد،قد طرحت نفسها عليه،مدعمة الآن بالفائدة الإضافية المتمثلة في اكتساب مستعمرة إسلامية جديدة على حساب انكلترا.
ثالثا ، اعتبر نابليون مصر مشروعا ممكنا بالضبط لأنه عرف مصر تكتيكيا،واستراتيجيا،وتاريخيا،وكذلك نصّيا،وما يقصد به نصّيا هنا هو كون مصر شيئا قرأ المرء عنه وخبره عبر كتابات ثقات أوربيين محدثين وكلاسيكيين،وموضع الدلالة في هذا كله هو أن مصر بالنسبة لنابليون كانت مشروعا اكتسب وجودا حقيقيا في ذهنه،ثم في تجهيزاته لفتحها،من خلال تجارب تنتمي إلى مملكة الأفكار والأساطير المستنبطة من النصوص،لا من الواقع التجريبي،ولذلك صارت الخطط التي وضعها لمصر الأولى في سلسلة طويلة من المواجهات الأوربية مع الشرق سخِّرت فيها معرفة المستشرق الخابرة لأغراض استعمارية بصورة مباشرة،ذلك أنه في اللحظة الحاسمة التي كان فيها على المستشرق أن يقر ما إذا كان ولائه وتعاطفه مع الشرق أو مع الغرب الفاتح،اختار المستشرق الغرب دائما،منذ زمن نابليون وحتى اللحظة الحاضرة،أما فيما يخص نابليون نفسه فإنه رأى الشرق كما كان قد رُمِّز في البدء،أولا في النصوص الكلاسيكية ثم من قبل الخبراء الاستشراقيين الذين بدت رؤياهم مبنية على النصوص الكلاسيكية،بديلا مفيدا للمواجهة الفعلية مع الشرق الحقيقي(24).
وإدراج نابليون لعدد كبير من المختصين في حملته المصرية من الشهرة بحيث لا يتطلب تفصيلا،وكانت فكرته أن يؤسس نوعا من سجل حي للمحفوظات عن حملته،في صورة دراسات حول الموضوعات الممكنة،يقوم بها أعضاء معهد مصر الذي أنشأه،غير أن ما قد يكون أقل شهرة هو اعتماء نابليون السابق على الحملة على دراسات كونت دو فولني،وهو رحالة فرنسي نشر كتابه رحلة إلى مصر وسورية في مجلدين عام 1787،لقد رأى في فولني عالما مهمته دائما هي أن يسجل الحالة الوجودية للأشياء التي يراها،وكانت آراء فولني في الإسلام بوصفه دينا ونظاما من المؤسسات السياسية عدائية،عداء شرائعيا،ومع ذلك فقد وجد نابليون هذا العمل،وكتاب فولني الآخر((نظرات في الحرب الراهنة للأتراك 1788))ذوي أهمية خاصة،فقد كان فولني في الحساب الأخير،فرنسيا حكيما قد عاين الشرق الأدنى بوصفه مكانايحتمل أن تتحقق الطموحات الفرنسية الاستعمارية فيه،وكان ما أفاده نابليون من عمل فولني هو تعداد العقبات التي لابد أن تواجهها أي حملة فرنسية في الشرق،في سلم تصاعدي تبعا لدرجة الصعوبة(25).
و يشير نابليون صراحة في تأملاته الى فولني حول الحملة المصرية حين كان في جزيرة القديسة هيلانة قائلا: ان فولني رأى ان ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق، وان اية قوة فرنسية لا بد ان تحارب - لذلك - ثلاثة حروب : الاولى ضد انكلترا، والثانية ضد الباب العالي العثماني، والثالثة وهي اكثرها صعوبة، ضد المسلمين، ولقد كان تقدير فولني تقدير داهية متمرس ويصعب جدا ان يخطئ، اذ كان واضحا لنابليون كما سيكون لكل من يقرأ فولني، ان رحلته ونظراته كانا نصين ناجعين لاستخدام اي اوربي يود ان يحظى بالنجاح في الشرق، وبكلمات اخرى، فقد شكل عمل فولني دليلا كتابيا لتخفيف حدة الصدمة الانسانية التي ربما شعر بها الاوربي لحظة تجربته المباشرة للشرق .
ويبدو ان اطروحة فولني كانت التالية : اقرأ الكتابين، وبدلا من ان تصاب بحس الخيبة بالشرق، فانك ستشد الشرق اليك (26).
لقد فهم نابليون فولني فهما حرفيا تقريبا، لكن بطريقة تميز بها من حيث الرهافة و اللطافة، ومنذ الظهور الاول لجيش فرنسا على الافق المصري، بذل نابليون ما في وسعه من جهد لاقناع المسلمين بـ(اننا نحن المسلمون الحقيقيون)، ومتسلحا بفريق من المستشرقين، جالسا في سفينة القيادة المسماة (الشرق) واستغل عداء المصريين للمماليك والجاذبية التي حملتها الفكرة الثورية الفرنسية عن تساوي الفرص امام الجميع، ليشن ضد الاسلام حربا فريدة في وقتها و انتقائها، وكان ما ترك اعمق الاثر في نفس الجبرتي، اعتماد نابليون على الباحثين ليديروا اتصالاته مع السكان المحليين، ولقد حاول نابليون في كل وقت ومكان ان يبرهن انه كان يحارب من اجل الاسلام، وقد ترجم ما قاله الى عربية قرآنية، تماما كما كان قواد الجيش الفرنسي قد حثوا جنودهم على تذكر الحساسية الاسلامية دائما(27).
صفحة 8
هكذا يمكن رسم الصورة المصرية (الشرق) في مخيلة نابليون و الفرنسيين بطريقة من الدقة بمكان ترصد التحولات الكبيرة التي شهدتها الصورة النمطية، حتى اصبحت بشكل مستقر في ذهنية نابليون، فبعد ان كان الاسلام وحشا غيبيا في تخيلات الاوربيين لا سيما ما قبل الحروب الصليبية، وتلك الاساطير التي ظهرت حول عدم امكانية هزيمة جيش من المسلمين، نرى الصورة تبدلت وتحولت اثناء الحروب الصليبية وما بعدها، ثم ما فتئت تلك الصورة تتغير لا سيما بعد الحملات النصية التي مثلها الرحالة الذين استكشفوا الشرق عن قرب، وبدأت الصورة تأخذ شكلا اكثر خطورة مما كانت عليه، فبعد ان كانت صورة قائمة على التخلف و الهمجية، اصبحت وبفضل فولتير، قائمة على الذكاء المتقن، ولكنها في الوقت ذاته عدائية، وقد ادرك نابليون من كل ذلك انه ينبغي عليه ان يحسن انشاء المعادلة، فاختار ان يكون(مسلما)على ان يكون عدوا لهم(28).
وفيما يخص نظرة العرب للآخر-الغرب-،فان المسألة تأخذ أبعادا أخرى،فالشرق بوصفه حيزا فكريا وحضاريا،يتقاطع عمليا وفعليا مع الموروث الاستشراقي الغربي،باستثناء مسألة التنصيص التي قام بها الغرب الاستشراقي، وهي الدراسات التي لا تبتعد عن الموروث الحضاري العربي،وربما سنستطيع الوصول إلى طريقة لتصحيح نظرة الغرب عن الشرق،أو على الأقل،معرفة كيف يفكر الآخر الغربي بالأنا العربي،إذا ما فهمنا أولا كيف ننظر نحن(الأنا العربي)إلى (الآخر الغربي)،إن الانوية المرتفعة عند العرب،كانت ومازالت عقبة في طريق التفاهم الحضاري بين الشرق والغرب،وهذا لايعني بالضرورة تواضع الأنا الغربي.
إن الميل العربي إلى موضوع الهوية أو الذاتية امتد،بشكل ما في اختيار((قريب))أي في اختيار آخرية تداخلية،إن صح التعبير،على أن اقتران الذات بالآخر يشير إلى جدلية بينهما تناولتها الأدبيات المعروفة في العلوم الاجتماعية والنفسية،وبديهي فأن صورة الآخر ليست هي الآخر تماما،بل هي صورة في المخيال و الخطاب،الصورة ليست الواقع،حتى وان كان الصراع حولها من رهانات الواقع.ولأنها كذلك فهي اختراع،والانا التي لايوجد الآخر بدونها هو اختراع تاريخي،لاحق،لارتباطه باكتشاف الوعي بالذات (29).
على أن اختراع الآخر يرتبط عند البعض بسياق الاكتشافات الغربية وبما وفرته سطوة شروط الخطاب حول الاختلاف الثقافي،ولما كان الخطاب حول الآخر هو خطاب حول الاختلاف،فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضا،ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين،وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر(30).
ويصبح المعطى هو انه لا توجد علاقة بالآخر إلا على قاعدة غالب ومغلوب،ومن دون هذه القاعدة،يضمحل الآخر ويصبح عدما،مندمجا تمام الاندماج،بحيث يصبح الأنا،كل الحملات التي تخاض ضد الآخر ترمي إلى التشبه والتماثل،ولا يوجد آخر من دون الوعي بوجوده،فالعرب لم يصدموا بالآخر الغربي إلا بعد الحملة الفرنسية،ومذ ذاك خرجوا من سباتهم العثماني،فأعجبوا بهذا الآخر ثم تقارنوا به وقارعوه وقاتلوه(31).
إن صورة الآخر تحيل على الواقع الذي بنيت فيه:عندما كان المجتمع في قوته وكانت ثقافته في ندها لم يكن الآخر مشكلة،ولا((جحيما))،وعندما فقد المجتمع قوته ومناعته واهتزت ثقافته،فانكمشت،دفاعا عن الذات،أصبح الآخر المهدد لها عدوا لا ترى غيره،وإذا كانت هذه النظرة لا تجد صعوبة في إيجاد ما يفسرها أو يبررها،فأن الصعوبة كبيرة في أن تجد لها أصولا ونماذج في التراث الفكري العربي المتقدم،ومن هذه الوجهة،تحتاج الاخبار فيما خلا النصوص التاريخية حول بنية العقل العربي إلى إعادة نظر جدي،أن النموذجين المتباعدين زمنيا-وكذلك فكريا-وهذا أهم،ينتميان إلى هذا العقل في علاقته بالتاريخ،وهو مايعني-افتراضا-أن مجتمعا عربيا تكون له القوة والمناعة ويكون في التعدد،مع إمكانية التعبير الحر عنه،يمكن أن يفك حصار مخياله وأن يتسع،في ثقافته،مجال الآخرية لغير الغرب وبغير العدو(32).
و من هنا تختلف اليات رصد الصورة الفرنسية في المخيلة العربية (المصرية) اختلافا كبيرا، و قد استندت اوربا على الموروث النصي الذي خلفه الرحالة والمستشرقون بسنين طويلة سبقت الحملة على مصر، ولان العلاقة كانت الى فترة متأخرة قائمة على ما هو اسلامي و مسيحي، وان اوربا مثلت القوى التي حاربت الاسلام، وبالمقابل فان المشرق مثل عدوا للغرب، لهذا نجد ان الوعي الجمعي لكلا الفريقين ظهر في الكتابات الاوربية اكثر عمقا مما كان عليه في الشرق، ولا تعطي الكتابات العربية صورة واضحة عن الغرب، بسبب اثر الوعي الجمعي التراكمي الذي خلفه الموروث الديني على رفض كل ما هو مناقض للاسلام رفضا جماعيا، وان الغرب غالبا عدو يجب محاربته .
ورغم ذلك احتفظ العرب بصورة نمطية عن الغرب تمثلت بـ مصطلح (الفرنجة) واستعملوه بمعنيين، عام يشمل كل سكان اوربا خارج الدولة البيزنطية، ومعنى خاص على اغلب منطقة شمال الاندلس، ويظهر ان الكتّاب المسلمين، كانوا على دراية بمواطن الفرنجة(جزء من فرنسا حاليا) الذي اقاموا فيه، ثم اتسع نفذوهم مع اتساع الامبراطوريتين اللتين اقامهما الفرنجة (الميروفنجية والكارولنجية ) واستمرارها زهاء خمسة قرون (481-983م) لكن بقي موطنهم ومركزهم (فرنسا حاليا)، وعرف المسلمون في الشرق الفرنجة اكبر قوة سياسية مهيمنة على وسط و جنوب اوربا، لذا تم تعميم المصطلح على كل الاوربيين تقريبا عدا البيزنطيين، وهو تصوير واقعي كان يقر به حتى الاوربيون انفسهم، لذا عندما غزا الفرنجة بلاد الشام (490هـ/1099م) لم يكن من الصعب تمييزهم عن الاقوام الاوربية المعروفة مثل الروم والصقالبة والبلغار، لان عملية التمايز بين الاقوام جغرافيا ظاهرة موجودة في المصادر العربية - الاسلامية(33).
ومن هنا، لم تتعدى صورة الافرنج لدى المؤرخين المسلمين، تعريفا جغرافيا مناطقيا، لاسيما الجبرتي الذي كانت معرفته بالفرنسيين تستند على الموروث التاريخي الاسلامي، فكان كتابه عجائب الاثار زاخرا بمصطلح (الفرنجة، الافرنج)، وقد ورد المصطلح مئات المرات في مواطن مختلفة من كتابه في الفترة التي ارخ لها قبل الحملة الفرنسية، ويتضح من ذلك ان معرفته كانت تقتصر على ما قرأه من موروث تاريخي سابق (34).
لكن الصورة تبدأ بالتغير عند الجبرتي، فيظهر مصطلح الفرنساوية في الفترة القريبة لما قبل الحملة الفرنسية، لا سيما و هو يذكر ان والده (حسن الجبرتي) (35)،كان يدرس عنده طلاب فرنسيون جاءوا اليه سنة (1159هـ/1746م)، في نفس الفترة التي تميزت بالاهتمام الفرنسي بالحصول على المخطوطات العربية، فضلا عن النشاط المتزايد للاستشراق الفرنسي، فقد تأسست في فرنسا مدرسة فتيان اللغة ( L’Ecole Des Jeunes De Langues) والتي تخرج منها عدد من اكابر المترجمين الملمين باللغتين العربية و التركية في الفترة(1721-1761م)، وكانوا من الذين رافقوا حملة نابليون الى مصر (36).
كما يشار الى ان الجبرتي قد عرّف الفرنسيين بـ (طائفة الفرنسيس) بوصفهم جماعة تنتمي الى حيز مكاني و تاريخي و ديني، ولعل هذا المصطلح اكثر دقة، وبهذا يكون قد خصصهم بعد ان كانوا مفهوماً عاماً، وهذا ما يؤكد ان معرفة الجبرتي بالفرنسيين مرت بمراحل قبل ان يتعرف عليهم بصورة مباشرة، ومر المفهوم لديه بتعاقبية، حتى ولد ذلك لديه صدمة فكرية بعد ان قابلهم شخصيا، وكأنه كان ينتظرهم ليتعرف عليهم اكثر، وتميز الجبرتي -بعد ذلك- بحس الرصد المنظم للفرنسيين، ومهما يكن الحال لا يمكن توصيف صورة الفرنسيين بمخيلة الجبرتي قبل الحملة بشكل دقيق، اولا لقلة الشواهد التاريخية على ذلك، وثانيا وهذا هو الاهم، ان معرفته بهم كانت بمفهوم عام وليس خاص، بحكم الموروث النصي التاريخي الذي استندت اليه مخيلة الجبرتي (37).
وفيما يخص نظرة العرب للآخر-الغرب-،فان المسألة تأخذ أبعادا أخرى،فالشرق بوصفه حيزا فكريا وحضاريا،يتقاطع عمليا وفعليا مع الموروث الاستشراقي الغربي،باستثناء مسألة التنصيص التي قام بها الغرب الاستشراقي، وهي الدراسات التي لا تبتعد عن الموروث الحضاري العربي،وربما سنستطيع الوصول إلى طريقة لتصحيح نظرة الغرب عن الشرق،أو على الأقل،معرفة كيف يفكر الآخر الغربي بالأنا العربي،إذا ما فهمنا أولا كيف ننظر نحن(الأنا العربي)إلى (الآخر الغربي)،إن الانوية المرتفعة عند العرب،كانت ومازالت عقبة في طريق التفاهم الحضاري بين الشرق والغرب،وهذا لايعني بالضرورة تواضع الأنا الغربي.
إن الميل العربي إلى موضوع الهوية أو الذاتية امتد،بشكل ما في اختيار((قريب))أي في اختيار آخرية تداخلية،إن صح التعبير،على أن اقتران الذات بالآخر يشير إلى جدلية بينهما تناولتها الأدبيات المعروفة في العلوم الاجتماعية والنفسية،وبديهي فأن صورة الآخر ليست هي الآخر تماما،بل هي صورة في المخيال و الخطاب،الصورة ليست الواقع،حتى وان كان الصراع حولها من رهانات الواقع.ولأنها كذلك فهي اختراع،والانا التي لايوجد الآخر بدونها هو اختراع تاريخي،لاحق،لارتباطه باكتشاف الوعي بالذات (29).
على أن اختراع الآخر يرتبط عند البعض بسياق الاكتشافات الغربية وبما وفرته سطوة شروط الخطاب حول الاختلاف الثقافي،ولما كان الخطاب حول الآخر هو خطاب حول الاختلاف،فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضا،ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين،وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر(30).
ويصبح المعطى هو انه لا توجد علاقة بالآخر إلا على قاعدة غالب ومغلوب،ومن دون هذه القاعدة،يضمحل الآخر ويصبح عدما،مندمجا تمام الاندماج،بحيث يصبح الأنا،كل الحملات التي تخاض ضد الآخر ترمي إلى التشبه والتماثل،ولا يوجد آخر من دون الوعي بوجوده،فالعرب لم يصدموا بالآخر الغربي إلا بعد الحملة الفرنسية،ومذ ذاك خرجوا من سباتهم العثماني،فأعجبوا بهذا الآخر ثم تقارنوا به وقارعوه وقاتلوه(31).
إن صورة الآخر تحيل على الواقع الذي بنيت فيه:عندما كان المجتمع في قوته وكانت ثقافته في ندها لم يكن الآخر مشكلة،ولا((جحيما))،وعندما فقد المجتمع قوته ومناعته واهتزت ثقافته،فانكمشت،دفاعا عن الذات،أصبح الآخر المهدد لها عدوا لا ترى غيره،وإذا كانت هذه النظرة لا تجد صعوبة في إيجاد ما يفسرها أو يبررها،فأن الصعوبة كبيرة في أن تجد لها أصولا ونماذج في التراث الفكري العربي المتقدم،ومن هذه الوجهة،تحتاج الاخبار فيما خلا النصوص التاريخية حول بنية العقل العربي إلى إعادة نظر جدي،أن النموذجين المتباعدين زمنيا-وكذلك فكريا-وهذا أهم،ينتميان إلى هذا العقل في علاقته بالتاريخ،وهو مايعني-افتراضا-أن مجتمعا عربيا تكون له القوة والمناعة ويكون في التعدد،مع إمكانية التعبير الحر عنه،يمكن أن يفك حصار مخياله وأن يتسع،في ثقافته،مجال الآخرية لغير الغرب وبغير العدو(32).
و من هنا تختلف اليات رصد الصورة الفرنسية في المخيلة العربية (المصرية) اختلافا كبيرا، و قد استندت اوربا على الموروث النصي الذي خلفه الرحالة والمستشرقون بسنين طويلة سبقت الحملة على مصر، ولان العلاقة كانت الى فترة متأخرة قائمة على ما هو اسلامي و مسيحي، وان اوربا مثلت القوى التي حاربت الاسلام، وبالمقابل فان المشرق مثل عدوا للغرب، لهذا نجد ان الوعي الجمعي لكلا الفريقين ظهر في الكتابات الاوربية اكثر عمقا مما كان عليه في الشرق، ولا تعطي الكتابات العربية صورة واضحة عن الغرب، بسبب اثر الوعي الجمعي التراكمي الذي خلفه الموروث الديني على رفض كل ما هو مناقض للاسلام رفضا جماعيا، وان الغرب غالبا عدو يجب محاربته .
ورغم ذلك احتفظ العرب بصورة نمطية عن الغرب تمثلت بـ مصطلح (الفرنجة) واستعملوه بمعنيين، عام يشمل كل سكان اوربا خارج الدولة البيزنطية، ومعنى خاص على اغلب منطقة شمال الاندلس، ويظهر ان الكتّاب المسلمين، كانوا على دراية بمواطن الفرنجة(جزء من فرنسا حاليا) الذي اقاموا فيه، ثم اتسع نفذوهم مع اتساع الامبراطوريتين اللتين اقامهما الفرنجة (الميروفنجية والكارولنجية ) واستمرارها زهاء خمسة قرون (481-983م) لكن بقي موطنهم ومركزهم (فرنسا حاليا)، وعرف المسلمون في الشرق الفرنجة اكبر قوة سياسية مهيمنة على وسط و جنوب اوربا، لذا تم تعميم المصطلح على كل الاوربيين تقريبا عدا البيزنطيين، وهو تصوير واقعي كان يقر به حتى الاوربيون انفسهم، لذا عندما غزا الفرنجة بلاد الشام (490هـ/1099م) لم يكن من الصعب تمييزهم عن الاقوام الاوربية المعروفة مثل الروم والصقالبة والبلغار، لان عملية التمايز بين الاقوام جغرافيا ظاهرة موجودة في المصادر العربية - الاسلامية(33).
ومن هنا، لم تتعدى صورة الافرنج لدى المؤرخين المسلمين، تعريفا جغرافيا مناطقيا، لاسيما الجبرتي الذي كانت معرفته بالفرنسيين تستند على الموروث التاريخي الاسلامي، فكان كتابه عجائب الاثار زاخرا بمصطلح (الفرنجة، الافرنج)، وقد ورد المصطلح مئات المرات في مواطن مختلفة من كتابه في الفترة التي ارخ لها قبل الحملة الفرنسية، ويتضح من ذلك ان معرفته كانت تقتصر على ما قرأه من موروث تاريخي سابق (34).
لكن الصورة تبدأ بالتغير عند الجبرتي، فيظهر مصطلح الفرنساوية في الفترة القريبة لما قبل الحملة الفرنسية، لا سيما و هو يذكر ان والده (حسن الجبرتي) (35)،كان يدرس عنده طلاب فرنسيون جاءوا اليه سنة (1159هـ/1746م)، في نفس الفترة التي تميزت بالاهتمام الفرنسي بالحصول على المخطوطات العربية، فضلا عن النشاط المتزايد للاستشراق الفرنسي، فقد تأسست في فرنسا مدرسة فتيان اللغة ( L’Ecole Des Jeunes De Langues) والتي تخرج منها عدد من اكابر المترجمين الملمين باللغتين العربية و التركية في الفترة(1721-1761م)، وكانوا من الذين رافقوا حملة نابليون الى مصر (36).
كما يشار الى ان الجبرتي قد عرّف الفرنسيين بـ (طائفة الفرنسيس) بوصفهم جماعة تنتمي الى حيز مكاني و تاريخي و ديني، ولعل هذا المصطلح اكثر دقة، وبهذا يكون قد خصصهم بعد ان كانوا مفهوماً عاماً، وهذا ما يؤكد ان معرفة الجبرتي بالفرنسيين مرت بمراحل قبل ان يتعرف عليهم بصورة مباشرة، ومر المفهوم لديه بتعاقبية، حتى ولد ذلك لديه صدمة فكرية بعد ان قابلهم شخصيا، وكأنه كان ينتظرهم ليتعرف عليهم اكثر، وتميز الجبرتي -بعد ذلك- بحس الرصد المنظم للفرنسيين، ومهما يكن الحال لا يمكن توصيف صورة الفرنسيين بمخيلة الجبرتي قبل الحملة بشكل دقيق، اولا لقلة الشواهد التاريخية على ذلك، وثانيا وهذا هو الاهم، ان معرفته بهم كانت بمفهوم عام وليس خاص، بحكم الموروث النصي التاريخي الذي استندت اليه مخيلة الجبرتي (37).
صفحة 9
و هكذا فان الصورة لم تكتمل عند الجبرتي حتى مجيء الفرنسيين، او لنقل حتى بدء حكم محمد علي، اذ بدأ حينها بمزج التصورات و اخراجها بصيغتها النهائية، فإشاراته إلى عدالة الفرنسيين قد غطت المرحلة الاخيرة من حياته، ويثير اشكالية كبيرة وهي (صيغة الحكم العادل)، وهل يجب ان يقترن الدين بذلك ليكون عدلا، فهؤلاء الفرنسيين يحكمون العقل والحرية ولا يتدينون بدين، مقارنة بالحكم العثماني-الاسلامي الذي ارتبط بالظلم و الاضطهاد و ارتبط معهما بالتخلف(38).
و هنا حاول الجبرتي أن يتعرف على النظام الفرنسي من خلال رؤيته - الدينية،الاجتماعية، السياسية - الثاقبة وترقبه للأحداث،فقد وضع نفسه في إطار(الاستغراب)،محاولا ذلك من خلال التسامي على الذات والتغاضي عما يفعله المحتل الفرنسي لاكتشافه،والفرق بين الجبرتي والمستشرقين هو أن الآخر الغربي قد جاء إلى الأنا العربي،وهذه ميزة لم تكن لتتوفر للمستشرقين،وهذه بالنسبة لمؤرخ مثل الجبرتي من الصعوبة بمكان انه استطاع أن يكتنه الفرنسيين خارج الإطار العسكري الذي تمثل به الفرنسيون.وبهذا يكون قد مرّ بصراع عنيف من نوعه قبل ان يخرج الفرنسيين وتندمج افعالهم بمخيلته، وهذا ما اضاف ذلك الى الصراع عنصرا جديدا، جعله في حركة دائمة من التساؤل والبحث عن العقل و الحرية، قوام الحكم العادل لدى الجبرتي، وظل ينشد ذلك حتى اغتاله محمد علي في عام 1821 (39).
وهذا التغير الموضوعي في نظرة و موقف الجبرتي هو نتيجة لازمة نفسية اصابت المؤرخ وهي نتيجة للصدمة في مواجهة الثقافة التي مثلها نابليون في مصر، واظهرت بالتالي الجبرتي كؤرخ ناضج.
أنأ
الفصل الاول
مصادر الجبرتي عن الحملة الفرنسية (1798-1801)
" دراسة نقدية في معرفة المؤرخ "
في هذا الفصل من الدراسة، نبحث في الجذور و الخلفيات الفكرية والاجتماعية للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م ) ؛ لفهم شخصيته من حيث هو مؤرخ و رجل دين و مواطن مصري، و من ثم بيئته التي عاشها، من خلال ثلاث محاور، الاول : والده حسن الجبرتي الذي ترك اكبر الاثر، وأسلوب حياته، وثمة جانب اخر -وهو الأهم الاشارة بالبحث في مؤلفاته وتاريخ الكتابة وبواعثها، لان ادراك تاريخ الكتابة عنده ؛ يوضح شخصيته وآرائه، حين نعرف لمن كتب، وكيف كتب و متى كتب، وبالضرورة سنثبت شهاداته ومصادرها وطرائق تجميعها، وبالتالي فان ذلك سيعطي عن الجبرتي صورة ذات ملامح واضحة وأبعاد دقيقة.
ان الكتابات عن الجبرتي بلغت الكثير على مستوى المؤرخين المصريين و الاوربيين، لكن ما نبحث فيه في هذه الدراسة، هو ليس العودة من حيث بدأوا، بل سنبدأ من حيث انتهوا، وهي اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصدية(40) الجبرتي في الكتابة، لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في تاريخ الكتابة في مصر في القرن الثامن عشر.
أنأ
و هنا حاول الجبرتي أن يتعرف على النظام الفرنسي من خلال رؤيته - الدينية،الاجتماعية، السياسية - الثاقبة وترقبه للأحداث،فقد وضع نفسه في إطار(الاستغراب)،محاولا ذلك من خلال التسامي على الذات والتغاضي عما يفعله المحتل الفرنسي لاكتشافه،والفرق بين الجبرتي والمستشرقين هو أن الآخر الغربي قد جاء إلى الأنا العربي،وهذه ميزة لم تكن لتتوفر للمستشرقين،وهذه بالنسبة لمؤرخ مثل الجبرتي من الصعوبة بمكان انه استطاع أن يكتنه الفرنسيين خارج الإطار العسكري الذي تمثل به الفرنسيون.وبهذا يكون قد مرّ بصراع عنيف من نوعه قبل ان يخرج الفرنسيين وتندمج افعالهم بمخيلته، وهذا ما اضاف ذلك الى الصراع عنصرا جديدا، جعله في حركة دائمة من التساؤل والبحث عن العقل و الحرية، قوام الحكم العادل لدى الجبرتي، وظل ينشد ذلك حتى اغتاله محمد علي في عام 1821 (39).
وهذا التغير الموضوعي في نظرة و موقف الجبرتي هو نتيجة لازمة نفسية اصابت المؤرخ وهي نتيجة للصدمة في مواجهة الثقافة التي مثلها نابليون في مصر، واظهرت بالتالي الجبرتي كؤرخ ناضج.
أنأ
الفصل الاول
مصادر الجبرتي عن الحملة الفرنسية (1798-1801)
" دراسة نقدية في معرفة المؤرخ "
في هذا الفصل من الدراسة، نبحث في الجذور و الخلفيات الفكرية والاجتماعية للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م ) ؛ لفهم شخصيته من حيث هو مؤرخ و رجل دين و مواطن مصري، و من ثم بيئته التي عاشها، من خلال ثلاث محاور، الاول : والده حسن الجبرتي الذي ترك اكبر الاثر، وأسلوب حياته، وثمة جانب اخر -وهو الأهم الاشارة بالبحث في مؤلفاته وتاريخ الكتابة وبواعثها، لان ادراك تاريخ الكتابة عنده ؛ يوضح شخصيته وآرائه، حين نعرف لمن كتب، وكيف كتب و متى كتب، وبالضرورة سنثبت شهاداته ومصادرها وطرائق تجميعها، وبالتالي فان ذلك سيعطي عن الجبرتي صورة ذات ملامح واضحة وأبعاد دقيقة.
ان الكتابات عن الجبرتي بلغت الكثير على مستوى المؤرخين المصريين و الاوربيين، لكن ما نبحث فيه في هذه الدراسة، هو ليس العودة من حيث بدأوا، بل سنبدأ من حيث انتهوا، وهي اليات البحث عند الجبرتي، ورؤيته للحدث، و قصدية(40) الجبرتي في الكتابة، لان الجبرتي اعتبر نقطة تحول في تاريخ الكتابة في مصر في القرن الثامن عشر.
أنأ
صفحة 10
المبحث الاول
عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م )
"دراسة نقدية في تكوينه المعرفي"
ان عملية فهم كينونة الجبرتي المعرفية، تنطلق من فهم و استيعاب شخصية والده الذي ترك اكير الاثر في تكوين شخصيته، اذ يمثل والده حلقة الوصل مع اسلاف الجبرتي،وهو المفتاح الذي جعل الجبرتـي مؤرخــا(41)،لاسيما وان الجبرتي يصف اباه بأنه"عمدة الانام و فيلسوف الاسلام"(42)، وربما تكون هذه مبالغة كبيرة من الجبرتي، لكن ما تركه الجبرتي من صفحات طويلة في ادراج المعارف التي كان يتقنها حسن الجبرتي، تجعل الامر مقبولا الى حد ما، فحسن الجبرتي لم يكن مجرد عالم فلكي، بل هو فقيه له سلسلة طويلة من الشيوخ ممن اخذ عنهم العلم، فضلا عن سلسلة من التلاميذ، وعلاقات جد كثيرة و متشعبة، وثمة علاقات متأصلة داخلية و خارجية، وليس ثمة علاقات اقل مما كانت عليه مع المماليك، خاصة منهم علي بك الكبير (1755-1774 م )، مما حدا به ان يكون عالما ذا سلطة و نفوذ و ثروة(43).
ينحدر حسن الجبرتي الذي ولد في (1110 هـ /1698م ) من اصول حبشية وتحديدا اقليم الجبرت في الحبشة (44)، حيث تركها جدهم السابع عبد الرحمن الجبرتي متجها الى مكة المكرمة، ثم انتقل الى القاهرة، فاستقر فيها وانظم الى الجامع الازهر، وأسس فيه رواق الجبرتية (45)،في (1 محرم 901هـ/1495م) (46)،وتزوج و انجب ولدا ورثه على الرواق، وتمتعت عائلة الجبرتي بشجرة مصاهرات كثيرة ومتشعبة مع عوائل ذات شأن سياسي وديني، وكانت في الغالب تابعة لسلطة المماليك(47). بالتالي تحولت جميع الاملاك و الاوقاف التي خلفها الجبرتية الى حسن الجبرتي و اصبح المالك الوحيد دون منازع على تلك الاموال و الثروات الطائلة (48).
ويبدو جليا ان الجد السابع لعائلة الجبرتي حين دخل مصر، والذي تنتهي معرفة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي به (49)، كان حريصا على ان يصاهر عوائل ذات شأو ليضمن لنفسه منزلة اجتماعية مرموقة، لاسيما وانه اصبح شيخا على رواق الجبرتية، فكانت تلك المصاهرة هي الخطوة الجدية في دخول عائلة الجبرتي الى طبقة النخبة، وتطورت العائلة لاحقا في سلمها الاجتماعي لتتخذ شكلا اكثر قوة و نفوذا بعد المصاهرات مع عوائل تابعة لسلطة المماليك (50).
و ذلك يعني ان حسن الجبرتي قد عاش في بيئة اجتماعية انعكست فيها السلطتين الدينية و الدنيوية، مما جعل سلطة المعرفة ذات اثر اكبر، و امكن لحسن الجبرتي ان يوفر لنفسه مجالا حيويا قادرا على ان يعطيه قدرة على الفعل في المجتمع، مما انعكس بدوره ان يكون متعدد المواهب والصفات، قادرا على ان يتمتع برغد العيش دون الحاجة الى العمل الشاق الذي كان يمارسه معظم المصريين انذاك، وان يكون من نخبة النخبة (51).
واستطاع حسن الجبرتي ان يدخل في مجال رجال الدولة الذين كانت لهم كلمة ذات اثر بين العلماء وأرباب السلطة من كبار رجال الدولة، لدرجة وصل فيها اهتمامه انه لم يعرف احتياجات اهله وبيته الا بعد موت جدته (52)،و كان يتنقل بين البيوت و المساكن التي ورثها، ويمضي فيها اياما تبعا لحالته النفسية والمزاجية، هذا فضلا عن انه اشتغل بالتجارة، وعمل في السلطة بعد ان تزوج من بنت الامير المملوكي علي اغا باش متفرقة الذي كان يحكم قلاع الطور(53) و السويس(54) و المويلح(55) بالطوري، وبعد موته تقلد حسن الجبرتي منصبه فترة من الزمن، ثم تزوج من بيت مجد وثروة في بولاق، ولهم املاك وعقارات واوقاف، وقد كان حسن الجبرتي مولعا بالنساء، فقد تزوج كثيرا وكانت زوجته تقدم له الكثير من الجواري، ولعل ذلك عائد الى مدى الرفاهية التي كان يعيشها، او لعل زوجته كانت تخشاه كثيرا فتحصل على رضاه بتقديم الجواري له (56).
وذكر المستشرق الفرنسي بريس دافين ان حسن الجبرتي كان يملك الكثير من السراري و الجواري، حتى ان زوجته كان تقدم له عدد من الجواري كتعبير منها على احترامه، و يؤكد ذلك عبد الرحمن الجبرتي ويقول ان والده كانت له ثلاثة مساكن احدها بالقرب من الازهر، والاخر في الابزازية بشاطيء النيل، ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه، وفي كل منزل زوجة و جواري وخدم، فكان يتنقل مع اصحابه وتلامذته، وكان يقتني المماليك و العبيد و الجواري البيض و الحبوش و السود، ومات له من الاولاد ما يقارب الاربعون، ذكورا واناثا ماتوا كلهم دون البلوغ، ولم يعش منهم سوى عبد الرحمن الجبرتي (57).
وطبقا لم ذكرنا، يتبين لنا مدى الرفاهية التي عاشتها طبقة العلماء في مصر، اذ تمتعوا بمكانة اجتماعية تعدت مكانة رجال السلطة، ويدعمهم في ذلك العلاقات مع السلطة التي حرصوا على توطيدها، ليضمنوا بذلك ثبات مكانتهم و تطويرها، ولم يكن هذا الامر من الغرابة بمكان، فثمة مجتمع قائم على مكانة متميزة للعلماء في نفوس عامة المجتمع، ونتيجة لذلك سعت السلطة الى كسب مودة العلماء، خاصة وانهم ظلوا المنبر الدعائي الاول والاخير في المجتمع، كما ان نمو وتزايد عدد العائلات الارستقراطية العلمية داخل المجتمع القاهري ؛ أدى الى تزايد و تراكم الثروة و المكانة الاجتماعية للعديد من العائلات العلمية خاصة في ظل عدم مصادرة السلطة لثرواتهم، فقد كان العلماء محصنين ضد مصادرة اموالهم، مما ادى الى تأسيس طبقة نخبوية ارستقراطية ليس فقط في المجتمع المصري، بل ايضا طبقة داخل طبقة العلماء مثل عائلة الجبرتي(58).
ان ذلك يدفعنا الى الاعتقاد بان عائلة الجبرتي قد حرصت على تنمية الثروة من خلال المصاهرة مع العائلات المشهورة بالمجد والثروة، وكانت هذه المصاهرات منذ جدهم السابع الذي دخل مصر، وبلغ الامر ان عقد زواج احد اسلافه قد "حرر وسطر بالذهب و عليه لوحة مموهة بالذهب" (59)، مما يعني ان هذا الحرص كان احد الاسس التي استندت عليها العائلة في تكوين ثروتها والشهرة، لدعم مكانتهم الاجتماعية وتطويرها وربطها بالسلطة، ويرى الباحث ان ثمة نسبة كبيرة تتحملها طبقة العلماء في تكون الطبقات الاجتماعية، و ازدياد الطبقات بطردية، فيزداد الفقير فقرا، ويزداد الغني غنى، اذ دعم ذلك الحرص من العلماء على الحصول على مكانة مرفهة الى ان يتمتع من هم دونهم بالضرورة بتزايد نمو ثرواتهم، لان العلماء يعطون المبرر في ذلك، لاسيما رجال السلطة وعلمائها (60).
اما عن العلاقات التي كونها حسن الجبرتي، فقد ارتبط بقوة مع المماليك، فضلا عن قوة علاقته بأقرانه من العلماء، وكانت له عنده حظوة و مكانة كبيرة، حتى ان بعضهم وصفه انه صاحب اسرار لشخصيته القوية التي فرض بها احترامه على الاخرين (61)،وربطته علاقة مع الوالي العثماني احمد باشا (1749-1751 م )، وبلغ الامر ان الاخير لما طلب من حسن الجبرتي الحضور الى مجلسه وامر احدهم بتبليغه، قيل له يجب ان ترسل له مكاتبة بذلك لمكانته العالية، وكان يلتقي به يومين في الاسبوع (62)، ويبدو ان حسن الجبرتي لم يكن مجرد فقيه، فقد حفظ سمعة مصر كمركز للعلم في نظر الوالي احمد باشا،كما كانت لحسن الجبرتي مراسلات مع السلطان العثماني مصطفى الثالث (1757-1773 م ) (63)، الذي كان له اهتمام خاص في الرياضيات و التنجيم، و ارسل له كتبا من خزانته الخاصة (64)، فضلا عن علاقاته مع كبار رجال الدول في اسطنبول، و ارسل له حكام تونس و الجزائر كتبا من مكتباتهم الخاصة(65) .
و لم تكن علاقته مع المماليك بأقل منها مع العثمانيين، فاعتبر شخصا ذا حظوة لدى العثمانيين، عندما قرر علي بك الكبير(66) تقديم شكوى ضد حاكم سوريا عثمان بك العظم، واستخدام الشكوى كذريعة للهجوم على سوريا، فطلب من حسن الجبرتي ان يحرر رسالة و يرفعها الى الباب العالي لتأييده، لاعتقاده ان حسن الجبرتي سيلقى القبول لدى العثمانيين(67)، فاختار حسن الجبرتي اثنين من اصحابه و هم عبد الرحمن العريشي شيخ رواق الشوام في الازهر، ومحمد افندي البردلي (68).
كما ربطته علاقة متينة مع عثمان بك ذو الفقار المملوكي (1729-1776 م )، ورافقه الى مكة ثلاث مرات، وكتب له رسالة عن مناسك الحج، وقرأ عليه عدد من المصنفات منها مقامات الحريري(69)، وبلغت شهرة حسن الجبرتي ابعد من ذلك، فكان له طلاب اصبح قسم منهم علماء مشهورين، كما درس عنده عدد من الفرنسيين في عام 1746 م، وربما كانت معرفة عبد الرحمن الجبرتي بالفرنسيين بدأت منهم، و ربما كانوا من المستشرقين الذين رافقوا حملة نابليون، او انهم ارسلوا لجمع الاخبار عن مصر كجزء من التخطيط المسبق للحملةالفرنسية(70)، كما ان علاقاته تعدت الى اقاربه، فقد كان اثنين من ابناء خاله جلساء لعثمان بك ذو الفقار(71) .
عبد الرحمن الجبرتي (1754-1825 م )
"دراسة نقدية في تكوينه المعرفي"
ان عملية فهم كينونة الجبرتي المعرفية، تنطلق من فهم و استيعاب شخصية والده الذي ترك اكير الاثر في تكوين شخصيته، اذ يمثل والده حلقة الوصل مع اسلاف الجبرتي،وهو المفتاح الذي جعل الجبرتـي مؤرخــا(41)،لاسيما وان الجبرتي يصف اباه بأنه"عمدة الانام و فيلسوف الاسلام"(42)، وربما تكون هذه مبالغة كبيرة من الجبرتي، لكن ما تركه الجبرتي من صفحات طويلة في ادراج المعارف التي كان يتقنها حسن الجبرتي، تجعل الامر مقبولا الى حد ما، فحسن الجبرتي لم يكن مجرد عالم فلكي، بل هو فقيه له سلسلة طويلة من الشيوخ ممن اخذ عنهم العلم، فضلا عن سلسلة من التلاميذ، وعلاقات جد كثيرة و متشعبة، وثمة علاقات متأصلة داخلية و خارجية، وليس ثمة علاقات اقل مما كانت عليه مع المماليك، خاصة منهم علي بك الكبير (1755-1774 م )، مما حدا به ان يكون عالما ذا سلطة و نفوذ و ثروة(43).
ينحدر حسن الجبرتي الذي ولد في (1110 هـ /1698م ) من اصول حبشية وتحديدا اقليم الجبرت في الحبشة (44)، حيث تركها جدهم السابع عبد الرحمن الجبرتي متجها الى مكة المكرمة، ثم انتقل الى القاهرة، فاستقر فيها وانظم الى الجامع الازهر، وأسس فيه رواق الجبرتية (45)،في (1 محرم 901هـ/1495م) (46)،وتزوج و انجب ولدا ورثه على الرواق، وتمتعت عائلة الجبرتي بشجرة مصاهرات كثيرة ومتشعبة مع عوائل ذات شأن سياسي وديني، وكانت في الغالب تابعة لسلطة المماليك(47). بالتالي تحولت جميع الاملاك و الاوقاف التي خلفها الجبرتية الى حسن الجبرتي و اصبح المالك الوحيد دون منازع على تلك الاموال و الثروات الطائلة (48).
ويبدو جليا ان الجد السابع لعائلة الجبرتي حين دخل مصر، والذي تنتهي معرفة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي به (49)، كان حريصا على ان يصاهر عوائل ذات شأو ليضمن لنفسه منزلة اجتماعية مرموقة، لاسيما وانه اصبح شيخا على رواق الجبرتية، فكانت تلك المصاهرة هي الخطوة الجدية في دخول عائلة الجبرتي الى طبقة النخبة، وتطورت العائلة لاحقا في سلمها الاجتماعي لتتخذ شكلا اكثر قوة و نفوذا بعد المصاهرات مع عوائل تابعة لسلطة المماليك (50).
و ذلك يعني ان حسن الجبرتي قد عاش في بيئة اجتماعية انعكست فيها السلطتين الدينية و الدنيوية، مما جعل سلطة المعرفة ذات اثر اكبر، و امكن لحسن الجبرتي ان يوفر لنفسه مجالا حيويا قادرا على ان يعطيه قدرة على الفعل في المجتمع، مما انعكس بدوره ان يكون متعدد المواهب والصفات، قادرا على ان يتمتع برغد العيش دون الحاجة الى العمل الشاق الذي كان يمارسه معظم المصريين انذاك، وان يكون من نخبة النخبة (51).
واستطاع حسن الجبرتي ان يدخل في مجال رجال الدولة الذين كانت لهم كلمة ذات اثر بين العلماء وأرباب السلطة من كبار رجال الدولة، لدرجة وصل فيها اهتمامه انه لم يعرف احتياجات اهله وبيته الا بعد موت جدته (52)،و كان يتنقل بين البيوت و المساكن التي ورثها، ويمضي فيها اياما تبعا لحالته النفسية والمزاجية، هذا فضلا عن انه اشتغل بالتجارة، وعمل في السلطة بعد ان تزوج من بنت الامير المملوكي علي اغا باش متفرقة الذي كان يحكم قلاع الطور(53) و السويس(54) و المويلح(55) بالطوري، وبعد موته تقلد حسن الجبرتي منصبه فترة من الزمن، ثم تزوج من بيت مجد وثروة في بولاق، ولهم املاك وعقارات واوقاف، وقد كان حسن الجبرتي مولعا بالنساء، فقد تزوج كثيرا وكانت زوجته تقدم له الكثير من الجواري، ولعل ذلك عائد الى مدى الرفاهية التي كان يعيشها، او لعل زوجته كانت تخشاه كثيرا فتحصل على رضاه بتقديم الجواري له (56).
وذكر المستشرق الفرنسي بريس دافين ان حسن الجبرتي كان يملك الكثير من السراري و الجواري، حتى ان زوجته كان تقدم له عدد من الجواري كتعبير منها على احترامه، و يؤكد ذلك عبد الرحمن الجبرتي ويقول ان والده كانت له ثلاثة مساكن احدها بالقرب من الازهر، والاخر في الابزازية بشاطيء النيل، ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه، وفي كل منزل زوجة و جواري وخدم، فكان يتنقل مع اصحابه وتلامذته، وكان يقتني المماليك و العبيد و الجواري البيض و الحبوش و السود، ومات له من الاولاد ما يقارب الاربعون، ذكورا واناثا ماتوا كلهم دون البلوغ، ولم يعش منهم سوى عبد الرحمن الجبرتي (57).
وطبقا لم ذكرنا، يتبين لنا مدى الرفاهية التي عاشتها طبقة العلماء في مصر، اذ تمتعوا بمكانة اجتماعية تعدت مكانة رجال السلطة، ويدعمهم في ذلك العلاقات مع السلطة التي حرصوا على توطيدها، ليضمنوا بذلك ثبات مكانتهم و تطويرها، ولم يكن هذا الامر من الغرابة بمكان، فثمة مجتمع قائم على مكانة متميزة للعلماء في نفوس عامة المجتمع، ونتيجة لذلك سعت السلطة الى كسب مودة العلماء، خاصة وانهم ظلوا المنبر الدعائي الاول والاخير في المجتمع، كما ان نمو وتزايد عدد العائلات الارستقراطية العلمية داخل المجتمع القاهري ؛ أدى الى تزايد و تراكم الثروة و المكانة الاجتماعية للعديد من العائلات العلمية خاصة في ظل عدم مصادرة السلطة لثرواتهم، فقد كان العلماء محصنين ضد مصادرة اموالهم، مما ادى الى تأسيس طبقة نخبوية ارستقراطية ليس فقط في المجتمع المصري، بل ايضا طبقة داخل طبقة العلماء مثل عائلة الجبرتي(58).
ان ذلك يدفعنا الى الاعتقاد بان عائلة الجبرتي قد حرصت على تنمية الثروة من خلال المصاهرة مع العائلات المشهورة بالمجد والثروة، وكانت هذه المصاهرات منذ جدهم السابع الذي دخل مصر، وبلغ الامر ان عقد زواج احد اسلافه قد "حرر وسطر بالذهب و عليه لوحة مموهة بالذهب" (59)، مما يعني ان هذا الحرص كان احد الاسس التي استندت عليها العائلة في تكوين ثروتها والشهرة، لدعم مكانتهم الاجتماعية وتطويرها وربطها بالسلطة، ويرى الباحث ان ثمة نسبة كبيرة تتحملها طبقة العلماء في تكون الطبقات الاجتماعية، و ازدياد الطبقات بطردية، فيزداد الفقير فقرا، ويزداد الغني غنى، اذ دعم ذلك الحرص من العلماء على الحصول على مكانة مرفهة الى ان يتمتع من هم دونهم بالضرورة بتزايد نمو ثرواتهم، لان العلماء يعطون المبرر في ذلك، لاسيما رجال السلطة وعلمائها (60).
اما عن العلاقات التي كونها حسن الجبرتي، فقد ارتبط بقوة مع المماليك، فضلا عن قوة علاقته بأقرانه من العلماء، وكانت له عنده حظوة و مكانة كبيرة، حتى ان بعضهم وصفه انه صاحب اسرار لشخصيته القوية التي فرض بها احترامه على الاخرين (61)،وربطته علاقة مع الوالي العثماني احمد باشا (1749-1751 م )، وبلغ الامر ان الاخير لما طلب من حسن الجبرتي الحضور الى مجلسه وامر احدهم بتبليغه، قيل له يجب ان ترسل له مكاتبة بذلك لمكانته العالية، وكان يلتقي به يومين في الاسبوع (62)، ويبدو ان حسن الجبرتي لم يكن مجرد فقيه، فقد حفظ سمعة مصر كمركز للعلم في نظر الوالي احمد باشا،كما كانت لحسن الجبرتي مراسلات مع السلطان العثماني مصطفى الثالث (1757-1773 م ) (63)، الذي كان له اهتمام خاص في الرياضيات و التنجيم، و ارسل له كتبا من خزانته الخاصة (64)، فضلا عن علاقاته مع كبار رجال الدول في اسطنبول، و ارسل له حكام تونس و الجزائر كتبا من مكتباتهم الخاصة(65) .
و لم تكن علاقته مع المماليك بأقل منها مع العثمانيين، فاعتبر شخصا ذا حظوة لدى العثمانيين، عندما قرر علي بك الكبير(66) تقديم شكوى ضد حاكم سوريا عثمان بك العظم، واستخدام الشكوى كذريعة للهجوم على سوريا، فطلب من حسن الجبرتي ان يحرر رسالة و يرفعها الى الباب العالي لتأييده، لاعتقاده ان حسن الجبرتي سيلقى القبول لدى العثمانيين(67)، فاختار حسن الجبرتي اثنين من اصحابه و هم عبد الرحمن العريشي شيخ رواق الشوام في الازهر، ومحمد افندي البردلي (68).
كما ربطته علاقة متينة مع عثمان بك ذو الفقار المملوكي (1729-1776 م )، ورافقه الى مكة ثلاث مرات، وكتب له رسالة عن مناسك الحج، وقرأ عليه عدد من المصنفات منها مقامات الحريري(69)، وبلغت شهرة حسن الجبرتي ابعد من ذلك، فكان له طلاب اصبح قسم منهم علماء مشهورين، كما درس عنده عدد من الفرنسيين في عام 1746 م، وربما كانت معرفة عبد الرحمن الجبرتي بالفرنسيين بدأت منهم، و ربما كانوا من المستشرقين الذين رافقوا حملة نابليون، او انهم ارسلوا لجمع الاخبار عن مصر كجزء من التخطيط المسبق للحملةالفرنسية(70)، كما ان علاقاته تعدت الى اقاربه، فقد كان اثنين من ابناء خاله جلساء لعثمان بك ذو الفقار(71) .